Menu
منهجية التعامل مع التراث الإسلامي - مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية

الخطاب الإسلاميّ واختزال الغرب للإسلام والمسلمين 1

د. طه العلواني

منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001م والعالم كلّه لم يكن يستطيع أن يرى -بل لم يسمح الغرب له أن يرى- الإسلام والمسلمين والعرب عامّة، والعالم الإسلاميّ -كلّه- والتاريخ الإسلاميّ بجملته، والحضارة الإسلاميّة بعامة، وفي كل عصورها وأدوارها إلا من خلال شخصيّتين اثنتين لا ثالث لهما؛ هما المدعو بالشيخ أسامة بن لادن والمدعو سابقًا بالرئيس القائد صدام حسين، فلقد استطاع الإعلام الأمريكيّ العملاق المتجبِّر، والإعلام السائر معه أو في ركابه في الغرب وفي الشرق، والإعلام الَّذِي شارك معه -بوعي أو بدون وعي- أن يفرض هاتين الشخصيّتين على العقل العالميّ باعتبارهما النموذج المختزل للإسلام والمسلمين. ولقد عزّز الإعلام العربيّ والإسلاميّ المحليّ والمهاجر، وبعض الفضائيّات التي احترفت الإثارة الإعلاميّة هذه الصورة الشائهة الجائرة الظالمة والعبقريّة في الوقت نفسه، فإعلام الإثارة السائد في الوقت الحاضر، والَّذِي يتبنّى فلسفة «عضّ رجلٌ كلبًا بدلًا من عضّ كلبٌ رجلًا» قد عمل على تكريس هذه الصورة الشائهة للإسلام والمسلمين حتى صار الناس كلما ذُكر الإسلام أو المسلمون برزت هاتان الشخصيَّتان أمامه؛ ليكون هناك اختيار لـمَنْ يُريد نموذجًا علمانيًّا من المسلمين يكون بين يديه صدام حسين ومَنْ يريد نموذجًا «ماضوّيًا» أو «سلفيًّا» فبين يديه أسامة بن لادن، وأنت ترى عبقريّة فلاسفة هذا الإعلام في طرح هذين النموذجين؛ لأنّهم بذلك اختزلوا الأمّة الإسلاميّة والعالم الإسلاميّ كلّه، الَّذِي يشكل 20% من سكان المعمورة ويحتل أهم المواقع الجغرافيّة فيها من جميع النواحي، ويرث أهم الحضارات التي عرفتها الأرض، كل ذلك قد تم اختزاله في هذين الشخصين، وحشر في جرابين اثنين بعبقريّة لا يملك الشيطان إلا أن ينحني تواضعًا أمامها -إن كان الشيطان يعرف التواضع– بل قد يرفع الشيطان كل أغطية الرأس المعروفة تحيّة لتلك العبقريَّة الفذة: عبقريّة الإعلام الأمريكيّ الجبار، خاصّة أغطية الرأس التي ألف صدام حسين أن يُجربها -كلَّها- وهو يستعرض رأسه العنيد أمام العراقيّين والعرب، بدءًا من القبعة التي يرتديها رعاة البقر في تكساس ومرور بالـ«ـقبلق الروسي» و«العقال العربيّ» و«الجرَّاويَّة العراقيّة» و«القلنسوة». اللَّهم إلا العمامة التي حفظها الله من التربّع فوق رأس الرئيس القائد صدام حسين، ربما لأنهّا -أعني العمامة- تمنع الفسق والرزق كما يدّعي بعض المعمَّمين، وربما صاغ بعض أذكياء حملة العمائم هذا الشعار وأطلقوه لئلا يعطوا الرئيس القائد فرصة منافستهم على عمائمهم، خاصّة بعد حملته الإيمانية الكبرى وأمره بكتابة المصحف الطاهر بدمه…!!

ظاهرة الإسلاموفوبيا

فلماذا يا ترى حاول الإعلام الغربيُّ والسائرون في ركابه اختزال الإسلام والمسلمين وكل مَا يتعلق بهما في هاتين الشخصيّتين، أهو الحب أم البغض أم شيء آخر؟

مهما يكن فقد عزّز ذلك مخاوف الشعب الأمريكيّ والشعوب الأوربيّة من الإسلام، وقوّى من أنشطة الساعين لنشر فكرة «الإسلاموفوبيا».

كنت ذات ليلة في مبنى «جامعة العلوم الإسلاميّة والاجتماعيّة» في ليسبرغ في أمريكا، وكنت قد تأخرت بعد فترة الدوام، فجاءني أحدهم ليقول: “إنّ هناك سيدة أمريكيّة تود أن تقابلك”، قلت: “لِمَ لم تطلب منها أن تأتى في أوقات الدوام الرسميّ؟”، قال: “طلبت منها ذلك، لكنَّها أصرت أن تراك بعد مَا علمت أنَّك مَا تزال في مكتبك”، قلت: “أدخلها”، فدخلت وسلّمت ببرود، كانت سيدة في خريف العمر، تبلغ الخامسة والستين، قدّمت لي بطاقتها وفيها أنّها كانت تنتمي إلى السلك الدبلوماسيّ، عملت في الصين واليابان وغيرهما، سمعت عن الإسلام والمسلمين، ولكنّها لم تعمل في بلدان مسلمة، ثم وجّهت خطابها إليّ قائلة: “لدي مشكلة، إنّني أشعر بالخوف من كل أولئك الذين تدل سحنات وجوهم على أنّهم من المسلمين، بل حتى النساء المحجّبات صرت أخشاهن، وقرأت عن مؤسّستكم واعتدال القائمين عليها، ورجوت أن أجد عندكم مَا يزيل مخاوفي من الإسلام والمسلمين، والسحن المشرقيّة والمحجّبات، ولتدرك مَا أنا فيه فإنّني قد بدأت أشعر حين أرى مَنْ قد ينتمون إلى العالم الإسلاميّ أو أقابلهم بأنّني في حلم مزعج أحرص أن ينتهي بأسرع مَا يمكن!!”، فأخذت أتحدث إليها عن الإسلام ورأيه في الأنبياء كافّة، وأنّه هُوَ دين جميع الأنبياء، وأنّ الأنبياء في نظره أمّة واحدة. وباعتبارها دبلوماسيّة فقد أخذتُ أؤكد لها أنّ علاقة العالم الإسلاميّ في القرن الثامن عشر في أمريكا كانت علاقة طبيعيّة ووديّة جدًّا، وسألتها إن كانت تعرف أنّ أول من اعترف بالثورة الأمريكيّة، وتبادل الرسائل مع جورج واشنطن كان مسلمًا، وهو سلطان مراكش. فبدت عليها الدهشة، وقالت أنّها لم تكن تعرف هذا.  ثم تحدّثتُ عن ظاهرة التعصب، وأنّها ظاهرة ليست خاصّة بالمسلمين، بل هِيَ ظاهرة تكاد تكون عامّة، تُصيب الناس باعتبارها ظاهرة مرضيّة عندما ينحرف فهمهم للدين -أيّ دين كان- فيتمسكون بمظاهره وقشوره، أو المظاهر والقشور التي تُنسب إليه، ويتجاوزون حقائقه ومقاصده وغاياته وأهدافه الإنسانيّة، وذكرت لها بعض المجموعات الإرهابيّة من أديان مختلفة التي برزت في أمريكا في بعض الفترات، ومنهم «ماكـﭭـيّ»، مُفجّر مبنى أكلوهوما، والَّذِي ذهب ضحيته مَا يزيد عن (400 إنسان)، وأنَّ هذه الظاهرة مَا هِيَ بظاهرة خاصّة بالمسلمين، وأكدتُ لها أنّ عددًا ممن قُتل في مركز التجارة العالميّ كانوا من المسلمين، فقد قُتل مَا لا يقل عن ثلاثمائة وثمانين مسلمًا ومسلمة، وهي -بالنسبة لعددنا- أعلى نسبة ضحايا سقطت في هذا الحادث؛ ولذلك فيمكنك أن تطمئني بأنّ تلك الوجوه التي تخشينها هِيَ وجوه مسالمة، محبة للخير، تحترم جيرانها وتحبهم، وتحب أوطانها وتخلص لها، وتحب الخير للبشريّة كلها، فلا ينبغي لها أن تخشى أحدًا من هؤلاء على نفسها أو على مالها أو شرفها، وبعد نقاش -أخذ مَا يقرب من ساعة- قالت: “أريد أن أعرف أكثر عن الإسلام وعنكم”، فدعوتها إلى حضور المناسبات التي نقيمها، وأذنت لها أن تحضر مَا تختاره من الدروس التي نقدمها، وبعد فترة لم تطل قَدِمِت لحضور درس من دروسي!

إنَّ حادثة الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها قد أضرّت بالمسلمين وبالإسلام ضررًا بالغًا، وأضرّت بقضايا المسلمين الكبرى أضرارًا بالغة، ومَنْ يزعم غير ذلك فليذكر لنا أيّ نفع قد جرّته للمسلمين تلك العمليّات في داخل أمريكا والغرب أو في الخارج؟ فبين أيدينا بلدان مسلمان قد دُمّرا: أولهما أفغانستان وثانيهما العراق، فهل يُساوى تدمير البرجين تدمير هذين البلدين؟ وتحجيم الوجود الإسلاميّ في الغرب؟! إنّ هذه العمليّات يمكن أن تلفت أنظار الإعلام، ولكن من المستحيل أن تسقط دولًا أو تغيّر نظمًا أو خرائط في أمريكا أو أوروبا، فليتق الله أولئك الذين يفتئتون على الأمّة، ويفرضون أنفسهم ممثّلين لها أو نوابًا عنها رغم أنفها، ويتناسون ويتجاهلون «فقه الأولويّات» و«فقه الموازنات» و«فقه المآلات» وسائر أنواع الفقه الإسلاميّ، وليرحموا الأمّة التي لم تعد تدري من أين تأتيها الضربات، فقد وقعت النصال على النصال، فلم تعد تستطيع التمييز بين نصل يرميها العدو به ونصل يأتيها من الأبناء.

 حرب العاشر من رمضان:

بادئ ذي بدء أود أن أُعيد إلى الذاكرة حرب العاشر من رمضان، وما سبقها، وما حدث فيها، ثم مَا لحقها من قضايا حرب العاشر من رمضان أو السادس من أكتوبر، والتي كانت بالنسبة للعرب والمسلمين -بقطع النظر عن أيّ ملابسات أخرى أو تحليلات منصفة أو جائرة- حربًا أعادت للعرب والمسلمين الإحساس بأنّهم يستطيعون أن يملكوا «إرادة»، ويستطيعون أن يحققوا لأنفسهم «فاعليّة»، وأنَّ لديهم أسلحة كثيرة يستطيعون استخدامها إذا استردّوا فاعليّتهم وتمتَّعوا بإرادتهم، فبعد كل الهزائم التي مُنِيَ العرب بها منذ (سنة 47) وقيام دولة إسرائيل، وجد العرب أنفسهم قادرين على أن يكسروا «الحاجز النفسيّ» الَّذِي شادته هزائمهم ونكساتهم المتكررة منذ (سايكس بيكو 47،48،56،67) وغيرها من هزائم ونكسات أخرى مصاحبة أو جانبيَّة، ولأول مرة يكتشف العرب أنَّ لديهم سلاحًا لا يقلّ خطورة عن أفتك الأسلحة المتوافرة في عالم اليوم، وأنّه إذا وجدت لديهم الإرادة والفاعليّة فإنّهم قادرون على استخدامه بكفاءة وعزيمة ضد أي سلاح آخر قد يفكر خصومهم باستعماله ضدهم، ألا وهو «سلاح البترول»، فسلاح البترول حين يكون في أيدٍ أمينة خبيرة مُجّربة مثل يدي فيصل -طيّب الله ثراه- يحسن استخدامه في الكرّ والفرّ فإنَّه يصبح سلاحًا ذا نصلين:

الأول: هُوَ البترول وأثره الذي تتوقف عليه الصناعة والحضارة، ومسيرة الحياة المعاصرة.

والنصل الثاني: هُوَ سلاح المال الَّذِي يمكن للبترول أن يأتي به ويحوله إلى سلاح من أفتك الأسلحة الاقتصاديّة؛ ذلك مَا اكتشفه فيصل -يرحمه الله- فشجع السادات وحافظ الأسد -نرجوا من الله لهم جميعًا الرحمة- على الـمُضِيّ في الإعداد لتلك الحرب المشرِّفة، ووعدهما فيصل أنّه سيقف إلى جانبهما بكل إمكانات المملكة، ومنها هذه، ولم يكن أحد في دنيا العرب والمسلمين -كلّها- يجرؤ على استخدام ذلك السلاح ذي الحدَّين إلا رجل مثل فيصل، كانت له مع الغرب والشرق وعالم السياسة مَا يقرب من خمس وخمسين سنة من الخدمة والخبرة والتجربة التي لم يكن لها نظير؛ لذلك كان ينبغي لفيصل أن يـبعد عن مجال التأثير ولو في أن يقتل، فمثله لا يستطيع أن يعيش، ولا تسمح لعبة الأمم لأمثاله بالبقاء، فهو عنصر في غاية الخطورة على اللعبة، يعرف المداخل والمخارج والمضايق، وهو كما قالت العرب: «ويل أمِّه مسعر حرب لو كان له رجال».

هنا بدأ الغرب -كعادته- يُنادي مفكّريه وفلاسفته وحُرّاس حضارته ورجال أمن مستقبله -وهم العلماء والأكاديميُّون، ورجال المستقبليّات، وخبراء صراع الحضارات الذين هم أجهزة ومؤسّسات الظل في تلك البلاد- ناداهم صُنّاع القرار، ووضعوا تحت أيديهم الإمكانيَّات اللازمة لتحليل مَا جرى، وإجهاضه، ووضع الخطط الكفيلة لجعل تكراره مرة أخرى أمرًا مستحيلًا. فمصر يجب أن تعزل عن العرب، والشعب المصريّ يجب أن تكرَّس عزلته وتبرز استهانة العرب به، وانعدام حرصهم عليه؛ لكي يفقد العرب كنانة الرجال وجعبة السهام التي بها يصولون ويجولون. وهذه مصر التي قادت عمليّة كسر الحاجز النفسيّ للعرب ضد الرفض العربيّ وتوقيع اتفاق سلام عربيّ جماعيّ، وبمبادرات عربيَّة، فكان يجب أن تفرض عليها عمليّة بناء حاجز جديد بينها وبين العرب هذه المرة، وبالطريقة التي تمت بعد ذلك واستمرت حتى اغتيال الرئيس الراحل السادات.

وأمّا السعوديّة فلا مساومة مع فيصل، بل يجب أن يموت، وإلا فإنَّ وعيه وخبرته وفهمه للعقليّة الغربيّة، وإدراكه لنفسيّة ساسة الغرب، ووعيه للأسلحة التي بين يديه قد تساعده يومًا مَا على تحقيق الحلم الَّذِي استشهد دونه وهو الصلاة في المسجد الأقصى المحرَّر. وأمّا الأسد فينبغي أن تُثار له المشاكل، ويُحجَّم في إطار طائفيّ حزبيّ لا يسمح له بأيّة مرونة سياسيّة، ويجعله دائمًا في موقع الدفاع عن النفس، فيغرق جيشه في لبنان من ناحية، وتُثار في وجهه حزبيّته وانتماؤه الطائفيّ؛ ليكون ضعيفًا على الدوام وفي حالة دفاع عن النفس، ومنذ ذلك التاريخ -أعني منذ محادثات الكيلو (101)- ومراكز البحوث والدراسات في الغرب تعمل ليل نهار لوضع خطط إجهاض لأيّة صحوة أو شبه صحوة في العالم الإسلاميّ، ومصادرتها قبل أن تحبو على الأرض. وقد بدأت تلك الجهود تظهر في شكل بحوث ودراسات تقدم بالّلغة الإنجليزيّة وبعض الّلغات الأوروبيّة الأخرى لتعبئة الشعوب الغربيّة وحشدها ضد الإسلام والمسلمين، وبدأت تظهر عناوين كثيرة مثل «الثورة الإسلاميّة» و«القنبلة الإسلاميّة» و«سرعة انتشار الإسلام» و«الإرهاب الإسلاميّ» و«الخطر الإسلاميّ» و«الصحوة الإسلاميّة» و«الخطاب الإسلاميّ» و«فقدان الديمقراطيّة والعدل وحقوق الإنسان وانتشار الديكتاتوريَّات وتهديد الحضارة، وصراع الحضارات»، وكان يجرى في كل ذلك ربط شيطانيٌّ -يربط بإحكام- بين سائر السلبيّات التي يعاني المسلمون منها وبين الإسلام باعتباره دينًا ومصدر هداية، وبخاصّة القرآن الكريم، ثم النّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ؛ سيرته وسنته وتاريخه وسلوكه وعلاقاته وتصرفاته وبيئته وزوجاته وبناته وسائر مَا يتعلَّق به، كل تلك الأمور أُعيدت قراءتها قراءة معاصرة تسمح بإبراز المآخذ، وقد وضع تحت المجهر كل شيء. وصارت الندوات تلو الندوات تُعقد على أعلى المستويات وأقلّها لمناقشة قضايا إسلاميّة مختلفة وتحليلها، ثم البحث عن تجليّاتها في علاقات المسلمين وسياساتهم وتصرفاتهم.

الدراسات الغربيّة الكثيرة لظاهرة «الصحوة»:

ولقد عقد لدراسة مَا عُرف بظاهرة «الصحوة» في الولايات المتحدة وحدها فيما بين أعوام (73و83) مَا يزيد عن ثلاثّة مائة وثمانين ندوة، تناولت مَا يخطر على البال وما لا يخطر من شؤون وشجون تلك الظاهرة التي أطلقوا عليها «الصحوة الإسلاميّة»، وهذا في حدود مَا أحصيناه ممّا لا يتناول البحوث والدراسات الفرديّة التي تستعصي على الحصر. ولا أشك أنَّ عددًا مثل هذا لم نتمكن من إحصائه أو رصده؛ ولذلك فحين انهار النظام الإيرانيّ، وعاد آية الله الخوميني من منفاه ليملأ ذلك الفراغ، ويقود الشعب الإيرانيّ نحو بناء نظامه الجديد، بدأت موجة أخرى في الغرب من البحوث والدراسات التي صارت تركّز هذه المرة على المناطق الإسلاميّة، والمذاهب والفرق والاختلافات فيما بينها، وكيف يمكن توظيفها في إجهاض أيّة صحوة عامّة يمكن أن يتمخّض عنها هذا العالم الخطير العجيب؛ العالم الإسلاميّ؟

ومن الدراسات الطريفة التي كانت تُطرح في بعض الندوات أنّه لا مانع من أن تقوم حركات أو نُظم ترفع شعار الإسلام في غير المحيط السنيِّ؛ لأنّ العالم السنيِّ سوف يتكفل بإجهاضها بحكم كون السنَّة هم الأغلبيَّة في العالم الإسلاميّ!! فكان بعض الباحثين يرى -في تلك المرحلة المبكرة- أنَّ أمريكا لا تحتاج لأنّ تبذل أيّ جهد لإسقاط النظام في إيران حتى إذا احتلت سفارتها وأُسر موظفيها، فالعالم السنّي هُوَ الكفيل بمحاصرة إيران الشيعيّة وإجهاض ثورتها؛ ولذلك حين قام صدام ونظامه البعثيّ بفرض الحرب على إيران لم يكن ذلك مفاجئًا لتلك الدوائر، إن لم يكن مدبّرًا ولو على سبيل الاستدراج، بل كانت تلك الحرب لديهم على الأقل أمرًا متوقعًا. ولا أنسى ذلك الباحث الَّذِي أعاد إلى الأذهان الصراع بين الهاشميّين -بقيادة الشريف حسين- وبين السعوديّين -بقيادة الملك عبد العزيز- وكيف انتهى صراعهم على الحجاز إلى انتصار الملك عبد العزيز على الشريف حسين وأولاده فيصل وعلي وعبد الله وزيد، وتعليل الساسة البريطانيين في تلك الفترة تخلّيهم عن الأشراف وتأييدهم لاستيلاء الملك عبد العزيز على الحجاز، وعدم مؤازرتهم للأشراف للاحتفاظ بها رغم وعود بريطانيا -السابقة- لهم بذلك، فكان تعليلهم بأنّ الأشراف من السنّة، وأنّ لديهم عمقًا عربيًّا واسعًا بحكم ذلك، وأنَّهم يمكن أن يطمعوا في إقامة دولة عربيّة موحّدة، قد تشكل بعد ذلك خطرًا على المصالح الغربيّة، في حين أنَّ الملك عبد العزيز، وإن كان عربيًّا سنيًّا، لكن معروف أنّه إمام الوهابيِّين، وهذه الصفة كفيلة بعزله عن بقيّة العالم السنّي، وعدم إعطائه فرصة للامتداد خارج حدود نجد والحجاز.

أذكر أنَّ الشهيد إسماعيل الفاروقي -رحمه الله- ذكر لي أنَّ الرئيس كارتر دعاه -حين كان كارتر رئيسًا للجمهوريّة- مع سبعة آخرين من المتخصصين في الأديان لمناقشة «مفهوم التوبة» في الإسلام في البيت الأبيض لمدة يوم كامل. وقد قضى الرئيس كارتر ذلك اليوم كلّه مع هؤلاء الأساتذة يسمع ويتعلم ويناقش، حتى انتهى اليوم بعد ثماني ساعات من العروض والمناقشات في موضوع «التوبة في الإسلام»([2]). ولقد شاركت شخصيًّا في ندوات عديدة في أمريكا حول «مفهوم العبادة في الإسلام، ومعاني أركان الصلاة، وخاصّة السجود»، وماذا يعني؟ وهل يمكن أن يكون السجود ذا علاقة -مهما كانت بعيدة أو خفية- بحالة الخضوع والاستكانة إلى الأنظمة الديكتاتوريّة التي تشيع وتنتشر في العالم الإسلاميّ؟ وهل للزكاة علاقة بعمليّات الإذلال للفقراء، وكذلك كثير من الأحكام الإسلاميّة؟ وقد كنت أضحك ملأ شدقيّ في بادئ الأمر حين أستمع إلى غربيّ يتحدث عن الصيام مثلًا باعتباره تعذيبًا للنفس يقوم به المسلم ظنًّا منه أنّه عبادة، وما هو بعبادة!! وأنّ الصيام مصدر من مصادر تعليم العنف، فالذي يفرض على نفسه الجوع والعطش ويعذبها فإنّه يكون مهيّأ لتعذيب الآخرين ومعاملتهم بعنف!! ويحاول الربط بينه وبين العنف، وقد يقول: إذا كان الإنسان يعامل نفسه بقسوة؛ فيفرض عليها الجوع والعطش، فما تراه يفعل مع الآخرين حين يتحكّم فيهم؟!!!

 العناية الفائقة بالتخطيط العلميّ:

فالقوم قد عُرفوا بالتخطيط والتدبير، وأتقنوا ذلك الَّذي كان علماؤنا المتقدمون يُسمّونه بــ«علم التدبير»، الَّذِي هُوَ علم «التخطيط السياسيّ»، وبناء الاستراتيجيّات، واستشراف المستقبل، وما إلى ذلك من علوم ووسائل وأدوات لا يمكن بناء سياسات ناجحة دونها؛ ولذلك فهم حين ألصقوا تهمة «الإرهاب» بالإسلام والمسلمين من خلال تكريس صورتي «ابن لادن وصدام» باعتبارهما نموذجين للإسلام والمسلمين فإنَّ ذلك لم يكن عفويّـــًا، ولم يأتِ بدون تدبير، بل إنَّ ذلك قد تم بعد دراسة وتدبير وتخطيط.

ومن بين الدراسات الهامّة التي صدرت في الثمانينات دراسة أصدرها كاتبها بشكل قصة، خلاصتها: مهدي يصنع([3])؟

تخيّل الكاتب فيها أنّ جهازي الاستخبارات البريطانية والأمريكيّة قررا -في مرحلة من المراحل- إحداث التخريب في العالم الإسلاميّ عن طريق صناعة «مهدي للمسلمين»، وواضح أنّ الكاتب قد درس «تراث المهدويّة» لدى المسلمين، بدأ من الأحاديث المصحّحة –لدى بعض المحدثين- والموضوعة في قضايا المهدي والمهديّة، مرورًا بما لا يقل عن مائة شخصيّة ادعت المهدويّة في تاريخنا الإسلاميّ، وصولًا لعصرنا هذا، وقارن بين ذلك التراث وتراث النصرانيّة في فكرة «المخلِّص»، وتخيّل أنّ المسلمين -في مرحلة من المراحل- قد يشكلون تهديدًا لمصالح أمريكا وبريطانيا، فتقرّر الدولتان مقاومة ذلك التهديد ودرء ذلك الخطر وصناعة «مهدي» يقود المسلمين وفقًا لتوجيه مخابرات الدولتين، ويتخيّل الكاتب أنّ K. G. B «المخابرات الروسية» تكتشف مصادفة تلك المحاولة المزدوجة البريطانيَّة الأمريكيّة، فتهددهما بكشف الموضوع للمسلمين، أو يُشركانها في المحاولة ويُطلعانها على تفاصيلها كافّة وتكون لها حصة من الغنيمة، في النهاية يوافق جهاز CIA والمخابرات البريطانية فتبدأ مخابرات الدول الثلاث في صناعة المهدي المزَّيف الَّذِي يتم اختياره من مسلمي ماليزيا، ثم يُهجَّر من هناك بتدبير مخابرات الدول الثلاث إلى جدة ثم إلى المدينة؛ ليحبك الدور تمامًا، وليقتنع ذلك الشخص المختار نفسه بأنّه مهدي فعلًا، فقد تقرر توظيف العلم هذه المرة ليصنع له بعض الخوارق التي تقنعه بأنَّه المهدي فعلًا، بحيث ينسى أنّه مجرد عميل لهذه الأجهزة لا علاقة له بالهداية ولا بالمهديّة، وتهيء الأجهزة له أعوانًا، أهمهم كان عراقيًّا (ولا أدري مَا علاقة ذلك بأحداث اليوم، كما لا أدري في أيّ مرحلة هم من مراحل صناعة هذا المهدي المزيَّف)، وحتى يمكن أن يقدّموه لنا، فينخدع به من ينخدع. كذلك حفلت الكتب القصصيّة والروايات المماثلة، التي يمكن اعتبارها بالونات اختبار يُصدّرها -في الغالب- رجال مخابرات مثل «احتلال السعوديّة في يوم جمعة»، وهي قصة صدرت في أمريكا في الثمانينات أيضًا، تتخيّل هجوم شاه إيران على السعوديّة، واحتلالها، وتدخل أمريكا لتدمير إيران وإنقاذ السعوديّة التي لم تستطع إنقاذها -حسب تصور القصة- إنقاذًا كاملًا، فقام فيها انقلاب أدّى إلى إقامة نظام ملكيّ جمهوريّ يرأسه أمير من الأسرة المالكة، لكنَّه يُطبّق سياسات جمهوريّة، فيُقيم برلمانًا ويجري انتخابات، ويبدو أنَّ هذه الروايات الخياليّة كانت صادقة إلى حدّ مَا مع تغيير الأسماء، فالاحتلال كان للكويت وليس للسعوديّة، والمحتل لم يكن شاه إيران بل صدام حسين، والتدخل الأمريكيّ قد حدث، وآبار البترول حصلت فيها حرائق ثم قام الأمريكان بإنقاذها!! وبدلًا من تمزّق إيران وانهيارها تمزّق العراق وانهار، وهكذا… ومَنْ يدري مَا يأتي بعد ذلك!!

ومن بين الكتب القصصيّة والروايات الشعبيّة المتداولة -وهي مَا يقرب (من 900 إلى 1000)، يقرؤها الناس في محطات المترو والقطارات والمطارات، ولها أثرها الخطير في تشكيل ثقافة الفرد الأمريكيّ العادي- تجد مَا بين (15 إلى 20) قصة من تلك القصص تُشكل الروافد لثقافة الإنسان الغربي أو الروافد لرصيد الثقافة الشعبيّة للإنسان الغربيّ حول الإسلام والمسلمين والتاريخ والحضارة الإسلاميّة والدين والثقافة وما إلى ذلك، وبعض هذه القصص أو الروايات قد تتحول إلى أفلام.

لا يذهبن وهم أحد به إلى أنّنا ننطلق في تحليلاتنا هذه من سيطرة فكرة المؤامرة علينا ونحن نحاول أن نفهم ونفسر، فذلك أمر آخر لا نستبعده نهائيًّا -كما يحاول البعض- لوجوده نظريًّا وواقعيًّا، ولوجود كل ما يدل عليه، وحين نعالج فكرنا وخطابنا لا ينبغي أن نستبعده كليًّا، كما لا ينبغي أن نعطيه أكثر من حجمه؛ لأنّ استبعاده يوقعنا في خطأ  كبير، وإعطاءه أكبر من حجمه قد يوقعنا في خطأ أشد، لكن علينا أن نضع هذه الفكرة موضعها، ونعطيها حجمها الذي تستحقه، وفي هذه الحالة لا نريد أن نشلّ فاعليّة شعوبنا، ونزيد في هزيمتها النفسيّة وإقناعها بأنّها عاجزة عن كل شيء إلا بالقدر الذي يمده الآخر ويسمح به، فذلك أمر لا نرضى لأنفسنا أن نُسهم فيه، لكنّنا في الوقت ذاته نضع جميع المتغيرات ذات العلاقة؛ كيلا نذهب إلى نوع من الاستغراق في الأمل والرجاء أو في الخوف والحيرة والتردد، فهناك تآمر وهناك قابليّات للانفعال بذلك التآمر، وقد يُخطئ المتآمرين -وما أكثر أخطاءهم- في تقدير بعض المتغيرات وإعطائها أحجامًا أكثر مما تستحق، ونحن نعلم أيضًا أنّه مهما بلغت قدرات الآخر التخطيطيّة والعلميّة والماديّة فإنّ الله أقوى وأقدر وأكبر، وأنّه قد يمكر الماكرون ويمكر الله ويُفشل خططهم، وما أكثر النماذج التي قدر الآخرون بها ثم جاءت الأمور على خلاف ما قدروا وما مكروا، فينبغي أن لا تؤخذ مثل هذه الأمور بتلك الطريقة الساذجة، فيُقال إنّ هذا التفكير خاطئ ينطلق من عقليّة المؤامرة ويجاري حالة مركّب النقص التي يريد الآخر أن يجعلنا أسرى لها على الدوام؛ لئلا نتمكن من الوعي بإمكاناتنا، وذلك قتل لفاعليّة الأمّة، معاذ الله أن نسهم في قليل أو كثير من إصابتها به، بل إنّ تحقيق الفاعليّة يتوقف على شمول التدبير وعمق التحليل وأخذ جميع المتغيرات بنظر الاعتبار، وأهم ما ينبغي للمؤمن استحضاره على الدوام أنّ الله -تعالى- ما خلق السموات والأرض إلا بالحق، وأنّ العاقبة للمتقين، وأنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون الذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا، وأنّ العاقبة للمتقين؛ ليحدث التوازن المطلوب، فتسدد الأفهام وترشد العقول.

الفراغ السكانيّ في الخليج:

إنَّ تلك الجهود كلّها قد ركزت منذ السبعينات -أو لنقل منذ حرب العاشر من رمضان- على قضيّة في غاية الخطورة وهي «قضيّة الفراغ السكانيّ في الخليج»، فشعار «الفراغ السكانيّ في الخليج» هُوَ الوسيلة التي أُشهرت لكي يُنهى سلاح البترول والمال ويُنزعا إلى الأبد من أيدي المسلمين، فلا يفكر أيّ بلد أو ملك أو رئيس في استخدام أيّ من هذين السلاحين بعد الشهيد فيصل. وشعار الفراغ السكانيّ جعل الأمريكان يفكّرون جدّيًّا بعد أن كانوا ينظرون إلى أنفسهم على أنّهم النموذج المصغّر للعالم كلّه، ففي أمريكا نماذج تمثّل الحضارات العالميّة كلّها والأديان العالميّة جميعًا، وبدلًا من أن تكون أمريكا نموذجًا مصغّرًا للعالم، تتزايد الهجرة إليه من سائر أنحاء الأرض، أخذ الأمريكان يفكرون بأنَّ عليهم أن يذهبوا هم إلى هذا العالم، ويتفرّقوا فيه ويحكموه؛ تخليصًا لأرواح أبنائه وإنقاذًا لهم من العيش خارج أنوار الديمقراطيّة الرأسماليّة ومباهج العولمة والحريّة الفرديّة وغير ذلك مما يتمتع به الليبراليّون والرأسماليّون في جنّة الليبراليّة والرأسماليّة، وبذلك يُعيدون التقليد الَّذِي اندثر مع العالميّة الهيّلينيّة والعالميّة الرومانيّة وكذلك العالميّة الإسلاميّة الأولى، فتلك العالميّات كانت تتبع سياسة الفتح، فترسل جنودها وقواتها إلى أرجاء الأرض لتخليص شعوبها وإنقاذها، كمثل العالميّة الأمريكيّة المعاصرة، خاصّة بعد ثورة أمريكا التي دعى إليها زعيم الجمهوريّين السابق في الكونجرس «غرينجـ» وغيره من المحافظين منذ التسعينات، إذ أنَّ الذين يذهبون إلى أمريكا ويستوطنونها لا يستطيعون نقل الحضارة الأمريكيّة إلى بلدانهم، فلينتقل الأمريكان إذًا إلى تلك البلدان، ولتكن البداية في العراق وفي الخليج ومناطق البترول والمحيطات، ومن هنا فقد هُيّء العقل الأمريكيّ لقبول فكرة الخروج، وفكرة الخروج -كما لا يخفى- فكرة دينيّة لدى اليهود والنصارى الذين هاجروا إلى أمريكا بعد اضطهادهم في انجلترا خاصّة وفي أوربا عامّة، ومن أهم أسفار التوراة «سفر الخروج»، ولم يستطع بنو إسرائيل التمتّع بالحريّة إلا بعد الخروج من مصر، ولم يتسلّموا الألواح الإلهيّة إلا بعد ذلك، كما أنّهم لم يعبدوا العجل الذهبيّ إلا بعد الخروج، إذًا فأمريكا حين تحتل العراق، بقطع النظر عن صدّام والبعثيّين والعسكرتارية العراقيّة وأخطاء العراقيّين ومعهم العرب كلّهم، لم يكن أمرًا عفويًّا، بل هُوَ خروج دينيّ لم يأتِ نتيجة عواطف إنسانيّة فاضت لدى صُنّاع القرار فقرروا إنقاذ الشعب العراقيّ المسكين حتى الموت، ناسين أو متناسين أنّهم هم الذين جعلوا من نائب عريف صدام شيئًا مذكورًا، والآن عليهم أن يشاركوا العراقيّين سكناهم، ويشاطروهم لقمة العيش، فهل يطمع العراقيّون بمواساة أكبر من هذه؟ إنَّ العراقيّين الَّذِي سلطوا على العراق نائب العريف صدام حسين، بل خطّطوا لذلك تخطيطًا دقيقًا، وما خاب مَنْ خَطَّط حتى وصل إلى هذه النتيجة في العراق؛ أنّهم سوف يشاركون أهله فيه بنفس الطريق التي شارك فيها أبناء بولندا ورومانيّا وشرق أوروبا كلها الشعب الفلسطيني، وكما حلّوا محل الهنود الحمر في أمريكا، ومن العراق سوف يعيدون تنظيم «أرض القطران» -وهي التسمية التراثيّة لمناطق البترول- وبدلًا من أن يسترزق الهنود وبعض الجنسيّات العربيّة والباكستانيون والبنغاليون والكوريون في أرض الخليج فإنَّ مائة ألف أو يزيدون من الأمريكان يمكن أن يحلّو محلّهم، ويسدّوا مسدهم، ويستمتعوا كشركاء بما كان يرفض أبناء الخليج أن يشاركوا به أبناءهم وإخوانهم من العرب المصريّين والفلسطينيين واليمنيّين وغيرهم، وإذا كان العامل الهنديّ أو الآسيويّ يُرضيه أن يكون عاملًا فحسب فإنَّ العامل الأمريكيّ عامل مثقف، يتفوق على سيده الخليجيّ؛ ولذلك فإنَّه سيكون في موقع آخر.

لو أنَّ العرب يقرؤون لاستطاعوا أن يقرؤوا بدون حاجة إلى مهارة في الأحرف المتقطعة، ومهارة القراءة فيها هذا السيناريو، الجاري في الوقت الحاليّ تطبيقه في أدبيّات وإعلاميّات (1974و1975) -الإعلاميّة الأمريكيّة التي كانت تتحدث بعد حرب أكتوبر وما جرى في أعقابها من ملابسات، واغتيال فيصل (74)- عن الفراغ السكانيّ في منطقة الخليج وضرورة ملء هذا الفراغ، وعقد مؤتمر حضرته مجموعة قليلة من كبار المفكّرين مع بعض المثقفين الخليجيين -من رؤساء جامعات ومَنْ إليهم- حول الفراغ وكيفيّة ملئه، حتى إنّ مجلة تايم الأمريكيّة قد نشرت في عدد -لا يحضرني تاريخه- دراسة حول «إشكاليّة الفراغ السكانيّ» في منطقة الخليج، وخطورة استمرار هذا الفراغ مع كون هذه المنطقة هِيَ مصدر الطاقة الأساسيّ لعالم اليوم. وطُرحت في حينها عدة أفكار حول ملء هذا الفراغ، واستبعدت كل السيناريوهات أن تكون إسرائيل بمفردها قادرة على ملئه، إضافة إلى مَا يمكن أن يثيره وجود إسرائيل في هذه المنطقة الحساسة من ردود فعل قد تؤدي إلى يقظة حقيقيَّة في العالم الإسلاميّ؛ ولذلك فقد طرحت تايم في حينه فكرة نقل أمريكان بحجم مناسب للعيش في منطقة الخليج والعراق، وبذلك تتحقق أهداف عديدة:

الأول: تحقيق الأمن لمصادر الطاقة.

الثاني: تحقيق أمن إسرائيل.

الرابع: تحديث العالم الإسلاميّ، وإدخال الديمقراطيّة إليه والحداثة.

الخامس: التخلّص من عبء المساعدات الأمريكيّة لدولة إسرائيل، وتحميله على العراق والعرب.

السادس: محو الصفة الإسلاميَّة للمنطقة، وإعطائها صفات جديدة تنسجم والتغييرات فيها، ومنها صفة «الشرق أوسطيّة».

والذي يجري في الوقت الحاضر -بقطع النظر عن كل التصريحات، ومواد الإعلام، والاستهلاك السياسيّ- هُوَ مَا خُطّط له من توطين الأمريكان في المنطقة لتحقيق كل الأهداف المذكورة وغيرها، والنموذج الإسرائيليّ نموذج ملائم، فبناء المستوطنات، وشحنها بعناصر تستطيع أن تكون عسكريّة عند الحاجة ومدنيَّة عند انتفائها حل مناسب، ونموذج يمكن تكرره. وأذكر أنّه قد تساءل المحررون حول مدى احتمال الأمريكيّين الذين ينطلقون للخليج والعراق للأجواء الحارة المتربة في تلك المنطقة، فكان الحل جاهزًا؛ إنّ هؤلاء من الممكن أن يكونوا من ولاية تكساس وساوث كارولاينا ونيـﭭادا وميزوري ونحوها من المناطق الأمريكيّة الحارة ذات الأجواء المقاربة لأجواء الخليج والعراق. وعلى كل حال البركة في التكييف والوسائل الحضاريّة الأخرى وما نعرفه لدى أمريكا من إمكانات.

هموم الأقلية المسلمة في الولايات المتحدة

إنّ قضيّة إعادة النظر في «صياغة وبناء الخطاب الإسلاميّ» شكلًا ومضمونًا ووسائل تُعد من أولويّات المرحلة الراهنة؛ فهذا الخطاب لم يأخذ نصيبه من ذلك بعد؛ فبعض هذا الخطاب ينتمي إلى مرحلة قيام الدولة الأمويّة والعباسيّة والفاطميّة ودول الطوائف، ويحمل خصائص تلك المراحل السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة وفقهها، وما فيها من أشكال التنظيمات التي لا تكاد تنفصل عن تلك المراحل في قضاياها وهمومها، والخطاب الإسلاميّ المعاصر قد استورد الكثير من تلك القضايا من التراث والتاريخ، وأعاد طرحها.

وحين أشارك في بعض اللقاءات والمؤتمرات والمناسبات في المساجد والمدارس والجمعيّات الإسلاميّة في الغرب لم أعد أفاجأ إذا سُئلت عن نقاط الالتقاء ونقاط الافتراق بين الأشاعرة والمعتزلة، أو بين «أهل السنّة والجماعة» وبين «الشيعة»، أو بين «أهل الحديث» وبين «أهل الرأي»، وكثيرًا مَا تُثار هذه الأسئلة من مسلمين جدد -ربما لم يستكملوا الوعي بعد- عن بدهيّات الإسلام أو المعلوم بالضرورة من أحكامه، أمّا النقاش والجدل حول «الصوفيّة» و«السلفيّة»، و«أهل السنّة» و«أهل البدع» فحدّث ولا حرج.

لقد كنا في السبعينيّات والثمانينيّات نقول على سبيل النكتة، وإن كانت هِيَ الحقيقة المرّة: “إنَّ هموم المسلمين في أمريكا تنحصر في همّين كبيرين: الحلال والهلال”، ونعني بذلك أنّهم مشغولون إلى درجة الاستغراق في وجوب أو عدم وجوب تناول اللحوم التي لم تُذبح بأيدي مسلمين ولم يجر التأكد من استيفائها لشروط الذبح على الطريقة الإسلاميّة، وذلك هُوَ «الحلال» وإخواننا القادمون من القارة الهنديّة ترتقي لديهم هذه القضيّة إلى مستوى الأصول.

أمّا قضيّة «الهلال» فهي قضيّة إثبات دخول شهر رمضان وشوال وذي الحجة، هل يكفي فيه الحساب الفلكي العلميّ المنضبط، الَّذِي لم يقتصر على التحديد الدقيق لمواقع الهلال، بل صار ينزل الإنسان والحيوان والمركبات على القمر، أم لا بد فيه من الرؤية البصريّة؟ فلم يعد المقصد -عند المتجادلين في هذا الأمر- تيقّن دخول الشهر لإيقاع العبادة في وقتها، بل صارت الوسيلة التي يثبت بها ذلك كل شيء!! فإذا أردنا أن نضع عنوانًا معرفيًّا لهذه الطريقة في التفكير، فذلك هُوَ «الانشغال بالوسائل عن الغايات»، وهو داء عقليّ ومعرفيّ خطير، بل وأزمة منهجيَّة مدمّرة.

هناك أقليّات أخرى كثيرة، فمن ناحية دينيّة هناك الكاثوليك بأنواعهم، واليهود بشقّيهم التقليديّين والتجديديّين، وهناك مَنْ لهم نوع من الانتماء إلى الكيان الحضاريّ الإسلاميّ؛ مثل القاديانيّين والبهائيّين والإسماعليّين، وهناك البوذيّون والسيخ وسواهم. ولا شك أنَّ لكل من هؤلاء بعض الهموم الخاصّة والضيقة، كالتي ذكرناها، ولكنَّهم في الغالب يوكلونها إلى متخصصين ومجالس خبراء أو أفراد أكفأ للتعامل معها؛ ليوفّروا الجهد الجماعيّ الأساسيّ لبحث القضايا التي تعزز وجودهم في البلاد، وتجعل منهم مواطنين لا يمكن اقتلاعهم أو تهميشهم أو الانتقاص من حقوقهم أو تعريضهم جماعة أو ثقافة للاضطهاد؛ كالمؤسّسات التعليميّة والسياسيّة والاقتصاديّة، ولعلّ من أهم وأبرز القضايا التي تشغل الأقليّات الأخرى والمشاركين فيها هِيَ تلك القضايا المشتركة التي تهم فئات الشعب وشرائح المجتمع  الذي يعيشون فيه -كلّه- والتي تعود المشاركة فيها -على سمعة ووجود تلك الأقليّات- بالفوائد الكثيرة، وتجعل الدولة والمؤسّسات والأكثريّة تدرك مدى أهميّة هذه الأقليّات لها، وعمق الفوائد التي تعود من مشاركتها، فتزداد انفتاحًا عليها وتداخلًا معها وتفّهمًا لدورها وقضاياها.

 إنَّ الأجيال المهاجرة كانت حتى أحداث (سبتمبر2001) تُقيم في الغرب بأجسامها، أمّا أفكارها وهمومها وقضاياها فقد كانت قضايا مستصحبة من البيئات التي غادرتها؛ لذلك فإنَّها لم تحقق تفاعلًا يُذكر مع البيئات التي هاجرت إليها وشكّلت أوطانها الجديدة، ولم يكن ضرر ذلك قاصرًا على العلاقة بالجيران وحدهم؛ بل قد أوجد ذلك فجوة واسعة بين تلك الأجيال المهاجرة وأبنائها والأجيال الطالعة، وهي فجوات تزايدت في السنوات الأخيرة حتى صارت تدفع ببعض القادرين على العودة إلى بلادهم الأصليّة، حتى فيمَا قبل الأحداث الأخيرة.

أمّا عجز هذا الخطاب الإسلاميّ عن بناء جسور التعاون والتداخل مع المسلمين الجدد في الغرب فتلك قضيّة ووجه آخر من وجوه فشل الخطاب الدينيّ في خارج ديار أمّة الإجابة، فهؤلاء المسلمون الجدد لم يغيّروا دينهم وتصوراتهم الدينيّة السابقة فقط، بل غيّروا ثقافة وحضارة وبيئة ومجتمعًا، وكلّهم أمل في أن يجدوا بدائل عن ذلك كلّه تساعدهم على انتقال مريح خالٍ من النكسات النفسيّة، ولكنّهم سرعان مَا يكتشفون الفروق الكبيرة بين مَا تركوا وما أقبلوا عليه، فالعقيدة الإسلاميّة والتصور الإسلاميّ، والرؤية الإسلاميّة، كل تلك كانت أمورًا في غاية الأهميّة لهم، وقد عالجت لهم مشكلات لا يمكن أن تعالج بغير ذلك، ولكن حين يذهبون إلى المساجد والمراكز الإسلاميَّة وما إليها يجدون صورًا أخرى، هِيَ صور المسلمين الثقافيّة والحضاريّة وتراث المسلمين الَّذِي حملوه معهم من مهاجرهم، قد يكون فيه طرافة أو جدة بالنسبة لهؤلاء المسلمين الجدد، لكن سرعان مَا يتبخّر ذلك كلّه بعد فترة ليجد المسلم الجديد أو المسلمة أنفسهما -مهما بلغ مستوى الإيمان عند كل منهما- يخوضان تجربة جديدة، فالمسجد يختلف تمامًا عن الكنيسة؛ إذ إنّ الكنيسة -حين أدركت فشلها الدينيّ وعجزها عن تقديم الكثير في هذا الجانب- تحولت إلى مؤسّسة ناجحة «للخدمة الاجتماعيّة»، إضافة إلى الاستمرار في الشكليّات الطقوسيّة المعهودة، فراعي الكنيسة يحتفظ بسجل شامل لجميع روّاد الكنيسة، يسمح له بمتابعة حياة أعضاء كنيسته، بحلوها ومرّها وخيرها وشرّها، وتسجيل مواليدهم ونكاحاتهم ووفياتهم وتدرجهم الوظيفيّ وما إلى ذلك، والراعي الجيّد يتفقد هؤلاء صغارًا وكبارًا، وقد يحتفظ لهم بذكريات قد لا يجدونها لدى أقرب الناس إليهم، ومن هنا فقد تجد في الكنيسة أفرادًا لا يخفون إلحادهم، أو عدم إيمانهم بدين، لكنَّهم يقصدون الكنيسة للالتقاء بالناس ومعرفة أخبارهم ولتكوين علاقات معهم، وللمشاركة في نشاطات تُشعرهم بأنَّهم مَا زالوا قادرين على العطاء، يستطيع الناس أن يستفيدوا بهم، ويمكنهم أن ينفعوا الناس وينتفعوا بهم، وأن يحبّوا الآخرين وأن يكونوا محبوبين منهم، وهكذا.

إنّ بعض المساجد والمراكز في أمريكا قد بدأت هذه التجربة، لكنّها لم تُعمّم بعد، ولم تترسخ، خاصّة لدى أولئك الأئمة والدعاة الوافدين من العمق الإسلاميّ، الذين ينظرون إلى المسجد على أنّه مكان للعبادة بمفهومها الخاص فقط، وكثيرًا مَا يتناسى هؤلاء دور المسجد الأول في مدينة رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ- وطبيعته.

ليس ذلك هُوَ الفرق الوحيد الَّذِي يلمسه المسلمون الجدد، بل يفاجؤون بكثرة المشكلات الفقهيّة التي تُلقى عليهم، والاختلافات حولها، فبعض الأئمة والدعاة ورُوّاد المساجد قد يأتي لهذا الَّذِي دخل الإسلام اليوم أو أمس بصندوق كبير يحتوي على قوائم في الحلال والحرام، وقوائم أخرى لا مصدر لها إلا ثقافة تلك الشعوب المسلمة وتراثها وتاريخها الَّذِي قد لا يكون له أصل إسلاميّ، ويُقال له: خذه كاملًا، فهذا هُوَ الإسلام”، وقد يؤكد بعضهم -على المسلم أو المسلمة- العبارة الشائعة التي وضعها سيد قطب -يرحمه الله- عنوانًا لمقالة له كتبها: «خذوا الإسلام جملة أو دعوه»، فيضع هذا المسكين أو المسكينة أمام اختبار صعب جدًّا ليس من السهل اجتيازه؛ ولذلك فكثيرًا مَا ينتهي هؤلاء إلى الانغماس في طريقة صوفيّة انعزاليَّة، أو فئة حزبيّة، أو نوع من أنواع الانطواء، فتحرم الجماعة المسلمة في تلك البلاد من خيراتهم، وتفشل في جعلهم دعاة قادرين أكفاء ليُنذروا قومهم.

[1] كتب هذا المقال في يناير 2007 ولم ينشر في حينه.

([2]) فعل كارتر ذلك في عهد الإمام الخمينيّ عندما صرّح الإمام: بأنَّه لن يغفر لأمريكا حتىى تتوب عن أفعالها وجرائمها ضد إيران والثورة الإيرانيَّة، وذلك قد دفع كارتر إلى عقد تلك الندوة المتخصصة ليتعلم فيها حقيقة “مفهوم التوبة” التي دعى الإمام أمريكا للقيام بها.

([3]) في سنة ثمانين من القرن الماضي وما بعدها صدرت في أوربا وأمريكا روايات وقصص لم يلتفت إليها في العالم الإسلاميّ لكنّها كانت هامّة جداً، معظمها يندرج فيما يمكن اعتباره بالونات اختبار لجهات عربيّة وإسلاميّة. منها:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *