Menu
منهجية التعامل مع التراث الإسلامي - مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية

سل القرآن

 

أ.د/ طه جابر العلواني

انطلاقًا من أنَّ “القرآن المجيد كتاب الله أنزله الله على قلب نبيِّه ورسوله ليكون تبيانًا لكل شيء، ولا يأتي الناس بمثل إلا جاء القرآن بالحق وأحسن تفسيرًا واتباعًا لتوجيه القرآن الكريم، وما فرض الله علينا فيه من ضرورة اتباع والرجوع إليه في كل شأن وأمر، وتحريم هجره أو الإعراض عنه وتأكيد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على الأمَّة أن تلجأ إليه عندما تكثر الفتن وتدلهم الخطوب؛ لأنَّه المخرج من الفتن، ولأنَّه المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها ولا يتنكر سبيلها إلا هالك. ولما أوصى به أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من استشارة القرآن كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: “استشيروا القرآن” وقال ابن مسعود: “ثوروا القرآن”؛ لذلك فقد رأينا أن نمارس عمليَّة “تدبُّر القرآن” واستشارته وتثويره واستفتائه في أحوالنا هذه التي نعيشها اليوم.

فالقرآن المجيد ليس كتابًا “تاريخيًّا” يرتبط بمرحلة نزوله وحدها ويعالج مشكلاته فقط بل هو كتاب كل زمان ومكان والهادي لكل إنسان إلى التي هي أقوم.

لقد وجهنا جملة من الأسئلة إلى القرآن المجيد وعلينا أن نستنبط إجاباته عنها من آياته الكريمة، من تلك الأسئلة:

  • لِمَ تفرَّقت كلمة هذه الأمَّة المسلمة وحلّ بينها العداء بعد الإخاء وصارت طوائف وفرقا ومذاهب تشيع بينها العداوة والبغضاء فيسود علاقاتها التنافر؟
  • هل من سبيل يرسمه القرآن لنا لإعادة بناء وحدة الأمَّة وترميم ما رثّ من عوامل وحدتها وإعادتها إلى الأمر الأول الذي كانت عليه وما هو؟
  • لقد نالت الحروب الصليبيَّة من هذه الأمَّة، كما نالت منَّا غزوات التتار، وكانت في كل مرة تعود إلى شيء من العافية يساعدها في التغلب على الصعاب وكانت عمليَّات التجديد والإصلاح والبعث والإحياء تعتمد في مرجعيَّاتها على الحلول الإسلاميَّة، فما حدث أن استوردت الحلول لمشاكلها من خارج مرجعيَّاتها الإسلاميَّة، ومنذ إحداث “التنظيمات” في الدولة العثمانيَّة، وبدء مسيرة الخضوع للتأثيرات الأوروربيَّة على الدولة العثمانيَّة، وتغيير النظام في إيران واستيلاء الصفويين عليها وحملها على التشيع الصفوي والأمَّة تتراجع من سيئ إلى أسوأ، ومن درك إلى آخر، حتى ظهر الاستعمار الحديث واحتلت الديار ومزقت الشعوب وأعلن انتهاء الخلافة الذي كان بمثابة إعلان عن انتهاء فترة المدّ الإسلاميّ الأولي أو ما يمكن أن يطلق عليه العالميَّة الإسلاميَّة الأولى.

ولو أنَّ الأمَّة سلكت سبيل النهوض المستقيم لاعتبرنا ذلك إيذانا ببدء العالميَّة الثانية التي بشر القرآن بها ثم بشّر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بها وهو يبيِّن لنا آيات ظهور الدين على الدين كلّه[1].

وقد بيَّن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المراد بهذه الآيات بالأحاديث التالية:

وقد تحدث عنها الإمام الشافعي (رضي الله عنه) في مقدمة الرسالة ولكنَّ الأمَّة بعد إلغاء الخلافة وظهور الدول الإقليميَّة والقوميَّة أمعنت في تكريس فرقتها والتشبّــُث بإضافة الاتجاهات الإقليميَّة والطائفيَّة وما إليها فزادت فرقة وتشتتًا، ولم تعد الوحدة فيما بينها موضع اهتمام، بل صارت من الأماني العزيزة المنال التي قد يتغنى بها بعض الشعراء والحالمين. وبدأت الأمَّة مرحلة استيراد الحلول لأزماتها من الخارج، وقبول استعارة الأفكار والنظم والقوانين من أي مكان لا يهمهما من أيّ وعاء خرجت؛ لأنَّ الحضارة الغربيَّة المعاصرة قد نجحت في تقديم مجموعة كبيرة من الأفكار المشتركة والقواعد المبتكرة وأوجدت قناعة أنَّ هذا الذي تقدمه إنَّما هو تراث إنساني اشتركت البشريَّة كلّها في إيجاده بكل أديانها ومذاهبها وأقاليمها، بحيث لم تعد هذه الأفكار تنتسب إلا إلى البشريَّة كلّها بقطع النظر عن حجم ونصيب كل قبيل في تأسيس “قواعد التفكير المشتركة”. وبذلك رفعت الحواجز النفسيَّة التي كانت تحصّن بعض الأمم والشعوب وتحول بينها وبين اختراق أدمغتها بتلك الأفكار التي كانت تعتبرها أفكارًا غازية يحملها ويروج لها “غزاة الفكر”.

بالنسبة لنا نحن المسلمين الصدمات التي تلقيناها في القرون الثلاثة الأخيرة جعلتنا نعمد في كثير من الأحيان إلى مقاربة تلك الأفكار في باديء الأمر لنؤكِّد على أنَّ الاشتراكيَّة سواء تلك التي نسبت إلى أوروبا أو إلى المعسكر الشرقي “الشيوعي” هي قريبة من ما جاء الإسلام به من عدالة اجتماعيَّة وأنَّ الديمقراطيَّة التاريخيَّة منها والمعاصرة لا تختلف كثيرًا في حقيقتها ومغزاها عن الشورى التي جاء القرآن بها، وذلك كلّه لنتوائم مع التيَّارات العالميَّة السائدة، ولكي لا نشعر بأنَّنا بدع من الأمم لنا خصوصيَّات ومزايا وأفكار وثقافة وهُويَّة تختلف عما عند الآخرين وتأتلف كلًا بحسبه. وحين اكتشفنا أنَّ ذلك لا يمكن أن يقبل على إطلاقه ولا يصح أن يؤخذ على عواهنه لجأ مفكرون إلى بعض المقارنات. فالمقارنات تعطي نوعًا من الشعور بالقناعة بأنَّ ما عند الآخرين جيِّد ويمكنني الاستفادة به وإن كان ما عندي أجود لو استطعت بلورته والكشف عن تفاصيله.

واستمرت هذه الحالة الفكريَّة والثقافيَّة حتى يومنا هذا. ولترسخ عمليَّات الإثراء الفكري والعقيدي في ثقافتنا بناءً على شيوع الطائفيَّة والمذهبيَّة والتعصب لها والغلو فيها فقد وجدت النظم العربيَّة والإسلاميَّة في بقايا هذه الثقافة سندًا لها لتسويغ حالات الإكراه، إكراه الشعوب على قبول أفكار الحداثة وما بعد الحداثة، وإجبار الناس على قبول قيم التحديث ولو بالقوة، فسادت الدكتاتوريَّة التي مارست شتى الضغوط لإكراه الناس على قيم النهضة والحداثة والتقدم والتنمية وقبول مختلف التضحيات في سبيل إشاعة ذلك وبلورته.

بحيث وجدنا أنفسنا في ظل أنظمة الإكراه على الحداثة والتحديث نحمل “عقليَّات عوام وطبائع القطيع ونفسيَّات العبيد”، وحين أدركت الأجيال كلّها ومنها الحاكمون أنفسهم الأخطاء الفاحشة التي وقعت خلال المسيرة جرى التوقف عنها لكن لا على مستوى الرغبة في الرجوع إلى القرآن الكريم وإلى الأمر الأول الذي بنيت هذه الأمَّة به وقامت عليه، بل على مستوى النظر في تجربة عالميَّة وغربيَّة أخرى، فمن تخلى عن الاشتراكيَّة عاد إلى الرأسماليَّة والعكس، فظلت العلاقة بالقرآن الكريم منقطعة موصوفة بأنَّها علاقة هجر وتجاوز.

إنَّ الغفلة عن خصائص الأمم الكتابيَّة التي تم بناؤها وتكوينها بكتاب منزّل كاليهوديَّة والنصرانيَّة والإسلام تجر إلى أخطاء كثيرة، فخصائص هذه الأمم خاصَّة الأمَّة الأخيرة والخاتمة حاملة القرآن المنزَّل على قلب خاتم النبيين، إنَّها أمَّة تشكَّلت بالكتاب وارتبطت به واستمدت وجودها وفعاليَّتها وحيويَّتها وشرعيَّة مؤسَّساتها منه، فحين يحدث أي خلل في شيء من ذلك فإنَّ ما يحدث إنَّما يقع  بقدر ما تحدث من إخلال بعلاقتها بكتاب التكوين والرسول القائد (صلى الله عليه وآله وسلم) وبالتالي فإنَّ صلاحها أو فسادها في رؤيتها وتصورها واعتقادها ونظمها وثقافتها ودعائم هُويَّتها ذلك كلّه يتوقف على إعادة بناء العلاقة بذلك الكتاب الكريم وهدي الرسول العظيم، فانعكاسات هذه العلاقة طردًا وعكسًا هي التي تحكم عمليَّة صلاح هذه الأمَّة ومتانة بناءها أو انحرافاتها.

إنَّ أخطر الآفات التي تصيب الأمَّة الكتابيَّة وعلى رأسها أمَّة القرآن أن تتحول من حمل كتابها حملًا إنسانيًّا، بحيث يصوغ الكتاب لها عقليَّتها ونفسيَّتها إلى أن تحمله حملًا حماريًّا وتفقهه فقهًا بقريًّا، والحمل الحماري للكتب هو حمل لا يحس الحمار منه إلا بإحساس يقوم على ثقل الحمل أو خفته، وأمَّا الفقه البقري فغاية ما يثيره من أسئلة في ذهن الإنسان هو السؤال عن اللون والشكل والتمكن من  التمييز، وهذه كلّها لا تفتح أمام الإنسان أبواب الفهم الإنساني للكتاب، فلا يأخذ الكتاب بقوة ولا يمضي في تلاوته حق التلاوة، ولا يقدره حق قدره ولا يتزكى به، ولا يؤسس عليه نظم حياته بل يأخذ منه شيئًا من الظواهر يصوغها كما يريد؛ ولذلك كانت تساؤلات بني إسرائيل ومناقشاتهم لأنبيائهم تتركز على الأشكال لا تعنى كثيرًا بالجواهر والحقائق، وكان (جلّ شأنه) كثيرًا ما ينبه إلى خصائص ذلك النوع من الرؤية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ …﴾(البقرة:189) فيؤكد لهم أنَّ اللائق بهم التساؤل عن كيفيَّة الاستفادة من الزمن في أيام وشهور وسنين، فإذا استقر ذلك لديهم وجاءوا يتسائلون عن القبلة وضرورة أن تكون في الاتجاه الذي اختاروه واتجهوا إليه يجيبهم الله بقوله ﴿.. لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ..﴾ (البقرة:142) وقوله ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ…﴾ (البقرة:177)، ويصحح لهم المفاهيم بحسب حقائقها لا بحسب ألفاظها وعناوينها. وكان المتوقع من أمَّة القرآن أن لا تسلك سبيل المغضوب عليهم بل تواصل السير على سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. لكن المسلمين اتبعوا سنن من قبلهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع فتشبثوا بالشكليَّات وتجاوزوا الحقائق والمعنويَّات وضعف سلطانه عليهم حتى بلغوا في علاقاتهم بدينهم ما بلغه من سبقهم.

[1]نعني بآيات ظهور الدين الآيات الثلاثة في سورة التوبة والفتح والصف وهي: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (التوبة:33)، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (الفتح:28)، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (الصف:9).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *