Menu
منهجية التعامل مع التراث الإسلامي - مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية

الطائفية أخطر ألغام المنطقة (ج3)حملة الخطاب الديني ومسؤولياتهم

أ.د.طه جابر العلواني

حملة الخطاب الديني ومسؤولياتهم:

 حملة الخطاب الديني هم من أكثر الناس اطلاعًا على مقولات أصحاب المذاهب والطوائف والفرق وما إليها، هؤلاء ينبغي أن يكون الموجه الأساس لأقوالهم وأفعالهم تصرفاتهم قوله جل شأنه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (البقرة:134)، فهذه الآية الكريمة دستور ثابت لا يتغير في تحديد المسؤوليات وإدراك الأبعاد ولا تسمح بالهروب إلى الماضي للتملص أو التخلص من مسؤوليات الحاضر، فالمسؤولية الإنسانية لكل إنسان تقع بين حاصرتين -ولد وتوفي- فقد يعيش الإنسان منا عمرًا لا يسأل عن أي فعل فعله آباؤه أو أبناؤه، “كل امرؤ بما كسب رهين”، “ولكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت”، ولذلك فعلينا ونحن نعلّم الناس حسن السلوك ومستقيم التصرف أن نبين ما تتعلق المسؤولية الإنسانية به، ولا تتعلق هذه المسؤولية لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بما يفعله الإنسان نفسه، فلا أعمال البر التي يفعلها الآباء تدخل في حساب أبنائهم ولا نقائضها، ولقد نادى عليه الصلاة والسلام  أهله وأعمامه بأسمائهم فقال لهم: «اعملوا فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا»، وأبو لهب يتقلب في النار هو وامرأته ولم يشفع له أنه عم رسول الله –صلى الله عليه وسلم-. فعلينا، نحن العلماء والمربين وأئمة المساجد والمدرسين، أن نذكّر الناس بهذا الأصل الواضح ونربيهم عليه ونخرجهم من دائرة التفاخر بالآباء أو الأبناء إلى إطار الرغبة فيما عند الله جل شأنه، ولن تستقيم تصرفات الإنسان ولا سلوكياته ولا أخلاقه إلا بوعيه بالمسؤولية ومناطها وحدودها وما إلى ذلك.

 ومن أهم المشكلات التي أوجدت فسطاطي التسنن والتشيع قضايا تاريخية تتعلق بالفتنة الكبرى والموقف من أطرافها وما ترتب عليها وانبثق عنها من إشكاليات كلامية وفقهية بقيت تتطور إلى أن أصبحت في دائرة الغلو من سائر الأطراف، فغلا قوم في معاداة بعض المنتسبين للبيت النبوي الشريف حتي انضموا إلى النواصب؛ أي الذين يعلنون عداوتهم لآل البيت أو لبعضهم لأسباب تاريخية ذاتها، وغلا مخالفوهم من الأخرين ليصبحوا روافض يرفضون أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- وجملة من نسائه وآل بيته فكانوا روافض، ولقد اتسع تراث النواصب وفشى وانتشر في الشعر والآدب وأبواب أخرى، كما فشى وانتشر فكر الرافضي حتى تجرأ علي أمهات المؤمنين وكثير من الأصحاب الذين كانوا من أقرب المقربين إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، ولقد غلا وتتطرف بعض هؤلاء حتى زعم من زعم منهم ارتداد الآلاف من أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وإنه لم يبق على الإيمان الخالص إلا ثمانية منهم وتجرأوا على رمي الآخريين بشتى التهم الباطلة. ومنذ أن ظهرت أفكار النواصب وأفكار الروافض والمسلمون في شغل شاغل في مقولات هؤلاء ورد بعضهم على البعض الآخر حتي لم يعد لديهم وقت يتسع لتعلم الأمور الأساسية من أمور دينهم؛ فسادَ الجهل واضطر الناس الى تقليد الأموات والأحياء وخبت روح الإجتهاد وتكرست الفرقة وتمزقت وحدة الأمة وانكفأت إلى داخلها في صراعات داخلية لا تخبو إلا أن تبدأ من جديد، وقد تعلمها أعداء هذه الأمة ودرسها مستشرقوهم وساروا خبراء بها ينعشونها بين حين وآخر كل ما خبت أو خفت وطأتها. واليوم وقد نزل الاستشراق الإسرائيلى إلى الميدان بعد أن ورث ذلك التراث الهائل من الاستشراق الغربي بكل أنواعه ليبعث الروح لنا في ذلك التراث وينعشه؛ فإسرائيل تتمنى أن لا يكون هناك استقرار في المنطقة ولا في أى بلد من بلدانها، وأن يكون كلُّ ما حولها مشغولًا بنفسه وصراعاته الداخلية، وقد بقيت تشتغل على فصل جنوب السودان عن شمالها منذ عام 1954 كما تفيد الوثائق، وقد بدأ انفصال السودان يوم انفصلت مصر عن السودان وحين كان صلاح سالم وغيره يستهينون بالعلاقات بين مصر والسودان التي لم يفرق بها الملك “فاروق” وحكوماته وبقي حتى إلغاء الملكية ” ملك مصر والسودان”  وحمل اللقب ذاته ابنه “محمد فؤاد” حتى إلغاء الملكية. واليوم تظهر الوثائق لتشيير وتؤكد أن انفصال السودان عن مصر واستقلاها كان بداية الطريق نحو تمزيق وادي النيل شماله وجنوبه. لذلك؛ فإن الخطاب الديني ينبغي أن يكون على وعي تام بما يجري وألا يستدرج إلى خنادق الفتنة لصب مزيد من الزيت على نيرانها  وتدمير ما بقي من روابط بين عناصر الأمة. وحين تسود مرحلة العلو الإسرائيلى فلن ينفع أيٌّ من الأطراف الإسلامية تشبثها في الثراث السالف والفتن التي حدثت في عصور الآباء والمواقف منها وما ترتب عليها، وسيعلم الجميع أن الأولى هو الاشتغال بالحاضر واللجوء إلى الله ودعائه صباح مساء للتأليف بين القلوب المؤمنة دون غفلة عن الأخذ بالأسباب والتمسك بالكتاب والاعتصام به ليكون الخطاب ذا جدوى ونفع تأثير.

 والله من وراء القصد.

وإلى اللقاء في الحلقة الرابعة ….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *