Menu
منهجية التعامل مع التراث الإسلامي - مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية

خطبة الجمعة خطورة التلاعب بالمفاهيم القرآنية.

أ/د: طه جابر العلواني.

الحمد لله رب العالمين، نستغفره ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئآت أعمالنا، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد عبد الله ورسوله، وصفيه وخليله؛ الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين، ثم أمَّا بعد:

﴿إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء:9).

لقد كتبنا، وحاضرنا، ودرسنا كثيرا، وحذرنا أمتنا في أكثر من مناسبة من التساهل في المفاهيم؛ لأن التساهل في المفاهيم يؤدي إلى اختلاط الرؤية، واضطراب الأولويَّات، وتدمير سلم المقاصد، وإيجاد التشتت في المعتقدات، والمزج بين الحق والباطل بشكل خطر؛ يجعل عملية الفصل بينهما أمرا في غاية الصعوبة. والقرآن المجيد حذرنا أن ننساق وراء مفاهيم كتابيَّة، كان اليهود مهرة في صياغتها، وإشاعتها؛ لإحداث الإرباك الذي يمكِّنهم آنذاك من أن يكونوا هم المفسرين لتلك المفاهيم، والمراجع في بيانها، فينصبون أنفسهم أساتذة على العالم. ويبدأ العالم كله ينظر من خلال أعينهم وهم لا يريدون أن يرى العالم إلا ما يُرونه، ويريدون منه رؤيته، وذلك يعني أن تكرس مرجعية هؤلاء، فقال لنا ربنا تبارك وتعالى عنهم ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران:78)، وليّ الألسن بالكلمات، والمقولات فن يدرس اليوم بين دروس السياسة، والإعلام، وفي قضايا الخطاب. ولا ننسى -نحن العرب-كيف ضاعت علينا مصالح كثيرة جدا لعدم الالتفات للفرق بين المعرَّف باللام، وبين المنكَّر. وحين وقَّع قادة غافلون، أو مغفلون على اتفاقات حول تحرير أراض عربية، وإعادتها إلى أصحابها؛ ردت علينا بعض الأراضي، وقيل لنا: إنكم وافقتم، ووقعتم على اتفاق برد أراض، وما رددناه لكم يصلح أن يطلق عليه: “أراض عربية”، ونحن لم نقل نرد لكم الأراضي العربية التي احتلت في 5 يونيه 1967. وهناك قصة أخرى خسرنا فيها الكثير حين تساهلنا في وضع فاصلة بين عبارة وأخرى، فكان لتلك الفاصلة ثمن عال غال من دماء، وأموال، وأراضٍ خسرناها نتيجة لذلك.

وحين يحذرنا الله (جلّ شأنه) فيقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة:104)، وهو فرق لا يلتفت إليه عامة الناس، ولا غالبيتهم، وقد يتساهل فيه كثير من الخاصة لكن الله (جلت قدرته) نبه عليه، وحذر من التساهل فيه، وما أخطر ما نعيش فيه اليوم من أمور لو التزمنا بتوجيهات القرآن لما كنا سقطنا فيها، ولكن استدرجنا لذلك استدراجًا خلط سائر الأوراق بين أيدينا، والفوضى التي تشهدها مجتمعاتنا في جميع أنحاء العالم الإسلامي وفي مقدمته العالم العربي مرد الكثير من أسبابها إلى ذلك الاختلاط العجيب، وكذلك اختراق جبهاتنا الداخليَّة ومؤسساتنا كان في مقدمة ما روج له اختلاط المفاهيم واضطراب الناس فيها؛ ولذلك أصبحت الفوضى ضاربة بأطنابها في كل مجال، وصارت “الفوضى الخلَّاقة” التي سمتها وزيرة خارجية أمريكا خلَّاقة وليست هناك فوضى خلَّاقة لأنَّ الفوضى فوضى، والنظام نظام، لكن التلاعب بالمفاهيم جعلهم أساتذة لنا بعد أن كنا أساتذة الدنيا وجعلنا نستورد منهم الأفكار والقيم والمفاهيم دون أن نشعر ودون أن ندرك الآثار الخطيرة لذلك الخلط، فالشورى التي أمرنا الله (جل وعلا) بها ﴿.. وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (آل عمران:159) خلطناها بما عرف بالديمقراطية، والعدل كاثرناه بالإضافة إلى الاجتماع، فقيل: العدل الاجتماعي أو العدالة الاجتماعية، وهناك العدالة التي نزع منها اطلاقها الذي جاء القرآن به، فقال ﴿.. وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (المائدة:8)، أي بشكل مطلق. “هو”: أي العدل أقرب للتقوى، تحولت إلى عدالة خاصة يختص بها مطبقها من يشاء، فيقدم إليه غريمان يعدل في معاملة أحدهما ويظلم في معاملة الآخر، وهناك عدل للقريب، وظلم للبعيد أو الغريب، وهناك عدل لأبناء الشعب أو العشيرة أو القبيلة أو البلديات وهناك جور يمكن أن يصاب به الآخرون، ويكون من العدل كذلك؛ ففقدت القيم القرآنيَّة عندنا إطلاقيَّتها، واضطرب التعامل بها، ولم يستضء الناس بأنوارها، بل تغلَّب عليها ظلام النفوس، وسخائم القلوب، إننا أحوج ما نكون إلى إعادة قراءة القرآن الكريم وتدبر آياته، ومعرفة مفاهيمه، والتقيد بها، وعدم الخروج عليها أو التلاعب بها، أو التساهل في استبدالها واستعمال غيرها في شئوننا وشجوننا. فما سماه القرآن شورى يجب أن نسميه شورى، وما سماه الآخرون ديمقراطية فهم أحرار في التسمية وأحرار في اختيار المعنى الذي يريدون وضعه لتلك التسمية، ف”الشورى والعدل والأمانة والإحسان والبغي والإرهاب، والعدو، والولي، والدار، والسلام، والحرب، والأمن” كل أولئك مفاهيم قرآنيَّة نحتاج إلى الوعي بها قرآنيًّا والوقوف عندها والالتزام بمعانيها لعلنا نخرج من فوضى المفاهيم والمصطلحات والتراجم الجارية فيها في وقتنا هذا.

 ولعل الجدل الكثير الذى دار حول بعض الكلمات الواردة فى الدستور المصرى فيما مضى، وفيما هو قائم، تصلح نموذجا لتلك الأفكار التى يعمد إلى اختيارها لما تحمله من تحيزات، ومعان يمكن توجيهها نحو هذا الوجه، أو ذاك. وهناك كثير من المنازعات تقوم نتيجة عدم وضوح الأمور بين ذوى العلاقة، فيختلفون حولها، ويتنازعون عليها، وتذهب ريحهم؛ ولذلك أمر الله (جلّ شأنه) بردها إلى الله لأنه (جلّ شأنه) قد أنزل على الناس كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فصَّله على علمه،  ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ (الأعراف:53)، ويقول ﴿الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود:1), لكن الناس على ما يبدوا آثروا، ويؤثرون العاجل عن الآجل، وما ينبثق عن أفكارهم وآرائهم؛ فتضطرب الأمور كلها. ولا علاج لذلك إلا بالرد إلى الله (جلّ شأنه) أى كتابه وسنن رسوله التى بنيت على أصول منه. والإسلام حرص على وحدة الأمة، وعلى تحقيق السِلْم بينها، وعلى حرية الإنسان؛ لأنَّ الإنسان لا يستطيع أن ينجح فى اختبار الابتلاء مالم يكن حرًا فى تصرفاته، وقادرًا على تحمل أعباء الابتلاء بشكل سليم، وأداء الأمانة والوفاء بالعهد الإلهي.

أقول قولى هذا واستغفر الله لى ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، ثم أمَّا بعد:

نحن الآن في شهر صفر وهو نموذج لما استعمل من تحريف في الزمن وتلاعب به، حرفت فيها الجاهلية ما شاءت فمرة تستبدل به شهرا من الأشهر الحرم؛ إذا لم ترد إيقاف القتال خوفًا على ما حققته من إنجازات حربيَّة، ومرة تجعله شهر قضاء لحجها وزيارتها للبيت ومرة ومرة، وفي عصرنا هذا صار شهر صفر شهرًا يعرفه الإيرانيون والعراقيون وعموم الشيعة بأنه الشهر الذي أعيد به رأس الحسين من الشام إلى العراق، ويحتفل الشيعة فيه بما يسمونه ب”مردّ الرأس”، إذ إنَّ قصة المأساة الحسينية كما روتها المصادر المختلفة تشير إلى أنَّ رأس الحسين بعد أن احتزه قاتلوه أرادوا التقرب إلى يزيد فأرسلوه إليه في الشام، وبعد أن اطلع يزيد عليه وتأكد أنَّ القتيل هو الإمام الحسين (رضي الله عنه وأرضاه) أعيد إلى العراق ليدفن مع جسده الطاهر هناك، في الأرض التي قتل فيها في منطقة الطف من كربلاء.

وقد أدى ذلك التلاعب الجاهلي في حرمة الأشهر والسماح باستبدال شهر بشهر واستصغار الفروق بين ما حرمه الله وما لم يحرمه جعل مفهوم الزمن كله يتحول إلى ألعوبة بأيدي الناس، ولذلك عمل القرآن الكريم على رد الأمور إلى نصابها فقال ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (التوبة:36)، وبيَّن خطورة الانحراف الذي سقط فيه المشركون بقوله ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (التوبة:37) ومن هنا أعلن سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنَّ الله قد أعاد الزمن إلى أصله الذي خلق عليه، فقال: “إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان”[1]. وذكر ما في الآية، فالمشركون أرادوا أن يواطؤوا عدة ما حرم الله، فما دامت الأشهر الحرم أربعة إذًا فأيَّة أربعة يمكن أن تحرَّم وتكون بديلًا عن الأربعة التي حرم الله، وتحمل نفس الصفات والأسماء، فبين الله (سبحانه) خطورة ذلك، وأعاد ترتيب الزمان كما كان، وبين أنَّ التحريم والتقديس وما إليها أمور لا تتم بالقياس، ولا بحكم مصطنعة يبتكرها الإنسان بحسب رؤيته، بل هي تقدير إلهيّ، يتصل بالتدبير نفسه، لا يجوز التلاعب به بحال من الأحوال.

 ولقد عشنا حتى رأينا قوما يقترحون أن يكون يوم الأحد في الغرب بديلًا عن يوم الجمعة، ما دام يوم الأحد هو اليوم الذي يمثِّل نهاية الأسبوع في تلك البلدان، وكنا نظن أنَّ عقلية النسيئ قد انتهت ولكن يبدو أنَّ الانحرافات مثل الميكروبات تكمن وتبرز بحسب الظروف والبيئة والدواعي والدوافع، وعلاقات الناس بربهم وبمرجعياتهم.

إنَّ الإسلام قام على مجموعة من الثوابت البسيطة السهلة الميسرة، وهي الأركان والفرائض المعدودة، ولكن خصال البر والخير كثيرة، وخصال الشر كذلك، وأسباب الانحراف كثيرة أيضا، ومن هنا فإنَّ على الناس أن يميزوا بين مراتب الأعمال، وعلى الناس أن يعيدوا النظر في ذلك الركام الهائل والقوائم الطويلة التي ابتكروها وأضافوها إلى الدين؛ ليلزموا أنفسهم بما لا يلزم، أو ليتجاوزا بعض ما أمروا به، ولو اتضحت المفاهيم وتم الالتزام بها لربما انعدم الاضطراب في هذا المجال أو قل وضعف، إلى الحدود الدنيا.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

[1] ورد في خطبة حجة الوداع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *