Menu
منهجية التعامل مع التراث الإسلامي - مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية

أسوأ الزنازين

أ.د/ طه جابر العلواني.

كنت أقرأ في سورة الأنبياء بشيء من التأمل والتدبر، وبلغت قول الله (جل شأنه): ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ (الأنبياء:87-88)؛ فتبادرت إلى ذهني صور كثيرة وأفكار وفيرة عن أنواع السجون والزنازين التي صنعها المستكبرون المستبدون للمستضعفين المعذبين في الأرض في مختلف الأمكنة ومتنوعي الأزمنة.

 فكرت في جوانتانامو والسجون التي تُؤَجَّر للتعذيب وفيها كلاب بوليسيَّة وكلاب بشريَّة وكلاليب وخطَّافات وما إلى ذلك، واستعرضت ما أورده الأستاذ عبود الشالجي الكاتب العراقي المشهور في كتابه الموسوعي “موسوعة العذاب”، وأنواع العذاب التي ابتكرها البشر لتعذيب البشر، وقد جاء في مقدمة الكتاب الموسوعة خمس وثلاثون نوعًا من أنواع العذاب التي يعذب بها المستكبرون والمستبدون والذين يريدون العلو في الأرض والفساد فيها المستضعفين والضعفاء والعاجزين عن حماية  أنفسهم، والذين تتعمد أحيانًا قوى الشر بأشكال مختلفة لتسويغ ما يحدث لهم واعتباره قدرًا مقدورًا، وحقًا للمستبدين على أولئك المستضعفين.

 والمستبدون مهروا في ابتكار الوسائل التعذيبيَّة والمسوغة للتعذيب قديمًا وحديثًا، وخاض الإنسان معارك كثيرة للدفاع عن حريَّته بأشكالها المختلفة، وأهمها حريَّة التدين، واختيار المعتقد، ولكن معارك وحروب الكلمة والمعتقد كانت وما تزال أقوى المعارك وأشدها عنفًا وأكثرها شراسة، وابتكر المستبدون وهم يضطهدون المستضعفين وسائل عدة أوحاها إليهم شياطين الإنس والجن من حواشي أولئك الذين يريدون في الأرض علوًا وفسادًا، فهناك أجهزة متخصصة لتسويغ تلك الأعمال الإجراميَّة، والوقوف إلى جانب المستبدين وهم ينتهكون حرمات المستضعفين، وينتصرون للذين يريدون علوًا في الأرض وفسادًا فيها، فتكيل الاتهامات الرخيصة وتفبركها والتي يظهر لك فيها أنَّ السجَّان مظلوم والسجيبن هو الظالم، وأنَّ القاتل مظلوم والقتيل هو الظالم، وأنَّ المعتدِي مُعذَّب مظلوم وأنَّ المعتدَى عليه هو المعذِّب الظالم.

ولقد شاركت في مقتبل حياتي التعليميَّة في مؤتمر ضم قضاة ومحققين من مختلفي البلدان العربيَّة، مر على ذلك المؤتمر ما يقرب من أربعين سنة، وقدمت فيه بحثًا أثبت فيه أنَّ الإسلام لا يقر أي تعذيب مهما كان، ومهما صغر حتى لو كان مجرد كلمة إهانة أو تحقير أو سب، فذلك كله مناف لحقوق المتهمين، وقبل تلك العقود الكثيرة قدمت بحثًا ما يزال نفيسًا بينت فيه حقوق المتهم في مرحلة التحقيق، ولم أكن أعلم وأنا أقدم بحثي رد الفعل الذي واجهني فيه ما يقرب من مائة محقق وقاض، الذين قالوا: بأنَّنا وإن بدى لكم أيُّها المثقفون أنَّنا نعذب المتهمين لكن لو نظرتم إلى الحقيقة لوجدتم أنَّهم هم الذين يعذبوننا، ذلك لأنَّنا كلما حاولنا إثبات ارتكابهم للجرائم التي اتهموا بها يأتي من يلقنهم من المحامين وهيئات الدفاع وبعض الهيئات القضائيَّة حججًا للتخلُّص مما نلزمهم به، ونتعذب مرة أخرى، وأحيانًا ثالثة ورابعة لاستجوابهم من أجل إثبات الجرائم وعدم ذهابها بدون تحقيق، وبدون أن يعاقب مجرم على جرائمه. قد نخطئ في بعض الحالات وننتزع اعترافات حقيقيَّة أو غير حقيقيَّة ولكنَّنا في سائر الأحوال نتعب ونجتهد لحماية مجتمعاتنا من الجريمة.

 وحين دافعت عن وجهة نظري لا أنسى أنَّ بعض القضاة نهضوا من مقاعدهم وكادوا يسطون بي لولا رحمة الله، وتوجه بعضهم بالدعاء إلى الله أن يبتليني بالتحقيق أو القضاء ويخرجني من حالة التدريس التي جعلتني حسب زعمهم لا أستطيع أن أفهم وجهة نظرهم؛ لأتضامن معهم وأسوغ ما كانوا يقومون به من جرائم وتعذيب، يبررونها أحيانًا بأخبار وآثار لا تقوم بها الحجة.

 ولقد شهدنا أنَّه لعدم إنكار واستنكار هذه الأفعال؛ تحولت إلى ظاهرة عامَّة، استخدمها ضدنا حتى أولئك الذين يزعمون أنَّهم جاؤوا بلادنا محررين لا محتلين، كالأمريكان عام 2003 بالنسبة للعراق والبريطانيين عام 1919 وما تلاها؛ ليرفعوا في وجوهنا الحجج ذاتها، ويجمدوا كل ما يتعلق بقوانينهم وأنظمتهم في داخل بلادهم في حقوق الإنسان، والتي لا يملك أي زعيم سياسي في تلك البلاد أن يتخطاها داخل بلاده قيد أنملة، أمَّا في بلادنا فقد صنعوا لنا سجن أبو غريب المشهور، وجوانتانامو، وأصبحوا يستأجرون في بلاد كثيرة سجونًا للعذاب وسجَّانين للتعذيب؛ ليحققوا لأنفسهم ما يريدون من خدمة الشركات الكبرى، وأصحاب رؤوس الأموال، ومواجهة العالم بوجهين: أحدهما: وجه مكفهر كالح قُد من أحقاد؛ ليواجهوننا به في الخارج. ووجه: قُد من اللطف والإنسانيَّة يواجهون به مواطنيهم في داخل بلادهم ويسمعون ما يشاؤون خارجها.

تذكرت ذلك كله، وأنا أقرأ في سورة الأنبياء، القصة القصيرة عن سيدنا يونس – عليه السلام، الذي غضب من قومه فقرر الهروب منهم دون إذن من الله (جل شأنه)، فقرر الله (جل شأنه) سجنه لفترة في زنزانة كأنَّها صنعت خصيصًا له، هي بطن ذلك الحوت، ولا شك عندي أنَّ الذين يريدون علوًا في الأرض وفسادًا فيها والمستكبرين لو استطاعوا أن يصنعوا زنازين من بطون الحيتان أو الديناصورات لما ترددوا في ذلك، فهم قد صنعوا ما هو أفظع، ألا وهو إلقاء المستضعفين بين أنياب الكلاب الجائعة والذئاب المخيفة والتكتيف والإلقاء في البحر ليكون طعامًا للسمك وما إلى ذلك.

إنَّ سجين بطن الحوت سرعان ما أدرك خطأه، وأنَّ مغادرته لموقعه دون إذن من ربه خطأ كبير ما كان ينبغي له أن يسقط فيه، فعوقب عليه واستيقظ إيمانه ويقينه، وحبه لربه، وشغفه برسالته، فكان من المسبحين، وهو في ظلمات بطن الحوت، ونتن تلك البطن الذي لا يشبهه نتن مثله، إلى أن استوعب الدرس، وتعلم ما ينبغي له أن يتعلمه، ولعله ذكِّر بقصة نوح الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، ولم ييأس ولم يتوقف ولم يهرب، إلى أن أذن الله (جل شأنه) له وأخبره بأنَّه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، فلا تبتئس بما كانوا يصنعون، وأمره بالتوقف عن دعوتهم، إذ لم يعد فيهم أي فائدة ولا ثغرة يمكن للخير أن يلج منها إلى قلوبهم، ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (هود:36-39)، فاصنع الفلك فإنَّنا لا نجد لمثل هؤلاء علاجًا إلا الهلاك الشامل، وإغراق الأرض التي ملأوها كفرًا وعتوًا وكبرًا وضلالًا، ولم تنفع فيهم كل محاولاتك المستمرة طيلة ألف عام.

 فكان على سيدنا ذي النون أن يأخذ العبرة والدرس من قصة سيدنا نوح، فلا ييأس من أهل نينوة، ولا يحزن، ويظل مرابطًا في موقعه حتى يأذن الله له، ولكنَّه لم يفعل، فكان نصيبه أن يسجن في بطن الحوت، ويعطى فرصة التفكير والتسبيح ليعود إلى قومه بروح جديدة وأساليب مؤثرة فاعلة، ويحقق ما كُلِّف به، وليعلم أنَّ هداية البشر ليست للأنبياء والمرسلين والدعاة وإنَّما هي لله (جل شأنه)، فهو (سبحانه) يهدي من يشاء ويضل من يشاء ﴿.. فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (فاطر:8).

 ولما بلغ الكتاب أجله اقترب الحوت من الساحل وألقى بالجوهرة التي كان يحملها في بطنه نبي الله يونس – عليه السلام – على الشاطئ؛ ليخرج مريضًا عليلًا، لولا أنَّ الله شاء له الحياة لكان انتهى وهو بطنه في الساعات الأولى. ولما عاد إلى قومه عودًا حميدًا، واستخدم معهم ما أمره الله به من وسائل جديدة في الدعوة كانت النتيجة أن كَذَبَت ظنونه الأولى في قومه فآمن به أهل البلد كلهم مائة ألف أو يزيدون، ومتعهم الله بقيادته حتى حين ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (الصافات:139-148).

أرأيتم زنزانة أسوأ من تلك؟ أرجو أن لا يقتبس المستكبرون والمستبدون والذين يريدون العلو في الأرض والفساد فيها الفكرة؛ ليحدثوا ثورة في صناعة الزنازين الحيتانيَّة! نسأل الله الحماية. لقد ترددت كثيرًا في نشر هذه الخاطرة حينما خطر على بالي أنَّ شياطين الإنس والجن قد يبتكرونها ويصنعون زنازين مماثلة لها في العراق أو في الشام أو في غيرهما من بلاد الله (تعالى)، نسأل الله السلامة والعفو والعافية والمغفرة إنَّه سميع مجيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *