Menu
مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية - برنامج مدارك

مصطلحات سياسية معاصرة

د.طه جابر العلواني

يتواصل الناس فيما بينهم، فيتبادلون أفكارًا، أو يُسيّرون أمورهم –سواء عظيمة أو هينة- من خلال اللغة المشتركة بينهم، فاللغة وسيلة تواصل هامة للإنسان. وتدخل اللغة باستمرار مصطلحات جديدة تبعًا للحاجة لها. وربما دخلت مصطلحات بمعان غير محددة تمامًا، أو ربما دخلت مصطلحات وتغير معناها مع الوقت؛ لذا فمن المهم مراجعة ما يرد من جديد المصطلحات، أو تحديد ما مُوّه معناه مع الزمن؛ ليمكننا التواصل بفهم واضح فيما بيننا، ولندرك ما لتلك المصطلحات من تأثير في وعينا الجمعي مع مرور الزمن.

مصطلح «الشرق الأوسط»

لقد استمعنا خلال الأسابيع القليلة الماضية إلى العديد من المصطلحات التي تعبّر عن مزيد من الحيرة والقلق والاضطراب الفكري والمعرفي الذي يعاني منه أبناء المنطقة المسمّاة «الشرق الأوسط»، وهي المنطقة التي كانت تُعدّ قلب «دار الإسلام» أو «دار الإجابة» أو ديار «أمّة الإجابة» أو «العالم العربيّ»، والتي لم يعد شيء من ذلك كله يُطلق عليها منذ بدايات الاستعمار والاستحمار لها ولأقطارها. فهذه المنطقة العزيزة من العالم الإسلاميّ -التي تمثل منطقة عربيَّة تشمل الجزيرة العربيَّة والأقطار المحيطة بها- أُفقدت هُويَّتها عن عمد وسبق إصرار، وزُيّف اسمها حتى نسي الناس أصلَه الحقيقي، فصارت تُعرف بـ«ـالشرق الأوسط»، أو جزء من دول البحر الأبيض المتوسط، أو منطقة النظام الإقليميّ العربيّ. وصارت تُسمى منذ الحرب العالميَّة الثانية -في سائر الدراسات الغربيَّة ووسائل الإعلام والعلوم الاجتماعيَّة- «منطقة الشرق الأوسط»، يُضيف عليه بيريز لقب «الكبير» ويقوله الآخرون مجرّدًا: «الشرق الأوسط» فقط، ولم يُسائل أحد نفسه: شرق بالنسبة لـمَنْ ولماذا، وأوسط بالنسبة لـمَنْ ولماذا؟ وأين أسماؤه الأخرى التي كانت تُطلق على هذه المنطقة؟

ما وراء مصطلح (الشرق الأوسط)

إنّ تسمية المنطقة بـ«ـالشرق الأوسط» تسمية يردّدها المنتمون إلى المنطقة مقلّدين، ويُطلقها أبناء القوى العظمى وهم يعرفون أنَّها تسمية منحازة غير حقيقيَّة، لا تعكس أي شيء ذاتيّ بالنسبة لهذه المنطقة، بل هي تسمية أوروبيَّة محضة، على اعتبار أنَّها -المنطقة- تقع شرق أوروبا. فلماذا تُطلق هذه التسمية على هذه المنطقة العربيَّة الإسلاميَّة؟ لأنَّهم يريدون من كل مَنْ يعيش فيها أن ينفصل عن هويته ويتبرأ منها وينساها تمامًا، حتى من خلال الاسم. هذه ناحية، والناحية الأخرى ألا يُربط بين المنطقة وبين الدين واللغة والتاريخ والمستقبل بأي رباط، وتصبح منطقة مفتوحة، يدخل فيها مَنْ تشاء القوة العظمى أن تُدْخله، ويخرج منها مَنْ تريد القوة العظمى أن تُخرجه، فمرّة تعد إيران وتركيا وباكستان جزءًا منها، بحيث يمكن أن ينتظمها حلف مثل حلف بغداد في الخمسينات، ويمكن أن توسع بعد ذلك لتشمل إسرائيل، وفي الوقت نفسه تقطع الصلة بينها بتلك التسمية -«الشرق الأوسط»- وبين دول وبلدان المغرب العربي، فالشرق شرق والغرب غرب، علمًا بأنَّ تلك الدول المغاربيَّة تنتمي إلى ذات الهُوِيَّة التي ينتمي إليها عرب هذه المنطقة التي حُرّف اسمها ليصبح «الشرق الأوسط»، وهذه التسمية لا تنزع عنها الهُوِيَّة الإسلاميَّة للمنطقة فقط، بل تنزع عنها الهُوِيَّة العربيَّة أيضًا، وتحوّل مفهوم الوحدة بينها -سواء أكانت من منطلق قوميّ أو ثقافيّ- إلى مفهوم خياليّ لا يسنده الواقع. يفتح ذلك الأمر -في الوقت ذاته- المجالَ أمام إسرائيل لتصبح جزءًا من هذا الذي سموه بـ«ـالشرق الأوسط»؛ ليتمكن بيريز -رئيس وزراء إسرائيل- أن يكتب عن الشرق الأوسط الكبير الذي تقوده إسرائيل.

أصل هوية منطقة (الشرق الأوسط)

إنَّ هذه المنطقة تقوم هُوِيَّتها الحقيقيَّة على مضمون ثقافيّ يمثل التلاحمَ فيها من المحيط الأطلسي حتى الخليج، وأوجد فيها تلك المنظومة المتميزة من القيم المشتركة والمقاصد والغايات والأهداف المشتركة، وأوجد ذلك التجانس العجيب بين أقطارها، فكانت -حتى مدى قريب- تتحرك كلها بأحداث معينة وتتأثر بها -مجتمعة- سلبًا أو إيجابًا. إنّ هذا المضمون قام على انتشار الإسلام فيها، وهو الذي أوجد التجانس القائم بين أبنائها وأقطارها بقيمه المشتركة التي بناها. وإن كان الإسلام لا يقف عند حدود العروبة والمنطقة العربيَّة، بل يتجاوزها إلى مناطق أخرى في العالم هي التي يُطلِق عليها البعض «العالم الإسلاميّ» فيُوجِد مستوى آخر من مستويات التجانس، بحيث يصبح هذا الذي عرف بـ«ـالعالم الإسلاميّ» بمثابة محيط أو عمق استراتيجي للمنطقة العربيَّة والعكس؛ ولذلك فقد كان لا بد من تقديم تعريف للمنطقة العربيَّة نابع من المنظور الحضاريّ الإسلاميّ العربيّ([1]).

مصطلح «الدولة الدينيَّة»

ولم تقتصر فوضى المفاهيم والمصطلحات على مصطلح «الشرق الأوسط»، بل تجاوزت ذلك إلى مفاهيم أخرى، فقد صمّ الإعلاميّون الآذان بالكلام عن «الدولة المدنيَّة» والتأكيد عليها، ورفض ما سموه بـ«ـالدولة الدينيَّة والعسكريَّة» وما إلى ذلك؛ ولأنَّ أحدًا من هؤلاء لم يقدم لنا تفسيرًا للـ«ـدولة الدينيَّة» ولا للـ«ـدولة المدنيَّة» يبين خصائص ومزايا ومواصفات كل منهما فقد جعلوا في الأمر نوعًا من الفوضى، بحيث صار كلٌّ يفسر هذه المصطلحات بحسب ما يحمل من أفكار([2]).

إنّ الليبراليّين من أبنائنا والعلمانيّين يخشون السقوط في «الدولة الدينيَّة»؛ ولذلك فقد حذّروا بشدة -بلغت حدَّ تخويف الأقليَّات الدينيَّة- من الوصول إلى الدولة الدينيَّة، وهم يعرفون أنَّ المسلمين لم يقيموا عبر تاريخهم «دولة دينيَّة»؛ ابتداءً من الخلافة الراشدة وانتهاءً بالدولة العثمانيَّة التي انتهت في مارس 1924.

إنَّ  -«الدولة الدينيَّة»- نبتت في الخبرة الأوروبيَّة، واتسمت بفقدان المرونة والجمود التام لارتباطها بمؤسسة الكنيسة التي اعتبرت وحدها المصدر لصياغة القواعد التي تسير عليها الدولة، وأضفت على تلك القواعد -التي تتعلق بالشأن المدنيّ والمعاشيّ- صفة القداسة، فمزجت بين المقدس وما ليس كذلك، وبذلك لم يعد من الممكن أن تستجيب للتطور الاجتماعيّ أو لمقتضيات التحول والتغير، وحصرت تأسيس المبادئ وتفسيرها بأيدي رجال الكنيسة، الذين سرعان ما تحوّلوا إلى طبقة اجتماعيَّة مهيمنة على كثير من المصالح الاقتصادية التي وُظّف الدين لخدمتها ولتحقيق مصالحها، مما أدى إلى انفصال طبقة رجال الدين عن القوى المنتجة في المجتمعات الأوروبيَّة وتفاعلها، ووقفت في موقع اجتماعيّ مناوئ لسائر تلك الفئات، وبذلك أصبح الأوروبيّ والأمريكيّ -وكل الذين تأثروا بقواعد التفكير المشتركة التي أسسها الفكر الغربيّ في عالمنا المعاصر- أصبح هؤلاء تحت سيطرة رعب تام كلما ذُكرت «الدولة الدينيَّة»؛ لأنَّ الذاكرة التاريخيَّة قد ربطت بين ذلك النوع من الحكم وبين ما ذكرناه من قسوة وجمود وخلط للمقدس بغيره، وإضفاء صفات القداسة والنصوصيّة وعدم جواز التغيير أو التطوير لأي شيء تشرّع الكنيسة له، فصار مجرد ذكر «الدولة الدينيَّة» يثير الرعب والخوف.

ولقد أجهض الإعلام المعاديّ للاتجاهات الإسلاميَّة في الجزائر ثورة الإنقاذ برفعه شعار «الدولة الدينيَّة»، وأنَّ جبهة الإنقاذ سوف تؤسس «دولة دينيَّة» كتلك الدولة التي أسستها الكنيسة في أوروبا، التي انبثقت عنها كل تلك المجازر والمصائب التي ما يزال التاريخ الأوروبيّ يذكرها بكثير من الأسى. وفي مصر اليوم يرفع بعض الإسلاميّين ذات الشعار؛ أي يدّعون أنَّهم يعتزمون إقامة «دولة دينيَّة»، لا يعنون بذلك «دولة إسلاميَّة»، بل تلك الدولة ذات الصورة المخيفة في العقل الأوروبيّ، فالمطلوب إذن هو الوعي بمفهوم «الدولة الدينيَّة» ومعرفة الفروق بين البرامج المعلنة للفئات الإسلاميَّة الانتخابيَّة، التي أعلنت أنَّها تعمل لتحقيقها، فعلى الإسلاميّين وإعلامهم أن يميّزوا بين «الدولة الشرعيَّة» التي تستمد شرعيّتها من التراضي بين الأمَّة وقيادتها، والتعاون على تحقيق شرعيَّة الدولة ومؤسساتها، وإيجاد المؤسسات الضامنة لعدم خروج أيَّة مؤسسة من مؤسسات الدولة عن الشرعيَّة، وتوضح الفرق بين «الدولة الدينيَّة» في الذاكرة الأوروبيَّة و«الدولة الشرعيَّة» التي يفترض أن يسعى لإقامتها الليبراليّ والعلمانيّ والإسلاميّ بمستوى واحد.

لكنَّ هناك شيئًا آخر لا بد لنا من الإشارة إليه، ألا وهو التجارب الإسلاميَّة الحديثة في العالم العربيّ، فلقد قامت تجارب لتطبيق نظام حكم يراه أصحابه حكمًا إسلاميًّا، فقامت «الدولة السعوديَّة» الأولى على التحالف الذي حدث بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود، وقامت «الدولة السنوسيَّة» في ليبيا، وقامت «الدولة المهديَّة» في السودان، وهذه الدول في حاجة إلى دراسة تاريخها وممارساتها للحكم، وتقييم كل منها، وتحديد آثارها، ومعرفة مآلات كل منها وما انتهت إليه، ثم ما أعقبتها من حكومات أخرى أعطت لنفسها صفة الإسلاميَّة، ونادت بما سمّته «تطبيق الشريعة» حسب فهمها، والذي يكاد ينحصر في النظام العقابي وقضايا الحدود، حدث ذلك بالنسبة لطالبان في أفغانستان، وفي إيران وفي السودان وفي باكستان، وفي بعض المناطق النيجيريَّة، وفي بعض مناطق الصومال، ورأى الناس كافّةً صورًا أقل ما يُقال عنها أنَّها كانت صورًا شائهة وغير دقيقة، وما كان ينبغي أن تُعرف بوصفها تطبيقًا للشريعة الإسلاميَّة أو للإسلام في أقل الأحوال.

لقد عرض حكم طالبان مجموعة وقائع لرجم أو جلد نساء بتهمة الزنا بصورة أدّت إلى نفرة نساء العالم -ومنهن النساء المسلمات- من ذلك النظام. كذلك بعض ما حدث في السودان ونيجيريا وباكستان وما إلى ذلك، ورأى الناس أنَّ بعض هذه الدول ضربت أرقامًا قياسيَّة في الفساد والتخريب وعدم الانضباط واستغلال النفوذ والاستئثار على فصائل الشعب الأخرى، فيمكن أن يُقال: إنَّها سياسات ليس بينها وبين الإسلام نسب.

الإسلاميون بين الدعوة والسياسة

واستمرت الحركات الإسلاميَّة المختلفة في توثّبها إلى السلطة، ورغبتها في الوصول إليها في بلدان مختلفة، فقدّم الإسلاميّون في تركيا -بقيادة حزب «العدالة والتنمية»- نموذجًا متميزًا، سرعان ما اكتسب تعاطف وولاء الجمهور التركي؛ ولذلك فإنَّه قد أحدث تأثيرًا هامًّا في الحياة التركيَّة، جعل الإسلاميّين يكسبون في صفوفهم كثيرًا من الليبراليّين الأتراك والقوميّين، وجعلهم يزعزعون كثيرًا من مسلَّمات عهد أتاتورك، ويفرضون على القوى والمؤسسات العلمانيَّة المتطرفة أن تفكّ قبضتها عن السيطرة والهيمنة على مقدّرات الشعب التركيّ، وأعادت الحريّة إلى المرأة التركيّة دون تدخل يفرض عليها ارتداء لباس معين، فإن شاءت ارتدت الحجاب وإن شاءت تخلّت عنه. في حين كانت حريّة المرأة مصادَرَة في ظل الحكومات العلمانيَّة التي لم تأذن لسيدة -انتخبها الشعب لتكون عضوًا في البرلمان- أن تدخل ساحة البرلمان وقد غطّت شعرها، فأصبح الإسلاميّون الأتراك في نظر الشعب التركي دعاة للحريَّة وحماة لها وليس العكس.

إنّ الاتجاهات الإسلاميَّة التي اختارت ممارسة العمل السياسيّ ما تزال -وهي تتقدم باتجاه البرلمان وقبة الحكم- تسلك سبيل الدعوة لا الدولة، فحين يقول أحد الإسلاميّين لسيدة تحاوره في قناة فضائيَّة: “تحجبي قبل أن يفرض عليك الحجاب”، هذا كلام لو قاله داعية لم يتقدم لممارسة دور سياسيّ قد يُقبل منه، لكن حين يقوله إنسان يرشّح نفسه للبرلمان أو مجلس الشعب، قد يصبح غدًا أو بعد غد وزيرًا يمارس سلطة تنفيذيَّة، فإنَّ من حق

[1][1]  وقد قامت بذلك الفيلسوفة الراحلة أ.د: منى أبو الفضل، في كتابها القيم قيد النشر “النظم العربيَّة”.

[2][2]  لنا مقالة سابقة حملت عنوان «ثقافة الانتخاب» أكدنا فيها على أنَّ المهمة لدى الإنسان المسلم هي أن يعيش في ظل دولة شرعيَّة، وبينّا خصائص ومواصفات الدولة الشرعيَّة باختصار؛ ولذلك فإنَّنا نرجوا القرَّاء الكرام أن يرجعوا إلى تلك المقالة ليأخذوا منها ما أردناه بالدولة الشرعيَّة، ويتبيّنوا الفروق الكثيرة بين الدولة الشرعيَّة وبين الدولة الدينيَّة التي عرفتها الخبرة الأوروبيَّة في العصور الوسطى.

هذه السيدة أن تشعر بالخطر على حرّيتها حال وصول هذا الشخص لموقع السلطة. وإذا كان الله -تبارك وتعالى- في قضيّة التوحيد -التي هي أساس الإسلام وسنامه- لم يُكره أحدًا على قبوله، ولم يأمر نبيه -صلّى الله عليه وآله وسلّم- بإكراه أحد على ذلك، بل -على العكس- نهاه عن ذلك، وقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس:99) وقال: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾(البقرة: 256)، فهل يمكن لأحد أن يظن أنَّ من حقه أن يُكره فتاة اختارت أن تكشف شعرها على تغطيته؟ أو اختارت أن تكشف وجهها على تغطيته بالنقاب؟

وهنا أود أن أحيل إلى مقالة سالفة لي بعنوان «الإسلاميّون بين الدعوة والدولة»، والتي ذكرت فيها ما ينبغي أن يتذكره أصحاب البرامج السياسيَّة والذين يتقدمون للأمَّة من الإسلاميّين ببرامج سياسيَّة، ليدركوا تلك الفروق الهامَّة والدقيقة بين الدولة والدعوة، فالداعية من حقه أن يدعو إلى النقاب وإلى غيره، وأن يعرض مذهبه بأدلته، وأن يعرض فقهه على الناس، ولكن ليس من حق السياسيّ أن يفرض على الناس مذهبه أو رؤيته الشخصيّة، بل عليه أن يفهم بأنَّ الحريَّة في الإسلام قيمة تعد في الدرجة الثانية بعد التوحيد.

مما تقدم يتبين أنَّه لا علاقة بين «الدولة الشرعيَّة» و«الدولة الدينيَّة» بما في ذلك الدولة الشرعيَّة التي تستند إلى الدين في شرعيَّتها.

الدولة المدنية

إنّ «الدولة الشرعيَّة» و«الدولة المدنيَّة» من المصطلحات التي ملأت الفضائيَّات والصحف وسائر وسائل الإعلام في هذه المرحلة، و«الدولة المدنيَّة» هي النموذج الذي طرحه الغربيّون في أوروبا ليكون بديلًا عن «الدولة الدينيَّة» الكنسيَّة في خبرتهم الحضاريَّة، وفي الدولة المدنيَّة تصبح الحريَّة أعلى القيم، تتقدم على التوحيد وعلى العدالة وعلى أيَّة قيمة أخرى، والدستور والقانون وسائر المؤسسات تعد ضمانات للحريَّة المذكورة، والأساس الفلسفيّ الذي تستند إليه «الدولة المدنيَّة» هو الفرديَّة، أمَّا المنطق الذي يسودها فهو العقلانيَّة أو المصلحة الرشيدة كما يراها الخبراء. وتفترض «الدولة المدنيَّة» التعدد في بنية المجتمع، وتعالج إشكاليَّة التضارب بين المصالح بالقانون، الذي يُعد ضرورة لازمة لترويض الناس كافّة لقبول ذلك التعدد، ولقبول التحديدات والقيود التي توضع على مصالحهم. وتُعد المصلحة العامَّة في «الدولة المدنيَّة» هي المصلحة المنبثقة عن توازن القوى، بحيث تمثّل ما يشبه الاتفاق بين الإرادات المتعددة التي تقوم الدولة عليها، وليست هناك معايير تضبط هذه المصلحة العامَّة أو تميّزها؛ ولذلك تتخذ القوى الاقتصاديَّة وزنًا كبيرًا في تحديد المصلحة؛ ولذلك تصبح السياسات والقرارات -في النظام الذي تقوم «الدولة المدنيَّة» عليه- انعكاسًا لميزان القوى بين أطراف الصراع، فهي لها وعليها، وهي «دولة ليبراليَّة»، ولا تستطيع أن تحسم عمليَّة تصارع القوى بشكل حاسم. وإذا لاحظنا الأنظمة الأوروبيَّة والنظام الأمريكيّ -القائم على نظام الحزبين- فذلك سوف يوضح لنا الكثير من مزايا وعيوب «الدولة المدنيَّة».

وهناك الدول التي تسمى نفسها بـ«ـالدول العقائديَّة» كالدول التي أقامتها «الماركسيَّة اللينينيَّة» في الاتحاد السوفيتي وغيره، فهذه الدول في الحقيقة تمثل الامتداد العكسيّ للـ«ـدولة الدينيَّة» ويأخذ الحزب فيها مقام الكنيسة الذي كان.

عند النظر في ذلك كله نستطيع القول بأنَّ أفضل النماذج التي تناسب بلداننا هو نموذج «الدولة الشرعيَّة»، وهي التي تستمد شرعيَّتها من القيم والمقاصد الأساسيَّة التي اجتمعت كلمة الأمَّة عليها، ومن الرضا الشعبيّ العام، الذي لا يستثني أيَّة فئة من فئات الشعب لدين أو لون أو لمذهب أو لانتماء حزبيّ أو ما شاكل ذلك، ولعل أولئك الذين يخرجون لحوارات في الفضائيَّات وفي غيرها يبذلون شيئًا من الجهد في تحرير المصطلحات والمفاهيم التي يجري تداولها، ولا يجعلون المستمع في مزيد من الحيرة والقلق وفقدان الثقة بكل شيء، فما أشد ضرر من يهرف بما لا يعرف على عقول الناس.

ونسأل الله للجميع التوفيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *