Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

هل الدنيا أخت للآخرة أم ضرة لها؟

أ.د/ طه جابر العلواني

كثر في خطاب القرآن المجيد ذم الانشغال بالدنيا عن الآخرة؛ لأن الإنسان قد خلق من عجل وخلق ضعيفا، فهو يحب العاجلة؛ لأنه فيها وهي بين يديه فكان في حاجة إلى أن يُعلم ويدرب على النظرة السليمة المتوازنة، فلا يجعل الدنيا أكبر همه ولا مبلغ علمه ولا يسمح لها أن تستغرقه فينسى الله والدار الآخرة؛ لأن ذلك سوف يسلمه إلى النفس الأمارة ويجعلها القائدة لمسيرته في الحياة فيقبل على دار الغرور ويعرض عن دار الخلود وينصرف عن الدار التي يسعى للوصول إليها وينشغل بالطريق إليها. وما لذلك خلق ولا وجد في هذه الحياة ليفعل.

فغاية الحق من الخلق أن يهديهم سواء السبيل ويجعل من دنياهم مقدمة سليمة توصلهم إلى دار الخلد فهي طريق ومعبر وليس وطنًا ومستقر؛ لأنها لا يمكن لها البقاء ولا الاستمرار فالإنسان يعيش فيها ما شاء الله له أن يعيش ونهايته الموت، ويحب من يحب وما يحب لكنه سيترك ذلك كله وراءه وهو يغادر الدنيا وسوف يفارق كل أحبابه وملذاته ولا يجتمع بهم إلا في جنة عرضها السماوات والأرض وسوف يجازى على كل ما عمل فيها.

ولقد عرف تاريخنا كثيرًا من حركات الزهد، ومن المؤسف أنها تطرفت في نظرتها إلى الدنيا فأكثرت من ذمها والتحقير من شأنها وتناست وتجاهلت أن الدنيا مطية للآخرة ومعبر وطريق إليها، وأن الفوز في الدار الآخرة يتوقف على صلاح أعمالنا في هذه الدنيا واستقامتها وموافقتها لغاية الحق من الخلق، وقد زاد في التحقير من شأن الدنيا والتزيد فيها ما ترسخ في آدابنا وثقافتنا من ذمها، فهناك من يرى أنها دار الغرور وهذا صحيح إذا أقبل عليها ونسي الدار الآخرة، يقول قائل هؤلاء:

يا خاطب الدنيا الردية إنها                  شرك الردى

دار إذا ما أضحكت في يومها             أبكت غدا بعدا لها من دار

ويقول آخر:

عتبت على الدنيا لرفعة جاهل      وخفض لذي علم فقالت خذ العذر

بنو الجهل أبنائي لذاك رفعتهم    وأهل التقوى أبناء ضرتي الأخرى

وينسب إلى الزمخشري صاحب تفسير الكشاف:

صفت الدنيا لأولاد الزنا، ولمن يحسن ضرباً وغنا وهي للحر مخاض كدر

وهي للحر مخاض كدر غبن الحر لعمري غبنا

ونحن نريد من وسائل تعليمنا وإعلامنا أن تستمسك بالمنهج القرآني وهو منهج بين أن حياة الإنسان بدأت في عالم العهد أو عالم الذر ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (الأعراف:172).

وبعد عالم العهد جاء عالم الاستخلاف ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (البقرة:30)

وفي عالم الاستخلاف نحيا الحياة الدنيا ونتحمل الأمانة فمن أخذ الأمانة بحقها وأداها بحقها فقد فاز في المراحل التالية كلها، ومن خان الأمانة ولم يفي بها فقد ضاع وضيع وخزي وأخزى وأفسد على نفسه دنياه وأخراه. فالدنيا إذن دار البلاء والاختبار: ﴿ … لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ… (المائدة:48)، ﴿لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ… (الأنعام:165)، ﴿… لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً… (هود:7).

وإذا أحسن الإنسان الاعتصام بحبل الله في هذه الحياة الدنيا وعد الله أن يحيه حياة طيبة فيها، حياة المستقيمين ثم يحسن جزاءه في الدار الآخرة.

نخلص من كل ما تقدم أن الحياة الدنيا ليست ضرَة للآخرة ولا عدوا لها، بل هي مرحلة من مراحل حياتنا تقوم على أمرين هامين:

1-حمل الأمانة بحقها.

2-والنجاح في اختبار الابتلاء.

فمن رزق هذين الاثنين أحسن حمل الأمانة واستعد لاجتياز اختبار الابتلاء، فقد أفلح وفاز في سائر المراحل، ومن غفل عن نفسه أو أسلم القيادة لشهواته وشيطانه فقد سقط وانهار وخسر هنالك المبطلون.

فنحن في حاجة إلى ثقافة التوازن بين مراحل الحياة وخاصة الدنيا والآخرة،؛ ولذلك فإنه –صلى الله عليه وآله وسلم- أُثر عنه، بل كان جزءًا من سيرته ألا يكون رجل الدنيا وحدها ولا رجل الآخرة وحدها، ولكنه –صلى الله عليه وآله وسلم- رجل الدنيا والآخرة، وهكذا أمر الذين آمنوا به واتبعوه واتبعوا النور الذي أنزل معه. فإذا انتهى دورنا في الحياة بانتهاء آجالنا انتقلنا إلى مرحلة تالية، وهي مرحلة البرزخ والقبور بوابة الحياة الآخرة بانتظار البعث والنشور.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *