Menu
منهجية التعامل مع التراث الإسلامي - مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية

عودة إلى إشكالية الردة والمرتدين

أ.د/ طه جابر العلواني

الحمد لله رب العالمين نستغفره ونستعينه ونستهديه ونصلي ونسلم على سيدنا وإمامنا وهادينا محمد سيد المرسلين وخاتم النبيين وعلى آله وصحبه ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين، ثم أما بعد.

 فقد مر على نشر وتوزيع كتابي “إشكالية الردة والمرتدين” ما يقرب من سبع سنوات، طبع خلالها بالعربية خمس طبعات أو تزيد، وتُرجم بالإنجليزية، وطُبع ونُشر فيها وتُرجم بالملايوية وطُبع ونُشر فيها، وكذلك لغة “البحَّاثة”، و “البنغالية”، ولغات أخرى، وأسأله (جلَّ شأنَّه) أن يتقبله مني ويجعل منه صدقة جارية باعتباره من علم ينتفع به وأن ينفعني به في الدارين.

 ولقد تلقته الأمَّة بمستويات عديدة كل بحسب فهمه، والكاتب حين يكتب أي شيء مقالة، أو بحث، أو دراسة تصبح بمجرد فراغه منها ملك للقارئ، فهو من يتحكم في فهمها، وحملها على ما يريد مع غياب صاحبها، وهو الذي يسمعها فيحسن السماع أو يسيئه، وهو من يقرأها فيراها بعينيه لا بعيني مؤلفها، كل ذلك قد حدث مع هذه الدراسة، ومع غيرها مما كتبته.

 وكان نصيب هذا الكتاب وافرًا من ناحية تحكم قرائه فيه وحمله على ما استقر في أذهان القراء، لا على ما أراد المؤلف أن يوصله إليهم، ولقد فات الكثيرين أنني حين تشرفت بتسلم رد الشيخ الجليل عبد الله بن بيَّه احتفيت به بمثل ما احتفيت بما كتبت ونشرته –أي رد الأستاذ الدكتور بن بيَّه – ولم أرد على الشيخ ولم أناقش ما أورد فيه،  لا لأنّ الشيخ -حفظه الله- قد قال قولًا فاصلًا في هذا الأمر، أو لأنني عاجز عن مناقشته، بل لأنني أردت أن يطَّلع الناس على الآراء المختلفة، ومن المؤسف أنَّه ما وجدتُ أحدًا قد قدَّر ذلك إلَّا الشيخ عبد الله بن بيَّه ؛ لأنَّه رجل فاضل يعرف للناس حقوقهم وفضائلهم، أمَّا المنهج فلم أسمع أو أقرأ ردًا عليه يشكل ما تشكله الردود العلميَّة وذلك شيء محبط بالنسبة لأمثالي.

يا قومنا رجل يقول لكم إنَّ عصمة دم الإنسان، وجلده، وأعضائه عصمة قد ثبتت بآيات الكتاب كلها، عصمة تضافرت كل آيات الكتاب لتقول: فلا يُقطع عضوًا من الإنسان، ولا تُزهق نفسًا، ولا يُجرح جرحًا إلا بدليل، فما لكم تساهلتم في الدم حتى أصبح عليكم أهون من الماء، وهذه شوارعنا تراق فيها الدماء وتُغسل كما تُغسل الزيوت والأقذار دون وازع من ضمير ودون تساؤل.

إننا لم نقل إلا بضرورة حفظ الإنسان نفسًا وأعضاءا وعقلا وعرضا ومالا ودينا وكرامة،  وأنه لا يعد دليلا قاطعًا أي دليل يبيح من الإنسان شيء من ذلك، فلا يُقتل إنسان ولا تُقطع له رجل أو يد أو أنف إلا بأدلة موازية للأدلة التي أقامها القرآن والتي أمرت بحفظ الإنسان وحمايته وهذه قضية لم تناقش من قبل المعترضين.

والقضية الثانية : أننا قد أكدنا أن القرآن المجيد لم يرد فيه – بعد أن أورد مئات الآيات – بعض الآيات التي تأمر الأمَّة المؤمنة بوجوب قتل المرتد بأي شكل من الأشكال بل دلت على عكس ذلك وفي مقدمتها قوله (تعالى): ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ (النساء:137)، وفي موضع آخر قوله (تعالى): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّون﴾َ (آل عمران:90)، ولم أجد من ناقش ذلك من الذين ردوا عليّ.

القضية الثالثة: أنّ البحث مداره على ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ..﴾ (البقرة:256)؛ لأن الإيمان عمل قلبي والقلوب من الغيوب، وإذا لم يفصح الإنسان عما في قلبه فمن المتعذر الوصول إليه والحصول على ما في صدره، وقد تعاضدت النصوص القرآنية الكريمة على عدم جواز إكراه الإنسان ليفضي أو يعترف على نفسه بما ارتكب أو لم يرتكب، والدين أمره بينه وبين ربه، إيمان وتصديق بالقلب، وقد قال (جلَّ شأنَّه) يعاتب رسوله ويشتد عليه في ذلك ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس:99)، وقوله (تعالى)  ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية:22)، وقوله (تعالى)  ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ *(الغاشية:25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ (الغاشية: 25-26)، وقوله (تعالى): ﴿فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا﴾ (الكهف:29).

ولم يلتفت هؤلاء إلى أن الذين قدموا حديث عكرمة قدموه على هذه الآيات الكريمة كلها دون أن يكلفوا أنفسهم عناء مناقشته.

نرجو أن يشرح الله (جلَّ شأنّه) صدور أبنائنا الطالعة؛ لتكون قادرة على فهم كتاب الله، وتقديره حق قدره، وإحسان تلاوته.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *