Menu
مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية - برنامج مدارك

القضاء و الأخطاء

طه جابر العلواني

في العام 1991 رشح الرئيس الأمريكي، جورج بوش الأب، القانوني  _الأفريقي الأمريكي_ (كلارينس توماس) Clarence Thomas)) رئيس كرسي لجنة مساواة فرص العمل Equal Employment Opportunity Commission (EEOC)) إلى منصب القضاء في المحكمة الدستورية العليا. وكعادة النظام الأمريكيّ فإنَّ أي شخصيَّة ترشح لمنصب عام، توضع سيرتها وتاريخها وتاريخ أسرتها على طاولة تشريح، بحيث لا يتركون صغيرة ولا كبيرة مرت بها هذه الشخصية في حياتها إلا وتطرح للنقاش، وتوجه دعوة عامَّة لجميع المواطنين الذين يعرفون المرشح وتاريخه أن يدلوا بكل ما لديهم عنه.

وهذا ما حدث مع هذه الشخصيَّة الهامَّة قانونيًّا  بعد الترشيح. ادَّعت مساعدة كانت تتدرب على يديه في المؤسسة التي ترأّسها (لجنة مساواة فرص العمل) أنَّه عرّض لها تعريضًا -ذات مرة- بقضيَّة الجنس -أي تكلم معها بشكل شعرت بأنَّه أبدى رغبته فيها- وأُخضع المرشح للمحكمة العليا، لسلسلة من جلسات الاستجواب، أخذت زمنًا طويلًا. وأذكر أنَّني قرأت أكثر من مرة أنَّ الرجل قد تمنى لو أسقطوا ترشيحه وأوقفوا تلك الجلسات التي تعرّض فيها لحساب عسير، واستمرت كل تلك الفترة الطويلة. وانتهت القضيَّة بتبرئة القاضي عن تهمة التعريض بالجنس لمتدربة معه، وصار عضوًا في المحكمة العليا التي تعتبر أعلى سلطة قضائيَّة في الولايات المتحدة توازي السلطة التشريعيَّة “سلطة الكونجرس والنواب”، والسلطة التنفيذيَّة “سلطة الرئيس ووزرائه وأعوانه”، وتقف كأنَّها لسان الميزان بالنسبة للسلطتين.

والنظام الأمريكيّ كلّه يقوم على ذلك التوازن الدقيق لدرجة الحساسيَّة بين السلطات الثلاث، فتتوافر كل الضمانات التي لا تسمح لأيَّة سلطة من السلطات الثلاث أن تبغي على السلطتين الأخريين، ويعتبر الأمريكان السلطة القضائيَّة المتمثلة في المحكمة الدستوريَّة العليا سلطة ذات قداسة إلى حد ما، فهي الضمان في نظرهم لتنفيذ أحكام الدستور، وتعديل القوانين بشكل ينسجم والدستور، وعدم السماح لأي أحد بمخالفة الدستور أو الخروج عنه.

كنا نتساءل عن هؤلاء الناس، كيف يجمعون بين عدم محاسبة أحد أو انتقاده على سلوكه الشخصيّ، لكنَّه بمجرد أن يرشح لمنصب عموميّ يوضع على مشرحة، ويصبح كل شيء، وكل جزئيَّة من تاريخه مفتوحة للشعب كلّه؟ وكان الفرق واضحًا ظاهرًا في ثقافتهم، أنَّه مادام الإنسان بعيدًا عن العمل العام فهو حر في سلوكيَّاته مادام ملتزمًا بالقوانين، والنظم المرعيَّة، وعدم الاعتداء على حقوق الآخرين، وخصوصياته ملكه وحده. وحق الخصوصيَّة من أهم حقوق الإنسان التي يصونها ويحميها الدستور، لكنَّه عندما يتقدم لخدمة عامَّة أصبح كل شيء ملكًا للأمَّة، لها أن تنظر فيه وتقلبه على جوانبه المختلفة؛ لتقبل أو ترفض؛ ومن هنا أعطوا لقرارات المحكمة الدستوريَّة العليا احترامًا، وقدسيَّة، وسلطات واسعة نافذة على الجميع.

وحينما يمنح ذلك الإنسان المنصب أو الواجب بعد أن تبرأ ساحته ويثبت سلامة سلوكة، ونظافة تاريخه؛ يستعيد احترامه ومكانته في إطار قواعد الوظيفة التي يشغلها، وحينما يستلم المنصب ويستعيد موقعه ومكانته لا يعني أنَّه قد أصبح في منجاة تامَّة من الملاحقة والحساب، بل إنَّه –آنذاك- يكون تحت أنظار الجميع، ودون إخلال بوظائف المؤسسة التي ينتمي إليها.

 بالنسبة لنا نحن المسلمين، لدينا كثير من شروط القضاء، وآداب القاضي، وما يمكن أن يخل بمروءة القاضي وعزل القضاة والولاة وما إلى ذلك. وفي تاريخنا صفحات ناصعة في كثير من هذه المجالات؛ لكنَّ إشكاليَّتنا دائمًا في عمليَّة تحويل تلك الصفحات الناصعة من تاريخنا والقواعد التي قامت عليها، إلى مؤسسات تحمي حق المواطن، والدولة، والمؤسسة، وتوجد ذلك التوازن العادل بين الجميع.

فلعل الأحداث التي نشهدها هنا وهناك تجعلنا قادرين على إيجاد مؤسسات تحمي لكل سلطة من السلطات كيانها، ومؤسساتها، وأهدافها، وتوازن بينها بشكل دقيق لمصلحة الأمَّة، فإنَّ كثيرًا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض. ونحن لا نريد أن يبغي بعض الخلطاء على بعض، بل نريد توازنًا دقيقًا يحقق العدل، ويحمي وحدة الأمَّة، ويحافظ على المساواة، ويؤسس للخير، ويحوط مصلح الأمَّة، والدولة، والأفراد، والجماعات، بالضمانات الكافيَّة.

وسيدنا رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلَّم- يقول: “إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا([1])؛ ولذلك كانت محاكم النقد، والاستئناف، والمحاكم العليا، مؤسسات مراجعة لأحكام القضاة، التي ليست معصومة في أصلها، بل لابد من إخضاعها لمراجعات المستويات العليا من القضاء؛ للوصول إلى ما هو أقرب للحق، وأعدل، وأصوب؛ لأنَّ استمرار الخصومات، والنزاع، وعدم وجود مرجعيَّة للناس تنتهي عندها خلافاتهم؛ فإنَّ ذلك يحدث الفوضى.

 نسأله -سبحانه وتعالى- أن يلهم ذوي الرأي والرشد، وسائر أبناء الأمَّة، الرشد والسداد، وأن يحمي البلاد والعباد من مضلات الفتن، ومن محاولات الدس والتخريب ما ظهر منها وما بطن، إنَّه سميع مجيب.

[1] البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة. الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه. 3/180، حديث رقم (2680).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *