Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

نحن والحداثة

أ.د/ طه جابر العلواني

لقائل أن يقول: ما الذي يحملنا على تناول قضيتي الحداثة وما بعد الحداثة في دورة خُصصت للبحث في تجديد الخطاب الدينيّ الإسلاميّ؟

والجواب: أنَّ موضوع الحداثة عندنا هو عبارة عن موضوع “العلاقة بين الإسلام والمسلمين والقوى المهيمنة على العالم”؛ ولذلك فلابد لمن يعيش في هذا العالم اليوم أن يتناول الحداثة باعتبارها الإطار الفكري والنظري لعالم اليوم؛ ولذلك فإنَّ علينا أن ندرك حقيقتها وماهيَّتها ومغزاها وآثارها في جوانب الحياة المختلفة، ونظمها المتنوعة؛ وذلك لأسباب كثيرة عدا ما ذكرنا، منها:

  • ما أحدثته الحداثة من اختلاف نوعي يقدم “الصيرورة” مدخلًا من مداخل الفهم لسائر التغيرات التي تجري في العالم، فالاختلاف بين الماضي والحاضر ليس اختلافًا كميًّا فحسب، ولا تسيطر الصيرورة وحدها عليه، بل هو اختلاف نوعيٌّ تسيطر عليه الصيرروة، وما تحدثة من آثار.
  • هناك ظواهر سلبيَّة كثيرة بدأ العالم يستقبلها ويتعايش معها منها: العنف، وآثاره المتعددة، والضياع، وتفكك الروابط، والأنانيَّة المستبدة والمفرطة، وظواهر كثيرة شديدة الخطورة برزت في الثقافة البشريَّة وعمليَّات إبادة للطبيعة، صارت تهددها بشكل جدي.
  • سيادة المال وطغيانه على الإنسان والطبيعة.
  • الانفجارات المعرفيَّة، والأعاصير المعرفيَّة والمعلوماتيَّة، بحيث صار الإنسان يشعر بالعجز عن متابعة المعرفة، وانفجاراتها العنقوديَّة التي لا تتوقف.
  • الصراع على القطبيَّة العالميَّة.

هذه الظواهر وكثير غيرها ارتبط ظهورها وبروزها بهيمنة الحداثة التي صارت تفسيرًا مقنعًا لمعرفة كثير من هذه الظواهر، وارتبطت بها معظم التغيُّرات الكبرى التي حدثت في عالمنا، منها: انهيار الاتحاد السوﭬـيتي في أواخر القرن الماضي، وبروز ظاهرة القطب الواحد للعالمين، وإعلان ذلك القطب لعالم غيبه الجديد في الحريَّة والديمقراطيَّة، وقبول آثار العولمة الاقتصاديَّة التي برزت باعتبارها أهم ظاهرة اقتصاديَّة مهيمنة، وتطور الوسائل الإعلاميَّة تطورًا مذهلًا، مما فرض على سكان الأرض أن يعملوا على فهم الحداثة وتحديد علاقتهم بها، ومعرفة ما إذا كان من الممكن الفصل بين أسس الحداثة، ومصادرها، ومقتضياتها النظريَّة، ومنجزاتها الماديَّة، ومحاولة معرفة ما إذا كانت مما ينفع في الاستفادة بها التقليد ونقل الأشكال، وهل يكون ذلك هو الموقف الملائم أو أنَّ الموقف الملائم هو الانزواء عنها وتركها تمر حتى تصل نهايتها؟ وكيف يمكن التأثير في واقع يعيش تحت ظل سيادتها؟ وهل يمكن الفصل بين المنتج الماديّ والفكرة التي كانت وراءه؟

ما هي الصلة بين الإسلام والحداثة، والخطاب الدينيّ الإسلاميّ والحداثة؟

يقتضي ذلك أن نحدد المراد بالإسلام، والمراد بالحداثة، لندرك طبيعة الصلة التي يمكن أن تقوم بينهما، فما الإسلام؟ هل نريد به بناءه النظري القائم على العقيدة، والشريعة، والمنهاج، والنابع من خطاب الله وبيان رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو يراد به الكيان البشري في بعديه الفردي والجماعي، أو يراد به الإسلام كما برز في الواقع التاريخي لأمَّة الاستجابة، أو في الواقع المعاصر الذي نعيشه، أو يراد بذلك تحديد العلاقة مع القرآن المجيد والسنَّة النبويَّة، اللذان يبرزان باعتبارهما المصدر المنشئ للأمَّة والباني لها، أو يراد الثقافة الإسلاميَّة بمفهومها العام.

ولنصل إلى تصور لذلك فلابد لنا من فهم المراحل والحقب التاريخيَّة التي مر بها تاريخنا المعرفي، فأولها المرحلة القرآنيَّة، التي انتهت بوفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وثانيها مرحلة الخلافة على منهاج النبوَّة، وهي خلافة الشيخين، وست سنوات من خلافة عثمان –رضي الله عنهم أجمعين، ولا نعني بذلك إخراج مرحلة الإمام علي من الارتباط بتلك الحقبة، بل أن نميِّزها بأنَّها كانت إضافة إلى محاولة المحافظة على وجود خلافة على منهاج النبوَّة محاولة مقاومة ما استجد من شئون، لإعادة الأمر إلى نصابه، واستمرت هذه المحاولة إلى أن تنازل الإمام الحسن لمعاوية بشروط، لتبدأ مرحلة أو حقبة أخرى، ويمكن تسمية مرحلة ما بعد الخلافة الراشدة بالمرحلة التأويليَّة، والتفسيريَّة، ثم جاءت مرحلة الفقه، والاستنباط، والاجتهاد.

فمع أي منها تبرز علاقة الحداثة؟ وهنا لابد لنا من الإشارة باختصار شديد إلى بعض معالم النظام المعرفيّ القرآنيّ، فالنظام المعرفيّ القرآنيّ يقودنا إلى معرفة أنَّ الإنسان منذ علَّم الله آدم الأسماء كلها يدور نشاطه العلميّ والمعرفيّ في أربعة مجالات معرفيَّة:

 الأول: الاكتشاف، فالجهود المعرفيَّة الإنسانيَّة تستهدف دائمًا الكشف عن مجهول لتجعله معلومًا ومعروفًا للإنسان، والعلوم كلها والمعارف كلها تصبح هدفًا لمحاولات الاكتشاف الإنسانيّ، وذلك شامل لجميع أنواع المعارف، سواء أكانت معارف دينيَّة أو إنسانيَّة، أو اجتماعيَّة، أو طبيعيَّة، أو أي نوع من أنواع المعرفة، فكل جهود الإنسان في طلب العلم والمعرفة تستهدف الاكتشاف، مطلق اكتشاف.

أمَّا الهدف الثاني: فهو التطبيق، وذلك عن طريق البحث في كيفيَّة تفعيل المعرفة المكتشفة، وتطبيقها عمليًّا، وما الذي سيجنيه الإنسان من هذه المعرفة، في حياته وسلوكه، وأعماله، وتحسين نظم حياته.

ثالثًا: تحويل المكتشف إلى شيء يمكن تعلُّمه وتعليمه، وتناقله، والمراكمة عليه، أي إنتاج معرفة قابلة لأن تدوَّن وتقرأ وتدرس وتتناقلها الأجيال، ويستطيع الناس نقدها والإضافة عليها والحذف منها بعد أن يتم تداولها، وينضجها العلماء والمتعلمون بحواراتهم وجهودهم، ويكتشفون قصورها من عدمه، فلا تصاب المعرفة بالجمود والركود.

رابعًا: أن يبلغ حد الرضا؛ ولذلك خلق الله الإنسان طُلعة بطبعة، فإذا بلغ هذا المستوى فإنَّ حاجته إلى الركون إلى معرفته والإحساس بأنه قد أخذ منها بنصيب وافر يشعره أحيانًا بالرضا عن النفس والاكتفاء، ويدفعه أحيانًا لمزيد من البحث والشعور بالحاجة إلى المعرفة ليبلغ مستوى يطلق عليه في بعض الأحيان مستوى “التكامل المعرفيّ” أو بلوغ حالة “الثَلَج”.

والحداثة علَّمت الإنسان “التفكيك” باعتباره مدخلًا من مداخل الاكتشاف، والتعلُّم، والمساعدة على التطبيق؛ ولذلك بدأت تطرح قضيَّة الوثوق بالمعرفة ومصادر هذا الوثوق بها، واعتبرت التفكيك مدخلًا من مداخل الكشف عن وسائل الوثوق بالمعرفة المكتشفة، وظنَّت أنَّ عليها أن تبدأ بتفكيك المسلمات الكبرى في التاريخ، والدين، ثم الطبيعة والإنسان، لتكتشف ذلك كله، وتكتشف ما فيه، ثم تعود إلى تركيبه مرة أخرى، بعد أن تكون قد اكتشفت كل ما فيه، وتمكَّنت من معرفة أجزائه وعناصره.

وفي تلك المرحلة لم يعنها كثيرًا البحث عن قضيَّة التركيب، وهنا أصبح الدين ومصادره والمعرفة الدينيَّة بكل أنواعها هدفًا للاكتشاف والتفكيك، وإعادة النظر في كل شيء، لكي تتبين ما يمكن أن يكون مقبولًا وموثوقًا لديها، وتسبغ عليه -آنذاك- ما تشاء من أوصاف العلميَّة والموضوعيَّة والوثوقيَّة، أو تكتشف أنَّه لا يملك شيئًا من ذلك فتتهمه بالأسطوريَّة والخرافة، وعدم الوثوق.

ونلاحظ هنا أنَّ القدرة على التفكيك لم تصحبها قدرة في المستوى نفسه على التركيب.     

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *