Menu
منهجية التعامل مع التراث الإسلامي - مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية

الوجود الإسلامي في أمريكا

أ.د/ طه جابر العلواني

        بالنسبة لأمريكا فقد كانت إلى ما قبل الحادي عشر من سبتمبر تعتبر التنوع الثقافي والحضاري والديني إضافةً جيدة إلى تعدديتها، فذلك التنوع الثقافي جعل منها رمزاً للعالم – كلّه – ويمكن أن تقدم نفسها إلى سكان الأرض كافة أو إلى العالم الأكبر على أنها النموذج المصغر له، وذلك سوف ييسر لها تحقيق عالميتها الثالثة بعد الهيلينية والرومانية، ويجعلها الوارث الذي لا ينازع لهما، وبذلك يحق لها أن تقود العالم عن جدارة واستحقاق، وهو ما حدث فعلاً في إطار ما يعرف “بالعولمة”.

        وكان هناك تفهم كبير، وانفتاح يحمد للشعب الأمريكي على الإسلام والمسلمين على مستويات مختلفة بما في ذلك بعض الكنائس الأمريكية التي لم تتردد في تقديم مبانيها ومرافقها للمسلمين لإقامة صلوات الجمعة والأعياد فيها بدون مقابل أو بمقابل رمزي، وكذلك الهيئات الأكاديمية وكثير من رجال الكونغرس والنواب من الحزبين، مثل ذلك يمكن أن يقال عن الهيئات التعليمية التي كانت ترحب بانضمام أعضاء مسلمين إليها، واستقبال محاضرين يشرحون الإسلام ديناً وحضارة وقضايا وتاريخاً ومجتمعاً وبعض مجالس الإدارات التعليمية رحبت بانضمام تربويين مسلمين إليها. كما أن السجون كانت ترحب بالدعاة المسلمين لإقامة صلوات الجمعة في السجون الكبيرة، وتدريس السجناء الإسلام وذلك لنشره بينهم ودعوتهم إليه، وقد عينت عدداً منهم بنفقتها المجزية للقيام بهذه المهام، وكانت ترحب بانتشار الإسلام بينهم لما يحدثه من تغير إيجابي في سلوكياتهم، ومساعدتهم في الإقلاع  عن المخدرات والأعمال الإجرامية.

        وفي عام 1992 وافقت وزارة الدفاع على تعيين مرشدين دينيين في القوات المسلحة الأمريكية بفروعها الثلاثة، وعينت “المرشد الأول” “جابلن محمد عبد الرشيد” باحتفال رسمي وتتابع ذلك حتى بلغ المرشدين الدينين المسلمين أربعة عشر مرشداً في فروع القوات الأمريكية المسلحة الثلاثة. وازداد عدد المساجد والمؤسسات الإسلامية والمدارس زيادة ملحوظة. وخصص العام 1997 باعتباره عاماً للتعريف بالمسلمين والإسلام في أمريكا، وكانت فرصة ممتازة وإن لم يغتنمها المسلمون بشكل مناسب للتعريف بأنفسهم ودينهم وتاريخهم وحضارتهم.

        وبدأت مؤسسات أمريكية كثيرة ترحب بتعيين مسلمين، فعينت أول قاضية مسلمة، وبدأت المحاكم تتقبل طلبات المتقاضين المسلمين باستشارة خبير شرعي قبل البت في القضايا إذا كان أحد المتقاضيين مسلماً. واتخذت زوجة الرئيس السابق مساعدة مسلمة ترتدي الحجاب. وعين موظف مسلم في منصب هام في البيت الأبيض في عهد الرئيس الحالي، وبدأت الخارجية الأمريكية تفكر بضم موظفين مسلمين قد يصلون – فيما بعد – إلى مناصب سفراء، وعين أول سفير أمريكي مسلم في “فيجي”. ووافقت وزارة الدفاع على تغيير الملابس الخاصة بالضباط والجنود بالنسبة للمسلمات لتشمل طرحة ساترة للرأس والصدر تحت القبعة العسكرية. وشجع سائر الموظفين العسكريين والمدنيين على الحصول على دراسات إسلامية قبل الذهاب إلى أي بلد مسلم لئلا يسيئوا وهم يشعرون أو لا يشعرون إلى ثقافة البلد الذي يعملون فيه، فينعكس ذلك على مشاعر أهل البلد تجاه أمريكا والأمريكان. وكانت هذه الدراسات تنتهي بتفهم جدي للإسلام والمسلمين وقد تنتهي ببعض هؤلاء إلى اعتناق الإسلام، وفي أقل الأحوال إلى احترامه واحترام معتنقيه، والاستعداد لتفهم قضاياهم ثم التعاطف معها في بعض الأحيان.

        ورفعت إلى المحاكم قضايا حول ضغط بعض الدوائر على بعض المسلمات لرفع الحجاب أو غطاء الرأس فكسبت المسلمات سائر تلك القضايا، وصرنا نرى أخواتنا وبناتنا في مختلف الدوائر بحجابهن وثيابهن المحتشمة يلفتن النظر إلى دينهن وحضارتهن وتاريخهن، ويشرن بثيابهن وسلوكهن إلى الإيجابيات التي يمكن للإسلام أن ينقلها إلى هذه البلاد خاصةً في مجال قيم الأسرة، ويمارسن ما كنت أسميه “بالدعوة الصامتة”.

ولاشك أن الخصوم التقليديين للإسلام والمسلمين كانوا ينظرون بقلق شديد إلى المستقبل، فهذا التنامي المطرد للوجود الإسلامي يهدد نفوذهم وسلطانهم، ويفتح أمام المسلمين طريقاً ما كانوا يتوقعون أن يفتح أمامهم في يوم من الأيام، وهؤلاء الخصوم معروفون بذكائهم في التخطيط وسرعتهم في التنفيذ، ومرونتهم الفائقة في استعمال المحرم والمحلل من الوسائل للوصول إلى أغراضهم، وكذلك قدرتهم على فعل ما يريدون بأيدي سواهم، فذلك أنكى وأشد في تدمير خصومهم، دون إثارة الشبهات حولهم، ولاستثمار ذلك في مزيد من النكاية في خصومهم.

ثم حدث ما حدث في “أيلول / سبتمبر الأسود” وبدأ رد الفعل العفوي من بعض الأمريكيين، فظهر أسوأ ما في الأمريكي من عاطفية ورد فعل سريع غاضب. وبنفس السرعة حاولت فئات شعبية أخرى أن تبرز أحسن ما في الأمريكي من نخوة ونجدة ورفع للظلم والاعتداء، فهرعت وفود إلى المسلمين المتضررين بالاعتداءات تواسى جراحهم، وتبرأ إليهم مما فعل الآخرون، بل سارع بعضهم إلى إقامة حفلات تكريم مكلفة لجيرانهم المسلمين قدمت لهم خلالها الهدايا والاعتذارات عما فعل الآخرون، وفي بعض الأماكن التي تضررت مساجدها أو مراكزها الإسلامية أصر بعض جيرانها الأمريكان من مختلف الكنائس – ومنهم بعض اليهود – على المساهمة في إعمار ما تخرب وإصلاح ما أفسد جنباً إلى جنب مع المسلمين. وسارعت سيدات في مناطق مختلفة وفي مدن أمريكية عديدة إلى ارتداء ملابس شبيهة بملابس المسلمات والذهاب إلى بيوت المسلمات المحجبات الخائفات من الاعتداء عليهن للوقوف إلى جانبهن وحمايتهن من أي اعتداء أو معاكسة من أي أحد. وبعض أولئك السيدات ارتدين مثل ما ترتديه المسلمات لإظهار مزيد من التضامن معهن، ولجعل المعاكسين غير قادرين على التمييز بينهن وبين المسلمات لئلا يعرفن فيؤذين.

التوعية بالإسلام

إذا نظرنا من زاوية معينة فيمكننا القول بأن الشعب الأمريكي لم يكن يعرف عن الإسلام والمسلمين إلا الشيء القليل، فمراكز البحوث والدراسات الكثيرة المتخصصة في الدراسات الإسلامية، ومناطق المسلمين، وتاريخهم وحضارتهم كانت منحصرة في الدوائر الأكاديمية، والمعلومات التي يتلقاها الطلبة في الثانويات، وكذلك المدرسون الذين يدرسون لهؤلاء ليس لديهم إلا معلومات محدودة محدوديَّة زوايا النظر إلى موضوعاتها فلا تعطي الطالب أكثر من العموميات عن مناطق المسلمين وثرواتها وشيء عن تاريخهم وحضارتهم، وبعض القصص والروايات السائرة التي تشكل أحياناً مصادر ثقافية للأمريكي العادي، وكثيراً ما تُظهر تلك الروايات والقصص بشاعة المسلم – الذي هو قرين الشيطان وحليفه، فهو إما زير نساء أو سفاك دماء أو خبيث منافق أو أبله غافل أو صاحب مال سفيه مبذر مسرف..إلخ، فإذا قابل طبيباً أو أستاذاً أو مهندساً من المسلمين فإنه يشعر بفخر واعتزاز بحضارته الغربية الأمريكية، أو حضارة “الجودوكرستيان” التي جعلت من هذا الذي كان يمكن أن يكون واحداً من أبطال تلك القصص المخيفة للأطفال والكبار إنساناً متحضراً يتناول الوجبات السريعة، وقد يلبس “الشورت والجينز” ويمشي في الأسواق، وكأنه لم يولد أو أبواه أو جده في محلة من محلات بغداد أو حارة من حواري الشام أو القاهرة، وربما كان يبيع الحمص أو الترمس أو البطاطا أو اللب أو أكواز الذرة أو الفول العادي والسوداني في أزقتها وسككها وزنقاتها. وبذلك اطمأنوا إلى الحياة الرغدة الرخية في الغرب ولم يعودوا يفكرون بأن وجودهم طارئ لا يتحمل زلزالاً.

حتى حدث زلزال الحادي عشر من سبتمبر فكادت تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، فبعد الحادي عشر من سبتمبر ومضاعفاتها أفاق المسلمون وسائر الأمريكيين على واقع جديد لا عهد لهم به من قبل وبرزت الحاجة إلى تأسيس “فقه للأقليات” المسلمة في الغرب خاصة أكثر من أي وقت مضى. فالشعب الأمريكي بكل فئاته غير المسلمة قد أقبل بشكل كبير لافت للنظر على محاولة معرفة الإسلام من مصادره الأصلية وبوساطة أهله لا غيرهم. فاشتُريت معظم الكتب والرسائل والدراسات التي تشرح الإسلام جملة، أو تقدم بعض أركانه أو أصوله، ومصادره، وتاريخه، وثقافته، وحضارته حتى لم يعد في الأسواق منها شيء والمكتبات تطلب المزيد. ولم تقتصر القراءات – بطبيعة الحال – على قراءة ما هو إيجابي، بل شملت الإيجابي والسلبي. وتوهم بعض البسطاء أن هذا الإقبال هو إقبال بدافع الرغبة في اعتناق الإسلام أو بحثاً عن دين، وما كان إلا بحثاً عن مقاومة الجهل ومعرفة الشيء لئلا يتكلم من يتكلم عن جهل. 

ومعظم الكنائس والجامعات ومراكز البحوث والدراسات بدأت تستضيف الأئمة والأساتذة والمحاضرين ليتحدثوا عن الإسلام، ويشرحوا أركانه ومصادره وعلاقته بالأديان الأخرى، وآثاره في معتنقيه والإجابة على الأسئلة الكثيرة التي تدور في أذهان الأمريكان، خاصةً تلك التي أثارتها وسائل الإعلام المختلفة حول علاقة تعاليم الإسلام بالتطرف والمتطرفين. وهل كان النبي – صلى الله عليه وآله وسلم- يعلم المؤمنين به التطرف، وهل كان يأمرهم بقتل مخالفيهم في الدين من المشركين وأهل الكتاب على حد سواء؟ وما موقفه من حرية الإنسان؟ وهل يستثنى حرية التدين من باقي الحريات؟ وبعضهم قد يستحضر آيات كريمة مثل الآية الخامسة والآية التاسعة والعشرين من سورة “التوبة” وكذلك الآيات 191-194 من سورة “البقرة” وغيرها من الآيات التي يقرؤونها خارج سياقها ليؤكدوا بها أحكاماً مسبقة تقول بأن الإسلام دين القتال والحرب ووضع السيف على رقاب الناس ليسلموا أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون أو يقتلوا، كذلك عمل البعض على إبراز وقائع قتال النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – لخصومه، والإسهاب في بيان دلالات هذا القتال.

ولم يكفهم ذلك؛ بل انصرف كثير منهم إلى كتب الفقه والتفسير وأصول الفقه لينتقي منها فتاوى ومفاهيم ومصطلحات إسلامية وأحكاماً فقهية يطرحها على أئمة المساجد والدعاة. وكثيرٌ منهم ذوو معلومات متواضعة في العلوم والمعارف الإسلامية فيتحول الكثيرون منهم إلى الاعتذار، وإعلان تاريخانية هذه الأحكام وأصولها. فيقعون في تناقض عجيب، وكثير من أبناء المسلمين بدؤوا يشعرون بالدونية وينهزمون نفسياً. ومن هذه المسائل في هذا السياق على سبيل المثال:

– كيف يقسم دينكم الأرض إلى “دار إسلام ودار حرب” ألا يعني ذلك أنكم تعتبرون أنفسكم في حالة حرب مع سائر الأمم خارج بلادكم؟ وأن لكم الحق في مقاتلة أصحاب أي دين غير دينكم متى شئتم ووجدتم في أنفسكم القدرة على شن حرب على الغير. وما حدث في سبتمبر هل حدث بناءً على إيمان المسلمين بكفر الأمريكان، وأن ديارهم ديار حرب؟ 

– وماذا عن “الجزية” التي تسمونها “ضريبة الرؤوس” وتشترطون أن تؤدي لكم من اليهود والنصارى ومن إليهم عن يدٍ وهم صاغرون. فهي ضريبة إذلال وامتهان وانتهاك لكرامة الإنسان وحقوقه وحريته في اختيار الدين الذي يقتنع به ويؤمن به؟.

– وماذا عن إجبار “المرتد” على العودة إلى الإسلام أو القتل؟ أليس هذا من قبيل الإكراه في الدين الذي تدعون أن دينكم يرفضه؟

– وماذا عن المرأة وحقوقها واعتبارها ناقصة عقل ودين، واعتبار شهادتها نصف شهادة الرجل؟ وحبسها في البيوت وإعطاء الزوج حرية الزواج بأربع في حين ليس لها أن تتزوج إلا بواحد تجب عليها طاعته وخدمته، وليس لها أن تتجاوز أوامره بحال، أو تنفصل عنه لأن العصمة بيده. وماذا عن الحجاب؟ ألا ترون أن فرض “الحجاب” عليها إهانة لها، وإشعار بعدم الثقة به، وأنها مخلوق من الدرجة الثانية خلق لاستمتاع الرجل به جنسياً والولادة له ورعاية أولاده وبيته، وله أخيراً حق القوامة عليها، وإبقائها أو تطليقها حسب هواه. ثم تورثونها نصف ما يرث الرجل؟  وماذا عن هجر المرأة وضربها إذا عصت الرجل؟. 

– وماذا عن قطع يد السارق ورجم الزاني وقتل الشاذين جنسياً بتنكيل شديد كالحرق والرمي من شاهق، مع أن الأمر لا يَعدو أن يكون اختلالاً في التركيب الوراثي الذي لا دخل للإنسان نفسه فيها: فالهرمونات – هي التي تجعل الإنسان يميل إلى الجنس المثلي لا إلى الجنس الآخر وليس الانحراف الأخلاقي؟

– لماذا تنتشر في بلادكم الدكتاتوريات البشعة، وانتهاكات حقوق الإنسان والأمراض والتخلف والتعصب والتطرف؟ لماذا انهارت كل محاولات التنمية والتحديث في بلادكم؟ أليس الإسلام هو سبب تخلفكم، كما كانت المسيحية سبب تقدمنا بعد أن وضعناها موضعها من حياتنا؟ لماذا أخفقتم في تبني الديمقراطية؟ أليس ذلك دليلاً على أن تعاليم الإسلام تشجع على الظلم والدكتاتورية والتفاوت الطبقي ونحو ذلك من مصائب؟

– لماذا يعلمكم الإسلام أن انتحاركم في قتل المدنيين في فلسطين وفي نيويورك يؤدي إلى الجنة؟ ولماذا ولماذا؟؟

        لقد كان المسلمون سعداء جداً في بادئ الأمر وهم يرون ذلك الإقبال غير المألوف على الكتاب الإسلامي وعلى الاستماع للمسلمين؛ لأنهم لم يكونوا قد فهموا بعد طبيعة الشعب الأمريكي، بل إن بعض المسلمين بدأوا يمارسون نفس الهواية السمجة التي مارسوها في “حرب الخليج الثانية” عن تداول الشائعات وترويجها في المساجد والمراكز الإسلامية عن إسلام عشرات الآلاف من الأمريكان. وأن المراكز الإسلامية المنتشرة في الولايات المتحدة بدأت تستقبل الآلاف المؤلفة من المسلمين الجدد الذين لفتت أنظارهم تلك الأحداث إلى الإسلام، فبعد مضي شهرين على الحادي عشر من سبتمبر اجتاحت المساجد شائعة تقول: “لقد بلغ عدد الداخلين إلى الإسلام من الأمريكان الأصليين البيض والسود والصغار والكبار والنساء والذكور سبعين ألفاً وعدة مئات” في تلك الفترة الوجيزة فإذا ألغى الإنسان عقله وأطلق لخياله العنان فإن المائتين والسبعين مليوناً من الأمريكان لن يمر عليهم وقت طويل ليروا أمريكا تقدم طلبها إلى “منظمة المؤتمر الإسلامي” لتصبح العضو الحادي والخمسين بين الدول الإسلامية!! ومن يدري فلعلها تكمل نصف دينها بطلب الانضمام إلى جامعة الدول العربية أو مجالس التعاون العربية وبقية القائمة.

الدروس المستفادة من الحادي عشر من سبتمبر

 1– على الصعيد الأمريكي:

أولاً: أثبت الشعب الأمريكي أنه شعب ذو عقلية معرفية، فهو شعب إذا واجه تحدياً ما فإنه لا يفقد توازنه، بل يسارع إلى دراسة ومعرفة ذلك التحدي، ورصد خصائصه وصفاته بشكل يجعله قادراً على التعامل معه بالشكل المعرفي المناسب الذي ينسجم ورؤيته. وموقفه هذا ينبه على أنه شعب لا يجري وراء الدولة حيث تريد، كما أنه ليس ذيلاً لوسائل الإعلام بل لديه قابلية جيدة لنقد مواقف حكومته وإعلامه.

ثانياً: إنه شعب متعلم يقوده العلم والمعرفة لا الشائعات والخرافة، ولا السحر ولا الشعوذة كما قد يظن الآخرون، واعتزازه بما لديه لا يحمله على إلغاء حاسة التفسير عنده. 

ثالثاً: إنه شعب توحده المصائب، وتزيل سائر الخلافات والتناقضات من بين صفوفه، وتجعله قادراً على الالتفاف حول قيادته بقطع النظر عن مواقفه المختلفة منها قبل ذلك، دون أن يفقد وعيه على سائر الاحتمالات والفرضيات. 

رابعاً: أثبت أنه شعب لا تفقده الصدمات توازنه، بحيث يحمله الغضب على تجاوز قيمه بالكلية، وفقدان انضباطه، صحيح أنه قد حدثت بعض التجاوزات من بعض الشباب تجاه بعض المسلمين والمسلمات وبعض المساجد والمحال التجارية، وقتل واحد من المسلمين وآخر من السيخ ظنه البعض من المسلمين في جميع أنحاء القارة. ولكن في مقابل ذلك رأينا أضعاف تلك الأعداد الغاضبة تنتصر للمسلمين، وتضع فاصلاً سميكاً بين من أحدث في نيويورك ما أحدث وبين بقية المسلمين في الداخل خاصةً وفي الخارج عامةً؛ بل بلغ كرم البعض منهم حداً أن واسوا المسلمين، ورابطوا في مساجدهم ومراكزهم ومدارسهم لحمايتها، وبعض السيدات ارتدين مثل ملابس المسلمات – كما ذكرنا – وصاحبن مسلمات إلى معاهدهن وكلياتهن وأماكن عملهن لحمايتهن ولتضليل الشباب الغاضب عن المسلمات وإشعارهم بأن المسلمين جزء من هذه البيئة وليسوا غرباء أو أجانب. ترى لو حدث ما حدث في أي بلد آخر فكيف يكون رد الفعل؟!. وقد ذكرني حالهم ومواقفهم بالحديث الشريف الذي أخرجه مسلم وهو (قَالَ الْمُسْتَوْرِدُ الْقُرَشِيُّ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ”، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَبْصِرْ مَا تَقُولُ، قَالَ: أَقُولُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالًا أَرْبَعًا؛ إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ، وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ، وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ؛ أَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ)([1]).

2- على مستوى المسلمين:

أولا: استولى الخوف على الغالبية العظمى وانقسمت النخبة فكانت غالبيتها تذكَّر بأخطاء السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القضايا العربية والإسلامية، وتجعلها بمثابة العذر أو المسوغ لما حدث. ونرى أن من حق الجميع أن ينتقدوا هذه السياسة، بل من واجبهم، ولكن نفسية المنكوب أو المصاب لا تحتمل نقداً في ساعة المصيبة – التي تسمى ساعة الصدمة الأولى – فكان علينا أن نقدم العزاء أولاً ونؤجل اللوم أو النقد أو العتاب لوقت آخر. ذلك لأنك حين تقرن بينهما فكأنك تريد أن تقول: إن من اعتدى عليك معذور وأنت ملوم، وأنه لا ذنب عليه وأنت المذنب وفي هذا ما فيه، فمقام تقديم العزاء وإظهار التضامن غير مقام اللوم والعتاب وتقديم النصائح، وقديماً قيل: “لكل مقام مقال” فوضع المقالين في مقام واحد غير أسلوب الحكيم.

ثانياً: إبراز وسائل الإعلام العربية الفضائية مظاهر الشماتة والفرح في البلاد العربية بما حدث في أمريكا لم يكن له ما يبرره، ويدل على جهل فظيع في طبيعة النفس البشرية عامةً والأمريكية خاصة. إن لم يدل على نزعة تآمرية ضد العرب والمسلمين، وقديماً قيل:

     ما يفعل الأعداء في جاهل                ما يفعل الجاهل في نفسه       

ثالثاً: إظهار الإعجاب والرضى بالفئة المهاجمة والعناصر المساندة لها ورفع صور قادة “القاعدة: في مظاهرات صاخبة في العالم الإسلامي تعبيراً عن الرضا عن الفعل نفسه وعن كل من شارك فيه، وأن الرغبة في الحصول على بطل أعمت الناس عن مواصفات البطل ومقاييسه، فلم تعد تميز بين الشجاع والمتهور، ولا بين المناضل والمتآمر، ولا بين من ينتمي إلى الأمة ويراعي مصلحتها وبين من ينتمي إلي فئة أو حزب ويراها كل الأمة أو لا ينظر إلى الأمة إلا من خلالها أو يفتات عليها وينصب نفسه وصياً عليها كلها دون رأي منها، وقد أضرت هذه المظاهر كثيراً بسمعة الإسلام ووجود المسلمين في الغرب.

رابعاً: هناك عدد لا بأس به من المسلمين قد قتلوا في المباني التي تمت مهاجمتها، كان ينبغي إبراز ذلك بكل الوسائل، خاصةً في أمريكا نفسها، وترديد أسماء هؤلاء، وإقامة مجالس العزاء لهم في بيوت ذويهم وفي الأماكن العامة وإقامة صلوات الغائب عليهم وتغطية ذلك بكل وسائل الإعلام المتاحة الداخلية منها والخارجية، وتعظيم شأن خسارة المجتمع الإسلامي الأمريكي فيهم، فقد كان ذلك كفيلاً بإشعار الشعب الأمريكي أنه حتى لو كان المهاجمون جميعاً من المسلمين فإن ضحايا المسلمين الأمريكيين قد بلغوا نسبة عالية، فخسارة المسلمين – في هذه الحالة – خسارة مضاعفة بحيث يستحقون التعاطف والتضامن أكثر من الملامة أو الانتقام.

خامساً: لم يستطع المجتمع المسلم في الداخل الأمريكي إظهار تعاطفه أو تضامنه مع الشعب الأمريكي بالطرق المتبعة في أمريكا – في هذا الحالة – فبدا غريباً بين فئات الشعب الأخرى، وأجنبياً وافداً على البلاد غير واع على تقاليدها وثقافتها. مؤكداً على أن وجوده طارئ لا أصلي. إن بعض الفتيات المسلمات اللواتي شاركن في إزالة الأنقاض في “البنتاجون” على قلة عددهن وكن يرتدين ملابسهن الإسلامية كان لفعلهن من الأثر الطيب في نفوس رجال “البنتاجون” والأمريكان الذين شاهدوهن بصفة عامة أكثر من كل ما قدمه المسلمون في واشنطن ونيويورك في تلك الفترة، وإن لم يحظ ذلك بتغطية إعلامية مناسبة لا من فضائيات العرب والمسلمين ولا من الإعلام الأمريكي. فالشعب الأمريكي كان يهمه أن يراك متضامناً معه، متعاطفاً مع ضحاياه، غير شامت فيه، معبراً عن مواساتك له.

سادساً: اضطراب مواقف الأئمة وقيادات المؤسسات والعناصر المثقفة من أبناء المجتمع الإسلامي في أمريكا كما أشرنا سابقاً، فلقد أبرزت اضطرابات المواقف واختلافاتها عمق الهوة بين القيادات والمؤسسات الإسلامية، وعدم وجود رؤية مشتركة، لا للوجود الإسلامي ذاته، ولا لحاضره، ولا لمستقبله، ولا للتحديات التي تواجهه. وأن المسلمين – المهاجرين خاصةً – لا ينظرون إلى هذه البلاد إلا نظرتهم إلى محطة أو مظلة يستفيؤون بظلها وبخيرها، ولا مانع لديهم أن يغادروها بعد ذلك يباباً خراباً.

سابعاًً: تكاثر الشائعات والمبالغات والجهل المطبق بنفسية الآخرين من الجيران وعقليتهم، ولذلك لم يحسب الكثيرون حجم رد الفعل وقوته وقسوته، وحساب الربح والخسارة في سائر عمليات الافتئات على الأمة. فالافتئات على الأمة مرفوض، سواء أحدث من فئة شعبية أو من قيادة مفروضة دكتاتورية، فالحرب والسلام من أهم شئون الأمة وقد تبقي آثار الحرب إلى أجيال، وقد تقضي على أمم وشعوب، فليس لأحد أن يفتات عليها في هذا الأمر، وينصب نفسه وصياً أو وكيلاً عنها وناطقاً باسمها، ويستدرجها إلى حرب أو سلام دون شورى منها، ودون سؤالها رأيها. إنّ الأمة أعقل من “الحزب” وأعقل من الزعيم – حتى لو قيل عنه: “ملهم” وأعقل من الكتلة، والأمم أعلم بما يضرها وما ينفعها، وما يؤثر على مصائرها: فليس لأحد أن يفتات عليها في أي شأن من شئونها، والراضي بالافتيات على الأمة شريك للواقع فيه والمرتكب له في ذلك. فهل تأخذ الأمة من هذا درساً أو عبرة؟ أتمنى ذلك.

[1] – رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة، باب: تقوم الساعة والروم أكثر الناس، رقم: 2898.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *