Menu
منهجية التعامل مع التراث الإسلامي - مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية

درسٌ من الهجرة

 

أ.د.طه جابر العلواني

“الهجرة” مفهوم صاغه القرآن المجيد بلسانه، وأثنى عليه، ووقَّت له، ومهَّد له كثيرًا، وأعاد القرآن تنظيم الزمان ليُعطي لهذا الحدث العظيم أبعاده -كلّها- فكأنَّ الله -تبارك وتعالى- أراد أن يُشعر البشريَّة كلَّها بأنَّها -ببعثة رسول الله وخاتم النبيِّين محمد- قد دخلت طورًا جديدًا، بل إنَّها قد وُلدت من جديد، فمنطلق هذا الدين ومهبط الوحي كان الحرم، حيث أوَّل بيت وُضع للناس ببكة، والزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض. أرأيت حين يكون لديك عدَّاد تُعيده إلى الصفر ليبدأ العدَّ من جديدٍ، كأنَّ شيئًا مماثلاً حدث عند بعثة خاتم النبيِّين على مستوى الكون، قال جلَّ شأنه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أنفسكم﴾ (التوبة:36)، فهناك تغيير في المكان وتغيير في الزمان، وهناك إشارة إلى تغيير جذريٍّ إلى الأحسن والأفضل، وإلى التي هي أقوم في الإنسان. فهذه الرسالة لم تقتصر على استبدال «جاهليّة العرب» بالإسلام، بل فكَّكت العالم القديم -كلّه- لتُعيد بناءه من جديد، فكانت هناك إمبراطوريتان عظيمتان تتحكمان في مصير العالم، إمبراطورية فارس ودولتها وقيادتها الكِسرويَّة المهيمنة على الشرق، تُقابلها إمبراطوريَّة الروم المهيمنة على الغرب، والمنتشرة في أصقاع كثيرة، منها بلاد الشام، فخلال وقت قصير حرَّر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شبه الجزيرة العربيَّة من الجاهليَّة والشرك وعبادة الأصنام. وتم تحرير العرب المـَنَاذرة من سلطان الفرس، وحرَّر العرب الغساسِنة من سلطان الروم، وهزَّ أركان الامبراطوريَّتين، وضعضع قواعدهما ليترك لخلفائه الراشدين من بعده استكمال عمليات تفكيك الامبراطوريَّتين، فتنتهي فارس ولا تقوم لفارس الكسرويَّة قائمة بعد ذلك، وقد انتهت فارس بالفعل وذابت في كيان الأُمَّة المسلمة. وأمّا الروم -وقد أَلِفَ العرب إطلاق كلمة الروم على الغرب وكل ما هو غربي- فكما ورد في صحيح مسلم عن الْمُسْتَوْرِد الْقُرَشِيِّ أنّه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ»، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَبْصِر مَا تَقُولُ، قَالَ: أَقُولُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالاً أَرْبَعًا؛ إِنَّهُمْ لأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ، وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ، وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ».

وأستطيع أن أُضيف إلى ما قاله عمرو بن العاص، ونحن نشهد ذلك الصراع التداوليَّ بيننا وبين الغرب: إنَّ الفرس كانوا من الشعوب الأُميَّة، حضارتهم على ضخامتها لم تكرِّسها نبوَّة، ولم تُعطها النسيج الذي يُعزز وجودها وكيانها، ويفتح أمامها الآفاق المختلفة، فكانت عملية استيعابها في الإسلام من قِبل المسلمين ميسَّرة كسائر الشعوب الأُميَّة، أمَّا الإمبراطوريَّة الرومانيَّة والدولة البيزنطيَّة فهي كيانات اعتمدت على إرثٍ حضاريٍّ، وعصبيَّة دينيَّة، تمثَّلت في النصرانيَّة، جعلتها تستعصي على الإذابة والاستيعاب، بحيث تبقى عنصر تحدٍّ للإسلام والمسلمين، يحفِّزهم إلى اليقظة الدائمة والتوتر المستمر؛ لئلا يتراخوا ويتَّكلوا وينغمسوا في مظاهر الحضارة والدعة والسكون، ويتركوا الدعوة، ويفقدوا روح المبادرة، فينتهوا إلى ما انتهوا إليه. فهل نستطيع اليوم أن نأخذ الدرس والعبرة من الهجرة؟ ونستعيد حيويَّتنا وطاقاتنا، ونعلم أننا أُمَّة رسالة، وأُمَّة لابد لها أن تكون في موضع القطبيَّة إن تمسَّكت بمقومات وجودها، وفي مقدِّمتها الكتاب الكريم، أو الانسحاق تحت أقدام الغازي المتحدِّي الذي سوف تستمر الحياة -سجالا- بيننا وبينه، خاصَّةً بعد أن تقدَّم علينا في المجالات التقنيَّة بقرون، ولم يعد من السهل علينا الوصول إلى مستواه في هذا المجال، فهناك مَن يُقدِّر المسافة الزمنيَّة الحضارية بيننا وبينه بستة قرون، وهناك من يُقدِّرها بأقل من ذلك بكثير أو قليل، فيبقى ميدان السباق بيننا وبينهم منحصرًا في استحياء قدرتنا الرساليَّة على استيعاب الأُمم برسالة الإسلام، واستقبالها وهي تُقبِل على دين الله أفواجًا، إذ انَّه لا سبيل إلى تصحيح الأوضاع وتحقيق أهداف الحق من الخلق، ودخول الناس في السلم كافَّة، بالدخول في مسابقات للقوة أو محاولات فشلت أو نجحت. لا شيء يمنع من أن يستمر بعض العلماء بمحاولة فهم التقنيَّة وتفكيكها، لكنَّ الواجب يقضي بضرورة القيام بواجب إيصال الرسالة العالميَّة الخاتمة إلى الناس جميعًا، واستيعابهم بها مهما كان مستوى تقدُّمهم العلميِّ والتقنيِّ، وإدخالهم وضمِّهم إلى أُمَّة الإجابة بوسائل الدعوة، فإنَّ المسلمين لن يسعوا الناس اليوم بقوَّتهم مهما كانت، فليسعوهم بدعوتهم… والله أعلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *