Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

نحو مشروع حضاري

أ.د/ طه جابر العلواني

حين تبلغ الأمَّة حالة من حالات تفسخ أو تشظّي حضاري وتفكك فتتجاوز مرحلة الانقسامات القوميَّة والإقليميَّة والطائفيَّة لتدخل في مرحلة  تشكيل كيانات هزيلة لا تعرف لها هدفًا، ولا تستطيع أن تحدد لنفسها غاية، أو ترسم لذاتها مقصدًا، كما لا تستطيع أن تدرك شيئًا من خصائص أمتها ولا العصر الذي تعيش فيه، فضلًا عن العالم القائم، تصبح أهم خدمة يمكن أن تقدم لبقايا هذه الأمَّة التي بلغت حالة التفكّك أن نحدّد لها هدفًا، ونرسم لها غاية، ونضع بين عينيها مقصدًا، يمكنها تفهمه واستيعابه وحشد ما بقي لها من طاقات باتجاه تحقيقه.

فهذه الظواهر والانقسامات التي نشهدها مثل ظاهرة داعش وقبلها القاعدة، ومعها وبعدها ما يقرب من مائة حزب وحركة وتوجه، تتوزع وتتقاسم فيما بينها أبناء الأمَّة وطاقاتهم، فلا تزيدها إلا انقسامات جديدة، وتوزع بين اتجاهات متباينة متضادة، لا تؤدي إلا إلى مزيد من التفكك والتفسخ وتظل الانشطارات تسير بها من مستوى إلى آخر، حتى تتحول إلى مجرد أفراد، لا وجهة لهم، ولا هدف، ولا مقصد، ولا غاية، يسيرون خلف كل ناعق، تتجاذبهم الأهواء، وتضطرب بينهم الآراء.

فإذا كانت هناك مشاريع إصلاحيَّة تجديديَّة فستجد نفسها بتأثير تلك الظواهر والشظايا محاصرة بأفكار لا جذور لها إلا في ماض سحيق، تظهر أو يظهرها هؤلاء لمحاصرة وتفريغ أي مشروع إصلاحي جاد، مثل مشروعنا. في هذه الحالة لابد من التفكير بمشروع يستطيع أن يخرج شظايا هذه الأمَّة وبقاياها من هذا الضياع أو التيه، الذي يجعلها تعيش حالة التمزق هذه والتفسخ والانشطارات التي لا تتوقف.

واعتقد أنَّ مشروعنا في المعهد بكل ما تفرع عنه وأضيف إليه أو اتصل به من مشاريع فرعية تلتقي عند العمل على معالجة الأزمة الفكريَّة، لتكون هذه المعالجة منطلقًا لمعالجة الأزمات الأخرى المتعددة.

 وحين نستلهم سيرة النبي الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) باعتباره القائد للتي هي أقوم، نجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن أعلن دعوته، وأخبر الناس باصطفائه نبيا ورسولا، بشيرًا ونذيرًا، دون أن يفارق حالته البشريَّة، اتخذ سبيلين: سبيل الإعلان عن الرسالة والرسول، وتلاوة الوحي النازل عليه من آيات الله على الكافة، وذلك حين كان يذهب إلى المسجد الحرام ليقرأ على الناس ما أنزل إليه من ربه، والسبيل الثاني هو إذا أسلم أحد ذهب إلى دار الأرقم حيث يقوم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بتعليم أصحابه الكتاب والحكمة، ويزكيهم به، ويعدهم للمراحل القادمة.

 أخذ ذلك الإعلام والتعليم ما يقرب من ست سنوات، علم الناس فيها أنَّ محمدًا (صلى الله عليه وآله وسلم) نبي ورسول، وعلموا جوهر تلك الرسالة، وهو التوحيد، وتزكية الناس، ووضعهم على طريق القيام بالاستخلاف، والعمران، والوفاء بالعهد الإلهي؛ فآمن به في السنوات الست الأولى هذه ما لا يزيد عن أربعين شخصًا، نساءا ورجالا، ومعظمهم من الضعفاء، والأرقاء، ومن إليهم.

في السنة السادسة بعد أن أسلم حمزة وعمر وكان بين إسلامهما ثلاثة أيام فقط؛ استأذنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخرجا بهؤلاء المسلمين ويقودوا هذه المجموعة المؤمنة للطواف بالبيت الحرام، والصلاة فيه، فرحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك الاقتراح، وأمر المجموعة أن تنقسم إلى صفين، يتقدم أحدهما حمزة، ويتقدم الثاني عمر، وإذا كانت أساليب قريش في مقاومة الدعوة كانت تقوم على إيذاء من يعلنوا إسلامهم وتعذيب الضعفاء فهنا قد ثبت لهم أن أساليبهم تلك لم تحل دون انتشار هذه الدعوة، والرسالة ونجاحها في تكوين مجموعة متماسكة مهما قل عددها، لكن تماسكها وتضامنها ووحدتها وتنوعها جعل قريشًا تشعر بأنَّ عليها أن تغير كل شيء، وأن تضع سياسات أخرى تتعامل مع الظاهرة خارج دائرة الفردية، فكانت مرحلة محاصرة المؤمنين في شعب أبي طالب، وما جرى في ذلك خلال سنوات الحصار الثلاثة.

أوردت ذلك لأشير إلى أنَّ مشروعنا في المعهد نستطيع أن نقول: بأن ما مضى منذ التأسيس أو قبل التأسيس قد أدى إلى التعريف بالفكرة الأساسية والمؤسسة وأهلها، وتحققت إنجازات على مستوى الأفكار والأشخاص والأشياء، لكن من الواضح في ظل ما يجري أنَّ المشروع الآن مثل سائر مشاريع الإصلاح مهدد بالمحاصرة الشديدة التي قد تفرض على الجيل الذي سيستلم منا إحداث تغييرات كثيرة نفضل أن نترك شيئا من المعالم التي تساعد الجيل التالي على الاستفادة من التراكمات التي حدثت ووضعها في إطار مؤثر، يسمح للمشروع لا للبقاء فقط بل بالبقاء وتطوير نفسه لمواجهة التحديات الجديدة المنتشرة في عالم اليوم، الذي لم يعد المؤثر فيه مؤثر محلي أو جزئي أو خاص بالمسلمين، بل صار مؤثرًا عالميًّا، قائمًا على قواعد تفكير عالمية مشتركة، بكل سلبياتها وإيجابياتها، فإذا تسلم الجيل الثاني هذه المؤسسة فإن لدي خشية أن ينتهي المشروع على يديه إلى وجهة أخرى غير ما حدد من الرعيل الأول؛ ولذلك فإنني أقترح أن نأخذ بنظر الاعتبار خمسين سنة قادمة، نضع لها مشروعا حضاريا ذا مرجعية قرآنية فحسب، هذا المشروع يستهدف إعادة بناء الأمة من جديد، باعتبارها أمة.

ومن الواضح أن تصور المدينة ووثائق المدينة في العهد النبوي ليس هو التصور الممكن التنفيذ، لكنه تصور يمكن أن تستخلص بعض الدروس والعبر منه، ويعاد البناء وفقًا لمعطيات هذا العصر والعصور التالية له، وتبدأ بالبناء على ما تحقق، وتستهدف إيجاد وعي يلاحظ الانقسامات التي آلت الأمة إليها، فهناك عرب وهناك فرس وكرد وعالم ملايو وأقليات خارج الدار التي كانت تسمى بدار الإسلام، ويمكن أن يعمل مشروع من دراسات وحلقات علمية وندوات لإحياء مفهوم الأمة لدى هذه العوالم كل بحسبه، فلعالم الملايو خصوصياته، وللعالم العربي خصوصياته، وللأقليات خصوصياتها، المهم أن نبني المشروع على دعامتين أساسيتين في البداية: دعامة القرآن، والأمة، دون تجاهل لدور التوحيد والتزكية والعمران في هذا المجال.

التوعية بالقرآن الكريم: من أجل أن نعيد بناء المرجعية الواحدة للأمة. والوعي بالأمة: من أجل أن نتبين ونعزز ونقوي جميع المشتركات بينها، ونعمل على تقليص أسباب الاختلاف والتقليل منها، وتأتي مرحلة أخرى يجري فيها التوعية بأسلمة المعرفة وبناء نظرية المعرفة المشتركة مع ملاحظة كل تلك الفروق والإعداد للخروج من حالة الأمية والتمزق الفكري والثقافي والانقسام حول الاتجاهات الحضارية وبناء قواعد تفكير مشتركة بين مكونات الأمة كلها، من عرب وترك وفرس وعالم ملايو وأقليات.

أظن أنَّ المثال الذي يمكن الاستفادة به لوضع مثل هذا التخطيط بشكل تفصيلي هو تشكيل المجموعة الأوروبية الذي بدأ فكرة، وانبثق عن إحساس الأوروبيين بالأزمة، نتيجة حربين عالميتين وقعتا في نصف قرن، كما أنَّ التجربة الأمريكية تجربة يمكن استخلاص بعض الدروس منها، وعمليات الوعي بالأمة يمكن أن تستوعب قضايا مشتركة كثيرة، منها ربط ديار المسلمين كافة بشبكات مواصلات واتصالات، والمناداة بالاستثمار في المحيط الإسلامي بدلا من الاستثمار خارجه، وبيان فوائد ذلك بدراسات علمية متقنة، وإيجاد وعي لدى رجال المال والأعمال والدول والحكومات بتلك الفوائد وما إليها[1].

 والله الموفق

 

[1] فإذا كان الاقتراح من حيث الجملة مفيدا فقد يكون من المناسب أن تكتب ورقة عمل يخط

مسودتها أبو أيمن وأستطيع المساهمة فيها مع ناصرة أخرى يمكن طرحها حينما

يُقر المبدأ”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *