Menu
منهجية التعامل مع التراث الإسلامي - مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية

مفاهيم الإصلاح والتجديد

طه العلواني

  1. مفاهيم «الإصلاح والتجديد» كانت على الدوام من الموضوعات التي تنازع البشر حولها، وفقًا لاختلاف رؤاهم ومواقعهم؛ ومحاولة تثبيت هذه المفاهيم تحتاج إلى اتفاق بشريٍّ حول القيَم التي تنبثق منها هذه المفاهيم، وتلك القيم -في نظري- هي «التوحيد، والتزكية، والعمران». إنَّ تبنّي الحضارة الحديثة لمبدأ «نسبيَّة القيم» أدّى إلى سيولتها، وعدم استقرارها، وإخضاعها لتقلُّبات المصالح بدلاً من أن تكون الضابط المهيمن لها وعليها، والاتفاق على المفاهيم الدقيقة للإصلاح والتجديد يعالج جزءًا مهمًّا من «أزمة اتجاهات الإصلاح والتجديد»، ولكن تحديد المفاهيم -وحده- لا يكفي.
  2. إضافة إلى ما تقدم فإنَّ هناك معوقات لأفعال المجدِّدين وحركات التجديد: منها ما هو ذاتيّ؛ مثل: تصارع حركات الإصلاح، وعدم تحديد المفاهيم وما ينجم عنه من سوء الفهم، وعدم معرفة كل حركة إصلاحيَّة أو تجديديَّة للمساحات أو الثغرات التي تتحرك فيها بدقة، بحيث لا يكون هناك مساحات يقع فيها تضارب وتصارع مع حركات إصلاحيَّة أخرى، وكذلك اتجاهات التعميم التي تزخر بها خطابات التجديد. وعدم تحديد الأهداف بالدقة الّازمة وملاحظة جميع الجوانب التي تجعل منها أهدافًا عمليَّة، كل ذلك يمكن أن يُدرج تحت عنوان: «المعوقات الذاتيَّة لخطاب التجديد».

ومنها ما هو خارجيّ. قد يفرض على الخطاب الإصلاحيِّ قيودًا عديدة، لأسباب متنوعة؛ ولذلك فإنَّ من المهم جدًّا للخطاب الإصلاحيِّ أن يحدِّد المفاهيم التي يتناولها بدقة، وأن يؤكد على ثبات القيم الأساسيَّة التي تُعدُّ أهم الدعائم بالنسبة لأيِّ خطاب تجديديٍّ، وأن يحدِّد بدقة الثغرة الأساسيَّة التي يريد المرابطة عليها، والمصطلحات التي تشكِّل صيغة الخطاب، والإطار المرجعيّ له. فمن شأن ذلك أن يجعل الخطاب أكثر فاعليَّة وأقرب للدقة.

  1. كذلك لابد من تحديد أولويَّات العمل التجديديِّ بدقة: التجديد العقديّ وإصلاح الرؤية، والفكريّ وإصلاح المنطلقات، والمفاهيميّ وبناء الإطار المرجعي، والثقافيّ، و أيضًا النفسيّ.
  2. إنّ نهضة أيَّة أُمَّة من الأُمم موقوفة على مدى قدرتها على تطوير «منهاجيَّة معرفيَّة» تحدّد لها مسالك التعامل مع قِيمها ومثاليَّاتها وعقائدها ورؤيتها الكليَّة وموروثها وتراثها وواقعها، ومجمل ما يحيط بها من أفكار وأحداث ومتغيِّرات، وتمكّنها من الوصول إلى «الحقيقة في مظانِّها»، بحيث تسلك كل سبيل يوصِّلها إلى أيِّ مفردة تسهم في جلاء «الحقيقة»، وينبغي أن لا تُفرض رغبات الذات الباحثة على الموضوع المبحوث فيه، وتجعل الواقع صورة لما تبتغيه الذات نفسها، فيرى الباحث واقعًا مصطنعًا صنعه لنفسه استجابة لرغباته، وأفكاره المسبقة ومسلّماته.
  3. إنَّ النوازل -أحيانًا- تشحذ الهمم، وتزكِّي القرائح، وتكشف أنواعًا من الحجب، وتضاعف الطاقات إذا كان الناس مستعدين لتعلُّم الدروس واستخلاص العبر، فتتحول النوازل إلى دوافع تصنع إرادة التغيير.

إنَّ البحث العلميَّ الأصيل فريضة غائيَّة، خاصَّة حين يدرك الباحث طبيعة المخاطر التي تهدد الأمَّة التي تنتمي إليها، وأولى البحوث بالعناية تلك البحوث الجادة فيما «يبيد النقم ويعيد النعم».

  1. في دراسة خطابات مشاريع نهوض الأُمم لا يحتاج الباحثون أن يحدِّدوا مفاهيم أو شعارات أو أفكارًا محدَّدة سابقًا؛ لأنَّ المطلوب في حالات «النقد» إطلاق حريَّة الأفكار، والإرادة المعرفيَّة النقديَّة.
  2. تصوغ الأُمم خطاباتها وهي تدرك أنَّ «الساحة التاريخيَّة» هي ساحة لصراع أو تدافع «العصبيَّات الحضاريَّة». و«عصبيَّتنا الحضاريَّة» في موقع المغلوب، ولا يزيل عنها هذه الصفة كونها في موقع «الدفاع والممانعة»، فهي طرف مهمَّش في صياغة «الخطاب العالميّ»؛ لأنَّ من يصوغ الخطاب العالميّ هو المركز الغالب، ويروِّج له وكلاؤه وأتباعه في العالم.

لكنَّ العصبيَّات الحضاريَّة لا بد لها من تكوين نظريٍّ ومنهجيٍّ يتحكم بحركتها الفكريَّة؛ لأنَّه -أعني ذلك التكوين النظريّ والمنهجيّ- يعدُّ مكوِّنًا من أهم المكونات لتلك الغلبة.

هناك تفاعل لا بد من حدوثه لتؤتي التكوينات النظريَّة والمنهجيَّة ثمارها في إيجاد العصبيَّة الحضاريَّة، وإفساح المجال لها للتفاعل مع المؤشرات المطلوبة لإيجاد تيار الإصلاح.

والمؤشرات -المطلوب إيجاد التفاعل معها- منها ما هو إيجابي، ومنها ما هو سلبيّ؛ فمن المؤشرات السلبيَّة:

  • التبعيَّة والتقليد للغالب الغربيِّ، وقد تم تجريب تلك التبعيَّة والتقليد وثبت فشلها؛ لأنَّ صناعة الحياة وبناء الحضارات والأمم يحتاج إلى إبداع لا تقليد، لكن للأسف جرى تغافل وغفلة عن ذلك السبب الحقيقيِّ الوحيد لفشل كل تلك التجارب وإخفاقها.
  • تقليد الآباء والرجوع على التراث -كما هو- ومحاولة إعادة إنتاجه من جديد.
  • سلوك سبيل تجديد البناء وإصلاحه بنفس مصادر وآليات التأسيس ذاتها، وهو الطريق الوحيد الذي يمكن أن يؤدي -إذا اقترن بتوفيق الله وهدايته- إلى النهوض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *