Menu
منهجية التعامل مع التراث الإسلامي - مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية

بين التقصير في حقوق الاستخلاف، والابتلاء، والعقاب

أ.د/ طه جابر العلواني

استمعت إلى كثير من المنكوبين في العراق وسوريا وغيرهما، وهم يجأرون بالشكوى التي تأتي بطرق مختلفة، ومنها طريقة الدعاء، كأن يقول القائل: “يارب لِم فعلت بنا وفعلت، لِم سلَّطت علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، لِم يقع كل ذلك الظلم علينا، ولا ترده، ولا تصده، وأين نصرك للمؤمنين؟ وأين دفاعك عن المستضعفين ﴿.. الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا (النساء:75)؟ وأين وأين وأين؟”.

        وبعض الناس قد ينزلق لقول كلمات لا يليق مثلها بجلال الحق (سبحانه)، فإذا قيل لهم: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (هود:117)، وأنَّ ما تعانيه بعض الأقطار والأقاليم إنَّما هو ناجم عن انحراف عن منهج الله، وخروج عن صراطه المستقيم، وابتعاد عن دينه الحنيف القويم، وسقوط في مهاوي التهلكة، وما أكثرها؛ سارعوا إلى القول: بأنَّ كل بلدان العالم اليوم، وخاصَّة البلدان التي توصف بأنَّها غير مسلمة أو غير مؤمنة؛ تتمتع ببحبوحة من الخير، والأمن والاكتفاء الذاتي والسلامة من الأمراض، وما إلى ذلك، فلم يُصب العذاب على بلدان مسلمة مثل بلداننا، وتهدم فيها المساجد، وتنكس المآذن، وتغتصب الحرائر، وتهان جباه الساجدين، وتقطع أيدي المتوضئين؟

        خذ الفلُّوجة مثلًا، والرمادي، وغيرهما، وخذ حمص، وحماة، وحلب، وانظر في أحوال اللاجئين في الأرض؛ لتجد أنَّ معظمهم قادم من بلاد المسلمين، والله (سبحانه وتعالى) قد أخبر الناس بأنَّه وعد أهل الإيمان بحياة طيبة في الدنيا، والجزاء الحسن في الآخرة، فقال: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (الأنعام:122)، وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (النحل:97). قارن بين رفاهية الأمريكي والياباني والإسرائيلي والصيني وغير هؤلاء من المتدينين بأديان شركيَّة وثنيَّة، أو الملحدين؛ لتجد الفرق شاسعًا بين هذه البلدان وأحوالها، وما يحدث في بلدان المسلمين مثل العراق والشام واليمن والصومال وغيرها، فإذا قلت له: إنَّ ذنوب العباد جاوزت الحدود، وأنَّ هناك أناسًا كثيرين قد انحرفوا قال لك: وماذا عن شعوب تعد منحرفة بجملتها، لم لم تعاقب؟

وهذه الأسئلة ترد على الأذهان، ويزيدها شياطين الإنس والجن رواجًا في أيام الفتن، وحين نزل قول الله (جل شأنه): ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (الأنفال:25)؛ سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: “نعم، إذا كثر فيكم الخبث”، فإذا أجبناهم بهذا الجواب، قالوا: ولكن هناك بلدانًا يشيع الخبث فيها أكثر من شيوعه في بلداننا هذه، ولم يحدث فيها ما يحدث لنا. ويظل المجادلون يفرِّعون سؤالًا عن آخر، إلى أن تتقطع الأنفاس ولا ينقطع السؤال، فما حقيقة الأمر؟!

الحقيقة، أنَّ هناك فرقًا كبيرًا بين أمم قد أنار الله بحكمته لها السبيل فتنكبته، وأوضح لها الطريق فانحرفت عنه، وأناس لم يتضح لهم الطريق ولا بان لهم السبيل، فعاشوا في ضلالهم، أو جاهليَّتهم في حالة فترة أو جحود، فلا يحاسب هؤلاء مثل حساب أولئك، وعدالة الله تأبى ذلك؛ ولذا فإنَّه (جل شأنه) قال: ﴿.. وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:15)، أي لا نعذب أحدًا قبل أن نبعث رسولًا يعلمه آيات الله، ويريه الحق حقًا ويدعوه لاتباعه، ويريه الباطل باطلًا ويدعوه لاجتنابه.

إنَّ هناك فرقًا كبيرًا بين أمَّتنا وأمثالها من أمَّة يهود، وأمم أخرى مثل الأمم النصرانيَّة وسواها، وهي الأمم التي بعث الله إليها الأنبياء، وأنزل عليهم الكتب، ورغم ذلك فإنَّها تجاهلت ما جاء به أنبياء الله، وهجرت ما أنزل عليها في كتب الله؛ فهذه تحاسب حسابًا عسيرًا؛ لأنَّها ابتعدت عما جاء في أسفارها ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (سبأ:19 فبقدر ما يتيح الله للبشر من هداية، وعلم ومعرفة؛ يحاسبهم على كيفيَّة تصرفهم مع من أرسلوا إليهم، وما أنزل عليهم من كتب أو صحف وألواح، والمسلمون كما يقول شوقي:

بأيمانهم نوران، ذكر وسنة *** فما بالهم في حالك الظلمات؟!

ولذلك فإنَّ الله قد قص علينا قصص أمم كثيرة، أرسل إليها رسلًا، وأنزل عليها كتبًا، وهداها سواء السبيل؛ فضلت، فألَمَّت بها لضلالها مصائب وكوارث؛ بما ظلموا وبما انحرفوا وبما استكبروا عن آيات الله؛ ولذلك فقد سجل (جل شأنه) في كتابه الكريم مصائر القرى التي ابتليت بالخوف والجوع، والنقص في الأموال والأنفس والثمرات، وقرى أنعم الله عليها ومتعها إلى حين.

 ونحن لا نعني هنا أنَّ الحساب والجزاء على الأعمال يحدث في الحياة الدنيا؛ لأنَّ من المعلوم بداهة أنَّ الحساب والجزاء إنَّما يكونان في الآخرة بعد البعث والنشور، ولكن في الحياة الدنيا قد يذيق الله الناس بظلمهم أو انحرافهم أو تقصيرهم فيما عهد الله به إليهم، أو تفريطهم بما طلب منهم وأمروا به، يذيقهم الله (جل شأنه) من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر على سبيل التذكرة ولعلهم يرجعون، فقال (جل شأنه): ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (السجدة:21)، ويقول (جل شأنه): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (الأعراف:94-99)، وحين نقرأ في قصص الأنبياء نجد كيف أخذ الله آل فرعون بالسنين أي بالقحط، ونقص في الأموال والأنفس والثمرات، ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (الأعراف:130)، وقد يبتلي المؤمنين الصالحين بشيء من الخوف والجوع .. إلخ؛ لتمحيص إيمانهم واختبار يقينهم ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (البقرة:155-157).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *