Menu
منهجية التعامل مع التراث الإسلامي - مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية

مرحبًا يا شهر رمضان

أ.د/ طه جابر العلواني

ها رمضان قد أقبل، وأظلنا هلاله، وأعادتني الذاكرة إلى مدينتي الصغيرة على نهر الفرات مدينة الفلوجة، وتذكرت طفولتي وصبايا وشبابي، وكيف كنا نستقبل الشهر الكريم؟ كانت الفلوجة فيها جامعان كبيران: الجامع الكبير على نهر الفرات الذي أسسه ناظم باشا الوالي التركي، وجامع آخر كنا نسميه الجامع الجديد، أسسه أحد الوجهاء واسمه شاكر الضاحي، كان المؤذنون يبدأون الترحيب بشهر رمضان قبل أسبوع أو يزيد من دخول الشهر الكريم، فيقولون: مرحبًا يا شهر رمضان مرحبًا.

وتبدأ الأسر بالاستعداد لاستقبال الشهر الكريم بكل الحفاوة والتكريم والأريحية، والكرم والدعوة إلى تصافي القلوب، وتصالح الناس، واغتنام أيام الشهر الكريم لوصل ما قطع من صلات البر والتراحم. ونبدأ نحن في تلك السن المبكرة بترديد ما هو معروف من أغنيات في جميع العالم الإسلامي ومنها: “وحوي يا وحوي”، “أهلًا رمضان”، وبعض الأناشيد الأخرى اليسيرة السهلة، ويبدأ سهر الليالي، وقراءة القرآن، والاستعداد لموسم صلاة التراويح وما إلى ذلك.

ويستبشر فقراء المدينة، والمعوزون بأنَّهم سيكونون في غنى عن التسول أو طلب الرزق، فالمحسنون كثير، والذين يتقربون إلى الله بتقديم الفطور للصائمين في المساجد وفي المنازل كثيرون جدًا، وتسود البهجة الجميع.

تذكرت ذلك كله وأنا أشاهد الحالة التي تعيش فيها الفلوجة اليوم، وسائر مدن الأنبار، وديالى، ونينوى، وغيرها، وبدأت أتساءل أين ذهبت تلك الأيام؟ أين ذهب الأخيار؟ أين ذهب الكرماء؟ أين ذهب أهل السماحة والبر والكرم والجود والمواساة؟ أين ذهب هؤلاء؟ وكيف أبدلوا بأشرار لا يعرفون إلا القتل والاعتداء وزرع الخوف وتدمير الرجاء وإماتة الفرحة وقتل الأبرياء؟ أين ذهب هؤلاء؟ وكيف استبدلوا بهذا الخَلَف؟ وساءلتُ كتاب ربي: أين ذهب أصحابه؟ وأين ذهب أصحاب شهر رمضان، أهل الصيام والقيام أهل العبادة والذكر؟ لقد تركوا في الفلوجة اليوم أربعًا وثمانين مسجدًا لا مسجدين كما كان في عصر طفولتي، لكنَّها جميعًا خاوية على عروشها، ليس فيها مسجد واحد لم يُعلِّم الرصاص فيه: رصاص المدافع أو الطائرات أو البراميل المتفجرة أو ما إليها. أين ذهب الأمن؟ أين ذهبت الطمأنينة؟ أين ذهب الاستقرار؟ أين ذهب الخوف من الله؟ أين ذهبت التقوى؟ وقرأت فيما قرأت: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ (سورة النحل:112).

أنا أعرف أنَّ القوم لم يكفروا، لكن هناك كفران النعمة ومن لا يشكر النعمة ولا يقدرها حق قدرها ولا يذكر خالقها وسبب وجودها وسبب الإنعام عليه، فإنَّه يفقد تلك النعمة، ولا تستمر لديه، وأنا أعلم أنَّ اللذين يكفرون بنعم الله ولا يؤدون حق شكرها في العالم كثير، ولم تزل النعم عنهم، ولم يبدلهم الله بأمنهم خوفًا، وباستقرارهم قلقًا، وبسلامهم حربًا، فما الذي حدث؟ وبرزت أمام ناظري تساؤلات كثيرة، وإجابات كثيرة كذلك، لكنَّني ما زلت أبحث وراء الأسباب التي أدت بأبناء هذا البلد الحبيب المنكوب إلى هذا المصير.

 لقد استمعت إلى شيخ من مشايخ جنوب العراق يتكلم في مسجد أو حسينيَّة ويقول: هناك من يأخذ علينا أنَّنا نقول عن أمير المؤمنين عليّ: إنَّه ربنا – ويستكمل ذلك الشيخ الخرف: وإنَّنا نؤكد أنَّ عليّ ربنا، وأنَّه سيدخلنا الجنَّة، وسائر شيعته، ويدخل أعداءه وخصومه النار. وقلت: يا سبحان الله! أيكون الشرك صراحًا بواحًا ويبلغ هذا الحد؟ وسمعت آخر يقف على منبر يلطم ويعلم الناس اللطم ويقول: قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس إنَّ وليي العباس، ويقرأ أيضًا: إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر يا حيدر، ويقول ..  ويقول ..  ويقول .. .  وقلت: يا سبحان الله! أيبلغ الحال أن يزيف كتاب الله بهذا الشكل الوقح، ويزاد فيه وينقص، والمراجع كما يسمونهم يملؤون أرض الرافدين لا يحركون ساكنًا ولا ينكرون منكرًا، ولا يدافعون عن كتاب الله، ولا عن رسالة رسول الله، ولا عن سُنَّة محمد بن عبدالله؟ أيّ مراجع هؤلاء الذين يسمحون بهذا الكفر البواح فيسكتون عنه؟ وقد يقول بعضهم: إنَّها شطحات عامَّة وأخطاء، وأنَّ هؤلاء لا يقصدون وأنَّ فرط حبهم لآل البيت جعلهم يرددون مثل هذه الشطحات، وينزلقون إلى تلك الدركات، وقد يقول قائل: ولكن ديار هؤلاء بأمان، أمَّا الديار التي يستبد بها الخراب والتخريب فهي بلاد أخرى ومدن أخرى تخص قومًا لم ينتموا إلى هذه الطائفة بل انتموا إلى غيرها، ويأتي الجواب من كتاب الله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال: 25).

فالإلحاد والكفر والظلم إذا انتشر فقد تنقل الرياح آثاره وأخطاره وتوزع الشرور التي فيه وتصيب الأقرب فالأقرب، وقديمًا قيل: “حسنات الأبرار سيئات المقربين”.  فالذين لم يوقفوا المنكر ولم يصدّوا مقارفيه عن مقارفته لابد أن يعمهم العذاب، فالمجتمع مثل ركاب سفينة … فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا؛ كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِن الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا) رواه البخاري.

فلابد أن يكون  فيما حدث عِظة ودرس وعبرة، فالمنكرات حين تسيطر على بلد تدخله الفتنة وتتلبس به الأزمة، ويصاب البريء بجريرة المذنب، والمستقيم بجريرة المنحرف، حتى يعود الناس إلى رشدهم، ويصلحوا أحوالهم، ويتوبوا إلى ربهم، وإلا فإنَّ الفتنة سوف تتوزع على الجميع، تبدأ في هذا البلد اليوم ولا تنتهي مثل النار في الهشيم، لا تتوقف حتى تأتي على كل شيء، ولا يمكن أن يقال: إنَّ البلدان الأخرى التي نجت من الإصابات أول الفتنة ستظل في حالة نجاة، ليس الأمر كذلك، فالفتنة سوف تشمل الجميع، تدمر كل شيء بإذن ربها، وموقف الناس من الفتن ذكره الله (جلّ شأنه) لنا في قوله تعالى: ﴿ وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ (الأعراف 166:163)

فيا أهلنا في العراق والشام وليبيا والصومال وأفغانستان وباكستان وسائر بقاع الأرض إنَّ هذه الأيام الفضيلة يجب أن تذكرنا بالأمن والسلام والتصالح والتسامح والاهتداء بهداية الله، والعمل على إعادة الإيمان والإسلام إلى القلوب والنفوس والصدور، لعل الله (جلّ شأنه) يلطف بنا جميعًا، ويجعل الأمن من نصيبنا جميعًا، ويدخلنا في السلم كافَّة، ويوقف حالة الانحراف الشاذة الاستثنائيَّة التي لا مسوغ لها، والتي أنذرنا الله (جلّ شأنه) من الوصول إليها، فقال تبارك وتعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ (الأنعام:65).

فهل نستطيع أن ننادي بهدنة يتوقف فيها الاحتراب والتقاتل، وتهدأ الفتن، ويراجع الناس أنفسهم، قبل أن يعم الشر، ويدخل الجميع في حالة لا تبق ولا تذر؟!.

 نرجو الله ذلك، ونرجو أن يكون هذا الشهر موسمًا للتوبة والتسامح والتصالح، ودخول العراقيين واليمنيين والسوريين والليبيين وغيرهم في السلم كافَّة، نرجوه سبحانه أن يرحم الأطفال الرُضّع، والشباب الخُشّع، والشيوخ الرُكَّع، والبهائم الرُتع. إنّه سميع مجيب آمين.. آمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *