Menu
منهجية التعامل مع التراث الإسلامي - مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية

أطفال الشوارع 2

أ.د/ طه جابر العلواني

الحمد لله رب العالمين، نستغفره، ونستعينه، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئآت أعمالنا، من يهدي الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد عبد الله ورسوله، وعلى آله وأصحابه ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم لقاه.

ثم أمَّا بعد:

خطبتنا لهذا اليوم استكمال لخطبتنا السابقه في أطفال الشوارع، حيث إنَّ هذه الظاهرة أصبحت ظاهرة عالميَّة لا يقتصر وجودها على منطقتنا وبلادنا، فهم يبلغون اليوم مائة وخمسين مليونًا من الأطفال المشردين أو بلا مأوى، والظاهرة موجودة في أوروبا في سائر بلدانها، وموجودة في أمريكا، والصين، والهند، وغيرهما. وفي أوروبا وأمريكا طرحوا مبدأ التبنِّي لهذا النوع من الأطفال؛ لمعالجة الظاهرة أو التقليل منها، ومعلوم أنَّ التبنِّي قد حرَّمه الإسلام، وأمرنا قائلًا: ﴿..وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (الأحزاب:4-5)، وإذا أغلق الله (جل شأنه) باب التبنِّي فلا يمكن لأحد أن يفتحه، ولكن الله (جل شأنه) فتح بابًا آخر، فيه كل محاسن التبنِّي، مع البعد والتنزه عن جميع الأعراض الجانبيَّة والمضار التي قد تحدث نتيجة التبنِّي ألا وهو كفالة اليتيم ماديًّا ومعنويًّا، دون إذابة هُوِيَّته في الأسرة التي تكفله؛ فيحتفظ باسمه وباسم والده إن عرف، أو يعطى اسمًا آخر غير اسم والده المجهول وغير اسم الكافل، كأن يسمى فلان ابن عبد الله أو عبد الرحمن أو ما شاكل ذلك من الأسماء الصادقة المقبول شرعًا إطلاقها عليه.

وبذلك فإنَّ كافله يعطيه احتياجاته كافَّة، ويؤمِّن له كل ما هو بحاجة إليه، كما يفعل ذلك مع أبنائه، ولكنَّه لا يورثه، ولا يسمح له بالخلوة ببناته وزوجه، وأهل بيته، أو بأبنائه إن كانت أنثى، مع منحه من الحب والحنان ما يسعده ويقيه من بعض آثار اليتم، ويحفظ نفسيَّته من أن تمتلئ بالكراهيَّة والخوف والحسد والحقد، وغيرها من المشاعر السلبيَّة، وإذا كان الله (جل شأنه) قد حثَّنا في آيات كثيرة على النظر إلى اليتامى نظرة عطف وحنان وإشفاق؛ فإنَّه (جل شأنه) قد منع أن نتجاوز حدود الحلال والحرام في هذا الجانب، فنضل ضلالًا مبينًا، وقد تخلق مشاكل أخرى مثل المشكلة الأصليَّة تزيد عليها أو تنقص منها.

 وكفالة الأيتام يمكن أن تكون بشكل جماعي، كما هو الحال في المؤسَّسات، من ملاجئ ومدارس ومستشفيات متخصصة في معالجة الأطفال وما إلى ذلك، فهذه المؤسَّسات تستطيع أن تؤدي أدوار هامَّة جدًا في احتواء هذه الظاهرة، وإنهاء وجودها في المجتمع وتأهيل هؤلاء الأطفال وهم ينمون يومًا بعد آخر للانخراط في الكيان الاجتماعي دون تمييز، وهناك ثقافة لابد من العناية بها وبإنمائها وهي عدم تذكير هؤلاء أو تعييرهم بأنَّهم لا أنساب لهم معروفة ولا عوائل كبرى ينتمون إليها، فهذه الثقافة ينبغي أن نشيعها؛ لكيلا تجرح مشاعرهم، وتتسبب هذه المواقف بتنبيه الغرائز السِفلية لديهم، فيكونون من الحَقَدة على المجتمع والمتربصين به الدوائر.

وكافل اليتيم الذي وضعه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جانبه: “أنا وَكافِلُ اليتيمِ في الجنَّةِ هَكذا. وقالَ بإصبعيهِ السَّبَّابةِ والوُسطَى”، وبيَّن الله (جل شأنه) امتنانه عليه، بقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (الضحى:6)، فكأنَّ الكافل لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان الله (جل شأنه) بنفسه؛ ليبيِّن أهميَّة كفالة الأيتام، والمشردين، وهؤلاء الذين أطلقنا عليهم أطفال الشوارع. وكفالة اليتيم يمكن أن تكون كفالة جماعيَّة أو كفالة فرديَّة، فالكفالة الجماعيَّة يمكن أن يقوم بها عدد من الناس، كل منهم يتكفَّل بسد حاجة من الحاجات لهؤلاء الأطفال، فواحد يتكفَّل بالإيواء والسكن، وآخر بالإطعام، وثالث بالكسوة، ورابع بالتعليم، وخامس بالصحة، ويمكن أن يقوم أفراد بذلك كل بحسب قدرته.

 وفي سائر الأحوال مطلوب أن توضع قواعد في تلك المؤسَّسات، مثل الأم الحاضنة التي تُكلَّف بأن تعوض أمثال هؤلاء ماداموا صغار عن حنان الأم، وهذه لها شروطها ومواصفاتها. وإذا كان هناك أقسام دراسيَّة قد امتلأت بها الجامعات الغربيَّة لتعليم وتدريب الناس على الوالديَّة (Parenting) وبيان متطلباتها، فإنَّ هناك برامج ينبغي أن يتعرَّض لها أولئك الذين يتطوعون لكفالة أيتام ليتعلموا على أعلى مستوى كيف يتعاملون معهم في مراحلهم العمريَّة المختلفة، تعاملًا يصلح من شأنهم، ويعدهم إعدادًا لا يقل عن كيفيَّات إعداد الوالدين لأبنائهم، ويزيل ما يمكن إزالته من إحساس بالفوارق بينهم وبين سواهم.

وكفالة الأيتام في الإسلام مكرمة من أهم المكارم، بل واجب يتصدر قائمة الفرائض والواجبات التي فرضها الله (جل شأنه) على الإنسان لصالح المجتمع، وهي التي أطلق عليها البعض اسم فروض الكفايات؛ لذلك فإنَّنا لابد لنا من توفير الأجواء اللازمة لكفالة هؤلاء وعدم إضاعتهم، وينبغي أن يكلف المحافظون في سائر المحافظات ورؤساء البلديَّات والمسئولون عن التعليم والصحة وسواها بالعناية بهذه الفصيلة من فصائل المجتمع في محافظاتهم ومدنهم، ومعرفة أنَّ المدينة التي يكون فيها طفل واحد مشرد لا يجد مأوى ولا يجد ما يأكل أو يلبس فإنَّ أهل المدينة كلهم مسئولون أمام الله عنه، وقد يعمهم الله بعقاب من أجل ذلك اليتيم، وبالإضافة إلى أموال الزكاة والنذور والصدقات وما إليها، فلابد من تخصيص معاشات لتغطية احتياجات هؤلاء أسوة بالشيوخ الذين لا يجدون من يعيلهم أو ينفق عليهم في كبرهم، بعد أن أعطوا للمجتمع زهرات أعمارهم، وأفضل سنوات حياتهم.

كما أنَّ على أئمة المساجد والدعاة أن يشجعوا القادرين على كفالة أيتام بالعدد الذي يطيقون، حتى تتحول إلى ثقافة عامَّة لا يتخلى الناس عنها، ولا يسمحون بانتشار هذه الظواهر وكثرة المشردين والذين لا مأوى لهم فيها، دليل على شيوع الأنانية في ذلك المجتمع. ويمكن اقتباس كثير من الوسائل والأدوات من البلدان المتقدمة التي وجدت فيها هذه الظواهر وانتشرت، ووضع كل تلك الخبرات والتجارب في إطاره الإسلامي، وحض الناس عليها، وهناك من أصيبوا بالعقم فلم يهب الله لهم أبناء، وهؤلاء يمكن أن يستعيضوا عن الجري وراء كل شيء  بما في ذلك العناية بزراعة أطفال أنابيب وما يترتب على ذلك من نفقات باهظة وشكوك في سلامة من يولد بهذه الطريقة يمكنهم كفالة من يشاؤون من هؤلاء والعناية بهم واعتبارهم مثل أبنائهم فيعوضونهم عما فقدوا، أو افتقدوا.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

ثم أمَّا بعد:

قد يكون من المفيد أن تقوم حكومتنا وحكومات البلدن المسلمة التي تنتشر فيها هذه الظواهر بعمل لجنة وزارية تأخذ على عاتقها استيعاب جميع أولئك المشردين وكفالتهم، فإذا بلغوا سن الرشد فيمكن أن يوجه الذكور للخدمة في القوات المسلحة؛ ليتعلموا حرفًا تساعدهم على العمل وسد احتياجاتهم، ويوجه الإناث للحصول على مؤهلات في مجالات التمريض والعناية بكبار السن، وأطفال الملاجئ، ونحو ذلك من أعمال؛ لأنَّنا لو تركناهم بعد أن يكبروا فقد تظهر مشكلات أخرى، وانحرافات من نوع آخر سيعاني المجتمع منها، نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يهيئ لهذه الأمَّة أمر رشد، وأن يغني فقراءنا ويشفي مرضانا، ويكفل أيتامنا، ويعيننا على فعل الخيارت وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، إنَّه سميع مجيب.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *