Menu
مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية - برنامج مدارك

التوحيد ونفسيَّة العبيد

د. طه العلواني

التوحيد له تجلياته وانعكاساته على جوانب الحياة كلها؛ لذلك فقد أخذ بنصيب وافر من آيات وسور القرآن الكريم، فما من سورة من سور القرآن خلت من دعوة إلى التوحيد أو استدلال عليه بمختلف الأدلة؛ من أدلة الخلق والإبداع إلى أدلة الرعاية والإنعام، وسائر القصص والأمثال التي لا تخلو من مضمون توحيدي أو درس في التوحيد أو إشارة إليه. كما إنّ التوحيد رسالة الأنبياء كافة، به تبدأ تلك الرسالات وإليه ترجع وتؤول، وما ذلك إلا لأنَّ التوحيد -بأنواعه:توحيد الله في ألوهيّته وربوبيّته وصفاته وسائر ما اختص –جل شأنه- به: “وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ” (النحل:36). وانعكاسات التوحيد على الإنسان- هو الذي يجعل من الإنسان إنسانًا كامل الإنسانية، مكتمل الأهليَّة لمهمة الاستخلاف، مستحقًا لكمال التكريم الإلهيّ: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا” (الإسراء:70)، مستحقًا لأن يُسَخَّر كلُّ الكون له، ويكون بقيادته قائدًا لذلك الكون المسخَّر، ورائدًا وضابطًا لإيقاع التسبيح الكونيّ لله -تبارك وتعالى- ومَنْ خالط التوحيدُ بشاشةَ قلبه يستحيل أن يذل أو يخزى؛ لأنَّ التوحيد يربط الإنسان بالله –تعالى- وهو -سبحانه- ليس خالقًا للإنسان فحسب، بل مالك لكل عناصر طاقته وقدراته، وهو الصائغ لشخصيَّته بما فيها من عقليَّة ونفسيَّة، وإذا شاب التوحيدَ شيءٌ، فبقدر ما يشوب التوحيدَ تضطرب رؤية الإنسان، وتضعف طاقاته، وتتضاءل قدراته على النهوض بكل ما خُلق من أجله؛ لأنَّ الشرك -أو الإخلال بالتوحيد- فيما يحقر الناسُ من أعمالهم وتصوراتهم ورؤاهم من شأنه أن يُباعد بين الإنسان وبين الله –تعالى- وهو مصدر طاقته وحيويَّته وعافيته، كما هو مصدر حياته العضويَّة.

ولا يجتمع التوحيد وذل العبوديَّة من الإنسان لإنسان مثله أبدًا، فإنَّ من شأن التوحيد أن يمنح الإنسان الشعور والإحساس والوعي بتساوي البشر -كلهم- أمام الله –تعالى- وأنَّ مصدر التفاضل الوحيد هو في قرب الإنسان من الله -تعالى- وتقواه، فمن كان أكثر تقوى وتزكية لنفسه فهو الأكرم عند الله وهو الأقرب إليه، وهو الأحق والأقدر والأولى والأجدر بالقيام بحق الاستخلاف وحفظ الأمانة والنجاح في اختبار الابتلاء، فإذا رأيت إنسانًا قد قبل الذل على نفسه، ورضي الدونيَّة، أو استعلى على عباد الله وحاول التألُّه عليهم، أو ادعاء فضل -خارج دائرة التقوى والتزكية- لنفسه على سواه فاعلم أنَّ عقيدة التوحيد لديه قد شابتها الشوائب وتعرضت لإصابات خطيرة لن يستقيم أمره حتى يُزايلها ويبتعد عنها، ويُخلص لله الدين، ويمحِّص التوحيد، ويجعله خالصًا لله –تعالى- فهناك نسبة وتناسب بين التوحيد وعزة الإنسان وكرامته، وبين التوحيد وإيمان الإنسان بأنَّ أيَّ إنسان مثله هو كفء له، وأخ له في الإنسانيَّة، فكلُّنا لآدم وآدم من تراب.

إنَّ الناظر في أحوال المسلمين اليوم، وسلوكيَّاتهم المختلفة، لا يشك لحظة -إن كان على وعي بخصائص هذه الأمَّة الذاتيَّة ومقوِّماتها، ومكوِّناتها العقلـيَّة والنفسيَّة- أنَّ أخطر الإصابات التي تعرضت هذه الأمَّة لها كانت إصابتها في توحيدها لله -تعالى- فقد أدت إلى تشويش رؤيتها الكليّة، واضطراب فكرها، واختلال معارفها، وتناقض ثقافتها، ودخول أسباب الخلل والاضطراب إلى سائر مناحي حياتها، فإنَّ عمر رضي الله عنه ما كان يمكن أن يقول قولته الشهيرة: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا” لولا نور التوحيد، وما كان لربعي بن عامر -وهو في بلاط أهم قادة الفرس رستم- أن يقول له: “إنَّ الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة[1] فيبهر رستم الذي كان وقومه يعبدون النار ويعظِّمون ملوكهم، ويتخذون بعضهم أربابًا من دون الله، وقد بلغ برستم الانبهار بما سمع أن التفت إلى من حوله وقال: “والله إنَّ هذا البدويَّ يدعونا إلى ما فيه العلاج الشافي لاختلافاتنا وصراعاتنا”. ولولا أنَّ من حوله عارضوه، وخوفوه من خسارة منصبه ومكانته، مع الاتهام بالجبن والخيانة وما إلى ذلك، لربما أعلن قبوله الإيمان بوحدانيَّة الله، التي تحرِّر الإنسان من أن يستعبده إنسان آخر مثله، أو يستبد بشأنه ويقضي في أموره دونه؛ لأنَّ ذلك ينافي التوحيد، ولا يجتمع مع الإيمان.

إنَّ أيَّ إنسان على وجه الأرض مهما عمل لأخيه الإنسان من خدمات فلن يستطيع أن يقدم له -لو خدمه العمر كله- ما قد تفضل الله -تعالى- به على الإنسان والعالمين كافة في دقيقة واحدة. إنَّ نعم الله -جل شأنه- لا تحصى ولا تحصر، وليس في مقدور إنسان أن يعد نعم الله عليه: “وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا” (النحل:18) وليجرب الإنسان إن شاء ليرى العجز المطلق ينتظره إذا ما حاول أن يُحصي نعم الله عليه أو يقوم بعدِّها، وذلك أمر مفروغ منه؛ ولذلك كان الأنبياء والصالحون حين يحمدون الله -تعالى- لا يذكرون النعم ذكرًا، بل يسألونه العون على شكرها: “رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ” (النمل:19)، ويقول بعضهم: “أحمدك اللهم على نعم وفقتني لمعرفتها، وعلى نعم لم أعرفها، وأحمدك على نعم أحصيتُ منها شيئًا، ونعم أعجز عن إحصائها”. في حين أنَّ العبد مهما أنعم على عبد مثله -سواء أكان ملكًا من الملوك أو رئيسًا من الرؤساء أو قائدًا من القادة- فإنَّ الإنسان يستطيع أن يعد مكارمه التي لم تصدر عنه إنشاءً وابتداعًا بل صدرت عن الله -تعالى- وهو من أجراها على يديه، ومع ذلك يستطيع من شاء أن يُحصي مكارم من أكرمه من عباد الله بعدد قد لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، في حين أنَّ نعم الله لا يُحصيها حتى لو كان لديه بحر من المداد، وكانت لديه بلايين الأقلام، ووفقًا لنظر دقيق، فإنَّه لن يستطيع أن يُحصي نعمه سبحانه وتعالى، وهو أمر لا مراء فيه.

التوحيد والحرية

ولذلك فإنَّ التوحيد يحرِّر وجدان الإنسان من الخضوع لغير المنعم، أو تجاوزه -جلَّ شأنه- إلى غيره بالحمد والشكر والثناء، أو التوجه بالعبوديَّة –بكل أنواعها- إلى سواه -تبارك وتعالى- فالحمد منحصر به لا يستحقه غيره، والشكر مختص به، والعبادة -بكل أشكالها- ينبغي أن تكون خالصة له، وإلا فكل ذلك ردٌّ يُلقيه الله بوجه صاحبه.

لقد أدرك جيل التلقي عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- هذه الحقيقة، وتمسك بها، وتجلَّت فيه، فكان يستطيع أن يمنح الحب والتقدير والطاعة للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ولوليِّ الأمر، لكن ذلك كله لا يجعل ذهنه ولا قلبه أو وجدانه ينصرف لحظة واحدة عن الله -تبارك وتعالى- لأنه إذا أحبه فإنَّما يحب لله وفي الله، وإذا أطاع فإنَّما يطيع النبيَّ ثم وليَّ الأمر بطاعة الله؛ أي لأنَّ الله أمره بطاعته، فالله هو الحاضر وهو المتلقي والمتسلم -بلفظه ونطقه- حمد الحامدين وشكر الشاكرين وتسبيح المسبِّحين وعبادة العابدين، إذ إنَّها كلها خالصة له -جلَّ شأنه- وكذلك وجدنا مسلمين عاديِّين إذا سلَّموا على أمرائهم وقادة الدولة فيهم يسلمون عليه -أحيانًا- بعبارة: “أيها الأجير”.دخل رجل على معاوية بن أبي سفيان، فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالت له الحاشية المتملِّقة: بل قل أيُّها الأمير، قال: لا أقول إلا أيها الأجير، فإنَّ الأمَّة -وأنا منها- قد استأجرته ليقوم بهذه المسؤوليَّات، فهو الأجير لدى الأمَّة. ولذلك كان ذلك الإحساس أمرًا لا يمكن لأيِّ لون من ألوان الأنظمة الديموقراطيَّة أو غيرها أن يوجده في نفس الرئيس أو الملك أو القائد كما يوجده التوحيد. ومن هنا فإنَّ عمر -رضي الله عنه- قال مرَّة: “لو أنَّ جملا على شط الفرات زلق فهلك ضياعًا لخشيت أن يسأل عنه عمر لِمَ لَمْ يُعبد له الطريق”…؟! والسؤال هنا ليس -كما يتصور بعضٌ- أن عمر كان يتحدث عن المسؤولية الأخروية، بل أراد المسؤوليَّتين، المسؤوليَّة أمام الأمَّة التي هو أجير لها، و المسؤولية أمام الله الذي يشترك هو والأمَّة –كلُّها- بالإيمان به وبتوحيده وعدم الإشراك به؛ لأنَّ عمر يتذكر جيِّدًا كيف حاسبته الأمَّة -ممثَّلة بسلمان الفارسيّ- حين صنع أهلوه له ثوبًا طويلا كاسيًا في حين أنَّ أنصبة الآخرين لم تكن تكفي إلا لخياطة قميص. ولما ارتقى المنبر ليخطب الجمعة وعليه ذلك الثوب الكاسي (جلابية)، وبدأ خطبته قائلا: “أيُّها الناس اسمعوا…” نهض إليه سلمان الفارسيّ وقال: لا سمع لك علينا ولا طاعة حتى تُبيِّن لنا من أين جئت بالقماش الذي صنعته ثوبًا؟ فما أُعطي لنا لم يكف إلا ليكون قميصًا، فقال عمر: يا عبد الله بن عمر أجب سلمان، فقال عبد الله: لقد رأينا ثوب أبي وقد ملأته الرقع وتمزق من جوانب عديدة، فتبرعت له بحصتي ليصنع منها هذا الثوب الذي يرتديه ليُصلي بكم الجمعة ويستقبل الوفود. لم ينكر أحد على سلمان ذاك الاعتراض، بل على العكس وجد التشجيع من الجميع، وفي مقدمتهم أمير المؤمنين عمر الذي عقَّب على ذلك بقوله: لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها، وبعد أن أجاب ابنُ عمر سلمانَ قال له سلمان: يا أمير المؤمنين قل الآن تُسمع، وأمر تُطع. هذا الوضوح في الرؤية التي أوجدها التوحيد التي تحولت إلى ناظم ينتظم سائر شؤون وشجون الحياة ما عرفت الأرض أيَّ نظام قبله ولا بعده مثله. وحتى المسلمون بعد أن طال عليهم الأمد وقست منهم القلوب، وبدأ أثر التوحيد يضعف، وبدأت الشوائب تشوبه:”وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ” (يوسف:106) تغير الحال، وصرنا نسمع أحد المتملِّقين -ممن يدعون إلى الإسلام- يقف في القرن الرابع الهجري ليقول للحاكم بأمر الله:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار   فاحكم فأنت الواحد القهار[2]

ولم يجد موحدين مؤمنين يستنكرون هذه المقالة ويؤدبون الشاعر والحاكم معًا، ولذلك وقف شاعر صدام شفيق الكماليّ ليقول له:

تبارك وجهك القدسيّ فينا   كوجه الله ينضح بالجلال

ولو عرف ذلك الشاعر والممدوح وجه الله، ووحدوه التوحيد الخالص، لما كان من ذلك الشاعر أن يقول كلمته الفاجرة، ولا أمكن لذلك الممدوح أن يتلقاها بالقبول ولا يستنكرها على نفسه وهو يعرف أنه مجرد إنسان لا حول له ولا قوة إلا بالله سبحانه وتعالى. وأنَّ مالك الملك يؤتي الملك من يشاء، وينـزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء.

إنَّ انحراف المسلمين عن التوحيد -شعوبًا وقيادات- جعل العلاقة بين الحاكم والمحكوم علاقة فرعونيَّة، تقوم على استبداد الحاكم بشؤون المحكومين، فلا شورى ولا اهتمام برأي الأمَّة ولا مواقفها، بدأتها قيادة الانحراف الأول، أو الذين نقضوا عروة الحكم الأولى، حين وقف شاعر معاوية في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومعاوية يحاول أن يأخذ البيعة لابنه يزيد من بعده، فجاء بشاعر أجير يقف بين يدي أبناء الصحابة وصغارهم ليقول وهو يشير إلى معاوية: أمير المؤمنين هذا، فإن غاب فهذا، وأشار إلى يزيد! فمن أبى فهذا، وأشارإلى السيف.

لو أنَّ التوحيد كان حيًّا في القلوب فاعلا -كما كان في قلوب كبار الصحابة -رضوان الله عليهم- أمثال عمر وأبي بكر وعلي وعثمان وعائشة وسلمان ومن إليهم- ما كان من الممكن أن يقع هذا أو يقال هذا. وربما لو وقع هذا في ذلك الجيل -على سبيل الافتراض- لما استطاع أيٌ من الثلاثة -لا معاوية ولا يزيد ولا الشاعر المنافق- أن يخرجوا سالمين من المسجد.

إنَّ هناك عمليَّات إضعاف للتوحيد قد دخلت القلوب، فأخذت تغشى على أنوار التوحيد وتقلِّل من آثاره وتأثيراته، وأخذ العامة شيئًا فشيئًا -بحجج مختلفة- يُرَوَّضونَ على عدم التأثُّر بالتوحيد الإلهيِّ، واعتبار السلطان أو المتسلط أو الأمير أو من إليه ناطقًا باسم الله -تعالى- أو هو ظل الله في الأرض، أو أنَّ تعظيمه -إن لم يكن من تعظيم الله سبحانه وتعالى بتلك الاعتبارات- فإنَّ تعظيمه وطاعته، والحالة هذه، لا ينافيهما تعظيم الأخير؛ ولذلك وجدنا من الأمراء -قبل أن ينتهي القرن الأول- مَنْ يقول: “من قال لي اتق الله قطعت عنقه”.

إنَّ الاستبداد يُنافي التوحيد، والفرديَّة في الأمة المسلمة تُنافي التوحيد، ولا ينبغي للأمة أو الجماعة المؤمنة أن تعتبر أن المسؤولية في هذه الحالة تقع على الحاكم وحده، فهو الذي استبد وهو الذي فعل وترك. بل إنَّ الأمَّة كلها مسؤولة عن ذلك -كله- فالأمَّة هي التي تتراجع وتستخذي شيئًا فشيئًا، وتلعب المطامع ونزعات النفاق والتزلُّف وطلب العاجلة أدوارَها، وإذا بالأمَّة تتحول إلى نفسيَّة عبيد. وحين تتحول إلى هذه النفسيَّة الذليلة الهابطة لإيمانها فإنها في حاجة إلى مراجعات شاملة ومجاهدات ومثابرات، وعلاج شامل وتأسيس للوعي بالتوحيد من جديد لتخرج من تلك الأزمة.

بنو إسرائيل والتوحيد

إنَّ نفسيَّة العبيد الذين رضوا بالعبودية لعباد أمثالهم نفسيَّة تحمل العجز التام، إذ إن العبد لا يمكن أن يكون مصدر طاقة حيوية ولا مصدر إبداع لعبد مثله، بل إنَّ مصدر القدرة والفاعلية والحيوية والإبداع في هذا الكون هو مصدر واحد، وهو الله تبارك وتعالى.

وعبد العبد يعجز عن التمتُّع بطاقاته الإنسانيَّة أو استعمالها؛ لأن العبد المالك بعدما يُسخر العبد المملوك في قضاء حاجاته، وإكسابه ما يُريد، فإنه يخشاه ويخافه -على ذاك كله- ولا يستطيع أن يأتمنه، فيصادر حرياته كلها، خوفًا من تلك اليقظة، ويجعله أبكم لا يقدر على شيء، فلا يملك حرية التصرف، ولا يملك حرية تعبير، ولا أخذًا ولا عطاءً ولا تصرُّفًا أيًّا كان، فهو لا يرى إلا ما يُريه سيده العبد، ولا يسمع إلا ما يُريده أن يسمعه، ولا يُبصر إلا ذلك، فهو كَلٌّ على مثله في العجز والمحدودية وفقدان القدرة، أينما يُوجهه ذلك العبد السيد لا يأت بخير. وكيف يأتي بخير مَنْ سُلب سائر مقومات الإرادة والفاعلية والحيوية، فهو لا يُميز بين خير وشر، ولا بين نفع ولا ضر. وقد أوكل ذلك كله إلى العبد السيد، واعتمد عليه في التمييز، وعطَّل طاقاته كلها. وحين يستمرئ إنسان هذه العبودية لعبد مثله فإنه يتحول إلى ما يشبه الجسم المفرغ، لا يتحرك ولا يفكر ولا يأخذ ولا يُعطي ولا يفقه ولا يسمع ولا يرى إلا ما يراه العبد السيِّد، ويفقد بذلك إنسانيَّته، ويُصبح أقرب إلى البهائم منه إلى البشر، وإذا كانت البهيمة تتمتع بما يمكن تسميته بـ(التوجُّه الغريزي) فإن عبد العبد لا يملك هذه الـمَكرُمة أو الخاصية؛ لأن العبد السيد يثق بالبهيمة أحيانًا أكثر مما يثق بالعبد العبد، وعبد العبد يفقد الكرامة، ولا يجب أن يتذكَّرها؛ لأن العبد السيد قد عوَّده على نسيان ذلك، وجعله يدرك أنَّ أيَّ تذكر منه لإنسانيته أو كرامته أو شرفه أو قيمته سوف يُعرضه للمتاعب. وعلَّمه السيِّد العبد أنه حتى عندما يُعطيه شيئًا من الراحة فإنما يفعل ذلك لكي يأخذ منه مزيدًا من الجهد ومزيدًا من العبودية، لا يخسر السيد شيئًا من طاقته في غير النفع الذي يُريده، وعبد العبد قد يُقاتل ولكن من أجل سيده، وبأمر سيده، ولابد لسيده أن يقول له تحرك أو قف، أو افعل أو اترك؛ لأنه لم يألف ولم يعتد ولم يُعلَّم إلا ذلك. ولذلك فإن هذه النفسية إذا أصابت أفرادًا أفقدتهم إنسانيتهم، وألحقتهم ببهيمة الأنعام، مع فوارق ومزايا لبهيمة الأنعام؛ ولذلك قال جل شأنه: “إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ” (الفرقان:44) وإذا مردت على ذلك شعوب، فعاشت العبودية لأجيال وقرون فإنها تتحول إلى قطعان من العبيد شبيهة بقطعان الماشية، بل هي دون الماشية قيمةً وأثرًا، ولكي يتضح الأمر نأخذ مثلا حيًّا من بني إسرائيل، بعد أن عاشوا في ظل فرعون أو فراعنة مصر لأجيال عديدة، ومردوا على العبودية للفراعنة، قدَّر الله -تبارك وتعالى وما شاء فعل- أن يمنَّ عليهم بمحرر نبي ورسول كريم، نشَّأه في بيت فرعون وقصره، وفي حجره وحجر امرأته، لكي لا تكون هناك أية فرصة لأن تتسلل إليه أخلاق العبيد من قومه، فنشأ سيدًا في قصر السيِّد الكبير فرعون مصر، لكي يكون قادرًا على ممارسة عملية التحرير، ألا وهو سيدنا موسى. ولذلك حين حان موعد التحرير، وأذن الله -تبارك وتعالى- به ، وأرسل موسى وأخاه هارون إلى فرعون وجاءه، وقال له موسى قولاً لينًا في بادئ الأمر لعله يتذكَّر أو يخشى، وطلب منه شيئًا واحدًا: أن أرسل معي بني إسرائيل ولا تعذبهم، وجرى الحوار بين مَنْ كان يُعدُّ ابنًا لفرعون وجاءه اليوم نبيًّا ورسولا وبين فرعون، فقال له فرعون: “أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ” (الشعراء:18)، ثم يرد موسى فيقول: “وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ”(الشعراء:22)؛ أي أتمنّ عليّ باستعبادك بني إسرائيل وتعتبر ذلك نعمة منك عليّ، أنك تركتني في قصرك حرًّا لتوهمك أني ابنك. وحين قال له: “وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ”(الشعراء:19)؛ أي قتلتَ قبطيًّا، أجابه موسى: “فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا”(الشعراء:21)، هذه الحوارات وهذه الإمكانات التي برزت لموسى لم تكن لتظهر لولا الحرية التي مَنَّ الله على موسى بها، والتنشئة الربانية التي هيأت لذلك، فجعلت هذا النبي الكريم يقف هذه المواقف الصلبة المستحيلة بالنسبة لأي إسرائيلي آخر نشأ على العبودية. وسائر الحوارات التي جرت بين موسى وفرعون نجد فيها طعم الحرية وأثر الحرية وسلطان الحرية وقوة الحرية إلى جانب طاقة النبوة والرسالة. وهنا نفهم طبيعة المصنع الذي صنع الله فيه موسى، ونتبيَّن الحكمة في قوله تعالى: “وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي”(طه:39) صناعة النبي الرسول، وعبد الله الحرِّ القويِّ الأمين السيِّد الـمُطاع بطاعة الله.

وحين نتأمل في الظاهرة الإسرائيلية والحِكَم التي أحاطت بهذه الظاهرة نجد أمورًا عديدةً لا بد لنا من رصدها:

الأمر الأول: إن الشعوب التي تألف العبودية تفقد أهليتَها الإنسانية، وطبائعَ الإنسان، وتحتاج إلى إعادة تأهيل، ومن أبرز وسائل إعادة التأهيل نقل ذلك الشعب بجملته من دار العبودية إذا لم يمكن تحريره فيها، وذلك لإيجاد أجواء ملائمة ومغايرة لإعادة التأهيل. وإذا كانت للأرض الجديدة خصائص إضافية، كأن تكون مقدَّسة أو محرَّمة فذلك سيكون أعون لقيادة ذلك الشعب على إعادة التأهيل، فمكَّن الله تبارك وتعالى لموسى أن يُخرج بني إسرائيل من أرض عبوديتهم مصر إلى أرض مقدسة بتلك الطريقة التي وصفها القرآن الكريم تفصيلا، وهي طريقة ملأى بالخوارق، وذلك لتدمير كل ما نبَّتت عبودية الإنسان في نفوسهم وقلوبهم وعقولهم، فالله -تبارك وتعالى- الذي “يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ” (الملك:14) يعلم سائر الآثار المدمِّرة التي تركتها عبودية العبيد في نفوس أولئك المستعبدين، فلم يكتفِ بالآيات التسع التي أعطاها لموسى وهو لا يزال في أرض مصر، بل واصل تزويده بالآيات إلى أن أوصلهم إلى برِّ الأمان والضفة الأخرى، ومع كل تلك الخوارق والمعجزات، والهزات النفسية والصدمات الكهربائية -التي جاءت بشكل آيات- فإن نفسيَّات العبيد فيهم لم تتغير كثيرًا، وبمجرد أن عبروا البحر الأحمر مشيًا وسيرًا على الأقدام، ومازال وَحْلُ أرض البحر يُغطي أقدامهم، رأوا قومًا يعكفون على أصنام لهم، فقالوا: “يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ” (الأعراف:138). ذلك يعني أنَّ نفسيَّة العبيد قد تحركت فيهم وآثار معجزة العبور ما تزال على أقدامهم، فكأن الله تبارك وتعالى يقول لموسى: انظر إلى قومك واحذر وتبيَّن صعوبة مهمتك، فالقوم قد أُشربوا وعُجنت نفوسهم بطينة خبال العبودية، وأنَّ كلَّ ما نُنـزله عليك ونجريه على يديك إنما هو محاولة لتحطيم رواسب العبودية في نفوسهم وعقولهم وقلوبهم، ولتحرير وجدانهم من تلك الرواسب المتكلِّسة، فعاد إلى الحوار معهم هذه المرة لِـيُبين لهم ضلال هؤلاء الذين رأوهم يعكفون على أصنام لهم، ويُلفت بصائرهم المغلَّفة إلى الفرق بين الله -تبارك وتعالى- الذي حررهم وأراهم كلَّ تلك الآيات والخوارق، وبين تلك الأصنام البلهاء التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عن عابد شيئًا.

في الوقت نفسه استطاع موسى أن يُدرك أن مهمته لم تعد سهلة، فتحرير من استعبده العبيد من آثار عبوديتهم لعباد أمثالهم عملية في غاية الخطورة ومُنتهى الصعوبة، وسائلها وأدواتها ليست سهلة ميسَّرة ولا هيِّنة ليِّنة، ثم يستمر موسى معهم، فكأنه كلما أزال غلافًا من أغلفة قلوبهم -التي دمَّرها الاستعباد- وجد غلافًا آخرًا تحته، قد يكون أكثر سمكًا منه، فاستعان بالله ولم ييأس ولم يتوقف، كان ينـزعج ويغضب، وقد يستولي عليه الملل؛ لكن الله كان معه على الدوام، حتى إذا ظنَّ يومًا أنَّ هذا الشعب قد تخلَّص من آثار عبودية العبيد ذهب إلى ميقات ربه فرحًا عجلا فخورًا، يُريد أنْ يزفَّ البُشرى وينال من الله الجائزة، ولـمَّا بلغ ميقاتَ ربه قال له جلَّ شأنه: “وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى” (طه:83)، “قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي” (طه:84)؛ كأنه يريد أنْ يقول: قد تحرَّروا وصاروا إلى ما تُحب وترضى، وعجلت إليك ربِّي أحمل البشرى وأنت تعلمها قبلي لترضى عني وعنهم، فإذا بموسى -عليه السلام- يُفاجأ بصدمة لم يكن يتوقعها، فيقول الله -جلَّ شأنه- له بعد أن قال: “وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى” (طه:84)، قال: “فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ” (طه:85)؛ أي اختبرناهم لنرى ما إذا كانت نفسيَّة العبيد قد زايلتهم، ولكن ظهر أنها لم تزل بعد: “وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ” (طه:85)، حيث أخرج لهم عجلا جسدًا له خوار، فتحرَّكت نفسيَّة العبيد فورًا، وتجاوزت الوحي الإلهي والتوراة وموسى وهارون، وتحرَّكت نفسيَّة العبيد لتُدمر كلَّ شيء، فإذا بهم يتوجَّهون إلى العجل الجسد ذي الخوار ويعكفون عليه، غير آبهين بدعوات هارون، بل كادوا يقتلونه، وقالوا: (لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى) (طه:91)،فاشتدَّ بموسى الغضب، وألقى الألواح التي جاء بها من ربه لعلَّه يستكمل مشروع التحرير الذي بدأه، ألقاها وأخذ برأس أخيه يجرُّه إليه، وأخذ أخوه يعتذر ويقول له: يا ابن أمّ لا تأخذ برأسي ولا بلحيتي، إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، ولا تُشمت بي الأعداء، وهذا خلق آخر من أخلاق نفسيَّة العبيد، فكثيرًا ما يحاول هؤلاء أن يبطشوا بمن يحاولون تحريرهم وردَّ إنسانيتهم إليهم، ويستمر الحال.

 ولم يترك القرآن شاردةً ولا واردةً من أخلاق هؤلاء العبيد إلا وذكرها ليُقدم للبشرية كلها ذلك الدرسَ الخطير. درس كلِّي في بيان التدمير الذي يلحق النفس الإنسانية حين تُقطع عن الله وتُعبَّدُ لغيره -بأي نوع من أنواع العبودية- ثم يُعرِّضهم الله -تبارك وتعالى- لمعالجة من نوع آخر، خاصةً بعد أن قادهم موسى إلى مشارف الأرض المقدسة، ولم يبقَ إلا أن يدخلوها، ليستكملوا كل مقوِّمات التحرر، أرض حرة مقدسة يستوطنها شعب يهتدي بهداية الله وبكلماته، يقود ذلك الشعب نبيٌّ رسول يتلقى كلمات الله ووصاياه فيُبلغها لهم، ويُريهم كيفية العمل بها، وسدِّ احتياجاتهم الدنيويةكلها، من طعام وشراب وما إلى ذلك، وينصرهم على أعدائهم، لكنهم قد استعصت نفسيَّة العبيد فيهم على كلِّ وسائل التحرير، فلم تستجب للوحي ولا النبي ولا الرسالة ولا النعمة، ولم تبهرها الخوارق؛ ولذلك يقول الله -تبارك وتعالى- فيهم حكايةً عن موسى: “أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ” (البقرة:87) أنفسكم الهابطة الذليلة التي تقودكم إلى الهاوية “فَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ” (البقرة:87)، وذلك شأن العبيد مع ناصحيهم ومَنْ يحاولون تحريرهم، وهنا يقضي الله -سبحانه وتعالى- بِتِيههم في الأرض، فلا يكونون في أرض العبودية التي أنقذهم وأخرجهم منها، ولا يكونون بأرض التحرُّر المقدسة التي رفضوا دخولها، بل يتيهون في بقعة من الأرض، لعل ذلك يساعد على تغلُّبهم على نفسية العبيد، وتخلُّصهم منها، فحين قال لهم: “ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ” (المائدة:21) تحرَّكت نفسية العبيد بالخوف الشديد، فقالوا: “يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا” (المائدة:22) -طواعية ودون قتال منا أو جهد- “فَإِنَّا دَاخِلُونَ” (المائدة:22) فيها بسلام، بل زادوا على ذلك حينما قيل لهم: “ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ” (المائدة:23)، وبمجرد أن تتجاوزوا الباب فإنكم غالبون لا محالة لأن الله معكم. وهنا تحرَّكت نفسيَّة العبيد مرةً أخرى لتقول: “يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ” (المائدة:24)، فأدرك موسى اليأسُ وقال: “قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ* قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ” (المائدة:25-26).

 فهل تغيَّرت نفسيَّة العبيد؟ الجواب: لا… لم تتغيَّر، ولا تزال نفسيَّة العبيد هي المسيطرة عليهم حتى يومنا هذا، جاءت الرسل بعد موسى تترى؛ رسل قضاة ورسل خلفاء ورسل ملوك ورسل أنبياء، فلم يستطيعوا تغيير نفسيَّة العبيد.

إن التجربة الإسرائيلية هذه بكل تفاصيلها إنما هي نموذج لتحذير البشرية من إحداث أيِّ تغيير في النفس الإنسانية أو أيِّ تدمير لها، فالنفس الإنسانية إذا أصابها التغيير تحوَّلت إلى شيء آخر غير الإنساني تمامًا، وإذا كان الزجاج لا ينجبر كسره إلا بإعادة صهره، فإن النفس الإنسانية إذا تم تخريبها، وتحولت إلى نفسية عبيد، فإن من المتعذر إصلاحها أو استعادتها إذا عاشت في ظل تلك النفسية المدمَّرة قرونًا.

المسلمون ونفسيَّة العبيد

اختار الله لتجديد رسالة الإسلام الشعوب الأمية، وابتدأ منها بالشعب العربي. والشعب العربي كان في جاهليته شعبٌ قد يسقط في أمور كثيرة، لكن العبودية للإنسان لم تكن من أخلاقهم، نعم كانت هناك آبائية، وكان هناك احترام للأكبر سنًّا، واستعدادًا لقبول قيادته، وتقديم كل ضروب الطاعة والولاء له، لكن هناك شعور بالتكافؤ لا يسمح لنفسية العبيد أن تستولي بشكل كامل -كما حدث لبني إسرائيل- على نفسية العربي؛ ولذلك فإنه حينما بُعث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيهم كان يكفي أن ينشرح صدر الواحد منهم للإسلام وقبول القرآن والإيمان برسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لينطلق مستكملا بها مكارم أخلاقه ومشاعر إطلاقه، فهو يُحس كأنه إنسان مطلق محرر الوجدان، فحين يقول عمر -رضي الله عنه- قولته السالفة: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا” فإنه يُعبر عن قومه وأبناء جيله في تلك المرحلة، وكذلك حينما انطلق أبناء الصدر الأول، وحملة رسالة الإسلام الأولون برسالة الله، لم يستغرق إعدادهم لذلك أكثر من ربع قرن ليصلوا برسالة الله إلى نصف البشرية في تلك المراحل، وحين يُنقل عنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: “الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا” ويُروى عنه أنه قال:”إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. ويقول عن حاتم الطائي -ولم يكن قد رأى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولم يسلم: “إنه رجل كان يحب مكارم الأخلاق”، فتلك مؤشرات تدل على أن ذلك الجيل -وإن لم يكن على الإيمان- قبل بعثة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لكنه لم يتلوَّث بنفسية العبيد كما حدث للأجيال الإسرائيلية.

 فنفسية الحرِّ تهفو إلى الحرية، وتنشرح للتحرر، وتنفتح على دعوة الحق، وتُقبل على مكارم الأخلاق، وتخبت وتخشع حين تعرف الحق، وتحسن التصرف حين يتحرَّر الوجدان، وتُفجر طاقاتها وفاعليتها واستعداداتها كلها عندما تُدعى إلى الخير. أخشى ما أخشاه -بعد أن انحرفت الأمة بنظام الحكم ودخلت فيه مختلف المضايق- أن تكون نفسية العبيد قد تسللت إليها في بعض الفترات المظلمة من تاريخنا، وتركت آثارها فينا، فتاريخنا السياسي تاريخ قد طغت عليه وفيه فترات استبداد، وحكم فيه أحرار وتحكم فيه عبيد، وساس فيه مستبدون وتحكَّم في بعض فتراته المتغلبون. ولذلك قد بدأت تظهر ظواهر سلبية كثيرة، منها فشل في محاولات الإصلاح، وتراجع في حركات التحرر، وتضارب بين الحركات الإصلاحية نفسها، وإني لأخشى أن يكون ذلك الخضوع للاستبداد وقبول الفردية وتملُّق المستبدين والخضوع للطغاة والاستسلام لهم وعدم الإنكار عليهم، أخشى أن يكون ذلك كله من آثار لطشة من لطشات نفسيَّة العبيد وقانا الله منها.

إنَّ كثيرًا من أهل العلم والدعاة والمنادين بالإصلاح يصبُّون جامَّ غضبهم، وصواعق مواعظهم ومقتهم، على إنسان بسيط تعلَّق قلبه بمشهد إمام أو ضريح شيخ ليُقال له بأنه كفر بالتوسل بصاحب الضريح أو فسق بمجرد الدعاء عنده وتوهمه أنَّ دعاءه سوف يُقبل بناء على جاه صاحب الضريح، لكنَّ هؤلاء يصمتون -صمت القبور- أمام الاستبداد والطغاة والمتألهين على عباد الله، والمفسدين في الأرض، والمنافقين والمتملقين والمتزلفين، يُحيطون بهم من كل جانب، يُقدِّسون ويُعظمون ويتبتَّلون ويتعبَّدون. إنَّ كثيرًا من هؤلاء لا يُنادون بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا بُني مسجد على قبر، وكأنهم مثلما قال المعري للديك الصغير وقد أتوه به ليأكله: “استضعفوك فوصفوك، هلا وصفوا شبل الأسد؟!”، نعم لا شك أنَّ العامة تُمارس منكرات في توسلها بأهل القبور ونسبة كثير من القضايا إليهم، وقد يكون في بعض ذلك شرك، وقد يكون في بعض ذلك انحراف، ولكنه ليس بمستوى تعظيم أولئك المستبدين والطغاة والمنحرفين والمفسدين في الأرض، آكلي أموال الناس بالباطل، والمخرِّبين للضمائر، المستعبدين للناس وقد ولدتهم أمهاتم أحرارًا.

فمتى نُعيد للتوحيد بهاءه؟ ومتى يستردُّ التوحيد سلطانَه؟ ومتى يُحرر المسلمُ بالتوحيد وجدانَه؟ ومتى ينطلق بالتوحيد من عقاله ليُمارس حريته، وليسترد إنسانيَّته، وليقوم بما أمره الله به؟ لتتمكن هذه الأمة من شقِّ طريقها نحو النهوض وتمهيد سبيلها إليه؟! إن دعاة الإصلاح منا لو استطاعوا أن يُحيوا موات قلوب عامتنا بالتوحيد الخالص وبآيات الكتاب الكريم لاستطعنا أن نقول: قد فتحنا أبواب النهضة، وسلكنا سبيل الإحياء والتجديد… والله الموفق.

[1]  انظر تاريخ الطبري، ج3، ص34. وانظر البداية والنهاية ج7، ص(46،47).

[2]  انظر الكامل في التاريخ، ج4،ص56.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *