Menu
منهجية التعامل مع التراث الإسلامي - مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية

من معوقات التدبر 3

أ.د/ طه جابر العلواني

قال تعالى: ﴿.. إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً (الإسراء:36) قد ذكرنا في الحلقة السابقة كيف يكون السمع والبصر معوقًا من معوقات التدبر وفهم القرآن الكريم، وفي هذه الحلقة سنتناول الفؤاد وكيف يكون معوقًا أو مساعدًا لفهم وتدبر القرآن الكريم، فإنَّ أخطر أمراض الفؤاد الأكنَّة، أي الأغلفة التي قد تغطيه وتكنه، وتجعله كأنَّه في كن أي صندوق أو حاجز يسيطر عليه، ويحول بينه وبين الاتصال بأشعة القرآن المجيد وأنوار آياته. وأمراض القلوب التي تفعل فيها هذا الفعل كثيرة جدًا، وأهمها الذنوب، فالله (تبارك وتعالى) يقول عن الكافرين: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (المطففين:14)، والرين يتكون من نقط حاجبة مانعة، بحيث كلما أذنب العبد ذنبًا ولم يتب نكت على قلبه بنكتة حاجزة مانعة هي نكتة معنويَّة، لا ترى بالمجاهر والأعين الماديَّة، فإذا تكاثرت هذه النقاط التي هي آثار الذنوب غلفت القلب، وحالت بينه وبين تسلم إشارات القرآن وإشعاعاته، وذلك قوله (جل شأنه): ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (المطففين:14).

 فإذا تاب الإنسان توبة نصوح جلى الله قلبه وفؤاده، وصار آنذاك مبصرًا، قادرًا على استقبال إشعاعات القرآن المجيد، وأنواره؛ ولذلك قال المشركون لسيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (فصلت:5)، وهذه الأكنَّة أمراض قلب خطيرة، عبَّر عنها المشركون أنفسهم بأنَّها حجاب ﴿.. وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (فصلت:5).

 وأمراض القلوب كثيرة جدًا، ذكر القرآن أهمها، وكان سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتفقدها في الناس، وينبه إلى خطرها، والنفاق ما هو إلا مرض من أمراض القلوب الشائعة المعروفة، وهو خطر جدًا، والذي يغذي أمراض القلوب أفكار منحرفة، وتصورات خاطئة، ومعتقدات زائفة باطلة، فما لم يتخلص الإنسان من هذه الأمراض فليس من السهل أن يعقد صلة وثيقة بينه وبين القرآن المجيد، أو يفهمه أو يقتبس من أنواره.

هذه أمور لابد للمقبل على القرآن المجيد، الراغب في تدبره، الصادق في العودة إليه، وتجاوز حالة الهجر، من معالجة نفسه حتى يشفى شفاءً تامًا من سائر تلك الأمراض، ويطَّهر منها، فإنَّ هذا القرآن ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (الواقعة:79)، أمَّا من لم يفعل ذلك ولم يوفق في التطهر من هذه الأمراض، وسائر ما يتصل بها، فإنَّه لا أمل له في أن يعرج إلى علياء القرآن المجيد.

أمَّا كيفيَّة التطهر من ذلك فتفاصيلها في كتاب الله، وفي هدي سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومنهجه في تعليم الناس القرآن، وشفاء أمراض قلوبهم به، فقد جاهد الناس به جهادًا كبيرًا، حتى خشعت جوارحهم، وطهرت قلوبهم، ولانت عرائكهم، وصاروا من أولئك الذين إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا، وعلى ربهم يتوكلون، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (الأنفال:2)، وصاروا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واستطاعوا الخروج من كل تلك الحجب التي كانت تحجبهم عن آيات الله، وتعلموا منه (صلى الله عليه وآله وسلم) حكم القرآن وأحكامه، وبحكم القرآن كانوا يستردون عافيتهم، فمن فعل فاحشة أو ظلم نفسه؛ أقبل على الله يستغفره، ويتوب إليه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (آل عمران:135)، وفي عهده (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا يذهبون إليه وكلهم ندم وتوبة ورجوع إلى الله وفيهم نزل قوله (جل شأنه): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا (النساء:64).

بعد التطهر من هذه الأمراض بشكل كامل لابد من اتقان لسان القرآن المجيد، ومعرفة نظمه، وأسلوبه، وعاداته في التعبير، وتحديه للخلق كافَّة أن يأتوا بمثل سورة من سوره، فذلك كله إضافة إلى سائر أسماء القرآن وصفاته يشكل مقدمة أخرى لابد لمن يريد الولوج إلى رحاب القرآن المجيد أن يمهر فيه، ويكون على قدرة تامَّة في معرفة القرآن الكريم معرفة شاملة من هذه الزاوية، وإلا فإنَّه قد يخطئ في الوصول إلى إدراك معانيه من داخله، أو معرفة أساليبه في التعبير عن سائر القضايا التي تناولها، وأنَّه إنَّما نزل على قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليفهم ويعرف، ولفهمه ومعرفته مداخل ومنطلقات وأساسيَّات لابد من استيفائها.

 ولقد نزل القرآن الكريم بلغة العرب لكنَّه استوعبها وتجاوزها وصدق على ما استعمله منها، وأعطاها معاني أرادها هو (جل شأنه)، فحينما تنظر في سائر المصطلحات القرآنيَّة أو المفاهيم تجد مفهوم الصلاة والزكاة والحج والإيمان والكفر والشرك والنفاق والربا والبيع والشراء وما إلى ذلك، كل تلك المفاهيم تجدها قد تم تفريغها من معانيها العربيَّة الخاصَّة، واستيعابها في المعاني التي أعطاها القرآن إياها، فالصلاة كانت عند العربي الانتصاف والقيام، كما قول الأعشى:

فصلى على دنها وارتسم.

 أي وقف وارتسم على دن الخمر، وإذا تجاوزوا هذا المعنى فإنَّهم لا يريدون بها إلا الدعاء، ويعبرون عن هذا الدعاء بطرقهم المختلفة؛ ولذلك قال (جل شأنه): ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (الأنفال:35)، فسموا الصفير والتصفيق صلاة لأصنامهم، ولكن الشارع الحكيم حين استعمل الصلاة باعتبارها مفهومًا قرآنيًّا أعطاها معاني جديدة جدًا، الدعاء ليس إلا واحدًا منها، فيقول القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (الحج:77)، ويقول: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ (البقرة:238)، ويقول: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (الإسراء:78)، ويقول: ﴿.. فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ .. (المزمل:20)، ﴿.. فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ .. (المزمل:20)، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (المائدة:6).

 وبذلك أصبح هذا اللفظ –الصلاة- يشتمل على توفير شروط سابقة وهي طهارة الثوب والمكان والجسم ثم استقبال قبلة وتوفير شروط وتكبير وقراءة وركوع وسجود وتشهد وقنوت وخشوع ودعاء، كما يبين وظيفة الصلاة في حياة الإنسان فيقول: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (البقرة:45).

 فلو أنَّنا تمسكنا بأنَّ القرآن عربي، والصلاة لا تعني في اللغة العربيَّة في عصر التنزيل إلا الوقوف والارتسام والدعاء؛ فإنَّنا في هذه الحالة نكون قد جهلنا الصلاة. والزكاة كانت في لسان العرب تعني النماء والكثرة، وحين يستخدمها القرآن الكريم تتحول إلى مفهوم واسع يتناول كل ما يتعلق بالمال وفقه الملكيَّة وفلسفتها: ﴿.. وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (الحديد:7)، ويحولها إلى حق للسائل والمحروم، ويحددها بمقادير معينة، ﴿.. وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ .. (الأنعام:141)، ويحدد الذين يستحقون الزكاة، والذين لا يستحقونها، إلى غير ذلك مما نجده في الكتاب الكريم.

 ويقال مثل ذلك في الربا؛ ولذلك قالت يهود وغيرها: ﴿قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (البقرة:275)، ففرَّق القرآن وميَّز بينهما بقوله: ﴿.. وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا .. (البقرة:275) ينبه إلى جهل هؤلاء بحقيقة الربا وحقيقة البيع في الوقت نفسه. ونستطيع أن نأتي بسائر مفاهيم القرآن كأمثلة وشواهد تؤيد دعوانا التي ذكرناها، ولا تدع أي مجال للشك، بأنَّ القرآن المجيد لا ينبغي أن يخضع إخضاعًا تامًا للسان العرب، بل لابد من إدراك الفرق بينه وبين لسان العرب المعروف.

وتعليم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الناس هذا قد اشتهر عنه بين الصحابة، فلذلك كان يسائلهم أحيانًا كما في حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): “أتدرون مَن المُفلِسُ؟ قالوا: المُفلِسُ فينا يا رسولَ اللهِ مَن لا درهمَ له ولا متاعَ له. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: المُفلِسُ مِن أمَّتي مَن يأتي يومَ القيامةِ بصلاتِه وصيامِه وزكاتِه وقد شتَم هذا وأكَل مالَ هذا وسفَك دمَ هذا وضرَب هذا فيقعُدُ فيُعطى هذا مِن حسناتِه وهذا مِن حسناتِه فإنْ فنِيَتْ حسناتُه قبْلَ أنْ يُعطيَ ما عليه أُخِذ مِن خطاياهم فطُرِحت عليه ثمَّ طُرِح في النَّارِ”[1] ويعطيهم معاني أخرى وفقًا لما وجه القرآن إليه، وآنذاك تكون لغة العرب بمثابة وسيط أو مترجم عن معاني القرآن الكريم لأهل عصر التنزيل، ولو أنَّ لسان القرآن المجيد كان منطلقًا من لسان العرب بشكل تام كامل باللفظ والمعنى لما كانت هذه المعاني قائمة.

[1] الراوي: أبو هريرة المحدث: ابن حبان، المصدر: صحيح ابن حبان، الصفحة أو الرقم: 4411، خلاصة حكم المحدث: أخرجه في صحيحه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *