Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

نحو تجديد الخطاب القيميّ

أ.د/ طه جابر العلواني

بين يدي الموضوع:

“نحو تجديد الخطاب القيميّ” ونريد به ما يريد الناس بـ “تجديد الخطاب الدينيّ”، وقد آثرنا استعمال “الخطاب القيميّ” على الخطاب الدينيّ لأنَّه الأقرب للتعبير عن حاجاتنا وخطواتنا نحو التجديد، وهو أولى من العنوان الآخر: “الخطاب الدينيّ”، لأنَّه عنوان محمَّل بالإيحاءات الّلاهوتيَّة الغريبة عن ديننا وحضارتنا وثقافتنا؛ ولأنَّ “الخطاب الدينيّ” بإطلاقه قد يثير مخاوف عند بعض الباحثين من أبناء الأمَّة الذين يؤمنون بأنَّ الدين وضع إلهيّ لا يحق للبشر إدخال تعديلات عليه أو حذف منه أو إضافة إليه.

وهذا أمر لا خلاف فيه ولكنَّ المحيط الإسلاميّ بمجموعه قد يتبادر إلى ذهنه عند الإطلاق إطلاق “الخطاب الدينيّ” الكثير من الظلال ومن المخاوف، وهنا يصبح “الخطاب القيميّ” أقرب إلى الفهم وإلى المراد من “الخطاب الدينيّ”، فالدين وصفه القرآن المجيد بأنَّه دين قيم: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(الأنعام:161).

ولأنَّه إذا جعلنا الهدف “تجديد الخطاب القيميّ” فإنَّ ذلك يوجد مكانًا لمثقفي الأمَّة -كلها- في هذه العمليَّة الجادة: عمليَّة تجديد الفكر والثقافة والمفاهيم، ونظريَّة المعرفة، وأساليب الاستفادة من مصادر المعرفة لتقديم “خطاب قيميّ” مؤثِّر وفعَّال ومنتج، ولا يجعل الأمر قاصرًا على المختصين بالتعليم الدينيّ، وآنذاك نوفر الكثير من أوقاتنا عن أن تهدر في الجدل بين المعنيّين لبيان من يحق لهم المشاركة في عمليَّات تجديد الخطاب ومن لا يحق لهم ذلك أو ينبغي استبعادهم، فالمفاهيم المغلوطة المنحرفة المتغلغلة في ثقافة المسلمين وفكرهم ومعارفهم ونظم حياتهم كثيرة جدًا لا تقتصر على المفاهيم الدينيَّة، بل تشمل بعضها وشيئًا من غيرها منها: مفهوم “التوحيد” و”التزكية” و”العمران” و”الدعوة” و”الدار” و”الوطن” و”الجهاد” و”القتال” و”الخلافة” و”المشروع الإسلاميّ” و”التمكين” و”تقنين الشريعة” و”مفهوم الشريعة” و”المعارف النقليَّة” و”مفهوم الجاهليَّة” و”مفهوم دار الإسلام” و”دار الحرب” و”أمَّة الدعوة” و”أمَّة الإجابة” و”القوانين الوضعيَّة” و”التكفير” و”التفسيق” و”البدعة” و”السنَّة” و”دار الإسلام” متى تصير “دار حرب”؟ (أي تقسيم الأرض) و”المحرم” و”المقدس” و”الوحي” و”الإلهام” و”الواقع” و”رؤيا المنام” و”الألوهيَّة” و”الربوبيَّة” و”الصفات” و”الأسماء” و”النبوة” و”الهداية” و”الضلال” و”الإعجاز” و”التشريع” و”القيم” و”النظم” و”الحقوق” و”الواجبات”.

 وهناك مفاهيم أخرى كالإحباط واليأس والتلوث والإرهاب والأمن الفكريّ والأمن الغذائي وأنواع الأمن الأخرى والهُوية والانتماء والتقدُّم والتخلُّف والتجديد والتقليد والاجتهاد والحريَّة والديموقراطيَّة والدكتاتوريَّة والاستبداد والقدر والجبر والاختيار والفساد والصلاح والباطل… إلى آخر تلك القائمة الطويلة التي تحتاج إلى جهود مشتركة؛ لنتمكن من استكمالها وحصرها، دون غلق الباب أمام الإضافة إليها والزيادة عليها، ففي كل يوم نقذف بمجموعة من المفاهيم التي تستحق العناية والفهم كالإصلاح والتغيير والشفافية والتنمية والفساد الإداري… إلى آخر ذلك. وهناك مؤسَّسات أكاديميَّة غربيَّة ومراكز بحثيَّة ذات علاقة بمؤسَّسات سياسيَّة اجتماعيَّة غربيَّة وإعلاميَّة تكاد تكون متفرغة لنحت المفاهيم وصياغتها وترويجها وإدخالها في المسارات الثقافيَّة.

لمَ يطالب المسلمون اليوم بتجديد خطابهم الدينيّ؟

لقد حُمِّل الإسلام والمسلمون في الآونة الأخيرة مسؤوليَّة إشاعة الإرهاب، وعرقلة الديمقراطيَّة، وانتهاك حقوق الإنسان، وتدمير بعض القيم العالميَّة، وقد أنفق المسلمون ومفكروهم سحابة القرن العشرين الماضي بأفكار “المقاربة والمقارنة”، وإبراز التوافق بين المفاهيم الغربيَّة والمفاهيم الإسلاميَّة دون جدوى، فتلك المراكز التي تصنع المفاهيم كثيرًا ما تعتمد على تصورات وهميَّة تمليها أسباب مختلفة، غالبًا مّا تكون أسبابًا غربيَّة، ويضغط على المسلمين بها ليقدموا تفاسير مقنعة لتلك الظواهر الوهميَّة التي يتم تصنيعها وقذف العالم بها، وتفترض مراكز إنتاج المفاهيم في الغرب أنَّ الإسلام هو المكون الرئيس للثقافة الإسلاميَّة، وأنَّ الدين يمارس دورًا أخطر من دور الأيديولوجيَّات الغربيَّة في صنع الثقافة الإسلاميَّة، وأنَّ الفئات الإسلاميَّة كلها سواء أكانت تنتمي إلى ما أطلقوا عليه “الإسلام السياسيّ” أو تيارات أخرى فإنَّها جميعًا ذات أيديولوجيا، والأيديولوجيا أعلنت مراكز صناعة الأفكار والمفاهيم موتها بعد فشل الماركسيَّة واللينينيَّة وتفكك الاتحاد السوﭬـيتي، فكأنَّ المناداة بتكوين تكتلات على أساس إسلاميّ صارت أيديولوجيا بديلة، وهنا يحمّل الإسلام مسؤوليَّة تأثير الموروث الدينيّ في ثقافة الناس فيؤثر في المتدينين بحكم تديّنهم ثم يتجاوزهم إلى غير المتدينين فيؤثر فيهم؛ لأنَّ من طبيعته أن يؤثر في ثقافة المجتمع ككل، فظاهرة الاستبداد في المنطقة العربيَّة تبرز أحيانًا على أياد دينيَّة وبنفس القوة أو بمثلها تبرز على أياد علمانيَّة أو ليبراليَّة؛ لأنَّ الجميع يستندون إلى موروث حضاريّ واحد منطلق في الأساس من تصورات إسلاميَّة و”ثقافة العنف” لدى المسلمين مولود شرعيّ للشريعة الإسلاميَّة:

وذلك الموروث الإسلاميّ يستخدم الأدوات الحديثة نفسها ويعايش نفس التفاعلات مع الحضارات والمجتمعات الأخرى.

في حين أنّ الخطاب الغربيّ المركزيّ حول “الإسلام”، ما هو إلّا تصوّرات الغرب الاستشراقيّة ذاتها حول الإسلام، فغدا مصطلح الإسلام مصطلح مُفرغ الدلالة، فهل هو اسم للدين الإسلاميّ، أم لما يسمّى “الإسلام السياسيّ”، أم يدلّ على مساحة جغرافيا سُمّيت، كولونياليًّا، “الشرق الأوسط”؟ فكما يوضّح إدوارد سعيد في كتابه “تغطيّة الإسلام” (١٩٨١) بأنّ: “لم أستطع أن أكتشف فترة في التاريخ الأوروبي أو التاريخ الأمريكي منذ العصور الوسطى ناقش أحد فيها الإسلام أو فكر فيه خارج إطار صاغته العاطفة المشبوبة، والتعصب، والمصالح السياسية، وقد لا يبدو ذلك اكتشافًا يدعو إلى الدهشة، ولكنه يضم في ثناياه جميع ألوان المباحث العلمية والأكاديمية التي كانت منذ مطلع القرن الثامن عشر تطلق على نفسها أسمًا كُليًا هو مبحث الاستشراق أو كانت تحاول، بانتظام، دراسة الشرق. ولن يختلف أحد مع القول بأن أوائل الذين علّقوا على الإسلام، مثل بطرس المبجل وبارتليمي دربيلو، قد اتخذوا موقف المجادلة المسيحية المشبوبة فيما قالوه. ولكن أمامنا افتراضًا لم ينظر أحد في صحته يقول إنه حين تقدمت أوروبا والغرب فاتخذت خطواتها في العصر العلمي الحديث، وحررت نفسها من الخرافة والجهل، كانت مسيرتها بالضرورة تتضمن الاستشراق. أليس صحيحًا أن سيلفستر دي ساسي، وإدوارد لين، وإرنست رينان، وهاملتون جب، ولويس ماسينيون، كانوا من الباحثين والعلماء الموضوعيين، وأليس صحيحًا أن من آثار التقدم الذي شهده القرن العشرون بشتى ألوانه في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا واللغويات والتاريخ أن أصبح الباحثون الأمريكيون الذين يقومون بتدريس الشرق الأوسط والإسلام في جامعات كبرى مثل برنستون وهارفارد وشيكاغو، بالضرورة، غير منحازين ولا يمارسون الدعوة إلى شيء فيما يفعلونه؟ أما الإجابة عندي فهي بالنفي.

وليس ذلك لأن الاستشراق أكثر تحيزًا من العلوم الاجتماعية والإنسانية الأخرى؛ لكنه وحسب، مثل غيره من المباحث المذكورة، له سماته الأيديولوجية ويتأثر مثلها بالعالم من حوله.

أما الفارق الأوحد فهو أن باحثي الاستشراق يبادرون باستخدام مواقعهم، باعتبارهم خبراء، في إنكار (وأحيانًا حتى في إخفاء) مشاعرهم العميقة تجاه الإسلام بلغة الثقات التي تهدف إلى الشهادة (بموضوعيتهم) وكذلك (بحيادهم العلمي)”.

هنا يصبح الخطاب الدينيّ أو القيميّ في حاجة ليصاغ بشكل سليم وفق فهم جديد نتفق عليه لذلك الموروث الحضاريّ. وحين أقول: كلنا، أريد المتدينين والعلمانيّين الليبراليّين على حد سواء؛ لأنَّ ذلك الموروث الحضاريّ قد أثر فينا جميعًا إيجابًا وسلبًا.

إنَّ ما نسميه بالتراث ونطلقه في مقابل المعاصرة ليس تراثًا بالمعنى الدقيق إلا في الحاضر الذي نعيشه، أمَّا في سياقه التاريخي فإنَّه لم يكن تراثًا بل كان حاضرًا في زمانه سميناه تراثا في ضوء الحاضر الذي نعيشه في ضوء فهم المعاصرين فقط واستدعاءهم له. وهذا الاستحضار والفهم يغير التراث تغييرًا جذريًا عما كان عليه في الأصل؛ لأنَّه في هذه الحالة يفهم بعيدًا عن سياقه وبمصطلحات لم تكن موجودة عند إنتاجه، ويضفي عليه إسقاطات وتأويلات معاصرة فلنتأمل في هذا الجانب بشكل دقيق، ولعل ذلك ما حفز ابن خلدون أن يقول: “وإذا تبدَّلت الأحوال جملة فكأنَّما تبدَّل الخلق من أصله، وتحول العالم بأسره، وكأنَّه خلق جديد، ونشأة مستأنفة، وعالم محدث”[1].

إنَّ التراث لم يكن عنصرًا فاعلًا في تجربة “التحديث” ولم يكن مسؤولًا عن الحيلولة بين الشعوب المسلمة و”التقدم ونجاح محاولات التحديث والتحول الديمقراطيّ” بل كان التراث عنصرًا منفعلًا. وقد تعمد الليبراليّون والعلمانيّون في بلاد المسلمين دفع التراثيّين نحو الفشل والمعارضة والانزواء بأساليب عديدة، وحاولت تلك القوى أن تنفرد عنهم بالهيمنة على عقول الناس بكل الوسائل المتاحة وتجهيل الناس بدلًا من تنويرهم، ومخاطبة غرائزهم بدلًا من عقولهم، ولم تتورع عن استخدام الكذب البواح لتجنيد الناس ضد “الحداثة وضد التقدم وضد التحول الديمقراطيّ”؛ ولذلك فإنَّ سياسة التجهيل هذه كثيرًا ما اتخذت وسيلة لإنقاص نسبة التدين في بلاد المسلمين أدت إلى فشل الجميع المتدين وغير المتدين ولم يعد ما يقدمه المتدين وغير المتدين قادرًا على تقديم ما يساعد على تشكيل العقليَّة الجماهيريَّة؛ ولذلك فقد آن الأوان أن تُراجع جميع المكونات الثقافيَّة للمتدينين وغير المتدينين لليسار واليمين لليّبراليين وللقوميّين.

ثم لا بدّ من التنبيه على أنّ “التراث” نفسه قد تمت إعادة إنتاجه من قبل المفكرين العرب المسلمين منذ القرن التاسع عشر. بمعنى أنّ التراث غدا نفسه “مقولة” مملوءة برغبات الباحثين، وليس شيئًا قائمًا بذاته.
( من الممكن هنا أن نستعير تلك الفكرة التي تحدث عنها ميتشل في كتابه “التراث والحداثة” لفهم كيف تشكل التراث من قبل المستشرقين ثم المفكرين العرب، يعتبر ميتشل أن تراث أمة يصنع بإخراج الأمة منه، فكي يتحول هذا التراث ل “معرض”، لابد أن يخضع لتشكيل يفرغه من كل حيوية وحركة، ولعل هذا يظهر تماما لو نظرنا كيف أصبح التراث الإسلامي شديد الغنى والتعقد والحيوية والاستمرارية مجموعة من لافتات عريضة وتقسيمات محددة عن معقول ولا معقول، برهان وبيان وعرفان، مشرق ومغرب، إلي آخره من تصنيفات أفقدت هذا التراث حيويته)

 إنَّ هناك اتجاهًا قد تجذر بين الفصائل الليبراليَّة جعل “المتلبرلين” يقفون مكتوفي الأيدي لا يدافعون عن الحريَّات المدنيَّة، ولا يعرفون من الليبراليَّة أصولًا ولا مبادئ، ولا يعرفون مدى علاقتها بالحريَّة وبالتحرر، كل ما يعرفونه عنها التعصب للمجتمعات التي وصفت نفسها بأنَّها ليبراليَّة وأضافت لها مسحة العداء للدين مع أنَّ العداء للدين لم يكن جزءً من الأصول النظريَّة للّيبراليَّة ولا من مبادئها، فإذا تنبه العاملون على تجديد الخطاب إلى بعض هذه القضايا فسيدركون -إن شاء الله- أنَّنا في أمس الحاجة إلى تجديد ثقافة شعوبنا كلها وإعادة النظر فيها كلها وآنذاك سوف نجد أنَّ إطلاق الخطاب القيمي على هذه المحاولات هو الأولى والأجدى -إن شاء الله تعالى. وإلا فليكن “تجديد الخطاب الثقافيّ الشامل”.

لا أقول هذا لأبرئ نفسي وزملائي وأبنائي الأزهريّين، أو أنأى بنفسي وبالأزهر وأبنائه عن المسؤوليَّة عن الجزء المتعلّق بنا من الخطاب، بل لأبيّن أمرًا واقعًا لابد من الوعي به وهو المسؤوليَّة المشتركة عن صياغة الخطاب، وتحديد منابعه ومصادره، وأنَّه خطاب متداخل مركَّب يشترك فيه التعليم بكل أنواعه، والإعلام بسائر مستوياته وأدواته والأسرة والمجتمع والدولة، وما لم يقم كل بما عليه وتتحمل كل جهة مسؤوليَّاتها مع حسن التنسيق والتدبير فإنَّنا لن نحصل على النتائج التي نريد، ولن نحقق أهداف “التجديد”.                

[1]        بن خلدون 326.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *