Menu
منهجية التعامل مع التراث الإسلامي - مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية

الصبر والصفح في شهر الصيام

د.طه جابر العلواني

شهر رمضان المبارك لعام‏1430‏ هـ على الأبواب‏,‏ وخير ما يُوصف به هذا الشهر الكريم أنَّه شهر القرآن، فهو يذكِّرنا‏, بل يحملنا على تلاوة القرآن وترتيل القرآن وتدبُّر القرآن ومدارسة القرآن‏,‏ وفهم معاني القرآن ومقاصده ورسالته العالميه وخطابه الكوني‏,‏ والتحلِّي بأخلاق القرآن‏;‏ فحين سُئلت أم المؤمنين عائشة عن خلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالت‏:‏ كان خلقه القرآن‏,‏ والصيام موسم الصبر الجميل والصفح الجميل والهجر الجميل‏.‏

فالصبر الجميل تعبير عن تحمُّل سائر ما يصادف الإنسان من مصاعب ومصائب دون شكوى، إلا للقادر على رفع الضر‏ِّ,‏ ودرء الشر‏;‏ ولذلك قال سيدنا يعقوب‏:‏ ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ‏(‏يوسف‏:86)‏ مقترنًا ذلك بالصبر الجميل، حيث قال عليه السلام‏ في الآية:‏ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ‏﴾ (‏ يوسف‏:18)‏، فالشكوى إلى الله لا إلى سواه، لأنَّنا في الصبر الجميل‏;‏ لأنَّ شكوى الإنسان لربِّه دليل إقراره لعبوديته له‏,‏ ولجوئه إليه‏,‏ وافتقاره له -سبحانه- بالاستعانه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏﴾ (‏الفاتحه‏:5)‏.

وقد ذكر القرآن المجيد كثيرًا من شكاوى الأنبياء إليه -سبحانه وتعالى وثناء الله سبحانه عليهم‏;‏ لأنهم لم يشتكوا لغيره -تبارك وتعالى- وقد أثر عن موسي -عليه السلام- أنَّه كان يُكثر من ترديد قوله: «اللهم لك الحمد وإليك الشكر، وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان»، وعندما ردَّ أهل الطائف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورجموه بالحجارة رفع رأسه الشريف بالشكوى إليه سبحانه، قائلاً‏:‏ «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلَّة حيلتي‏,‏ وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي‏,‏ اللهم إلى مَنْ تكلني، إلى بعيد يتجهَّمني‏,‏ أم إلى عدوٍّ ملَّكته أمري‏,‏ إنْ لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي‏,‏ أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخره أن ينـزل بي سخطك‏,‏ أو يحلَّ عليَّ غضبك‏,‏ لك العتبى حتى ترضى‏,‏ ولا حول ولا قوة إلا بك»، ذلك هو الصبر الجميل الذي نواجه به مصائب الدنيا ومتاعبها‏.‏

أمَّا «الصفح الجميل» فهو أن تعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك دون عتاب‏,‏ أو جزاء بالمثل، إنَّما تصفح لوجه ربك: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ‏﴾ (‏الشرح‏:8)‏ طمعًا في صفحه –سبحانه- عنك يوم الدين‏.‏ وأمَّا «الهجر الجميل» فهو هجر من يستحق أن يُهجر بلا أذى. والثلاثه قد جاء القرآن الكريم بها: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ ‏(‏ يوسف‏:86),‏ ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ ‏(‏الحجر‏:85)،‏ وجمع الصبر والهجر في قوله سبحانه وتعالى‏:‏ ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا‏﴾ (‏المزمل‏:10)‏، فنسأله -سبحانه وتعالى- أن يوفِّق الصائمين جميعًا إلى الاستفادة من هذا الشهر المبارك لتعلُّم الصبر الجميل، والصفح الجميل‏,‏ والهجر الجميل… إنَّه قريب سميع مجيب‏.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *