Menu
منهجية التعامل مع التراث الإسلامي - مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية

انقلاب القبائل

أ.د/ طه جابر العلواني

الحمد لله، نستغفره، ونستعينه، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم لقاه، ثم أمَّا بعد:

تأملت في كثير من المفاهيم الشائعة والمنتشرة في علومنا ومعاركنا الشرعيَّة والنقليَّة، ومنها مفاهيم شديدة الأهميَّة مثل مفهوم: (الدعوة، والجهاد، والفتح، وما إليها)، هذه المفاهيم تأثرت تأثرًا شديدًا بالمسيرة التاريخيَّة للأمَّة وبالواقع التاريخي لها، ويمكن أن تتضح دعوانا هذه في إنعام النظر والتأمل فيما نعرضه في مقالتنا هذه.

 نحن نعلم أنَّ كتب السير والتواريخ قد ذكرت أنَّ الغزوات التي شنها المسلمون بقيادة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عبر حياته كانت خمس وثلاثين غزوة، كبيرة وصغيرة، وعند دراستها في عصر النبوة نجد أنَّها جميعها ارتبطت بالمقصد الخامس من المقاصد القرآنيَّة العليا المحكمة، وهو مقصد الدعوة، فالدعوة كانت هي العنوان الأكبر الذي وضعه القرآن المجيد لسائر الجهود النبويَّة عبر حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة وفي مكة، فهي لا يمكن أن توصف بما توصف به صحف القتال، بحيث يقال مثلًا هذه الغزوة أو المعركة غزوة دفاعيَّة، أو هجوميَّة، وما قيل في ذلك قيل بناء على اغترار المنظرين من مفسرين وفقهاء وأصوليين وعلماء كلام ومن إليهم بالأشكال، دون ربط لهذه القضايا بالإطار الكلي للرؤية الإسلاميَّة القرآنيَّة النبويَّة، فتلك الرؤية قد أمرت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن معه بالدعوة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ (المدثر:1-2)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ (الأحزاب:45-46)، ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل:125)، وبعد أن وضع المفهوم الكلي الدعوة للإيمان بالله وحده، وبأنَّه رسول الله، وبالقول الثقيل الذي يحمله كتاب الله، وبالكتب والملائكة، الكتب التي أنزلها الله، والمخلوقات الغيبيَّة التي تشاركنا الوجود، فصيغت الرؤية الكليَّة، وبدأت المفاهيم الفرعيَّة المتفرعة عن الدعوة تأتي تباعًا، سيأتي الجهاد في إطار الدعوة لمجاهدة الناس بالقرآن العظيم: ﴿.. وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (الفرقان:52)، فيبدأ مفهوم الجهاد بالتداول في إطار هيمنة مفهوم الدعوة عليه، ثم يأتي مفهوم القتال، ففي بادئ الأمر نؤمر بالكف عنه في المرحلة المكيَّة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ..﴾ (النساء:77)، فلا يسمح به، ويتحمل المؤمنون وفي مقدمتهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كل أنواع الأذى، دون أن يمدوا أيديهم إلى أحد لا في دفاع ولا في هجوم، بل صبر جميل، واستعانة بالصلاة وبالذكر، وتربية النفس على التحمل، وتثبيت القلوب بقصص النبيين من قبل مع أقوامهم، وغير ذلك، حتى يأتي الإذن بعد فترة لا بأس بها من الاستقرار في المدينة، ليبين انتهاء مرحلة وجوب الكف والصبر على الأذى وتحمل كل أنواع الاعتداء، ويبيِّن أنَّ هذا الإذن لم يرتبط بقضيَّة القوة والضعف، فلم يقل لهم: كنتم ضعافًا فأمرتكم بالكف عن رد الاعتداء، والآن قد انتهت مرحلة ضعفكم وصرتم قوة لا يستهان بها قادرة على رد العدوان فأذنت لكم به، ثم أمرتكم به على وجه الحق، بعد أن أخذت بأيديكم لتجاوز آثار مرحلة الأمر بكف أيديكم، وبعد ذلك تأتي مرحلة الحض على القتال، والتحريض عليه وبيان حكمته، وهي مرتبطة بالدعوة، فالدعوة لا تستطيع أن تشق طريقها وحملتها عاجزون عن الدفاع عن أنفسهم، وغير قادرين على بيان وعرض أهدافهم بشكل ملائم، فيأتي قول الله (جل شأنه): ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ (النساء:75)، وهنا يدرج مفهوم القتال تحت هيمنة مفهوم الدعوة، فالجهاد جهاد بالقرآن كله بوحدته البنائيَّة، وبكل ما يحمله القول الثقيل من مفاهيم، وأهداف ومبادئ ووسائل وما إليها، وهنا نتدبر الإذن في القتال لنجد فيه حماية للعبادة، وحريتها، والأماكن الخاصَّة بها، ودفعًا للظلم، وكل ذلك من مظاهر الدعوة، وأساسيَّاتها، وتأتي آية حماية المستضعفين الذين لا يستطيعون أن يحققوا لأنفسهم التمتع بحريتهم في حق العبادة دون تدخل أو فرض عليهم من الآخرين، فيدخل الجهاد ثم القتال في إطار الدعوة وهيمنتها، والرؤية الكليَّة التي تقوم عليها، ثم يتكلم عن الفتح، خاصَّة بعد فتح مكة، ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ (الفتح:1) ليدرج الفتح أيضًا تحت مفهوم الدعوة وقس في إطارها، وهكذا تستمر عمليَّة وضع المفهوم وتناول ما يتصل به، ووضعه تحت هيمنته، فيقوم القرآن المجيد بتصنيف البشر أفرادًا وقبائل وشعوبًا وجماعات وأممًا سواء منهم الذين بادوا وعاشوا في قرون سابقة، ليبين كذلك حاكميَّة هذا المقصد العظيم –الدعوة- على سائر المفاهيم الأخرى، والعلاقات بين البشر كافَّة، ومركزيَّة الدعوة في تحديد مراتب الأولياء والمسالمين والأعداء والمحاربين من الدعوة، بحيث يتم تصنيف البشر وديارهم وأموالهم وتحركاتهم كلها وفقًا لهيمنة مفهوم الدعوة وفي إطار تلك الرؤية الكليَّة.

فحين ننظر لجيل التلقي ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقوده، نجد الأمر بهذه الشاكلة، بحيث لا نستطيع أن نمحض أي نشاط مما يطلق عليه كف ثم جهاد ثم قتال ثم فتح إلا وهيمنة مفهوم الدعوة والرؤية الكليَّة الظاهرة البارزة فيها ظاهرة ساطعة، وبيِّنة ناصعة في ذلك كله، بما فيه تصنيف البشر إلى مؤمن ومسلم وكافر بمختلف المستويات، ومنافق وكتابي وغير كتابي وذمي ومستأمن وحربي، كل تلك المفاهيم والمصطلحات الكبيرة منها والصغيرة تندرج تحت هيمنة المقصد الخامس من مقاصد القرآن الذي هو الدعوة، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بحيث يصبح هذا المقصد مهيمنًا على الإسلام كله، بكل جوانبه، الإيمانيَّة والعباديَّة والسلوكيَّة والنظميَّة والعلائقيَّة وغيرها، وهذا النوع من الفهم لا يمكن أن يحقق أهدافه بدولة مسيطرة تقوم على فكرة وطن ومواطن وأرض وقوة وسلطة ومظاهر ومخابر، وما إلى ذلك مما يرتبط بشكل أو بآخر بفكرة الدولة المتسلطة والمهيمنة؛ ولذلك فقد هدى الله (جل شأنه) جيل التلقي لنظام خلافة على منهاج النبوة؛ لأنَّها الصيغة الوحيدة للتنظيم التي تسمح لمفهوم الدعوة والرؤية الكليَّة أن تبقى مسيطرة ومهيمنة على كل ذلك الكم الرائع من المفاهيم، بحيث تضعها موضعها، وأي نظام آخر غير خلافة على منهاج النبوة سوف يسيئ إلى تلك المفاهيم، وينحرف بها عن سواء السبيل.

والخلافة على منهاج النبوة لها رجالها، وهم قادة وأئمة جيل التلقي، فليس كل من أطلق على نفسه اسم خليفة أو لقب أمير المؤمنين يستطيع أن يمارس خلافة على منهاج النبوة، بل لابد من شروط ومواصفات لا تتوافر إلا بذلك السلف الصالح من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، الذين جاء وصفهم في التوراة وفي الإنجيل: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح:29)، فهؤلاء الذين بشرت بهم كتب السماء، وهيئهم الله لرسوله ليكونوا أنصاره وأعوانه وحملة الدعوة التي جاءت بها الرسالة معه ومن بعده، وفي مقدمتهم الشيخان أبو بكر وعمر، وبقيَّة المبشرين بالجنَّة، والذين أعلن الله رضاه عنهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة:100)، غير هؤلاء قد يكون من المتعذر أو المتعسر في أقل الأحوال عليهم أن يقيموا ذلك.

لقد تعرَّض القرآن ورسول الله وأصحابه وأهل بيته والجيل الأول إلى العديد من المؤامرات ومحاولات التخريب، وتفاصيلها معروفة، بعضها نزل به القرآن، وبعضها حفظته لنا مدونات الحديث والسير والتاريخ وكثير من المدونات التي كتبت عن مرحلة النبوة ومرحلة جيل التلقي، وشيء مما تلاها؛ ولذلك كان أخطر ما تعرضت له وأدى إلى انتكاسة ما تزال آثارها قائمة هي معركة المفاهيم، وهذه المعركة نستطيع أن نقول: إنَّها بدأت في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم تفلح في تحقيق شيء من أهدافها، لكن شياطين الإنس والجن لم يدركهم اليأس، واستمروا في محاولاتهم إلى أن واتتهم بعض الفرص نتيجة بروز بعض الثغرات نتيجة قسوة القلوب وطول الأمد، ونسيان أو تناسي حظ مما ذكر الله (جل شأنه) ورسوله وكتابه به، فقامت مؤامرة ذرت قرنها أو بذرت بذورها في حوارات سقيفة بني ساعدة -على فرض صحة تلك الحوارات التي رويت عما دار في تلك السقيفة- بعد إعلان وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونعلم أنَّه (عليه الصلاة والسلام) تعرض لأكثر من محاولة اغتيال، وأنَّ كتاب الله تعرض إلى محاولات تحريف، واستنساخ، وأنَّ جُل قبائل العرب انتفضت بعد وفاته (صلوات الله وسلامه عليه) ورفضت التعاون مع النظام الذي كان خلافة على منهاج النبوة، وبرز ما عرف في تاريخنا بحروب الردة.

 وحين فشلت كل تلك المحاولات، ومكَّن الله لجيل التلقي وقادته من إتمام وإكمال مشروع الخلافة على منهاج النبوة؛ لم ييأس شياطين الإنس والجن، ولم يتوقفوا بل استمرت محاولاتهم، إلى أن واتتهم الفرصة بتدبير مؤامرة خارجيَّة تشكيلًا وتخطيطًا وتنفيذًا بأيدي أجنبيَّة فارسيَّة قضت على الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، الذي أذن الله أن تنتهي في عهده فارس ودولتها، وأن تسقط الكسرويَّة إلى الأبد، وأن تجعل من بلاد العجم بلادًا مسلمة معربة، تحمل الدعوة إلى ما وراءها، واستشهد الخليفة الثاني، وبقيت الأفكار والمفاهيم عالية، منتصرة رايتها خفاقة، حتى إنَّ سيدنا عثمان -رضي الله عنه- كاد يقتل ابن عمر قصاصًا لقتله الهرمزان، العقل المدبر لعمليَّة اغتيال أبيه، فلم ينسوا الدعوة في دائرة الدولة ومحاور القوة لولا أن أركان الشهادة على ابن عمر لم تشكل أدلة كافية لإدانته لما وقف شيء أمام فاعليَّة مفهوم العدل في الإسلام الذي أجروه على الجميع.

لكن شياطين الإنس والجن لم يتوقفوا، فحاولوا تحريف القرآن المجيد وتصدى عثمان -رضي الله عنه- ومن معه لتلك المعركة، وانتصر القرآن الكريم، وانتصر مقصد الدعوة بانتصاره، وجمع القرآن الكريم وكتب في مصاحف بإشرافه، ثم دفع حياته ثمنًا لمؤامرة داخليَّة مائة في المائة، وذلك لتحقيق نفس الهدف، ووقى الله شرها، وجاء الخليفة الرابع سيدنا علي بن أبي طالب، وتتابعت الأحداث ولم تتوقف الدعوة، ولم تضطرب المفاهيم كل ذلك الاضطراب، وواتت الشياطين المتحالفين فرصة سارعوا لاغتنامها، فلم يحظى نظام الخليفة الرابع بالاستقرار المطلوب للتمكين للدعوة، وظلت الفتن الداخليَّة والحروب الأهليَّة تفتك في جسم الأمَّة، إلى أن استشهد الإمام ورشح لخلافته ولده الأكبر الحسن بن علي، الذي قرر أن يجمع كلمة الأمَّة من جديد، ولو ضحى بنفسه من أجل ذلك، ففعل -رضي الله عنه وأرضاه- وتفاهم مع معاوية على جمع كلمة الأمَّة من جديد، واستمرار تفرغها للدعوة، والخروج من دائرة الصراعات الداخليَّة، وتوجيه طاقات الأمَّة كلها للدعوة، وبعد ذلك أن تعاد الخلافة إلى الأمَّة إذا ما حضرت معاوية بن أبي سفيان الوفاة، لتختار وتبايع من ترتضيه في دينه وكفاءته وقدراته لدينها وللدعوة التي تحملها، وبعد الاتفاق على ذلك توفي سيدنا الحسن، قيل مسمومًا وقيل وفاة عاديَّة، ولما انفرد معاوية بالخلافة نقض ما كان بينه وبين الحسن من اتفاق، ولم يعد الأمر إلى الأمَّة، ويبدو أنَّه قرر إلغاء الخلافة دون إعلان، بل بتحويل الحكم إلى نوع من القيصريَّة والكسرويَّة بأن يكون الابن الأكبر الذكر للخليفة هو الخليفة من بعده، فرشح -عفى الله عنا وعنه وغفر لنا وله- ولده يزيد، ليكون خليفة للمسلمين، في ظل تهديدات لسائر بقايا الصحابة وأبنائهم في المدينة ومكة والشام والعراق، وأخذ البيعة ليزيد وهو ما يزال على قيد الحياة، وجعل شاعره يقول:

إذا المنبر الغربـي خـلاه ربـه فإن أمير الـمـؤمـنـين يزيد

على الطائر الميمون والجد صاعد لكـل أنـاس طـائر وجــدود

فلا زلت أعلى الناس كعبًا ولا تزل وفود تسـامـيهـا إلـيك وفـود

ولا زال بيت الملك فوقك عـالـيًا تشـيد أطـنـاب لـه وعمـود

قدور ابن حرب كالجوابي وتحتهـا أثاف كأمـثـال الـرئال ركـود

 ودخل في معارك كلاميَّة مع كثير من الصحابة، ومنهم النعمان بن بشير الأنصاري شاعر الأنصار، حيث سلط الأخطل الشاعر النصراني التغلبي لهجاء الأنصار واستفزازهم لترددهم في مبايعة يزيد، فقال الأخطل مخاطبًا الأنصار:

خلوا المكارم لستمو من أهلها *** وخذوا مساحيكم بني النجار

ذهبت قريش بالمكارم والعلا *** واللؤم تحت عمائم الأنصار

فذهب النعمان ابن بشير إلى مجلس معاوية وألقى بعمامته عليه وهو يقول له: يا معاوية أترى في هذا الرأس لؤمًا، قال: بل أرى كرمًا، قال فما بال شاعرك يهجوننا، وهو يعلم أنَّنا أخوال رسول الله، ثم أنشد قصيدة من شعره وقال:

ألا أبلغ معاوية بن صخر *** مغلغلة من الرجل اليماني

أتغضب أن يقال أبوك عف *** وترضى أن يقال أبوك زان

فأشهد أن رحمك من زياد *** كرحم الفيل من ولد الأتان

وأشهد أنَّها حملت زيادًا *** وصخر من سمية غير دان

وقال قصيدة أخرى جاء فيها:

معاوي إلا تعطنا الحق تعتـرف *** لحى الزد مشدودًا عليها العمـائم

أيشتمنا عـبـد الأراقـم ضـلة *** وماذا الذي تجدى عليك الأراقـم

فمالي ثأر غير قطع لـسـانـه *** فدونك من يرضيه عنك الدراهم.

وبوصول الخلافة إلى يزيد تمت أركان تغيير جذري في الخلافة على منهاج النبوة، وتحولت إلى ملك عضوض، يورث السابق الأمَّة وما لها لأبنائه، ولم تختلف المعارضة عن الحاكمين أنفسهم في هذا الأمر، فنادت بأئمة آخرين دون أن تبتعد عن الارتباط بأسرة تتوارث الخلافة داخلها أب يورث لابنه ثم ابنه وهكذا.

 هنا لم يعد مبدأ الدولة هو المسيطر، ومقصد الدعوة هو المهيمن، وصادرت الدولة الدعوة، وهيمنت عليها، فانتهى مفهوم الخلافة على منهاج النبوة، وبنهاية مفهوم الدعوة والخلافة على منهاج النبوة، تحول الجهاد إلى غزو وقتال، ودخلت أمور جديدة، أسقطت عليها تصرفات جرت في العهد النبوي وفي العهد الراشدي في سياق هيمنة مفهوم الدعوة، وفيها الغنائم وإعداد القوة، وسائر المنظومة المفاهيميَّة التي ارتبطت بذلك، وفرغ مفهوم الفتح من مضامين فتح مكة، والمعاني التي اشتمل عليها إلى غلالة رقيقة توضع على حروب وغزوات تدور بين دفاع عن الدولة أو دفع، وبين طلب لتوسيع نفوذها وبسط سلطانها وإخضاع الآخرين لذلك السلطان.

 وجيء بالمفاهيم التي كانت منظومتها كلها قد وضعت تحت مقصد الدعوة لتحويلها إلى مفاهيم تدعم فكرة الفتح والغزو، والقوة وحماية الدولة، وبسط سلطانها ونفوذ القائمين عليها، وصارت الدعوة بعيدًا عن موقعها، تحتل آخر سلسلة تلك المفاهيم، وأعطيت مضامين أخرى، ولم تعد لها هيمنة، على كل تلك المفاهيم الجديدة، التي برزت مع النظام القبائلي الذي أسس له معاوية ونفذه يزيد، وجاءت مفاهيم أخرى لتكرس ذلك التغيير ولتشرعن كل ما برز نتيجة الانقلاب القبائلي، وبدأ النظام الجديد يفرز فقهاء ومفكرين يتحدثون عن نسخ جميع آيات الدعوة بآية السيف، فصار السيف خارج يد الدعوة، وليس في يدها، بل سيف بيد الدولة تضرب به خصومها، ومن تتخيل أنَّهم قد يضعفون من شأنها، وشأن القائمين عليها.

وبدأت المنظومة الفكريَّة الجديدة تبرز في أفكار عديدة، فأسست لمبدأ النسخ، وأعادت قراءة وتفسير السيرة النبويَّة والكتاب الكريم وسنن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ووقائع عصره تفسيرًا يناسب ذلك التغير الخطير، والتحول الكبير، فنجد إضافة إلى مبدأ النسخ في الأصول والفقه والتفسير مبدأ آخر لا يقل خطورة نسخ إلى الأبد فكرة الخلافة على منهاج النبوة، ورسخت مبدأ الملك العضوض، وفي علم الكلام أو قضايا الاعتقاد أدرجت الإمامة وشروط الإمام وطاعة الإمام كلها في دائرة ما عرف فيما بعد بعلم العقيدة والتوحيد وعلم الكلام، وذلك لتصبح قضيَّة الدخول في طاعة هذا الخليفة أو الأمير أو ذاك والخروج منها قضيَّة كلاميَّة اعتقاديَّة، يمكن أن ينسب الإنسان بمخالفة ما يذهب إليه السلطان إلى الكفر والخروج من الملة، وبرز حد الردة ليكون عقوبة لقضيَّة الخروج على الإمام، وبرز فقه إمامة المتغلب، وشرعيَّة أحكام المتغلب، ونفاذ سلطانه، وأحكامه، وبرز الجبر والإرجاء لتصبح قضايا قد وردت إلى الساحة الفكريَّة وبدأت تشغل أذهان المسلمين، وتتمحور حولها نقاشاتهم في المساجد والمدارس، حتى بلغت مستوى جعله البعض جزء من قضايا الإيمان الكبرى، ودخلت أحكام في الفقه مثل ولاية القرشي، وصيغت قواعد جديدة مثل المصالح والأعراف وسد الذرائع وما إلى ذلك، ودخلنا مرحلة الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *