Menu
منهجية التعامل مع التراث الإسلامي - مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية

تفسير القرآن بالقرآن 1

أ.د/ طه جابر العلواني

حين بدأنا ندعو في كل موقف لضرورة التدرب على تفسير القرآن بالقرآن؛ لتجنب مشكلات التفاسير الكثيرة باتجاهاتها المختلفة كنا نريد أن نصل إلى كسر حالة الهجر بين القرآن والأمَّة، وجعل الأمَّة قادرة على توثيق صلتها بكتاب ربها توثيقًا يحميها من آفات التفاسير المختلفة من آثاري مليئ بالموضوعات والمرسلات والمعلقات، وما لا يصح أن يفسر الكتاب به، من قصص وإسرائيليَّات وما إليها، وتفسير إشاري طافح بما يسميه أصحابه بالإشارات، وجلها إشارات غامضات لا يعرفها إلا أصحابها، وإذا أراد أحد أن يبينها أو يشرحها فإنَّه لا يزيدها إلا غموضًا بحيث لا تزيد متعاطيها إلا خبالًا أو ضلالًا، وآخر عقلي يحكِّم العقل في معاني آيات الله (تعالى)، وآخر لغوي يحكِّم لغة البدو وأفكارهم بمعاني الكتاب الكريم، وآخر انتقائي ينتقي الأحكام، أو القصص أو الأمثال أو المبهمات أو الاستعارات، أو ما إليها. وكل ذلك قد ينفع شرائح صغيرة من فصائل الأمَّة، لكنَّه أبعد ما يكون عن توثيق صلة الأمَّة بكتاب ربها، وجمع كلمتها عليه، وإنارة بصائرها وأبصارها به، والتعرض لنفحات الله ورحماته به.

ولذلك فبعد تجارب طويلة مليئة بالحيرة والحسرة والجهد الباذل والتضرع إلى الله (جل شأنه) أن يعلمنا أفضل السبل لإعادة الاتصال بين الكتاب الكريم وأمَّة الكتاب، توصلنا إلى أنَّ الحل الوحيد والدواء الناجع إنَّما هو الاعتماد على القرآن نفسه وأساليبه، ونظمه وعاداته، ومعاني مفاهيمه وكلماته، واستمداد ذلك كله منه، لما لا، وقد وصف الله (جل شأنه) هذا الكتاب بالبياني، والإبانة، فهو كتاب مبين، وآياته بينات، وأنزل ليبين للبشريَّة كلها الهدى والنور، كما يبين للمؤمنين به وللآخرين أكثر الذي هم فيه يختلفون، وأمَّا الأقل من المختلف فيه، فهو ذلك الذي سوف يبينه منزل القرآن (جل شأنه) للناس يوم القيامة، حيث ينبئهم بما كانوا فيه يختلفون، وبما لم يستطيعوا أن يزيلوا الاختلاف فيه بالآيات البينات المبينات، لأسباب عديدة.

الأعراض الجانبيَّة:

إنَّنا نعلم أنَّ ضعف الإنسان: ﴿.. وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا (النساء:28)، وقلة علمه: ﴿.. وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (الإسراء:85)؛ يجعل لديه استعدادًا دائمًا لاختلاف الفهم وللاضطراب فيه، ولعل كثيرًا من الظواهر التي نشهدها ونستنكر كثيرًا منها ناجمة عن أنَّ الإنسان بطبيعته وبضعفه وقصور علمه ونسبيّته، لا يأخذ الدين كما هو، بل إنَّه في كثير من الأحيان يسيئ فهمه، فيأتي تدينه شائها، لا يرقى إلى مستوى صفاء دينه، فإذا جئت لنصوص الدين وخطابه تجد الطهر والصفاء والنقاء ماثلة في كل جانب من جوانبه، فإذا نقلت ناظريك إلى تدين الناس به وجدت العجب العجاب من سوء الفهم واختلافهم في التدين، واضطرابهم فيه، فلو أنَّ الناس استقاموا على الطريقة التي جاء الدين بها ولم يغيروها أثناء تدينهم بالدين، ولم يضفوا عليها من ضعفهم وقلة خبراتهم واضطراب تجاربهم واختلافها؛ لما احتاج الإنسان إلى تتابع النبوات والرسالات، والتجديد المستمر، لتمكين الإنسان من حسن التدين والاستقامة على الطريقة التي جاء الدين بها.

ومبدأ تفسير القرآن بالقرآن، مبدأ سامي وفكرة متميزة، بل عبقريَّة، تمثل أدق وأسلم طرق اتباع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في قراءة القرآن الكريم، وتلاوته حق التلاوة، لكننا بدأنا نفاجأ بتهجم الكثيرين على القرآن الكريم بمنطق عقلي لاستخلاص معان لم يأتي القرآن بها، لكنَّهم نسبوها إلى القرآن المجيد؛ لأنَّهم لم يدخلوا إلى رحابه بنور آياته، فلم يفسروا القرآن بالقرآن، بل فسروا القرآن بالمنطق العقلي، كما يقول الشاطبي وغيره.

 وكنا قد نبهنا منذ البداية بأنَّ تفسير القرآن بالقرآن يتوقف على تجرد الإنسان من أيَّة أفكار مسبقة أو مؤثرات تؤثر عليه وهو يتناول آية أو سورة ليفسرها بآيات أو سور أخرى، المفروض أن يدخل  الراغب بممارسة هذا الاتجاه في التفسير مجردًا من كل الأحكام المسبقة، والمؤثرات الخارجيَّة أيًا كانت، سواء أكانت من المجتمع، أو البيئة، أو اللغة، أو المعارف، والعلوم السائدة، أو الثقافات المنتشرة؛ لأنَّ القرآن في هذه الحالة سوف ينكمش ولا يعطي من نفسه ولا من كرمه ما يريده أو يتوقعه طالب التفسير، فالمفروض أن يأتي إليه خِلوًا من أي شيء، لينال من كرمه، وليطمع في عطائه ومدده: ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا (الإسراء:20).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *