Menu
منهجية التعامل مع التراث الإسلامي - مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية

الفرق الإسلامية بين الاختلاف والتأسي

أ.د/ طه جابر العلواني

كل الفرق التي اطلق عليها فرق إسلامية سواء أكانت ثلاثًا وسبعين أو مائتين وثمانين عند البعض أو جاوزت ذلك بكثير أو قليل حينما نحاول أن نتتبع أسباب انشقاقها عن جسم الأمّة المسلمة الكبير واتخاذها محورًا خاصًا ومدارًا منفصلا نجد وراء ذلك موقفًا معينًا من بعض الأحاديث التي أخبر الرواة بأنها أحاديث تنسب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كانت مرفوعة واختلفوا في درجات ومستويات الثقة بصحة صدورها عن الصادق المصدوق الذي يستحيل الكذب عليه وهو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والأحاديث التي أدت إلى ظهور مقولات اختلف الناس فيها وحولها أحاديث معدودة قد تقل في عددها عن أعداد الفرق المختلفة التي افترق المسلمون حولها ومن الممكن للمتخصصين إعادة قراءة هذه الأحاديث ودراستها: دراية ورواية وغربة أسانيدها ونقد متونها والتصديق بكتاب الله عليها ووضعها تحت هيمنته وتقديمها بفهم لا يجعلها وسائل بأيدي المغرضين لهدم وحدة الأمة وتفريق كلمتها وتشتيت جمعها ووضعها تحت طائلة الآية الكريمة ﴿إِنَّ الَّذِين فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾(الأنعام:159) فيُبرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم،أو أولئك الذين تهددهم الله (جل شأنه) بأقصى أنواع العذاب فذكرهم في الآية الكريمة ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْمِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُم شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ  انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُم يَفْقَهُونَ﴾(الأنعام 65)

فالسُنة النبوية في حد ذاتها متى صحت وصح نقلها وأعلنت مقاييس نقد الأسانيد والمتون سلامتها فإنها تكون ذات أصل في القرآن أو تمثل حقيقة قرآنيّة فالله (تبارك وتعالى) يقول ﴿يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّن َلَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِين َمِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (النساء 26) وهذه الآية ترتبط بالآيات الأخرى التي ورد فيها مفهوم السُنة في القرآن ﴿مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ (الأحزاب: 38)

فسُنة الله ما فرضه للأنبياء والرسلوأمرهم بإبلاغه للناس ودعوتهم للالتزام به وإضافتها إلى الذين من قبلنا لا تعني أنها سنن أخرى فإنهم حين يتلقونها من رسلهم ويطبقونها في حياتهم يصدق عليهم أنها سنن الله من حيث التنزيل والإنشاء والتشريع والكشف عنها ويصدق عليها أنها سنن الذين من قبلنا من حيث التطبيق والممارسة والتخلق بها وقوله (جل شأنه)﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ  وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مقْدُورًا ﴾ (الأحزاب: 38) فيه التوكيد على ضرورة اتباع هذه السنن وطاعة الرسل فالرسل آنذاك تكون دعوتهم بكل جوانبها دعوة إلى طاعة الله (جلّ شأنه) وإلى القيام بما فرض الله لهم وعليهم وهو نفس ما فرضه الله للرسل وعليهم. وحين دونت العلوم الشرعيّة أو النقليّة ودخل المنطق الأرسطي ذلك النوع من المعارف وعرف الناس أن هناك ما يسمى بالقول الشارح الذي يعتمد في شرحه لأي حقيقة على ما أسموه بالكليات الخمسة: الجنس والفصل والنوع والخاصة والعرض العام. عرّفوا السُنة بأنها: ما أوثر عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من قول أو فعل أو تقرير أو صفة وبذلك بدأت عملية التنفيذ بين مفهوم السُنة كما هو في القرآن المجيد وكما شاع في جيل التلقي وبين مفهومها الاصطلاحي عند المحّدثين خاصة وبعض الفقهاء وقد شاع هذا التعريف وتبناه المشتغلون بهذه العلوم لأنهم اعتبروه شاملا لكل ما يندرج تحت السُنة من تفعيل الخطاب القرآني وتطبيقه في الواقع كما هو الحال في تطبيق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمر القرآن “أقيموا الصلاة” والآيات الكثيرة التي جاءت بالأمر بالركوع والسجود والقنوط والخشوع التي جعلها (صلى الله عليه وآله وسلم) مجتمعة مفسرة عمليًا وقوليًا لقوله تعالى “أقيموا الصلاة”؛ ولذلك فبعد أن تلى عليهم تلك الآيات وعلّمهم إياها وبين لهم دلالاتها وقام بفعلها أمامهم ليزكيهم بها  عقب على ذلك (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله “صلوا كما رأيتموني أصلي” أما الإخبار والآثار القوليّة المجردة عن التطبيقات فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أرسل إلى الناس هاديًا ومبشرًا ونذيرًا وواعظًا وهاديًا ومعلمًا وتاليًا وقارئًا وكل هذه الصفات قد يعبر سيدنا رسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عنها بأقوال أو أفعال أو تقريرات أو صفات وهذه هي التي انقسم الناس حولها وتفرقوا إلى طوائف وفرق وأحزاب بلغت حد تكفير بعضهم لبعض ولعن بعضهم لبعض ومقاتلة بعضهم لبعض ولم يستطع المسلمون بعد أن تفرقوا بمقتضى ذلك أن يجمعوا كلمتهم ويستردوا وحدتهم وينبذوا فرقتهم ويجففوا منابعها ومنابع الفرقة أهمها تلك الاختلافات في أحاديث معينة على سبيل المثال: اختلافهم في أحاديث الآحاد هل تفيد الظن أو القطع وإذا كانت تفيد الظن فهل يمكن إثبات معتقدات يقينيّة أم لا يمكن، نجد أن فرقًا كثيرة رغم أنها تقول بظنيّة أخبار الآحاد في ثبوتها ودلالتها لكنها تثبت بها معتقدات وتكفر من يرفض تلك المعتقدات وآخرون لا يرون أن المعتقد وهو يقينيُّ يمكن أن يثبت بما هو ظنيٌّ فيرفضون ما دلت عليه ولكن لا يتوقف الجدل بأن يعذر بعضهم بعضًا ويدركوا جميعًا أن الفرق بين الفريقين أن هذا قد أعملها في هذا المجال والآخر لم يعملها فيه بل أعملها في مجال الأعمال والفضائل فكأن القدْر المشترك في هذه الحالة أنهم جميعًا قد قبلوها واحتجوا بها واعملوها لكن البعض قد عمم فاعليتها في مختلف المجالات والبعض الآخر قصرها على مجالات محددة. وبعد هذا نجد تفاصيل أخرى فتثار أسئلة لا تتوقف منها: هل يخصّص عموم القرآن بهذه الأحاديث أو لا يخصص بها؟ هل تقيد مطلق القرآن أو لا تقيده؟ إلى غير ذلك فتتسلسل الأسئلة ولا تتوقف عند حد، فإذا لم يختلف الناس في نقطة فقد يختلفون في ثالثة ورابعة، وهكذا وجدنا أنفسنا في عجز عن رأب الصدع، والمشكل الكبير أن لدينا تصنيفًا فنيًا للأحاديث يبلغ بها ما يقرب من أربعين نوعًا من هذه التي جرى تناقلها ولم ترتبط بتطبيقات عمليّة لما نزل من كتاب الله وفي كل منها نجد طوائف من أهل العلم تحولت إلى فرق ومذاهب فهناك من يقبل المراسيل ومن يرفضها وتتعدد المواقف تجاه الموقوفات والمرفوعات وميادين عمل كل نوع منها حتى وجدنا أنفسنا بعد فترة كأننا ننتمي إلى إيديولوجيات مختلفة متنوعة حول تلك المواقف خاصة بعد أن تبناها أناس جعلوها تدخل في سائر العلوم والمعارف النقليّة في الفقه والأصول والتفسير والحديث واللغة العربيّة وسائر علوم المقاصد والوسائل. فإذا علمنا أن أكثر الفرق قد حولت ذلك إلى أيديولوجي نتبين الهوة السحيقة التي بلغناها نتيجة تلك الاختلافات التي بدأت بسيطة وحين لم تحسم استمرت إلى أن أوصلتنا للحال التي نتمرغ فيها الآن وبلغت بنا ما بلغناه، فهل من علاج؟

 نعم إن شاء الله…

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *