Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

هجران الأمَّة للقرآن، هل من سبيل إلى إزالة أسبابه؟

أ.د. طه جابر العلواني – رئيس جامعة قرطبة

قاعة رواق المعرفة- مركز الدراسات المعرفية

القاهرة: 18 رمضان 1428 هـ،/ 28سبتمبر 2007

 

في يوم من أيام رمضان المباركة وتلمساً لنفحاته الكريمة وإقبال المسلمين على كثرة الطاعات وتلاوة القرآن في تلك الليالي المباركة، رأى فضيلة الأستاذ الدكتور طه جابر العلواني انتهاز هذه الفرصة ليلتقي بكوكبة من الباحثين والمثقفين في مأدبة قرآنية بقاعة رواق المعرفية يوم الجمعة الموافق 16 رمضان 1428هـ / 28 سبتمبر 2007، تناول فيها موضوع بعنوان:

“هجران الأمَّة للقرآن، هل من سبيل إلى إزالة أسبابه؟”

وخاصَّة أن تعاطي جل المسلمون في هذا الشهر الفضيل للقرآن يقوم على التنافس في إنهاء وختم القرآن الكريم مرة أو أكثر دون الوعي بأهمية تدبر آياته والوقوف على المعاني والمفاهيم التي تساهم في تكوين الشخصية المسلمة الفاعلة والقادرة على تغيير واقع الأمة المرير، ومحاولة الأخذ بيدها إلى مصاف الدول المتقدمة، خاصة أن هذه الأمة أكرمها الله (جل شأنه) بأن أنزل عليها خاتمة الرسالات إلى البشر، كتاباً هادياً مرشداً قال فيه رسول الله: “إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا مأدبَته ما استطعتم. إن هذا القرآن حبل الله والنور والشفاء النافع. عصمةٌ لمن تمسَّك به ونجاةٌ لمن اتّبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوجّ فيقوَّم، ولا تنقضي عجائبه ولا يَخلقُ من كثرة الرد، اتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته كلَّ حرف عشر حسنات. أما إني لا أقول آلم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرفّ”. فهو يجمع لهذه الأمة خير الدنيا والآخرة، تتميز حضارتها -في حال الأخذ به- بنموذج حضاري أخلاقي لا مثيل له، وقد تحقق ذلك على أرض الواقع خلال فترات زاهية من تاريخ الأمة الإسلامية، خاصة أن البعثة المحمدية ولدت في شمس التاريخ وكل الظواهر المادية والمعنوية تدل على أنها كانت حضارة زاهرة مزدهرة.

ومن أجل ذلك كله كانت محاضرة أ.د. طه جابر العلواني ونترككم الآن بين يدي المحاضر في النص الكامل للمحاضرة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

هجران الأمَّة للقرآن، هل من سبيل إلى إزالة أسبابه؟

أ.د. طه جابر العلواني

 

الحمد لله رب العالمين، نستغفره ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. ونصلي ونسلم على سيدنا محمد عبد الله ورسوله وصفيِّه وخليله، الرحمة المسداة، والنعمة المهداة، والسراج المنير وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

ثم أما بعد، فإنَّ من أهم ما ابتليت به الأمَّة وأدى إلى بروز كثير من الأزمات، وظهور العديد من الظواهر السلبيَّة والمشكلات “حالة هجر القرآن” التي سقطت فيها من كانت تدعى “أمَّة القرآن” وترَّدت فيها حتى ألفتها فتحولت إلى حالة متأصّلة، وظاهرة ملازمة دون أن يشعر الكثيرون بها. فالكثيرون يرون أنَّ العلاقة بين القرآن والمسلمين ما تزال علاقة قويَّة متينة، إذ ما من دولة من دول المسلمين إلا وهي تقوم بطبع القرآن الكريم وتوزيعه بأعداد تقل أو تكثر، وتقوم في الكثير منها مدارس لتحفيظ القرآن الكريم والعناية به، وتقدم دروساً قرآنيَّة في مراحل التعليم بأشكال كثيرة وترصد الجوائز لحفظ القرآن وتجويده … إلخ. وبالتالي فإنَّ بعض الناس بل أغلبهم لا يستطيعون أن يلمسوا أو يسلّموا بأنَّ هناك حالة هجر بين القرآن والمسلمين، خاصَّة وهم يسمعون آيات الكتاب الكريم صباح مساء تنطلق من العديد من الفضائيَّات والمحطات الإذاعيَّة المتخصّصة بالقرآن الكريم أو المشتركة مع برامج أخرى. ولذلك فإنَّ حالة الهجر هذه قد لا يسلم الكثيرون بوجودها؛ لكنَّنا -مع أخذ ذلك كلّه بنظر الاعتبار- نؤكد أنَّها حالة قائمة. وأنَّ الدليل عليها سائر المظاهر السلبيَّة التي تنتشر في كياننا الاجتماعيّ كلِّه، وتنخر في سائر جوانبه من انحرافات في العلاقات بين الحاكم والمحكوم، وخروج عن موازين العدل والأمانة في كثير من النظم واضطراب في برامج التعليم والتنمية والاقتصاد والعلائق الاجتماعيَّة، وفساد في الأخلاق ونظم الحياة على اختلافها.

وأود أن أبادر لكي يكون قولي مفهوماً إلى القول بأنَّ أم المؤمنين عائشة حين سُئلت عن خلق رسول الله كيف كان وكيف تصفه؟! قالت كلمتها الحكيمة الوجيزة العظيمة: “كان خلقه القرآن” وهذا الذي قالته أمُّنا عائشة يمكن تعميمه في جميع جوانب الحياة. فإذا سئلنا عن اعتقاد رسول الله فقد كانت عقيدته القرآن. وإذا سئلنا عن تصوُّره فقد كان تصوره القرآن. وإذا سئلنا عن شريعته فقد كانت شريعته القرآن. وإذا سئلنا عن علمه فقد كان علمه القرآن. وإذا سئلنا عن عبادته فقد كانت عبادته القرآن. وإذا سئلنا عن سنّته وسيرته فإنَّ سنّته وسيرته هي القرآن. فالقرآن المجيد كان حاضراً مهيمناً بقوة في كل شأن من شئون رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- جليلاً كان أم دقيقاً، وكان حاضراً في كل شأن بحيث لا يمكن تجاهله أو تناسيه أو الإعراض عن استدعائه في أيّ شأن من الشئون دون تفريق بين ما يعد شأناً دنيويّاً أو شأناً أخرويّاً، غيبيّاً أو من عالم الشهادة فكانت حياته وحياة أهل بيته وآله وصحابته بصفة عامة القرآن، منه وبه يستمد النور، وبه تصاغ الحياة، وبآياته المحكمة ترسى دعائم المدنيَّة والحضارة، وتُبنى الأمَّة وتحقّق شهودها الحضاريّ؛ ولذلك كان القرآن المجيد مستقراً في القلوب، حاضراً في المشاعر والوجدان، متحرِّكاً في جوانب الحياة المختلفة. كانوا يقرأون ألفاظه فينزلونها على قلوبهم قبل ألسنتهم، ويديرونها في عقولهم وقلوبهم قبل أفواههم، ويكيّفون بها واقعهم قبل أن يقوموا بزخرفتها وطباعتها بأجمل الخطوط وأحسن الأوراق؛ لأنَّهم أدركوا أنَّ هذا القرآن إنَّما أنزل ليكون مرشد الإنسان وقائده لأداء مهامّه كلّها ابتداءاً من العهد الذي بين الله وبينه في عالم الذر: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف: 172). ثم ميثاق الخلافة في عالم الاستخلاف: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 30)، ثم مرحلة الالتزام بالأمانة عند عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ولما عرضت على الإنسان قبلها ورضي الالتزام بها: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ (الأحزاب: 72)، ثم قبول الإنسان مبدأ الابتلاء في مرحلة الابتلاء: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (الملك:2)، ثم مرحلة الجزاء الأخرويّ: ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ (الجاثية: 22). وفي هذه المرحلة يفترق الناس إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير. كما أدركوا جميعاً أنَّ هذا القرآن هو الهادي للتي هي أقوم في سائر مراحل الحياة، والمنير لكل سبلها، هو دليل هادٍ ملازم ضروريٌّ للبشر، لا ينفصل عن حياتهم، لئلا يضلوا، كما لا يمكن فصله عن الكون والأرض التي استخلف الإنسان فيها. وبالتالي فقد كان القرآن يشكل بالنسبة لهم الروح وآفاقها، والنفس وجوانبها، والحياة بكل ما فيها، والوجود بكل عناصره وما يعتمل فيه: فإذا قرأوه استدعوا وهم يقرؤونه ذلك كلّه، ولاحظوا الصلة بين القرآن وبين كل ذلك والتفاعل الذي يمكن أن يتم بينه وبين سائر تلك العناصر فيجتمع لهم وهم يقرؤونه استحضار أنفسهم وذكرها وتذكيرها، واستحضار الكون وما سخر الله فيه للإنسان، والمهام التي تنتظر الإنسان وهو يتحرك في هذه الأرض إلى أجل مسمى؛ فذكروا الله وذكروا أنفسهم، وذكروا البشريَّة الممتدة ما بين عالم العهد وعالم الجزاء، وذكروا الكون فبرزت لهم عظمة الخالق العظيم وتحققت لهم حالة الشهود، وفارقوا حالة الغياب التي يتيه فيها الغافلون.

أما القرآن -اليوم- فقد كثر قراؤه وقل الفاقهون فيه، وكثرت خطوطه ونافس بعضها بعضاً في الجمال والاستقامة وقل متدبّروه. وكثرت فضائيَّاته وإذاعاته وقل مرتلوه. وتوثقت العلاقة بألفاظه، وأهملت روحه ومعانيه، وكثر المنادون به وقل التالون له حق تلاوته المنفعلون به الذين يجعلونه نبراس حياتهم ومنطلق شهودهم وشهادتهم، وعطلِّت حاكميَّته، وأهملت شريعته.

المراد بالهجر:

الهجر والهجران من المفاهيم الهامة التي تعني مفارقة الإنسان غيره. وهذه المفارقة تكون بالبدن وباللسان وبالقلب والوجدان والمشاعر. ولذلك فإنَّه مفهوم يتعلق أحياناً بما هو حسيّ وأحياناً بما هو معنويّ، وقد استعمل القرآن المجيد المفهوم في الأوجه -كلّها- فمن الهجران الحسيّ والبدنيّ قوله تعالى: ﴿… وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ …﴾ (النساء: 34)، ومنه قوله تعالى: ﴿… وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ (المزمل: 10)، فالأمر يحتمل الثلاثة والوصف بالجميل يعطيه حرية الاختيار لنوع الهجر أو أنواعه دون التفريط بهذا الوصف وكذلك قوله (تعالى): ﴿..وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ (مريم: 46)، وقوله (تعالى): ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (المدثر: 5)، فهي حث على القيام بجميع أنواع المفارقة وبالأوجه كلِّها وقوله (تعالى): ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ (الفرقان: 30)، فهي شاملة للهجر باللسان وذلك بعدم القراءة، وبالقلب بعدم التفكُّر والتذكُّر والتدبُّر والتعقُّل والتلاوة والترتيل، وشاملة لهجر الألفاظ وهجر المعاني. ولعل لنا أن نستخلص من كل ما تقدم: أنَّ الأمَّة في وقتها الحالي وإن أكثرت من قراءة القرآن وطباعته ومدارسة تفسيره وقراءته وخصّصت المحطات القرآنيَّة والفضائيّات لترديد آياته، فإنَّها في حالة هجر للقرآن الكريم من حيث العمل به، وتدبُّر معانيه ودلالاته، ومعرفة المراد به وبناء الحياة بمقتضاه وإن انشغلت ألسنتها وأسماعها به. فذلك لا يخرجها من الاتصاف بحالة الهجر. ولن تخرج من ذلك حتى تصبح صلتها به ألفاظاً ومعاني وتأويلاً وتطبيقاً ومعايشة كاملة، فزوال وجه من أوجه الهجر لا يخرجها من صفة الهجر. وهجر القرآن خطيئة كبيرة وخطأ عظيم ما كان لمؤمن ولا مؤمنة أن يقع فيه، إذا تبين هذا فلابد لنا من تتبع مظاهر الهجر لنعرف كيف نتجاوزها، وكيف نتخلص منها، وكيف ننقذ أنفسنا من الوقوع بين أولئك الذين اتخذوا هذا القرآن مهجوراً.

 

من مظاهر الهجر للقرآن المجيد:

يُعد هاجراً للقرآن الكريم كل من لم يعرف قدره ويؤمن بذلك إيماناً قاطعاً يربط به على قلبه بأنَّ هذا القرآن المجيد هو المحجة البيضاء والمنهج الذي يهدي للتي هي أقوم في سائر الشئون والشجون، وأنَّه حبل الله المتين وصراطه المستقيم وأنه الكتاب المهيمن على ما سبق وما لحق، والمرجع للتصديق وإثبات الحق ونفي الباطل في سائر تراث الإنسانيَّة ورسالات النبيِّين ومعطيات الحضارات. ويعد هاجراً للقرآن من لم يؤمن إيماناً قاطعاً بأنَّه هدى للمتقين وبشرى للمؤمنين وهدى للناس كافَّة وبيّنات من الهدى والفرقان. وأن الله (عز وجلّ) نزله على قلب نبيِّه مصدِّقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين. ويعد هاجراً للقرآن من لم يوقن قلبه بأنَّه كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير. وأنَّه كتاب فصَّله الله (سبحانه وتعالى) على علمه فهو محيط بالوجود وحركته، مستوعب للإنسان واحتياجاته. ويعد هاجراً للقرآن من لم يوقن قلبه وعقله ووجدانه بأنّ هذا القرآن أُنزل بالحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور. وأنَّه لا ريب فيه ولا اختلاف فيه بالحق أنزله الله (سبحانه وتعالى) وبالحق نزل، وأنَّه نزل به الروح الأمين على قلب محمد؛ ليكون من المنذرين، وأنَّه لم يدخله حرف واحد من حروف شياطين الإنس أو الجن أو من غير الشياطين: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ (الشعراء: 210-212) وأن رسول الله ﴿.. تُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (النمل:6). ويُعد هاجراً للقرآن من لم يمتلئ قلبه بحبه، والتعلُّق بكل حرف فيه والإيمان التام بأنَّه أحسن الحديث ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 23)، وأنَّه شفاء لما في الصدور، وأنَّ كل آية فيه إنَّما هي آية تامة مثل الشمس ومثل القمر ومثل أيّ آية من آيات الله، وأنَّه نزل بالحق والميزان والشرعة والمنهاج، وأنَّه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم. ويعد هاجراً للقرآن من لم يؤمن الإيمان -كلّه- بأن الله قد ضرب للناس في هذا القرآن من كل مثل. وأنَّ هذا القرآن كاف للبشريَّة بمنطوقه ومكنونه وبكليّاته وتفصيلاته لو أحسنت البشريَّة التفكر فيه والتدبُّر لآياته، وأدركت أنَّه لو أنزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله، فالقلوب التي لا تخبت وهي تتلوه، ولا تخشع وهي تسمعه، ولا ترقُّ وهي ترتله ولا تلين وهي تقرؤه، إنَّما هي قلوب قاسية، النار أولى بها والويل لها. ويعد هاجراً للقرآن من لا يؤمن ويوقن بأنَّه واجب الإتِّباع وسبيل التزكية ومنبع الحكمة والبركة، وأنَّه الكتاب المبين والقرآن الحكيم دليل المتقين ومرشد المؤمنين لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لا ريب فيه صرَّف الله فيه للناس من كل مثل. وضرب الله فيه للناس من كل مثل ليحملهم على التفكُّر والتدبُّر. ويعد هاجراً للقرآن من لم يوقن بأن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم وأن اتباع غيره موصل إلى الضلال. ويعد هاجراً للقرآن من لم يؤمن بأن هذا القرآن كافٍ للمؤمنين لهدايتهم وتوحيد كلمتهم وإصلاح أوضاعهم وإحاطتهم بالرحمة وشمولهم بالمغفرة ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (العنكبوت: 51). ويُعد هاجراً للقرآن من الذي لا يذكر ربه في القرآن وحده، أو الذي لا يسمع له ولا ينصت ولا يسجد إذا قرئ عليه ولا تزيده آياته إيماناً ولا يخشع قلبه حين يسمعه أو يتلوه، ولا يجعل القرآن وبينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً. ويعد هاجراً للقرآن من لم يؤمن بأنَّ هذا القرآن قد قص على الأمم أكثر الذي كانوا فيه يختلفون فهو مرجع البشريَّة -كلّها- لحسم الاختلافات الأساسيَّة لا يمكن أن يكون المؤمنون على شيء حتى يقيموا القرآن ويتشبثوا بمنهجه ويؤمنوا بعصمته، وأنَّه الكتاب الذي أنزل ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ (الفرقان: 6)، وإنه لتذكرة للمتقين وذكر للعالمين ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (ص: 87-88). ويعد هاجراً للقرآن من لم يتله حق تلاوته ويرتله حق ترتيله ويؤمن باشتماله على الذكر الإلهيّ -كلّه- وأنَّه لا نسخ فيه ولا تبديل يعتريه، وأنَّه كلمة الله تمت صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته. وأنَّ كل ما جاء به هو الحق وهو الأحسن تفسيراً، وهو الأقوم في كل شيء. ويعد هاجراً للقرآن من لم يلتزم منهجه ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويؤمن به ويتَّبع سبيله ويتمسَّك بشرعته ومنهاجه، ويعتصم بسبيله وبحبله. ويعد هاجراً للقرآن من لا يجعله مرجعيّته في كل ما يأخذ وفي كل ما يدع وفي كل ما يحل وفي كل ما يحرم فهو الشرعة وهو المنهاج وهو الكافي الوافي في الأخلاق والسلوك ونظم الحياة وتحقيق العدل والأمانة.

القرآن والإصلاح:

إنَّ الأمَّة المسلمة منذ بدأت حالة الهجر الجزئيّ للقرآن الكريم وتجاوزتها إلى مساحات من الهجر أوسع تراجعت ففقدت وحدتها وعزتها وكرامتها في فترات كثيرة من التاريخ حتى بلغ التراجع غايته ومنتهاه. وفي عصرنا هذا قامت محاولات تجديدية وإصلاحيَّة كثيرة بعضها حاولت تقليد الآخر واتباع نهجه وسلوك سبيله فما زادها ذلك إلا خبالاً وتشتّتاً وتراجعاً ومع سائر المحاولات التي يقوم الآخر بها لتعزيز هذا الاتجاه فإنَّ الأمَّة قد اقتنعت الاقتناع التام بفشله وعجزه عن تحقيق أي خير لها.

وهناك اتجاه ثانٍ قام على رد فعل للاتجاه الأول تبنَّى فكرة إعادة قراءة التراث وفكّر بعقليَّة سكونيَّة بأنَّ في مقدوره أن يعيد إنتاج التراث، وتحقيق سائر النتائج التي تحققت في الماضي. وفي هذا تجاهل للسنن التي وضعها الله لهذا الكون وأنَّ الحياة سائرة إلى غايتها وأن أيَّ مخلوق في هذا الوجود لن يستطيع إعادة لحظة مرت، أو إعادة إنتاج ما وقع فيها. وأن التفاعل الذي يجري بين الواقع والإنسان والزمان والمكان والأحداث التي تنتج عنها إنَّما هي أمور لا يمكن إعادتها بشخوصها أو إعادة إحيائها فالدنيا مزرعة للآخرة، والناس بآجالهم والعصر الذي ينقضي يأتي عصر غيره. وكلا السبيلين يشتملان على هجر للقرآن الكريم سواء أكان سبيل تقليد واتباع باتجاه الجغرافيا أو باتجاه اتِّباع التاريخ لكن السبيل الوحيد للإصلاح والتجديد يبدأ بالخروج من هجران القرآن وإعادة قراءته وتلاوته حق التلاوة وترتيله حق الترتيل وتدبُّره وتحطيم أقفال القلوب به. واستخراج المقاصد القرآنيَّة وقراءته قراءة نبويَّة تتجلى فيها كليّات القرآن ومقاصده وقواعده. واتخاذه المصدر الأعظم لإعادة تشكيل الأمة، ومعالجة مشكلاتها، وإعادة بناء حياتها فكريّاً وثقافيّاً وعمرانيّاً وحضاريّاً، لأنَّ القرآن بما اشتمل عليه وبأنَّه المحجة البيضاء والنبيّ المقيم والرسول الدائم هو الذي سيقودنا إلى الهدى ودين الحق. ويمكنّنا من إعادة البناء والقيام بمهمة الاستخلاف وتحقيق الوسطيَّة والنهوض بالشهادة على الناس ولابد والحالة هذه من الجمع بين القراءتين: قراءة الوحي القرآنيّ والهدي النبويّ في اتباعه وقراءة الوجود بسننه وقوانينه وآياته -وآنذاك- سوف يرى الإنسان آيات الله البيِّنات في النفس البشريَّة والكيان الاجتماعيّ والبناء الأسريّ ومنهج تجديد حال الأمة وإصلاح شأنها كما سيرى ذلك في سنن الكون وقوانينه.

الأمم المصطفاة وخصائصها:

لقائل أن يقول: لِمَ يربط تقدمنا وتراجعنا بالقرآن المجيد وهناك أمم كثيرة لا تؤمن بالقرآن، ولا تعرفه وقد حققت لنفسها مستويات عالية من التنمية والتقدم؟! ونقول: إنَّنا أمة لم تنشأ عن فراغ بل إنَّنا امتداد لأمم سبقتنا فنحن ذريّة من بعدهم. ونحن ذريَّة من حمل الله مع نوح، ونحن على إرث من إبراهيم وبنيه. ولقد اصطفى الله آدم من بين الخلق ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين. وشاءت حكمته في مرحلة من المراحل أن يصطفي بني إسرائيل ويجعل منهم نموذجاً للعالم يمكن لأمم الأرض أن تراه وتتأثَّر به، وتحاول أن تكون مثله تتأسَّى به وتتبَّعه، وتسلك سبيله لكن التجربة الإسرائيليَّة قد فشلت لأنَّ بني إسرائيل بعد أن استوفوا مؤهّلات الاصطفاء بما صبروا، وجعل الله منهم أئمة وأنبياء وخلفاء وملوكاً وقعوا في حالة هجر لما أوحى إليهم، وخصام مع النبيّين الذين جاؤوهم بذلك الوحي، ونسيان وتناسيٍ لبعض ما أنزل إليهم، وتنكروا للتوراة، وتغيّرت علاقاتهم بالكتاب إلى مثل علاقة الحمار بالكتاب لا يملك إلا أن توضع على ظهره حملاً قد يشعر بخفته أو ثقله ليس إلا، أما فهمه واستيعاب معانيه، أو العمل به والسير بمقتضاه فذلك أمر لا تجيده الحمير، ولذلك فقد قام الله باستبدال تلك الأمَّة بنا، وإزاحتها عن موقعها ليحلّنا محلها فينظر كيف نعمل!! وقد حذّرنا أن نسلك سبيلهم، أو نقع فيما سقطوا فيه، وضربهم لنا مثلاً فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الجمعة: 5)، وقال في استبدالهم بنا: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (فاطر: 32) لنكون الأمة البديل عن بني إسرائيل فلا نسلك سبيلهم، ولا نسقط فيما سقطوا فيه. فنحن أمة اصطفانا الله ورثة لرسالاته فلا نملك أن ننصرف عن هذه الحالة أو أن نتابع الأمم الأخرى.

ومن حيث العلاقة الحماريَّة بالكتاب الكريم فإنَّهم قد سقطوا في أمرين عظيمين:

الأول: أنَّهم نسوا حظاً مما ذكروا به فتقطعت بينهم روابط الأمَّة، وأغرى الله بينهم العداوة والبغضاء، وجاءتهم المصائب من كل جانب فتقطعوا في الأرض أمماً وتشتتوا في جوانبها أشتاتاً بعد أن جمعهم الله في أرض قدّسها.

الثاني: أنَّهم هجروا كتبهم المنزلة التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى وقالوا: ﴿… رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ …﴾(سبأ:19وحملوا ما أنزل الله إليهم من كتب حمل الحمير، وفقهوا دينهم بمنهج بقريّ -أشارت إلى ذلك قصة البقرة-. وما ذكر الله قصصهم لنا بكل تلك التفاصيل وأعادها مراراً إلا ليحذِّرنا من الوقوع فيما سقطوا فيه. ومن المؤسف أن كل تلك التحذيرات الإلهيَّة والتنبيهات النبويَّة التي وُجّهت إلى أمتنا جرى نسيان بعضها، وتجاهل البعض الآخر منها فسقطت أمتنا في الخطيئتين اللّتين سقط فيهما من سبقنا: نسينا حظاً مما أنزل علينا فأغرى ذلك بيننا العداوة البغضاء، وتحلَّلت روابطنا وتفككت علاقاتنا. ثم رجعنا للسقوط في الحالة الأخرى وهي حالة إقامة العلاقة الحماريَّة مع القرآن الكريم بدلاً من العلاقة الإنسانيَّة. والعلاقة الحماريَّة إذا كان لها أن تنتج فقهاً أو فهماً في الكتاب فإنَّ الفقه الذي تنتجه والفهم الذي توجده لا يتجاوز خصائص “الفقه البقريّ” الذي أشرنا إليه. فهل من سبيل إلى تغيير حالة الهجر ووضع حدٍّ لها ونهاية، والعودة إلى القرآن من جديد؟

والجواب اليسير أن نعم؛ إنَّ ذلك ما زال ممكناً بإذن الله ويمكن القيام بما يلي للوصول إلى بعض هذه الغاية، أو الاقتراب منها.

أولاً: لتحقيق ذلك علينا أن نبدأ بإعادة بناء معرفتنا بالقرآن المجيد وذلك بأن ندرك عن اعتقاد يقينيّ أنَّ القرآن المجيد تركه الله فينا بعد رسوله، وبعد ختم النبوة ليكون النبي المقيم والرسول الخالد يحمل إلينا الهداية والتسديد والترشيد والمنهج القويم في كل ما نحن بحاجة إلى هداية وتسديد وترشيد فيه من شئون وشجون الدنيا والآخرة.

ثانياً: اليقين بأنَّنا سوف نجد في القرآن سبيل الهداية إلى كل ما نحن بحاجة إلى الوصول إلى سبيل الهداية فيه فإنّه ما تنزل بأحد من أهل الأرض نازلة إلا وفي القرآن المجيد سبيل الهدى والطريق الأقوم لمعالجتها.

ثالثاً: أن نوقن بأنَّ القرآن الكريم يكفينا عما سواه، ويغنينا عما عداه فنقرؤه وكلّنا ثقة بأنَّنا سوف نجد بغيتنا فيه وسوف نحصل على مرادنا منه إن شاء الله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (العنكبوت: 51)، ولا ينبغي أن تستعجل النتائج ونحن نقرأ القرآن، بل نصبر ونقرؤه وننتظر كرمه ونفهم أفهامنا وطاقاتنا، لا القرآن المجيد، ونستمر بالتلاوة والترتيل والتدبُّر حتى يفتح الله لنا من كرم القرآن ومن رحمته ما يفتح.

رابعاً: أن ندرك أن لهذا القرآن مداخل عديدة لتلاوته “حق التلاوة” وترتيله حق الترتيل ولابد لنا من ملامسة هذه المداخل وإدراكها والتدرُّب على استعمالها، وتذوق حلاوة التلاوة في استحضارها، ومنها: مدخل العبادة، ومدخل الأزمة، ومدخل الجمع بين القراءتين أو القراءات، ومدخل القيم والمقاصد وما إلى ذلك.

كما أن للقرآن المجيد منهجيَّة معرفيَّة قد اشتمل القرآن على محدّداتها لابد للقارئ من إدراكها وفهمها والتدرُّب على استعمالها ومن هذه المحدِّدات “التصديق والهيمنة والاستيعاب والتجاوز”. والمسلمون اليوم أحوج ما يكونون لإعادة بناء علاقتهم بالقرآن بشكل سليم، ووضع حد لحالة الهجر والفصام بينهم وبينه وإزالة سائر العوائق والحجب بينهم وبينه. وأن يدركوا أنَّ القرآن الكريم وإن كان الله قد يسره للذكر لكن قارئه يحتاج مع ذلك التيسير إلى إدراك خصائص القرآن ومعرفة القرآن والإلمام بمنهجيَّته وإدراك خصائص خطابه لعله يتمكن من الوصول إلى حالة النظر الخالي من الشوائب التي تحول بين قلب الإنسان وبين فهم معاني القرآن وملامستها.

خامساً: إنَّ القرآن المجيد “لا يمسُّه إلا المطهرَّون” و”المطهّرون” غير “المتطهرين” فالمتطهّر هو: من طهَّر نفسه بنفسه وهو أمر مطلوب ولاشك مع القرآن المجيد؛ أمّا “المطهَّر” فهو من طهَّره الله أو من طهّره غيره.

والقرآن المجيد أنزله الله على قلب نبيّه لأنّه العضو الوحيد في الإنسان القادر على استقبال وتلقي “القول الثقيل” كما أنزله الله، ولابد من تطهره ليتلقّى القرآن الحكيم؛ وهذا التطهّر يقتضي التطهر من الموانع كلّها، ومنها: إبعاد الشياطين ووساوسها عنه، وتنقيته من الأفكار والمسلّمات المغايرة، فهذا الكتاب لا تخالط بشاشته ومعانيه القلب اللّاهي المشغول بسواه، ولا يعطي نفسه لقلب لا يسمع له، وينصت، ولا تغشى أنواره قلباً يعصف به اللّغو فلا يصفو له.

والقلب الذي يستقبل القرآن الكريم قلب لابد أن يستولي عليه الشعور بأنّه حين يقبل على القرآن إنّما يقترب من حضرة القدس، فالقرآن كلام الله فإن لم يشاهد حضرة القدس، ولم يسمع فإن الله منزل القرآن بسمعه ويراه. فعليك أن تدرك أنّه يسمعك إن أحسنت التلاوة فتلوت القرآن حق تلاوته أو أسأت الترتيل؛ فإن رضي الله تلاوتك طهّرك، وهيأ قلبك لاستقبال نفحاته، وجعل بينك وبين الذين لا يؤمنون حجاباً مستوراً فلا يصلك أذاهم ولا ينال منك مكرهم. وطهّرك تطهيراً، وأعانك على استكمال مؤهّلات مسّ معاني وأنوار الكتاب المكنون، وهيأك للعروج إلى عليائه، والانفعال التام به، وجرى في قلبك ووجدانك مجرى الدم فقوّم تصوّرك، ووضحّ رؤيتك، وصحح عقلك ونقَّى عقيدتك، وبارك وأنار فكرك، وتظل تقرأ وترتقي حتى تجد نفسك وكأنّك تلقّى القرآن من المتلقي الأول له . فقراءة وتلاوة وترتيل القرآن الميسَّر للذكر “حق التلاوة” لابد لها من تطهير ربانيّ لا يحظى به إلا المطهرون ﴿…وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال: 2).

والله ولي التوفيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *