Menu
مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية - برنامج مدارك

العلُوُّ الكبير

د.طه جابر العلواني

 

لا أحد يجهل «العلوَّ» باعتباره مفردة لغويَّة من المفردات المعبِّرة عن الجهة، فهناك الجهات التي عُرفت بـ«الجهات الست»؛ (أمام، خلف، يمين، يسار، فوق، تحت)، و«العلوُّ» تعبير عن «الفوقيَّة»، وهذه الفوقيَّة قد تكون ماديَّة حسيَّة، وقد تكون معنويَّة نفسيَّة.

ولكنَّ «علا» أكثر استعمالاً في الأجسام والأماكن: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ (الإنسان:21)، وهناك علوٌّ محمود، وهو قليل: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران:139)، و«علوٌّ» أو «استعلاء» مذموم: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص:83). وقد أخبر الله –سبحانه وتعالى- بني إسرائيل -وهو العليم بعباده واستعدادهم للإصلاح والإفساد- أنَّهم سيفسدون في الأرض مرتين؛ أي: شهيرتين وعامَّتين؛ ذلك لأنَّهم أفسدوا قبل المرتين وبعدهما مرات؛ ولذلك قال سبحانه: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾ (الإسراء:8)، ولكنه -سبحانه- قد قرن ذِكر المرتين بقوله: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (الإسراء:4)، فما هو هذا العلوُّ الكبير الذي وُعدوا به؟! «العلُّو الكبير» يكمن في قدرة فكريَّة وعقليَّة ونفسيَّة وثقافيَّة، يستطيعون توظيفها بكفاءة عالية في تسخير الظروف الواقعيَّة والموضوعيَّة -مهما كانت- وفقًا لرؤيتهم وأهدافهم المحدَّدة سابقًا بشكل دقيق، ونستطيع أن نعبر بعبارة مستمدة من القرآن المجيد، فنقول: قدرة على توظيف السنن والقوانين الكونيَّة والاجتماعيَّة، بل وتوظيف الاتجاهات الفرديَّة -أيضًا- لتكون طوع أيديهم في تحقيق أهدافهم.

إنَّ مما لا شك فيه أنَّ العرب يملكون من الإمكانات الماديَّة أضعاف ما يملك الآخرون، ولكنَّهم لا يملكون ذلك الحسَّ الذي ذكرنا.

إنَّ الثقافة العبرانيَّة القديمة فيها ما أُحِبُّ تسميته بـ«الفقه البقريِّ» نسبة إلى البقرة، وفقه وفكر «العجل الجسد الذي له خوار»، وفقه «المخارج والحيل»، وفقه «اللُّهاث أو الإصرار الذي لا يتوقف»، وهذه الأمور -وكثير غيرها ممَّا نجده في التوراة والتلمود والمشناة وسواها من مصادرهم الدينيَّة- قد ينظر إليها مفكرونا المحدثون الحداثيُّون على أنَّها نوع من «المخيال الشعبيِّ المندثر»، أمَّا أنا فأراها -بفضل «نور القرآن»- ماثلةً شاخصةً أمامي، لا تزال تشكِّل دعائم أساسيَّة لثقافتهم، فالذين فتنوا وأضلهم السامري بعجل ذهبيٍّ فارغ من داخله، لا يملك إلا المظهر اللامع الذهبيِّ و«الخوار» الذي تُحدثه الريح في الأجساد الفارغة، قرَّر قادة الصهيونيَّة أن يجعلوه نموذجًا لـ«عالم اليوم» ليتحكَّموا فيه؛ فالعالم اليوم -بالعولمة والديمقراطيَّة الزائفة والاقتصاد الحر أو المقيَّد والشرعيَّة الدوليَّة وما إليها من موضوعات «الخوار لا الحوار»- لا يعدو أن يكون «عجلاً جسدًا له خوار» بما ذكر، فمظهره ذهبيٌّ خلاب برَّاق، يكاد يأخذ الأبصار والألباب، وأجهزة الإعلام العملاقة تقوم بعمليَّة «الخوار» الذي لا ينقطع؛ لتجعل من الإنسان حيوانًا إعلاميًّا يستهلك الإعلام طاقاته، يفرِّغه ويملؤه بما يشاء. لقد تحوَّلت الشعوب -في ظل ثقافة «العجل الجسد»- إلى قطعان من الأفراد لا تستطيع بناء علاقاتها، ولا المحافظة على خصوصيَّاتها، ولا إعادة بناء هويَّاتها.

لقد استطاعوا تحويل حدث تاريخيٍّ سلبيٍّ -أدى بهم إلى «الردَّة الجماعيَّة»- إلى نموذج مكَّنهم من بناء خطط واستراتيجيَّات ومؤسَّسات؛ ليكون العالم -كلّه- أقل منهم، بحيث يعبد عجلاً وهميًّا بنوه هم وفق نموذج السامريِّ في خيال العالم إعلاميًّا. أمَّا هم فقد عبدوا عجلاً ذهبيًّا جسدًا له خوار، استعمل السامريُّ فيه أمانات المصريين من الذهب ليجعل منه العجل الشهير.

فمتى نتمكَّن -وخاصة أولئك الذين يجلسون في مواقع إدارة معركتنا مع أصحاب العجل- من دراسة عقليَّاتهم ونفسيَّاتهم بعمق؟ ومعرفة ثقافتهم الموروثة وتأثيراتها الشديدة في إدارتهم للصراع مع سائر أمم الأرض؟ ومتى يستطيع المسلمون أن يخرجوا من حالة «الغثائيَّة» التي يترنَّحون فيها ليتمكَّنوا من فرض احترامهم على العالم، وتوظيف إمكاناتهم الهائلة لصالح عمليَّات الصراع مع الآخر؛ ليتمكنوا -آنذاك- من القيام «بالحوار المتكافئ» لا «بالخوار».

نسأل الله أن يُهيِّء لهذه الأمة أمر رشد، إنَّه سميع مجيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *