Menu
منهجية التعامل مع التراث الإسلامي - مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية

التعصب آفاته وأضراره

أ.د.طه جابر العلواني

الحمد لله رب العالمين نستغفره ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ونصلي ونسلم على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن واهتدى بهديه وتأسى به ومن وَلاَهُ،

 ثم أما بعد،

 فإنَّ التعصّب مرض عضال وداء خبيث إذا ابتليت به أمة فإنّها سرعان ما تفقد وحدتها ويتبدد شملها وتتفرق كلمتها وقد لا تجتمع بعد ذلك على كلمة سواء إلا أن يشاء الله؛ لأنّ التعصب لأيّ رأي أو مذهب أو فرقة أو معتقد أو قبيل أو شعب أو محيط إجتماعي أو جغرافي أو دين دليل على أن في تلك الأمة أو الشعب طائفةً أو طوائف تؤمن بإمكان إمتلاك الحقيقة، وأن تلك الطوائف بذلك الإيمان تعتبر نفسها على حق وتعتبر كل من خالفها على باطل. وما دام ذلك المخالف على باطل فإنّه شيطان أو من جند الشيطان ووكلائه أو من العاملين لتحقيق أهدافه. وآنذاك يصبح مجرد وجود الآخر المخالف خطرًا على أولئك الذين ظنوا بأنفسهم أنهم إمتلكوا الحقيقة ووصلوا إليها دون غيرهم فصار كل ما يعتقدون أو يؤمنون به أو يتبنون من الأفكار والمناهج والأراء والمذاهب والقرارات حقًا ثابتًا مقدسًا لا يجوز مطلقًا أن يخالف أو يتنبى سواه. من هنا يصبح الآخر المسكين في دائرة الشيطنة وليس للشياطين إلا الرجم واللعن والسباب والتبرؤ منهم ومن أفعالهم والبعد عنهم ورفض كل ما يأتون به. وهنا يتحول التعصب إلى طاقة سلبيّة هائلة مدمرة لذلك الآخر لا تقف عند حد فيمكن أن تستبيح تلك الذات المتعصبة دم الآخر وماله وعرضه وكرامته ومقدساته ولا تتدخر وسعًا في محاصرتهِ ومحاولة القضاء؛ عليه فهو ينتمي إلي الباطل وإلي الخطأ وإلي الفساد وتلك كلها أمور يّنبغي التخلص منها -في نظر المتعصب- وهنا ينبغيّ أن ينبري أهل الحكمة العقل لمواجهة ذلك المرض الخطير والعمل على القضاء عليه والحيّلولة دون بقاءه بحكمة وتؤده وإصرار وإرادة .

وقد سنّ الله لنا منهجًا يمكن أن نقضي به على هذا الداء أو نقلل من آثاره أو نحول دون انتشاره وشيوعه في المجتمع يبدأ هذا المنهج بالخطوات التالية:

أولًا: بيان أنّ الحقائق المطلقة لا يحيط بها ولا يمتلكها على سبيل الحقيقة إلا من ﴿قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (الطلاق:12)، وهو الله جل شأنه، فهو وحده ذو العلم المحيط بكل شئ ﴿… وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (يونس:61)، أما البشر فليس في مقدورهم أن يحيطوا بتلك الحقائق علمًا وإذا استجمعوا طاقاتهم كلها فإن قصارى ما يمكن أن يصلوا إليه هو مقاربة تلك الحقائق مع القناعة بأنهم قد بذلوا جهودهم وأقصى ما يستطيعون للوصول إلى حالة من القناعة بأن هذا قصارى ما يمكن لبشر أن يصله أو يبلغه، فالإنسان يخرج من بيته إلى عمله وهو ليس على يقين بأنه سوف يصل إلى عمله سالماً أو يعود إلى بيته سالماً غانمًا فقد يعترضه عارض في ذهابه أو إيابه يقضي عليه أو يعيقه أو أو إلى آخره…

فالبشر في حياتهم الدنيا يمارسون حياتهم بما يغلب على ظنونهم لا بما يستيقنون، ولذلك جعل الله أركان العقيدة محدوة معدودة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة فهي اليقينيات الكبرى التي على الإنسان أن يوقن بها أما ما عدى ذلك فالأمور تجري بغلبة الظنون والتكليف والحركة والسكون في هذه الحياة إنّما تبنى على ذلك. فلا ينبغي لأحد أن يتكبر على الآخرين أو يستعلى عليه بحجة أنَّه على الحق ومالك لزمامه وغيرهم على الباطل وهالك فيه.

ثانيًا: إذا إستطعنا أن نقنع الناس بما تقدم في الفقرة الأولى فإن علينا أن نبين ذلك لسائر مستويات وأعمار أبناء الأمة أو الشعب وذلك بأن ندخل موضوع عدم قدرة الإنسان على الإحاطة التامة اليقينية بالحقائق المطلقة ليكون ذلك جزءً من ثقافتنا يمكن أن نبدأ بتعليمه والتدريب عليه في رياض الأطفال فيمكن أن نأتي بلوحة لها صورة في جانب وفي الجانب الآخر فيها صورة مغايرة ونضع أطفال الروضة أو الحضانة

في فريقين نضع بينهما تلك اللوحة ونسأل الفريق الآخر الذي يواجه جانبًا من اللوحة ولنفرض أن عليها صورة شجرة فسيقول الفريق المواجه لذلك الجانب حين نسأله عما في اللوحة إنّها شجرة ويصر على ذلك ويرفض قبول أي رأي آخر وفي الوقت نفسه نسأل الفريق الآخر الذي يواجه الجانب الثاني من اللوحة التي يكون رسم عليها صورة حيوان فنسأل ذلك الفريق وسيؤكد أنّ الذي في اللوحة حيوان ويؤكد الأخر أن الذي في اللوحة شجرة وتعلو الأصوات ويحتد الجدل بين الأطفال ثم نغير موقع اللوحة فيرى من كان يصر على أن ليس في اللوحة إلا صورة شجرة أن  هناك صورة حيوان في اللوحة وكذلك يفعل الأخر وهنا نكون قد أدخلنا إلى معارف الأطفال وتجاربهم تجربة لا تسمح لأي منهم أن يعتبر أن ما يراه هو الحق المطلق الثابت وحده بل سيدرك أن هناك إحتمالًا بأن تكون هناك وجوه أخرى لا يراها هو وقد يراها غيره وأنه حين يدخل حوارًا مع أي أحد يدخله وهو يعلم أن ما لديه رأي كما يحبه ويحترمه ويتمنى على الأخريين أن يقبلوه فإن لدى الأخرين آراء يؤمنون بها وينظرون إليها على أنّها الأحق بأن تقبل وترتضى ويؤخذ بها وحين يصل إلى هذه القناعة سوف تضعف لديه الإستعدادت للتعصب لما يرى بشكل كبير.

ثالثًا: أن نقنعه بأنه ما دامت الأمور هكذا وأن هناك صورًا مختلفة لأكثر ما في الكون إذن لابد أن تختلف الآراء والرؤى والنظريات فلابد من الحوار المشترك، والحوار هنا ينبغي أن يكون منهجيًا لا يستهدف إخضاع طرف لرؤية طرف آخر بل يستهدف أن يسمع كل منا للآخر ليعرف كل منّا الوجه الذي يراه هو ولا آراه أنا والصورة التي أشاهدها ولا يشاهدها هو فيصبح الحوار حوارًا معرفيًا يضيف إلى كل منا معرفة جديدة وصورة لا يعرفها ورؤية ما كان له أن يصل إليها لولا ذلك الحوار فيخرج الحوار من داوئر الجدل إلى دوائر البحث عن المعرفة وتبادلها وتبادل الخبرات وإكتشاف المناهج المختلفة للوصول إلى المطلوب فإذا حدث ذلك فقد أمنا من الوقوع في التعصب وإن لم نأمن بشكل مطلق عدم الوقوع في الخطأ؛ لأنّ إحتمال الخطأ والحالة كما ذكرنا قائم؛ ولذلك ألف علماء المسلمين أن يتوجوا إجتهاداتهم وآرائهم دائمًا بتلك المباركة : “والله أعلم”.

وربنا تبارك وتعالى حين أمرنا أن الكلمة الأخريين ونحاورهم لعرض المشتركات اليقينية بين بني البشر عليهم

والله أمرنا ألا نجادل  إلا بالتي هي أحسن ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ … (العنكبوت:46)، وقال تبارك وتعالى: ﴿… وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً…(البقرة:83)، وقال جل شأنه وهو يعلمنا آداب الحوار وآداب الجدل: ﴿… وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (سبأ:24أو في ضلال مبين  فهنا يستخدم القرآن الكريم كلمة أو وهي للتخيير فيعلمنا أن نقول لهم وإن كنا موقنين باليقينيات الكبرى لكننا حين نريد أن نحاور الأخرين علينا ألا نشعرهم بانا جئنا إلى مائدة الحوار ونحن على يقين بأننا أصحاب الحق وهم أصحاب الباطل بل نقول لهم تعالوا نبحث معًا عن الحقيقة وعما فيه الهدى من المعرفة العلم. ولعلنا  نكتشف ذلك –معًا- بتحاورنا فقد تكونون أنتم على هدى ونحن على ضلال وقد نكون نحن على هدى وأنتم في  ضلال ولا يليق بنا ونحن أخوة في الإنسانية وربما في أمور أخرى مثل الجوار والمواطنة المشتركة والمستقبل المشترك أن يسلم أي منا أخاه للتيه والضلال وللإنحراف وتعالوا نبحث معًا عن الصواب أو الأحسن لنا جميعًا بمثل هذا التواضع تستطيع أن تقنع أخاك  بأن يجلس معك على طاولة الحوار أما إذا جئته موقنًا بضلاله وبأنك على الهدى فكيف تريد منه أن يصدقك بأنك تحترمه وأنك على إستعداد لقبوله وإحترامه إذا ما اختلفت معه؟.

الخطبة الثانية:

وتكون إستكمالًا لآداب الجدل والحوار في القرآن نورد مثل قصة موسى وفرعون:﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (طه:44). مع الدعاء والإلتزام بالأدعية المأثورة وخاصة الأدعية التي فيها نوع من المناجاة والجوء وإظهار الإفتقار والضرورة إلى الله وترقيق قلوب الناس وهي أدعية كثيرة في كتاب الله جل شانه وفي صحيح السنة نسأل الله جل شانه أن يرزقنا الإعتصام بكتابه والتمسك بحبله المتين والسير على صراطه المستقيم وإتباع كتابه المبين إنه سميع مجيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *