Menu
منهجية التعامل مع التراث الإسلامي - مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية

كيف يفكرون ونفكر

أ.د/ طه جابر العلواني

تحدثنا أكثر من مرة عن آثار تخلُّفنا على عقليَّاتنا، وشرحنا كثيرًا من الجوانب السلبيَّة التي برزت في حياتنا نتيجة تلك الأفكار العفوية والهابطة التي نجمت عن تخلُّفنا، ومنها نظرتنا إلى لغتنا الفصحى وإلى لغات الآخرين، أمَّا نظرتنا إلى لغتنا الفصحى فيكفي أنَّنا جعلناها موضع سخرية واستهزاء، وملأنا أفلامنا ومسلسلاتنا ورواياتنا وقصصنا بالاستهزاء بمعلم العربيَّة، ولعل أبناء جيلي لم ينسوا بعد عبد المنعم إبراهيم، الممثل المعروف الذي كان كثيرًا ما يظهر بملابس أزهريَّة يتحدث فصحى مكسرة، ويسخر من حوله منه، وكذلك مدرسي اللغة العربيَّة الذين ما كان أحد منهم يظهر إلا أنَّه مصدر سخرية وموضع استهزاء من جميع زملائه، ثم دخل نجيب الريحاني في فلم شاركته فيه ليلى مراد، التي كانت تغني: هل تعرفين كان وأخواتها، وتجيب نفسها: واعرف عماتها وخالاتها، إلخ، ويدخل الريحاني بملابس رثة وهيئة مضحكة ليدرس العربيَّة لبنت الباشا، التي سرعان ما تتخذ منه غطاء، تغطي به علاقتها الخاصَّة مع حبيبها أنور وجدي.

        والمرتب الذي كان يتقاضاه مدرس العربيَّة أدنى المرتبات في سلم التعليم، كل ذلك كان جزء من الحرب على لغتنا، وأذكر أنَّ الدكتور أحمد صدقي الدجاني كان قد فرض على أبنائه ونفسه وزوجه أن لا يتحدثوا في المنزل وخارجه إلا باللغة الفصحى، وكان يحدثنا كأصدقاء بتلك الّلغة، فيستحسن من يستحسن ويستغرب من يستغرب ويضحك من يشاء، لكنَّني أدركت حكمة الرجل بعد أن وجدت أثر ذلك في جميع من عرفت من أفراد أسرته، فلقيت له أكثر من ولد في الولايات المتحدة يتكلم العربيَّة الفصحى في الأحاديث العاديَّة؛ مما جعلهم مبرَّزين في هذا الجانب، ومنحهم عقليَّات مستقيمة، محبة للعرب والعربيَّة، معتدة بأصولها وجذورها، عاشقة لكتاب ربها.

        وجمعتني الأقدار بساطع الحصري، مؤسِّس القوميَّة العربيَّة، فاستغربت حين تحدثت إليه أنَّ الرجل كان ذا لكنة أعجميَّة وهو يتكلم اللغة العربيَّة العاميَّة المحدودة، مصحوبة بلكنة تركيَّة؛ فاستغربت، وكنت أقول: يا الله، ويل للقوميَّة العربيَّة من المفكر القومي الأول، مرسي دعائم القوميَّة، ومربي أجيالنا العراقيَّة وغيرها، من تلك اللغة المكسرة التي كان أبنائي وهم أطفال يتحدثون بأفصح منها. وأمَّا القائد القومي الآخر فهو ميشيل عفلق الذي ما زلت أذكر متضاحكًا كيف سخر من لكنته ولغته الراحل جمال عبد الناصر ــ والذي لم يكن أيضًا بأقل منه أخطاءً في اللغة العربيَّة، مع أنَّ معدي خطبه وكلماته كانوا من فطاحل الّلغة!! فصدق عليه المثل الفارسي: “ومن أكفر ممن كفره مغاوية ــ والقائد المؤسِّس ميشيل لا يتقن الكلام بالعربيَّة لدقائق معدودات، وإن كتب بها بعض المقالات، وهكذا تضافرت على لغتنا التي افتخر بها حافظ إبراهيم بقصيدته المشهورة (العربية تعاتب أبنائها):

أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الـدُرُّ كامِـنٌ *** فَهَل سَأَلوا الغَوّاصَ عَـن صَدَفاتـي

فَيا وَيحَكُم أَبلـى وَتَبلـى مَحاسِنـي *** وَمِنكُـم وَإِن عَـزَّ الـدَواءُ أَساتـي

فَـلا تَكِلونـي لِلـزَمـانِ فَإِنَّـنـي *** أَخـافُ عَلَيكُـم أَن تَحيـنَ وَفاتـي

ويبدو أنَّ الفصحى فعلًا قد ماتت بيننا بعد أن احتضرت لفترة طويلة، وها هو الأزهري يقف على المنبر خطيب جمعة، فيخطئ عشرات المرات في خطبة الجمعة، وقد كان قبل ذلك يقول فيعرب، ولا يلوك لسانه ولا يلوي الكلمات، ولا يرفع منصوبًا أو ينصب مرفوعًا كما يفعل اليوم، فالذي كان في أول القرن الماضي موضع سخرية لفصاحته صار موضع سخرية لكثرة لحنه وغلطه، ولقد سمعت أحدهم يقرأ ويوم حَنِيِن إذا أعجبتكم كثرتكم، بدلًا من حُنَيْن.

 أمَّا عن موقفنا من لغات الآخرين: فحدِّث ولا حرج، أذكر أنَّ شيخنا في الفلوجة الشيخ عبد العزيز السامرائي رأى بيدي مرة كتابًا للمودوي ورأى بعض المصطلحات الإنجليزيَّة تتخلل الترجمة العربيَّة فكان أهم ما قاله تعليقًا: “يا بني إنَّها لغة الكفار، فلم يكتب هذا الرجل بها إذا كان كما يزعم داعية؟”، ولم أعرف ما أجيبه في تلك المرحلة من العمر الثالثة عشرة من عمري، وكرهت اللغة الإنجليزيَّة من ذلك الوقت، ورأيت فيها لغة كفار، وأعلمت أنَّ تركها وعدم الاهتمام بها يقربني إلى الله زلفا، وها أنا اليوم أتأسف على تلك المرحلة من العمر التي كان فيها الذهن سيالًا صافيًا بحيث لو درست ست لغات في وقت واحد لأتقنتها دون أن يؤثر ذلك على حفظي للمتون التي حشوا أدمغتنا بها، وكانوا يحرصون على تعليمنا إياها وحفظها أكثر من حرصهم على حفظنا لكتاب الله.

 وقد كان شيخي هذا يمنعني وزملائي الحاج عبد الستار الملا طه والدكتور حمد الحاج عبيد والآخرين من حفظ القرآن بالقوة، ويتابعنا، ويكلِّف بعض زملائنا بالتجسس علينا، حتى كان يضبط بالجرم المشهود!! من يراه منا يحفظ القرآن؛ خوفًا من أن يزاحم حفظنا للقرآن المتون التي يفرض علينا حفظها، مثل متن الألفية في النحو، ومتن الزبد في فقه الشافعيَّة، ومتون أخرى كثيرة مما جمع في مجموع مهمات المتون، يغفر الله لنا وله، ويرحمنا وإياه.

وهذه إسرائيل التي قامت على صراع مع العرب والمسلمين، فمنذ أربعة آلاف سنة أو تزيد حاربت يهود الكنعانيين الفلسطينيين العرب، وحاولوا إخراجهم من أرضهم والحلول محلهم، ثم بعد ذلك حاولوا مغالبة العرب على النبوة الخاتمة، وسكنوا شبه الجزيرة العربيَّة قرونًا سبعة، قبل بعثة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، لعل النبي الخاتم يأتي من بينهم أو يأتي مناصفة بينهم وبين العرب، ولما جاء النبي الخاتم عربيًّا خالصًا وقرشيًّا محضًا من سلالة إبراهيم (عليه السلام)، وأيقنوا أنَّ النبوة غادرتهم إلى غير رجعة، كفروا بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حسدًا وبغيًا وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وحاربوه وفضلوا المشركين عليه، حتى كتب الله عليهم الجلاء، وأخرجهم من الحجاز التي كانوا قد انتشروا فيها، هؤلاء الذين يحملون كل هذا العداء للعرب الذي تغلغل في ثقافاتهم وصار جزءًا من دينهم وقوميتهم ودخل توراتهم، وتلمودهم، أنظر كيف ينظرون إلى العربيَّة، وكيف يحثون على تعلمها! وأرجو من جميع مثقفينا مهما اختلفت مشاربهم أن يقرأوا هذه المقالة التي نشرتها صحيفة هآرتس اليهودية، بتاريخ 17/4/2014 تحت عنوان:

لنتعلم العربيَّة بجديَّة

بقلم: أسرة التحرير

          ((مكانة اللغة العربيَّة في جهاز التعليم الاسرائيلي دحرت، لدرجة الاختفاء. ينبغي العجب من هذه الحقيقة في دولة عشرين في المئة من سكانها هم عرب، الكثيرون من مواطنيها هاجروا إليها من دول تنطق بالعربيَّة، وهي نفسها توجد في منطقة تكاد تكون كلها تتحدث العربيَّة.

          منذ العام 1948 والعربيَّة تعلم في دولة اسرائيل بشكل غير ثابت وتبعًا لتعليمات مختلفة ومتغيرة. اليوم، مثلًا، كما أفاد يردين سكوب في “هآرتس” في لواء الشمال تعرف العربيَّة كموضوع إلزامي في المدرسة الابتدائيَّة، ولكن التعليمات لا تنطبق على المدارس في التيار الرسمي الديني. في ألوية أخرى يعرف تعليم العربيَّة كتعليم إلزامي فقط في صفوف الإعدادي، ولكن في الكثير من المدارس يمكن الاختيار بينها وبين تعلم الفرنسيَّة. ومؤخرًا ألغى وزير التعليم شاي بيرون الإلزام بتعليم العربيَّة في الصف العاشر، ولكن هذا الإلزام لا يفرض على أي حال كما ينبغي، وعدد صغير فقط من التلاميذ يتوجهون إلى إمتحانات البجروت بالعربيَّة.

          ولم تتأخر نتيجة هذه التعليمات غير الموحدة، وإضافة إلى مناهج التعليم التي اجتازت هزات وتغييرات، وحقيقة أنَّ جهاز التعليم يمتنع في الغالب عن تشغيل معلمين عرب، يعرفون اللغة بتفاصيلها، هي تعليم العربيَّة بمستوى متدنٍ لا يمنح التلاميذ إتقانًا لهذه اللغة.

          يرتبط تعليم اللغة العربيَّة في الغالب بتداعيات سلبيَّة بصفتها “لغة العدو”، ومعظمه يتم انطلاقًا من الدافع لتأهيل جيل المستقبل لرجل الاستخبارات. وليس غريبًا الافتراض بأنَّ التعليم بهذه الطريقة لا يبعث على نهج إيجابي لا تجاه اللغة ولا تجاه ناطقيها، وأنه يساهم في البعد والاشتباه القائمين أصلًا بين اليهود والعرب.

          يجدر بدولة إسرائيل أن ترى في العربيَّة لغة رسميَّة، ليس فقط على الورق، وتسند الإعلان عن ذلك بخطوات عمليَّة. على وزارة التعليم أن تقرر برنامج تعليم موحَّد لكل المدارس، وفيه معايير موحَّدة للتعليم الإلزامي، ينطبق على التعليم الرسمي الديني أيضًا. وأولًا وقبل كل شيء على الوزارة أن تدمج معلمين عرب، يعرفون اللغة العاميَّة والفصحى، وتأهيل مزيد من المعلمين، العرب واليهود، لتعليم العربيَّة.

          لا ينبغي لتعليم العربيَّة في المدارس أن يكون أقل أهمية بهذا الشكل الهام، من تعليم الإنجليزيَّة، الذي لا يشكك أحد بأهميته. فبالإجمال، إسرائيل هي جزء من الشرق الأوسط، العربي في معظمه، ويجدر بمواطنيها أن يستثمروا قدرًا أكبر في تعليم لغة جيرانهم الأقربين))!!.

هكذا يفكر أعداؤنا بلغتنا وضرورة تعلُّمها، مع أنَّ أي أحد يستطيع أن يقول: إنَّ انتشار العربيَّة في الأرض المحتلة رغم كل الفوائد التي ذكرتها هآرتس قد يعتبر خطرًا على الأمن القومي الإسرائيلي، لكن تعلمها مصلحة راجحة، تنبهوا إليها، فكم من أبنائنا من يتقن العبريَّة ويتقن الإنجليزيَّة، ويتحدث بها للقوم، كما لو كانت لسان أمهاتهم، ولكن أنعتب على قوم قد ضيعوا لغتهم أن أضاعوا الاهتمام بلغات إخوانهم  من كرد وفرس وهنود وبربر وترك، إضافة إلى اللغات العالميَّة، ولغة أعدائهم، أو جيرانهم اليوم فيما يسمى بالشرق الأوسط الكبير، والكانتونات التي تنتظر الظهور في هذه المنطقة من العالم؟! وكم من  العرب ومن المسلمين من يعرفون “العبريَّة” شقيقة العربيَّة ومنافستها؟.

وصدق الله العظيم إذ قال: ﴿.. نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (الحشر:19).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *