Menu
منهجية التعامل مع التراث الإسلامي - مراجعة لكتاب من أدب الاختلاف إلى نبذ الاختلاف - أُمْنِيّة أهلِ السجود([1]) - The future of Islam in America and west - جانب من جلسات فريق باحثي الأزهر للعمل على وضع منهجية مراجعة التراث - حوار حول الربيع العربي - الإسلام والمسلمون من وجهة نظر غربية - برنامج اخترنا لمكتبتك - معالم في المنهج القرآني - ومضات فكرية

مراجعة خطاب الإصلاح المعاصر

أ.د. طه جابر العلواني

حفل الخطاب الدينيّ في القرن التاسع عشر والعشرين بمفردات “الاستقلال والسيادة والنهضة والتحرُّر”، وأحيانًا “الاستبداد والتجديد والاجتهاد” في وقت كانت الأمة تتعرض فيه لعمليّات تفكيك ما كان يطلق عليه “دولة الرجل المريض” –الدولة العثمانية-، واستمرت تلك المفردات بالتداول وتحولت أحيانًا إلى سؤال؛ “لماذا تأخر المسلمون، ولماذا تقدم غيرهم؟” كما صاغه شكيب أرسلان -رحمه الله- في (عام 1932) في كتابه الذي حمل ذلك العنوان. ثم خفتت الأضواء عن بعض تلك المفردات، وطرحت مفردات أخرى مستحدثة؛ منها “التقدّم والحداثة”.

 وفي إطار تحقيق “التقدّم والحداثة” طُرحت مفردات “الحريّة والاشتراكيّة والعدالة الاجتماعيّة” وما إلى ذلك. وبعد ذلك بدأت تبرز مفردات “تجديد العقل العربيّ” و”اغتيال العقل العربيّ” و”احتواء العقل العربيّ” و”أزمة العقل المسلم” و”الأزمة الفكريّة” و”الأصالة والمعاصرة” و”التراث والحداثة” وما إلى ذلك. ويتناول المثقفون والنخب العربيّة والمسلمة هذه المفردات كلٌ بحسبه، وكلٌ يطرح مشاريعه في توظيف هذه المفردات بحسب منظومته الفكريّة ومنظوره ونسقه، ولم يحصل التقاء كبير على هذه المفردات. ونلاحظ بعد سقوط الاتحاد السوفيتيّ، وتفرد أمريكا بالقطبيّة نوعًا من التقديم والتأخير في مجموعة المفردات، فقد كثر الحديث عن “الديمقراطيّة والمجتمع المدنيّ وحقوق الإنسان والطائفيّة وحقوق الأقليّات وقبول الآخر والتعدديّة”.

 وفي هذا السياق بدأت مفردات “التجديد والاجتهاد وتقنين الفقه الإسلاميّ وتقنين الفتوى وضبطها” يزداد تداولها في الساحة الفكريّة وتعقد المؤتمرات والندوات لتناول ذلك، وتتردّد كثيرًا في الخطابات المطروحة.

وفي الطريق لإعلاء قيمة “التقدُّم والحداثة” خسر العرب والمسلمون مقوّمات وبنى المجتمع التقليديّ الموروثة لا إلى بدل. فباسم “الحداثة والتحول إلى المجتمعات الصناعيّة”،  وادّعاء أنّ الاستعمار هو الذي أقنعنا بأنّنا مجتمعات زراعيّة!! وأن الزراعة لا تحقق “التقدم والحداثة ولا تحدث تغييرات جذريّة في المجتمع” بدأنا رحلة تحول غير مدروسة نحو صناعة بدون أداة التعريف؛ وذلك لأن الفلاح بطبيعته أميل إلى التديُّن من المتعامل مع الآلة الصناعيّة التي توحي بمركزيّة الإنسان، في حين توحي الزراعة بمركزيّة الخالق. وترتَّب على ذلك موجة في كثير من البلدان من الهجرات من الريف إلى المدن أدت إلى تدمير بنى المجتمع التقليديّ وتقليص الزراعة، وأصبحت أغنى بلاد العرب في الأرض والمياه تعتمد في طعامها وشرابها على الاستيراد!!

وقد يكون العراق نموذجًا من أحسن النماذج للنظر في ذلك وآثاره حيث يمتلك العراق (9) أنهار وأراض زراعيّة ممتدة تكفي لأن يعيش على أرض العراق (50) مليون نسمة برفاهيَّة تامّة لو استثمرت المياه والأرض. وكان العراق في يوم (14) يوليه (تموز 1958م) يصدّر الذرة والتمور والصوف والسمن وغيرها، وكانت موانيه المحدودة في البصرة أيام الانقلاب مليئة بسفن التصدير، وأُوهم العراقيّون بأنّ العراق سيصبح بلدًا صناعيًّا. وقاد الحزب الشيوعيّ الدعايات على سائر المستويات بأنّ دعوى أنّ العراق بلد زراعيّ هي دعوى استعماريّة، وشكلوا الجمعيّات الفلاحيّة، وشجعوا أهل الريف على الهجرة إلى المدينة. وأُهملت الأرض وجاع الناس، ودُمّرت بُنى “المجتمع التقليديّ” ولم يتحول العراق إلى بلد صناعيّ إلّا بشكل محدود قائم على التجميع والاستيراد. وحاله اليوم معروف، وحدث مثله في بلدان أخرى؛ وقيل لبعض البلدان: لا تزرعوا القمح وازرعوا إن شئتم كذا أو كذا، وصار بلد الأنهار التسعة العراق الذي كان عدد النخيل فيه يوم (14) تموز 1958م (32) مليون نخلة مثمرة، هي الآن في يومنا هذا (4 مارس 2009) لا تتجاوز (16) مليون نخلة نزلت إلى النصف، في حين أنّها كانت لا بد أن تبلغ مليارًا أو أكثر. جاء ذلك كلّه تحت شعارات “الحداثة والوحدة والاشتراكيّة” و”يا عمال العالم اتحدوا”. وقد حدث في بلدان أخرى كثيرة نحو هذا، واليوم نجد أنفسنا أمام جهات كثيرة تتحدث عن مفردات “التجديد والاجتهاد والتراث والمعاصرة والحداثة وما بعد الحداثة” إضافة إلى بعض المفردات المتبقيّة من الفترات السابقة.

الأمّة إلى الآن تبشَّر بين حين وآخر بأنّها سوف ترى مشروعًا حضاريًّا كاملًا لنهضتها من هذا الجانب أو ذاك من فصائل الأمّة، ولكنَّها تسمع جعجعة ولا ترى طحنًا، فما المراد بـ”التجديد والاجتهاد والحريّة وضبط الفقه الإسلاميّ وتقنينه، وتحديد مَنْ يحق له الفتوى ومن لا يحق له”. إنّ التجارب السابقة توحي بأنّ قضيّة “الاجتهاد والتجديد” طرحت قبلًا وتكرر طرحها في إطار ترويض عقليّة الأمّة ونفسيّتها لقبول ما يطرح عليها باعتباره “اجتهادًا وتجديدًا”، وذلك لإفساح المجال للمشروعات التي يطرحها العالم على الأمّة في الوقت الحاضر، من هنا تصبح الكلمة في أيّ موضوع من هذه الموضوعات أمانة ثقيلة ينبغي لمن يتناولها أن يقدر أنّه سيقف بين يدي الله -تبارك وتعالى- وسوف يحاسبه حسابًا عسيرًا على كل كلمة لم يعطها حقها من “الفقه والفهم وإدراك المقصد والغاية والظرف والزمان” واللحظة التاريخيَّة التي يطرح الموضوع فيها، قد استغلّت وأسئ استعمالها أو تم توظيفها توظيفًا سيئًا وإذا كان أهل العلم بالإسلام يستطيعون أن يميزوا في إطار “فقه الكلمة وفقه مسؤوليّاتها” فإنّ الاستشراق قد استطاع أن يستقطب قديمًا وحديثًا دعمًا ماديًّا ومعنويًّا لا يتوقف، وذلك لإيجاد بالونات اختبار يحملها بعض أبنائنا تسمح لمراكز قياسات الرأي لدى القطب العالميّ بمعرفة نسَب قبول اتجاهات التجديد بينها ومصادرها. وهؤلاء إمّا أن يفقدوا الأمّة ثقتها بالإسلام ويتابعون علاقتها به ليعملوا على تغيير استراتيجيتهم باستمرار بحسب ذلك ضعفًا وقوة، قلة وكثرة، لإتقان صناعة بالونات الاختبار حتى جعلوا الأمة في فوضى يسمونها خلاّقة، وما كانت الفوضى إلا مدمّرة.  هذا في إطار “مشروع حضاريّ نهضويّ إسلاميّ” لصالح هذه الأمّة لا لصالح الذين يريدون أن يلبسوها درعًا تحتمي به خوفًا على هُوِيَّتها وما بقي من معالم شخصيَّتها فلذلك فإنّني أدعو نفسي وسائر المعنيّين بالقضايا الفكريّة من أبناء الأمّة إلى ملاحظة هذا الأمر وتوظيف هذه المفاهيم توظيفًا سليمًا يخالف توظيف أولئك الذين يعملون لإيجاد الحوائل بين الأمّة وبين قبول تلك المحاولات الجادة المخلصة التي يقوم بها أبناؤها المخلصين، الذين يسعون وراء “التجديد الحقيقيّ والاجتهاد السليم وإحياء الفقه الإسلاميّ وإعادة تصنيفه بعد تصديق القرآن الكريم عليه ومراجعته في نور السنّة النبويّة المطهرة والسيرة العطرة”، فإذا لم توضع هذه الدعوات إلى “التجديد والاجتهاد والإصلاح والحريّة وحقوق الإنسان” وما إليها في “إطار مشروع حضاريّ نهضويّ إسلاميّ كامل” فإنّني أخشى أن تزداد نسبة السلبيّة في الأمّة نتيجة الضباب الذي يهيمن على كل شيء وتنكفئ إلى تراثها وتجعل منه بقطع النظر عن التمييز بين حسنه وغير الحسن مصدر حفظ هُوِيَّتها. والخاسر في كل الأحوال هي الأمّة التي هي أحوج ما تكون فعلًا إلى تجديد أصوليّ سليم يقوم على أصولها وثوابتها وإلى اجتهاد مخلص سليم يقوم به الصالحون من علمائها في مختلف المجلات والتخصُّصات لبناء مشروع حضاريّ كامل يهتدي بهداية القرآن المجيد ويستنير بأنوار السنّة، والباحثين المخلصين لها، وهؤلاء إن لم ينجحوا في تحقيق غايات ما أوكل إليهم فلا أقل من أن يشوهوا هذه المفاهيم ويوجدوا بين الأمّة وبين أبنائها المخلصين وغيرهم ما يخلط بين الغث والسمين ولقد أصبحنا نقرأ لماركسيّين سابقين مقترحات في تطوير الفقه الإسلاميّ ومقترحات لكيفيّة تقنينه، وفي السنّة النبويّة وفي الكتاب الكريم وأصبح البحث لا يستثني شيئًا ولا مصدرًا ولا علمًا من العلوم والمعارف الشرعيّة والنقليّة.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

رأيان على “مراجعة خطاب الإصلاح المعاصر”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *