Menu
منهجية التعامل مع التراث الإسلامي - مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية

العراق والجوار اللدود الحلقة الأولى

أ.د: طه جابر العلواني

بعد تفكك الدولة العثمانيَّة، وتحويل ميراثها إلى دول قوميَّة تم تصنيعها بطريقة تتفق والنظام العالمي الذي أفرزته أحداث أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وأخذ أشكاله التنفيذيَّة بعد الحرب العالميَّة الأولى؛ ضم العراق بغداد عاصمة له وشمال العراق ووسطه والجنوب الغربي، فصار قطرًا أهم حواضره بغداد والبصرة، ثم استطاعت بريطانيا أن تحمل تركيا عام 1925 على التنازل عن الموصل، كما تركت كركوك كذلك للعراق الجديد، فبرزت صورته الجديدة وظهرت حدوده: حيث يحده من الشمال تركيا ومن الجنوب السعوديَّة ومن الشرق إيران ومن الغرب سوريا والأردن. وهكذا صارت إيران جارًا تمتد حدوده: في الشمال أرمينيا وأذربيجان وتركمانستان، وتطل إيران على بحر قزوين (وهو بحر داخلي تحده كازاخستان وروسيا). ومن الشرق أفغانستان وباكستان، ومن الجنوب الخليج العربي وخليج عمان، ومن الغرب العراق ومن الشمال الغربي تركيا.

 وكان حكم العراق من نصيب الأسرة الهاشميَّة التي كانت قد خرجت لتوها من الحرب ضد الأسرة السعوديَّة التي انتهت بتسليم الملك علي ابن الحسين جدة عام 1928 للسلطان عبد العزيز آل سعود، الذي صار بعد ذلك ملكًا للمملكة العربيَّة السعوديَّة.

كان فيصل الأول ملك العراق الهاشمي على خلاف بل في حرب مع آل سعود، ينظر إليه اليمنيون أيضًا بقيادة إمامهم بحذر شديد، ويتخوف الإيرانيون منه، ويرون فيه جارًا لا تؤمن بوائقه. ولم تكن نظرة العراق إلى جيرانه تختلف كثيرًا عن نظرة أولئك الجيران إليه، وبما أنَّ العراق قد بدأ تشكله في ظل احتلال بريطاني تحول إلى انتداب ثم إلى معاهدة فإنَّ جانبًا من جوانب علاقاته مع جيرانه كان يخضع لتطورات العلاقة بين أولئك الجيران وبين بريطانيا، ووجود المصالح البريطانيَّة في الهند وفي الطرق المؤدية إلى الهند التي كانت تلقب بدرة التاج البريطاني تجعل العراق طرفًا تابعًا في الصراعات البريطانيَّة مع القوى الدوليَّة الأخرى فرنسا ثم بعد ذلك أمريكا؛ ولذلك شهد العراق نظام حكم متصف بالقلق، فترات استقراره محدودة جدًا، فمشكلاته الداخليَّة ما كانت تتوقف إلا لتبدأ من جديد ضد الآشوريين وضد بعض القبائل، وصراعات حدوديَّة، ونزاعات حول حدود بريَّة وبحريَّة، إضافة إلى ما في البلاد من ثروات ظاهرة وكامنة تجعله موضع مطامع المغامرين والمستعمرين من سائر القوى الطالعة.

وقد تجد في تاريخه المعاصر مصداق ذلك من احتلال إلى انتداب إلى معاهدة، ومن ثورات محليَّة دينيَّة وعشائريَّة ومذهبيَّة، وانقلابات عسكريَّة، وانتفاضات شعبيَّة انتهت بانقلاب عسكري ناجح في الرابع عشر من تموز 1968؛ لتضع نهاية للحكم الملكي في العراق، لتبدأ موجات الانقلابات العسكريَّة المحضة أو المتفاهمة مع أحزاب جعلت من السلطة هدفًا من أهدافها، ووجود النظام العسكري الانقلابي أعاد إلى الأذهان فكرة أنَّ تشكُّل العراق بالطريقة التي تشكَّل بها بعد ثورة العشرين هو تشكُّل هش ضعيف لم يكن أصيلًا ولم تكن له قواعد ثابتة في ضمائر العراقيين، ويبدو أنَّ النظام الملكي عجز عن إيجاد آلية لصهر الشرائح المكونة للشعب العراقي في بوتقة واحدة، بحيث يكون العراق وطنًا يحظى بولاء جميع أبنائه وحرصهم على إعلاء شأنه، وجعله بلدًا مزدهرًا مستقرًا ووطنًا للجميع، فبقيت شعوبه من أكراد وتركمان وآشوريين وصابئة ويزيدية إضافة إلى الشيعة والسنة وذوي الجذور الفارسيَّة وما إليها بقيت كل هذه الجهات تحتفظ بخصوصياتها وتحرص عليها وعلى تناقلها بين الأجيال المختلفة، مما جعل أنظمة التعليم والإعلام والثقافة عاجزة عن توحيد ذلك النسيج وجعله نسيجًا واحدًا، وإن بدا للجميع أنَّ ذلك التعايش والسلام الذي ساد في بعض المراحل تعايش حقيقي ويمكن أن تبنى عليه وحدة وطنيَّة، وموجة الانقلابات العسكريَّة التي بدأت 1958 قد اقتلعت تلك الروابط الهشة من جديد؛ ذلك لأنَّ الأنظمة التي أقامها العسكريُّون في العراق كانت بطبيعتها أنظمة تؤدي إلى تفكيك الشعب وإضعاف روابطه وإعلاء شأن الولاء للسلطة والقائد على الكفاءة وعلى العدل، وتفكير أولئك القادة العسكريين كان ينصرف دائمًا إلى كيفيَّة إيجاد قواعد شعبيَّة خاصَّة بهذا العسكري أو ذاك من القائمين على السلطة التي يجري تداولها بطريق الانقلابات.

وحين قامت دولة إسرائيل في فلسطين شكَّلت تحديًا أيقظ نوازع القتال والجهاد والدفاع عن النفس وحماية الشعوب ومقدراتها، وجعلت الصوت الذي يرتفع بمثل هذه النداءات أعلى الأصوات لا يعلو عليه صوت آخر، وبرز شعار لا صوت يعلو على صوت المعركة، وما من شيء يستهوي القادة العسكريين الانقلابيين في بلد مثل العراق كالصراع الذي يعطي البيئة الملائمة لعمليَّات الاستقطاب والفرز، واتجاه العالم الغربي نحو حماية إسرائيل وأمن إسرائيل جعلها تفضِّل الأنظمة الانقلابيَّة على الأنظمة شبه الديمقراطيَّة، بل حتى الديمقراطيَّة نفسها، فوجود سلطة بأيدي قادة مستبدين يستندون إلى قواتهم تجعل التفاهم معهم أيسر على شتى الأمور؛ ولذلك يصبح التفاهم إذا تم مع رأس النظام الفرد أيسر بكثير من إقناع ملك وحكومة وبرلمان ومجلس شيوخ وما إلى ذلك، فوجدت تلك الانقلابات سندًا في الأوضاع الدوليَّة المؤثرة الحريصة على أن تجعل من أمن إسرائيل هدفًا أساسًا من أهدافها.

كان العراق قد اختار منذ نشأته أن يكون حليفًا للغرب: بريطانيا ثم أمريكا وبريطانيا، وقرر أن لا يقترب من الاتحاد السوفيتي ولا يسمح لأنصار وأعوان ومؤيدي الحركة الشيوعيَّة أن يكون لهم وجود فاعل في العراق أو السياسة العراقيَّة، ومعلوم أنَّ العراق كان أول بلد عربي إسلامي تشكَّل فيه حزب شيوعي ابتدأ في التشكُّل عام 1927، وبقي يتسع وينتشر بتعاون مع اليهود العراقيين ومع المعنيين بأمن إسرائيل حتى وقت ليس ببعيد، وقد انتقل اليهود العراقيون الذين أسقطت جنسياتهم إلى إيران، واستقروا فيها، ولم يهاجر إلا الفقراء فيهم إلى إسرائيل، أمَّا الأغنياء فقد آثروا أن يقوموا بعمليَّات مقاصة فيتركوا أموالهم وتجاراتهم لتجَّار من أصول فارسيَّة أو شيعيَّة ويأخذوا بدلها وما يقابلها في إيران، وهناك صار كثير منهم تجارًا في الذهب وفي السجاد الإيراني، وصار لهم أثرهم في الاقتصاد الإيراني وتوجيهه، ولهم دورهم في السياسة الإيرانيَّة في عهد الشاه، وذلك لم ينهِ مشاعرهم وتعلقهم بالعراق وأسفهم على ما تركوا من جنات وعيون ونعيم في بلاد الرافدين.

شاه إيران شخصيًّا كان ينظر إلى العراق نظرة حسد، ويتمنى أن تنتقل نعم العراق كلّها إلى إيران، ولم يكن يخفي تلك المشاعر عن بعض زائريه من السياسيين العراقيين الذين يرى فيهم شيئًا من الولاء أو الصداقة لعرشه أو لمصالح بلاده، مع أنَّ النظام الملكي العراقي ربما كان سببًا في حماية عرشه لمرات عديدة خاصَّة حين أطاح مصدق به واضطر إلى أن يلجأ إلى بغداد فأكرمه النظام الملكي غاية الإكرام، وبقي يتعامل معه على أنَّه ملك ضيف وليس لاجئًا إلى أن نجحت المخابرات الأمريكيَّة في إعادته إلى عرشه بعد حوالي شهرين من تنحيته[1].

شاه إيران كان شديد التعصب للفرس وللفارسيَّة، وينظر إلى العرب نظرة احتقار، ويرى أنَّ العرب هم الذين أطاحوا بالإمبراطوريَّة الساسانيَّة التي كان يحتفل بتاريخها، ويذكِّر الأجيال الإيرانيَّة الطالعة بأمجادها، ويرى في الإسلام فترة أشبه بفترة احتلال، وفي الوقت نفسه كان يتمنى لو اقتلع كل ما هو عربي من إيران، ومن محاولاته المشهورة أنَّه جمع أفضل علماء اللسانيَّات في إيران وكلفهم باستبدال جميع الكلمات العربيَّة الموجودة في اللغة الفارسيَّة بكلمات فارسيَّة قديمة، فإن لم يجدوا فيمكن أن يأخذوا من اللغة الفرنسيَّة كلمات بديلة عن الكلمات العربيَّة، وكان يتمنى لو استطاع أن ينقل العتبات المقدسة وقبور آل البيت كلّها إلى إيران؛ ليجعل إيران العاصمة الصفويَّة العالميَّة، إليها تتجه أفئدة وقلوب الشيعة في العالم؛ ليكون التشيُّع الصفوي هو السائد في المنطقة، ويتخلَّص من أي سلطان عربي، أو أن يأتي يوم يستعيد به العراق؛ ليكون جزءًا من الدولة الساسانيَّة العظمى التي كان يسعى إلى تأسيسها. وحين سقط النظام الملكي في العراق، وبدأت موجة الانقلابات، اعتبر أنَّ الفرص قد تواتي لتحقيق ذلك الحلم، فيستعيد إيوان كسرى الذي يقع جنوب بغداد بما لا يزيد من عشرين كيلو مترًا، ومعه القبور والعتبات، ويصبح الفرس سادة المذهب والعقيدة واللغة الفارسيَّة. وربما كان زواجه بالسيدة فوزيَّة شقيقة الملك فاروق غير بعيد عن أحلامه، فهو لن ينسى أنَّ مصر قامت فيها دولة فاطميَّة لثلاثة قرون ونصف، فمن الطبيعي أن يكون من بين أحلامه إعادة مصر إلى المذهب الفاطمي، والحصول على عمق استراتيجي جديد.

[1] حين وصل الشاه مع أسرته إلى بغداد هاربًا من طهران نسيت زوجته ثريا اسفندياري كلبها في القصر فحزنت حزنًا شديدًا، وشكت إلى الوزير المرافق للشاه وهو السيد خليل كنه أنَّها لا تطيق الحياة بدون كلبها، فاتصلت الحكومة العراقيَّة بالدكتور مصدِّق ورجته أن يأمر بإرسال الكلب إلى بغداد ولو بطائرة خاصة، وأرسلت حكومة طهران الجديدة كلب الشاه بانو بطائرة خاصة إلى بغداد، فكانت سعادتها بلقائه عظيمة جدًا، وصار العراقيون يتندرون بقصة الكلب السعيد الذي تهتم به الحكومات ويسفر بطائرة خاصة؛ ولذلك دلالته على كرم الحكومة العراقيَّة مع شاه إيران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *