Menu
مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية - برنامج مدارك

الدين المعاملة

د. طه جابر العلواني

الدين المعاملة، تعبير شائع يتداوله خاصة الناس وعامتهم‏،‏ فحين يُقال فلان متدين‏،‏ كثيرًا ما ينبري أحدهم ليقول الدين المعاملة كأنَّه يُشير إلى عدم إخلاصه في ذلك الدين‏،‏ وهذا أمر صحيح‏،‏ تؤيِّده دلائل كثيرة‏؛‏ وليتضح الأمر، فإنَّنا نودُّ الإشارة باختصار إلي مفهوم الدين ومفهوم المعاملة‏.

أمَّا الدين فقد وردت له معانٍ عديدة في القرآن، من أهمها معانٍ خمسة‏،‏ الأول‏:‏ الدين‏:‏ يعني‏:‏ التوحيد‏،‏ كقوله في آل عمران‏:‏ ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ (آل عمران:19)، والثاني‏:‏ الدين‏،‏ يعني‏:‏ الحساب‏،‏ كقوله تعالى في فاتحة الكتاب‏:‏ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ (الفاتحة:4)‏،‏ الثالث‏:‏ الدين‏،‏ يعني‏:‏ الذي يدين الله به العباد‏،‏ فذلك قوله عزَّ وجلَّ:‏ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ (التوبة:33)‏،‏ الرابع‏:‏ الدين‏،‏ يعني‏:‏ الملة‏،‏ كقوله‏:‏ ﴿ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (النحل:123)‏،‏ الخامس‏:‏ الدين يعني‏:‏ الحكم‏،‏ كقوله: ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ (يوسف:76) يعني‏:‏ حكم الملك وقضائه‏.‏ والمراد بالمعاملات الأحكام الشرعية المتعلقة بالأمور الدنيوية المتعلقة بتبادل المنافع والطيبات بين الناس‏،‏ كالبيع والشراء والرهن و‏…‏ إلخ‏.‏

ولا نقصد أنَّ الدين كله ينحصر في المعاملات الحسنة‏،‏ وأنَّ الإنسان إذا كان حسن المعاملة مستقيمًا فيها فلا داعي لأن يصلِّي أو يصوم‏،‏ لا، بل نقصد أنَّ تمام الدين وكماله وتأثره‏، يقوم على الإنسان بصورة عامة‏،‏ فمن حسنت معاملته مع الناس فذلك دليل على حسن دينه‏، واستقامته‏،‏ وحرصه على إرضاء ربه‏.‏ أما المعاملة بمفهومها العام فيحكمها مبدآن أساسيان‏:‏ أولهما‏:‏ عامل الناس بما تحب أن يعاملوك‏.‏ وثانيهما‏:‏ خالق الناس بخلق حسن‏.‏ وقد خُصصت كتب الفقه للمعاملات بمفهومها الخاص، كتاب المعاملات، حيث يبحثون فيه فقه البيع والشراء والشركات‏…‏ إلخ‏.‏ فالمعاملة التي تظللها خشية الله‏،‏ وترسم معالمها قيم الدين‏،‏ تجعل صاحبها بعيدًا عن الجشع والطمع‏،‏ والرغبة في إنفاق السلعة بالأيمان والمبالغة في بيان مزاياها‏.‏

والمعاملة التي يقوم بها ذو الدين لا تتقبل تجاوز السماحة‏،‏ فصاحب الدين سمح إذا باع‏،‏ سمح إذا اشترى‏،‏ سمح إذا اقتضى،‏ حين يأتي المشتري إليه لا ينظر إليه على أنَّه مجرد فرصة يغتنمها للحصول على أكثر ربح ممكن‏،‏ بل إنَّه أخ ينبغي أن يُعان‏،‏ وأنَّ من هو الآن مشترٍ لسلعة‏‏ سيكون بائعًا بعد قليل لسلعة أخرى يحتاجها البائع الحالي‏،‏ وحين تسود في المجتمع أخلاق السماحة‏‏ ومبدأ «أحب لأخيك ما تحب لنفسك» فإنَّ التعامل بين الناس لن يكون فيه مغالاة‏،‏ ولا رغبة في الاستغلال والغش لتحقيق الربح على حساب الآخرين‏.‏

كيف يعيش الإنسان سعيدًا وهو يرى أنَّ رفاهيته قامت على فقر غيره‏،‏ وأنَّ سعادته بنيت على شقاء الآخرين؟ كيف يهنأ بعيشٍ مَنْ غشَّ في طعام أو شراب أو دواء؟ كيف ينظر إلى زوجه وأبنائه حين يعلم أنَّ أرباحه دخل فيها الحرام؟‏!‏ لا شك أنَّ مَنْ يفعل ذلك عامدًا لا يعمر الإيمان قلبه‏،‏ لأنَّ قلبه قد احتله شيطان الجشع‏،‏ ولا يمكن أن يكون لديه انتماء لمجتمعه‏،‏ بل إنَّه يعبد المال ويتشبث بفرديته وأنانيته‏،‏ وهذا النوع وإن عاش بين الناس -في الظاهر- لكنَّه في حقيقة الأمر يعيش حالة اغتراب‏، إنَّه مريض في حاجة إلى علاج‏،‏ ولا يُعالجه شيء مثل ما تعالجه يقظة الضمير‏،‏ والعودة إلى ذاته ومجتمعه‏،‏ وتجاوز حالة الأنانية والفردية‏.‏ وآنذاك سوف تُسعده بسمات الأطفال‏،‏ وروابط الأسر المتينة التي لم تقضِ أوقاتها في شقاء نتيجة غلاء الأسعار‏،‏ أو الوقوع في براثن الأمراض التي ما كان لها أن تتفشى لولا الفرديَّة والجشع‏،‏ وانعدام الروابط السليمة بين الناس‏.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *