Menu
منهجية التعامل مع التراث الإسلامي - مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية

في مواجهة العنف والمد الشيوعي الحلقة الثالثة

أ.د: طه جابر العلواني

بعد مغادرتي للفلوجة وذهابي إلى بغداد لم أمكث بها فترة طويلة فقد غادرتها بعد عشرة أشهر إلى مصر لاستكمال دراستي في الأزهر الشريف وعدت إليها مجددا بعد أن أنهيت دراستي الجامعية في كلية الشريعة والقانون، وباشرت عملي في مسجدي؛ لأنّ الوظائف الدينيَّة –آنذاك- تعتبر من قبيل “توجيه جهة” تستمر مدى الحياة، وتصبح هذه الجهة بمثابة ملكيّة لـمَنْ وظِّف فيها إلا إذا تنازل عنها سواء أكانت إمامة أو خطابة أو تدريسًا في المدارس الملحقة بالمساجد، فابن إمام المسجد الأكبر إذا مات أبوه صار إمامًا، عليه أن يدرس دراسات دينيّة ليصبح مؤهلًا ليخلف أباه، ويتسلم عمله بعد الثامنة عشرة، فعدت إلى مسجدي أمارس عملي. وقد خطر ببالي أنّني أستطيع أن أكون مدرسًا في إحدى الثانويَّات، فقدمت إلى التعليم الثانويّ، ليكون التدريس عملاً إضافيًّا لي.

وكانت الأجواء السياسيّة في العراق قد أصبحت شديدة التوتر، وكان الصراع بين الشيوعيّين وخصومهم السياسيين قد بلغ مداه، ولم يعد من الممكن أنْ يلتزم الإنسان الحياد؛ فإما أن يكون “قاسميًّا” يؤيّد عبد الكريم قاسم ويدور معه حيث يدور، وإما أن يكون شيوعيًّا أو من أنصار السلام أو من الشبيبة الديمقراطيَّة، أو من الإسلاميّين أو القوميّين، وكانت المسافة بين الإسلاميّين والقوميّين تبدو متقاربة آنذاك. وبطبيعة الحال كنت منحازًا إلى التيّار الإسلاميّ خاصّة أنّه كان هناك استفزاز شيوعيٌّ للمشاعر الإسلاميّة بعد أن قاموا بمهاجمة بعض الأماكن مثل مقر “جمعيّة الأخوَّة الإسلاميَّة” ومجلتها في باب المعظم ومزقوا المصاحف والكتب الدينيّة، مما استفز المشاعر الدينيّة لدى الشباب، وبوصفي خطيب مسجد ركزت في خطبي على مقاومة الشيوعيَّة وواجهاتها، ثم بدأت أهاجم عبد الكريم قاسم نفسه وحكومته التي فتحت للشيوعيَّين مجال النشاط والحركة بحرية، وعلى أثرها تمت عدة مطاردات ومسائلات واستدعاءات من السلطة، لكنّها لم تبلغ حد المحاكمة أو السجن في تلك المرحلة، لكن تهديدات “أنصار السلام” و”الشبيبة الديمقراطيَّة” بالقتل أو ما أطلقوا عليه “التصفية الجسديَّة” لم تتوقف. ويمكنني الآن أن أقرر بأن الشيخ محمد الخالصيّ –يرحمه الله- (ت: 1343هـ/ 1963م) والشيخ عبد العزيز البدري –يرحمه الله- (ت: 1389ه / 1969م) وصاحب المذكرات كانوا من أشد علماء العراق وخطباء مساجدها وطأة على الشيوعيَّة والشيوعيَّين، ثم على البعثيّين من بعدهم.

ثم جاءت مرحلة مَا يسمى بـ”المد الأحمر الشيوعيّ”  بعد فشل محاولة انقلاب عبد الوهاب الشواف في مارس (1959م)، حيث كان الحزب الشيوعيّ هو حاكم البلاد الفعلي بتنظيماته: “أنصار السلام، والشبيبة الديمقراطيّة، والمقاومة الشعبيّة،” والعسكرييّن المؤيّدين له، وغيرها من الواجهات التي أسسها الحزب لخدمة أغراضه، وقد نجح عبد الكريم بأن يحدث توازنا بين الفئات المتناحرة، ويقف على أكتافها جميعًا فإذا ذهب إلى الأعظميّة أو الكرخ حيث العرب السنَّة سمع هتافات الإسلاميّين والقوميّين له: “عاش نصير الإسلام عبد الكريم قاسم”، وإذا ذهب إلى الكاظميَّة أو الشعلة سمع “عاش الديمقراطيّ عبد الكريم قاسم” أو “عيني كريِّم للأمام ديمقراطيّة أو سلام”.

لقد استطاع اليساريون والسلطة أن يحشدوا مليونًا وربع المليون من العراقيّين الذين لم يزد تعدادهم آنذاك عن ثمانية ملايين نسمة وذلك في عيد العمال عام (1959م) وقد استعرضهم عبد الكريم لعدة ساعات من منصة صنعت خصيصًا لتلك المناسبة في وزارة الدفاع، وردد الجميع هتافا واحدا “عاش زعيمي عبد الكريمِ، حزب الشيوعيّ بالحكم مطلب عظيمي” وظن الكثيرون أنَّ العراق سقط في أحضان الشيوعيَّة، وسينتهي إلى أنْ يكون جمهوريَّة من جمهوريّات الاتحاد السوفيتي!! وقد عزز من هذه التخوفات تعييِّن ثلاثة من الوزراء المعروفين بانتمائهم أو تعاونهم مع الشيوعيّين في الوزارة العراقية، وفي مقدّمتهم كانت امرأة شيوعية تدعى “نزيهة الدليمي”.

وعلى خلفية النشاط الشيوعي كانت هناك مقاومة إسلامية وقومية لهذا النشاط، وجرت اعتقالات موسعة للإسلاميين الذين فُتحت أمامهم أبواب السجون بعد إخفاق انقلاب عبد الوهاب الشواف لتضم ما يقرب من (83 ألف) معتقل فيهم طلبة في الثانويّات ونساء وفتيات وشيوخ، وكل ذلك كان بتهم سياسيّة، ولما كنت أشارك في مناهضة الشيوعيين فقد علمت بأنهم ينوون إلقاء القبض عليّ فآثرت الاختفاء بدلًا من الاستسلام لهم واختفيت حوالي ستة أشهر عدت بعدها إلى بغداد بعد هدوء الأوضاع.

مهدت هذه الاعتقالات التي أظهرت البعثيين باعتبارهم أهم القوى المعارضة للشيوعييّن لخلافة حزب البعث للشيوعيّين، فقد عملت الحكومة العسكريّة برئاسة عبد الكريم قاسم والشيوعيّون على الزعم أنّ هؤلاء المعتقلين جميعهم من البعثيّين، ورغم أنَّ مؤيدي حزب البعث وأعضائه بكل مستوياتهم في تلك المرحلة لم يتجاوزوا مائة وخمسين عضوًا، لكنّ الانطباع الذي حدث في نفوس الناس كان ذلك الذي ذكرنا، وحين نقرأ الآن أحداث تلك المرحلة بالخبرة والتجربة التي تكونت لدينا –فيما بعد- نجد أنّ تضخيم أعداد البعثيين كان يراد بها الإيحاء بأنّ أيّ مطالبة بوحدة عربيَّة غير مقبولة طالما أنها ستؤدي حتمًا في المستقبل إلى الإضرار بإسرائيل. وذلك لإبراز حتميَّة واحدة فقط؛ هي حتميَّة بناء وعي قوميّ علمانيّ يمكن أنْ يتعايش مع الدولة العبريَّة ويسالمها، وذلك -كلّه- كان يقتضي أنْ ينسب الكفاح ضد الشيوعيّين إلى حزب البعث؛ وتظهر الفئات الأخرى على أنّها حليفة منقادة أو تابعة للبعثيّين. لقد كان الشيوعيّون يبدون كمن يعمل ليهيئ حزب البعث لخلافة قاسم بقصد أو بدون قصد، فيتسلم البعثيّون العراق ويكونون هم الوارثين إذا سقط الشيوعيّون والقاسميّون.

وحزب البعث -آنذاك- كان حزبًا يؤمن بـ”الماركسيَّة اللينينيَّة بتطبيق عربيّ”، -كما نص دستوره قبل تسلُّم السلطة- ولم يكن بينه وبين الشيوعيّين من فارق أيديولوجيّ كبير إلا “العروبيّة” في البعث، و”الأمميّه” في الشيوعيّين، كما أنّ الحزب الشيوعيّ العراقيّ لم يكن ضد الوحدة العربية وحسب، بل كان مؤيّدًا صريحًا لحق “الرفاق الإسرائيليّين”!! في تأسيس دولتهم في فلسطين. ولم يتردد في تسيير مظاهرات تصدرها الرفاق من اليهود العراقيين للمناداة بحق الرفاق الإسرائيليِّين في تأسيس دولتهم.

تفسر لنا هذه الحوادث الأسباب التي تقف وراء اتهام الشيوعيّين وعبد الكريم قاسم لكل مَنْ يدعو إلى الوحدة، أو يحمل اتجاهات وحدويَّة أو قومية أو إسلامية سواء كانوا (سنّة أو شيعة أو أكراد أو غيرهم) بأنهّم بعثيُّون رغم علمهم أنَّ حزب البعث لم يدخل العراق إلا عام (1954م)، ولم يبدأ في البروز إلا عام (1956م) وبشكل محدود، ووثائق حزب البعث ذاتها تؤكد أنّ البعثيّين لم يتجاوزوا سبعين شخصًا عام (1956م) ومع ذلك ضُّموا إلى “الجبهة الوطنيّة” في العراق التي ضمت فصيلا من الحزب الشيوعيّ كان مقربا من حزب البعث، وحين زودت تشيكوسلوفاكيا الحزب الشيوعيّ بجهاز طباعيّ جديد طلبت منهم التبرع بجهازهم القديم لحزب البعث العراقيّ بناءً على اقتراح من جهة بريطانيَّة.

وقد مثّل البعثيّين في حكومة الانقلاب المهندس “فؤاد الركابيّ” (ت:1971م) الذي شغل منصب وزير الإعمار، وهو شيعي من جنوب العراق، وهو أول من تبنى أفكار حزب البعث من العراقيين وأول مسئول عن الحزب في العراق، وقد اغتالته أجهزة صدام في السجن فيما بعد لتوجهاته الناصريّة.

في رفض ثقافة العنف: فتوى قتل الشيوعيين

أذكر في معرض الحديث عن الشيوعيّين أنه حينما تمت الإطاحة بحكومة عبد الكريم قاسم في الثامن من فبراير سنة (1963م) وعلى أثرها تم إعدام قاسم بعد أسره في العاشر منه. ووجدنا أنفسنا وجهًا لوجه مع حزب البعث، ولهذا الحزب تاريخ طويل في عمليّات الاستغلال والتوظيف السياسيّ للقضايا الكبرى كالوحدة والحريّة والدين، وأراد البعثيّون أنْ يوظّفوا الدين في القضاء على منافسيهم وهم على الترتيب الشيوعيّون ثم القوميّون الناصريّون ثم الإسلاميّون. وكان البعثيّون ذوي ذكاء ومكر ودهاء، وتوصلوا إلى أنَّهم يمكن أن يتخلصوا من خصومهم بأن يضربوا الشيوعييّن بالإسلاميّين ثم يتخلصوا بعد ذلك من الإسلاميّين بزعم أنّهم رجعيّون وظلاميّون، وفي الوقت الذي قرروا فيه التخلص من الحزب الشيوعيّ الذي لم يكن عدد أعضائه يتجاوز ثمانية آلاف شخص، وقد سنحت لهم الفرصة مع إقدام بعض المعتقلين الشيوعيين على تنفيذ محاولة انقلاب باءت بالفشل في سجني “الدبّابات وسجن رقم (1) في معسكر الرشيد أحد المعسكرات الهامَّة في ضواحي بغداد، واتخذ مجلس قيادة الثورة ذو الأغلبية البعثية- وإن كان عبد السلام عارف رئيس الجمهورية مستقلاً- قرارًا بضرورة إعدام جميع أعضاء “الحزب الشيوعيّ”، وقد عضدوا قرارهم بثلاثة فتاوى من كبار العلماء ومنهم السيد محسن الحكيم (ت:1970م) المرجع الشيعي البارز، والسيد نجم الدين الواعظ (ت: 1976م) المفتي السنيّ وضم إليهما الشيخ الخالصيّ في الكاظميَّة فأفتوا –جميعًا- بإعدام الشيوعيّين. وقد أفتى الشيخ الخالصيّ بإعدام الشيوعيّين دون علم بالتفاصيل المحيطة بالحدث وهل يستحق من قاموا بمحاولة انقلاب فاشلة أن تسلب منهم حياتهم، وحجته أن الإنسان ما دام قد انضم طواعية وعن قناعة إلى الحزب الشيوعيّ فمجرد انضمامه إلى الحزب كافٍ لتجريمه والحكم بإعدامه؛ لأنّ الشيوعية في جوهرها عقيدة إلحاديّة تنكر وجود الإله وتزدري الأديان، وترى في الدين أفيون الشعوب.

ولم يختلف موقف السيد محسن الحكيم كثيرًا وذهب إلى جواز الإعدام إلا أنّه قيد ذلك بأنه يجب التمييز بين من هو شيوعيٌّ حقيقيٌّ آمن بالمبادئ الشيوعية عن قناعة وبين المخدوعين من الشيوعيين الذين لم يقفوا على حقيقة الشيوعية ولكنّهم انضموا إليها لأنهم صوّروا لهم أنّ الشيوعيّة والتشيُّع شيء واحد!!

أما الشيخ نجم الدين الواعظ فلم يكتف بجواز قتلهم ولكنّه ذهب إلى حد وجوب ذلك وجوبا مطلقا.

كان هذا موقف الشيوخ الثلاثة أما أنا فلم أكنْ مفتيًا ولم أكن من كبار العلماء، ولكنّي كنت شيخا أزهريا حديث التخرج، وخطيبا في جامع الحاجة حسيبة الباﭼـه ﭼـي. وقد تصادف أن العميد الركن عبد الغني الراوي كان يحرص على أداء صلاة الجمعة في مسجد الحاجة حسيبة، وقد كلّف من مجلس الثورة بأن يكون رئيس مجموعة النار أو الرمي التي عليها أنْ تقوم بإعدام الشيوعيين، وكان المجلس قد أصدر أوامره بترحيل خمسة آلاف أو يزيدون منهم إلى سجن “نقرة السلمان” الذي يقع في البقعة الصحراوية القاحلة التي تفصل بين السعوديَّة والعراق. وتم حشد الشيوعيّين فيه في شهر (يوليو/ تموز)، وكان الحر شديدًا حيث وضعوهم في قطارات البضائع الحديديّة المغلقة وأرسلوا بهم إلى هناك، فمات كثير منهم من الحر والاختناقات؛ ولذلك أطلق الشيوعيّون على تلك القطارات “قطارات الموت”.

 وفي هذه الأثناء جاءني السيد الراوي المكلّف بإعدامهم يسألني رأيي في الفتاوى التي أصدرها العلماء الثلاثة، وأخبرني بأنّه مكلَّف بإعدامهم جميعًا من قبل مجلس قيادة الثورة ورئيس الجمهورية وأن عليه أن ينجز مهمته على وجه السرعة بحيث يشرع في الساعة السابعة صباحًا على أن ينتهي في الساعة السابعة مساءً قبيل أنْ تصل أنباء ذلك إلى دول المعسكر الشرقي وبخاصة روسيا التي قد تمارس ضغوطا لحماية هؤلاء. وقد زودوه ببعض الإجراءات التي ينبغي اتباعها كأن يسأل كلًّا منهم عن اسمه. وما إذا كان شيوعيًّا أم لا، وهل انتمى إلى الحزب الشيوعيّ مع معرفته به؟! إلا أنهم أضافوا أنَّه أيا كانت الإجابة عن هذه التساؤلات فكلُّهم يجب أنْ ينتهوا. ومن أجل تنفيذ هذا المخطط تم تسليم السيد الراوي مبلغ مائتي ألف دينار عراقي لتوزيعها على الجنود الذين سيقومون بعمليّات الرمي والإعدام.

وخلال جلستنا في الليلة السابقة على موعد الإعدام أخبرني الراويّ أنه رغم الفتاوى الصادرة عن العلماء الثلاثة فإنه ليس مقتنعا وضميره لا يرتاح لها، وطلب مني رأيي في هذه المسألة وأضاف أنه أيا ما كان فإنه سيعمل وفقا له، فأجبته بأني حديث التخرج ولا أحسن الفتاوى، وهؤلاء أعلام العلماء في البلاد. ولكنه أصر على أن أخبره برأيي لأنه كان معجبا بخطبي، وعندئذ أجبته قائلًا: إذا كنت تريد أنْ تسمع رأيي فانتظر، وكانت الساعة الثانية بعد منتصف اللّيل وهو يريد أنْ يسافر على الساعة السابعة، فأتيت بدستور حزب البعث الذي لم يكن قد عدّل بعد. وقرأت له المادة الأولى منه وكانت تنصّ على “أنّ الحزب يؤمن بالماركسّية اللينينيّة بتطبيق عربيّ” والمادة التاسعة منه تشير إلى أنّ الإرث يعتبر كسبًا غير مشروع، وقلت له: يا أخي هذا الحزب الذي كلّفك بإعدام الشيوعيّين بتهمة “الردّة” هو حزب شيوعيّ –أيضًا- ولكنَّه يرتدي الكوفيَّة واليشماغ، فهو شيوعيٌّ بتطبيق عربيّ ويلتزم بتطبيق الماركسية اللّينينيَّة في إطار عربيّ على الأقل.

 وأضفت أن مشكلة الحزب البعثيّ لا تقتصر على الإيمان بالماركسية اللينينية وإنما المشكلة الحقيقة في علاقته بالله والدين؛ فالحزب ينكر آيات الكتاب الكريم التي تتعلق بالإرث ويصرح بأن “الإرث كسب غير مشروع” على حين أن الله تعالى يقرر أنّ الإرث كسب مشروع، إن حزبا كهذا لا يتصور أن يكون ملتزمًا بمبادئ الإسلام فضلا عن أن يقتل من أجله، فكيف تحاكم هؤلاء بحجّة وقوعهم في “الردة” والحاكمون أنفسهم مرتدون بهذا الاعتبار!؟ وأردفت: إنَّ “علي صالح السعدي” و”مصطفى عبد الكريم نصرت” البعثيين كانا قبل أيام قليلة يطلقان النار على السماء وهما يتصايحان تهكما على الذين يرون أن الله أمدهم بالعون في القضاء على عبد الكريم قاسم “أين هو الله؟ إنه لم يشترك معنا بالاجتماعات التحضيريَّة، ولا شارك معنا بالثورة، ولم يدفع اشتراكًا واحدًا للحزب” وكانا يطلقان الرصاص باتجاه السماء تعبيرًا عن إنكارهم لوجود الله، فإذا لم يكن هؤلاء مرتدين فمَنْ هم المرتدون؟! وقلت له: اطلب من الرئيس والقيادة أن يسلموا لك هذين الاثنين لتعدمهما مع الشيوعيين، ولعلّ الناس –آنذاك- يمكن أنْ يصدقوا أنّ موقفكم هذا نابع عن أسباب دينيّة وليس عن رغبة دمويّة تستغل الدين لتحقيق أغراض سياسيّة.

ومضيت موضحا أن هؤلاء يريدون أنْ تقوم نيابة عنهم بالتخلص من الشيوعيّين؛ وأن الاختيار وقع عليه لأنه إنسان متدين ملتزم بتعاليم دينه وفرائضه، وأنه في حال قيامه بذلك فإنهم سوف يقضون عليك يا عبد الغني وعلى الإسلاميّين بتهمة الإبادة الجماعية للآلاف من المواطنين الأبرياء وبذلك تتم تبرئة ساحة حزب البعث، وتتحمل وحدك تبعة هذا الأمر ومن ورائك الإسلاميُّون جميعا. وأخبرته أنَّني أخشى أنّهم بعد الفراغ من إبادة الشيوعيّين قد يكون من بين الجنود المرافقين لك شخص أو أكثر من المكلَّفين بقتلك وسيعلنون أنّك إنسان رجعيٌّ، وقمت بإبادة جماعيّة وجريمة ضد الإنسانيّة دون علم حكومة “حزب البعث” وبمبادرة فرديّة منك قمت بإعدام هؤلاء الرفاق، وبذلك يوضع الإسلاميّون بالسجون. وقد يؤتى لهم بشيوعيّ يعدمهم –أيضًا- ويتخلصون من الجميع وتصفو الساحة لهم. وبعد أنْ استمع لي قرّر الاعتذار عمّا كلّف به، وتوجه فورا من منزلي إلى مقر رئيس الجمهورية وأعلمه بأنَّه لن ينفذ هذا الأمر، وإذا أرادوا أنْ يكلوا الأمر إلى شخص آخر من رجالهم فذلك لهم، ولكنَّه أعلن رفضه شخصيًّا للتنفيذ.

كانت تلك الواقعة في تموز عام (1963م) في فترة باكرة من شبابي، ولم تكن خبراتي البسيطة تسمح لي بمعارضة فتاوى هؤلاء الأعلام، لكنّني تحملت مسئوليّتي لوجه الله، وقلت مَا كنت أؤمن به، وأحسست بأنّي تجاوزت مرحلة الفقه الحرفيّة والفتوى القاصرة لأنظر للأمر من مدخل سياسيّ ومدخل اجتماعيّ ومداخل مختلفة أخرى يفرضها على المفتي دوره في «تكييف الواقعة».

وهذه الواقعة توضح بشكل جلي كيف تقوم السياسة باستغلال الدين وكيف توظفه لتحقيق مآربها، والذي لا بد لي من تسجيله –هنا- أنّني تعرضت للوم كل من عرفوا هذه الواقعة من إسلاميّين وقوميّين. وهو ما يعني أنَّ فكرة قتل المخالف، أو “التصفية الجسديَّة” ظاهرة متأصلة في عالمنا العربي وعقلنا الجمعيّ، فكأن أيسر الطرق للتخلُّص من المخالف وأسهلها هو “القتل أو التصفية الجسديَّة”، وحين ننظر للمقاصد القرآنيَّة العليا الحاكمة، ولمقاصد الشريعة نستطيع أن نتبيَّن الهوة السحيقة التي تردّيْنا فيها. فأيّ عمران أو حضارة يمكن أن يقيمها إنسان لا يحترم الحياة الإنسانيّة ولا يحرص على حمايتها وحفظها؟!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *