Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

مدخل العقيدة والشريعة، والحلال والحرام

 

من مداخل تدبر القرآن المجيد

مدخل العقيدة والشريعة، والحلال والحرام

أ.د/ طه جابر العلواني

استعمالنا لكلمة العقيدة هنا بناءً على ما هو شائع وإلا فإنَّنا لا نستبدل بمفهوم القرآن أي مفهوم، والقرآن المجيد قد أطلق مفهوم الإيمان على أركان الإيمان وقواعده، أولئك كتب الله في قلوبهم الإيمان ﴿.. أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ .. (المجادلة:22)، وجرت عادة المعاصرين من مستشرقين وإسلاميّين أن يطلقوا كلمتي العقيدة والشريعة يريدون بالعقيدة ما يؤمن الإنسان المؤمن به، ويربط قلبه على أركانه، وهو في القرآن المجيد لا يجاوز الأركان الخمسة، التي وردت في قوله (جل شأنه): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا (النساء:136) وهذه هي الأركان التي جاء القرآن المجيد بها، ولم يزد عليها ولم ينقص، ونجد آيات القرآن المجيد تؤكِّد على هذه الأركان، وتدعوا الخلق إلى الإيمان بها، واليقين بكل منها، ولا يقبل في أي منها ريب أو شك أو نزول عن درجة اليقين، وقد أكَّد عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلَّمنا كيف نربط قلوبنا على كل ركن من هذه الأركان في الحديث المعروف بحديث جبريل، وهو حديث تعليميّ، صح واشتهر عند كثير من المحدثين[1].

 وأمَّا الشريعة فإنَّها تشمل جوانب الإسلام كلها، ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ (الشورى:13)، وهذا هو الأصل القرآنيّ في إطلاقها، وقد ألف الناس من عهد جيل التلقي إلى يومنا هذا أن يطلقوا كلمة الشريعة على ما فيه تشريع، وتقنين، وتنظيم لشئون وشجون الحياة كلها، فتشريع العبادات والمعاملات والجنايات والسلوكيَّات، والأسرة وتنظيم المجتمع كلّه يندرج تحت مفهوم الشريعة، فكل شئون الحياة وشجونها التي تتعلق بالإنسان من أول ولادته حتى وفاته دائرة بين الإيمان والشريعة، حتى المباحات إنَّما هي جزء من الشريعة من حيث كونها لم يأت بها تحريم ولا إيجاب ولا ندب ولا كراهة، فكانت على الإباحة.

 فإذا دخلنا إلى السورة من مدخل الإيمان والشريعة فإنَّنا سنضع أنفسنا على أول طريق الفهم، فنصف آيات السورة تندرج تحت مفهوم الإيمان، وآيات تندرج تحت مفهوم الشريعة، وعند ذاك يصبح القارئ المتدبِّر على وعي بما هو مقبل عليه، وقدرة على الكشف عن العلاقات بين الآيات الكريمة، وفهمها فهمًا عامًّا، فما يتعلق بالإيمان عليه أن يربط قلبه عليه برباط وثيق، ويتفقد على الدوام تلك اليقينيَّات، ويتعلم استدلالات القرآن الكريم عليها، ومناهجه في الاستدلال، وسيجد أنَّ القرآن المجيد في بعض السور يذكر هذه الأركان كأن يذكر شيء من صفات الله (جل شأنه)، ويستدل على وجوده ووحدانيَّته، وألوهيَّته، وربوبيَّته، بأدلة الخلق والإيجاد، والجعل والإحياء، والإماتة، والبعث والنشور، ويبين للعبد ربوبيَّته، وهو يستدل بدليل العناية، به وكيف جعل له الأرض مهادًا ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (النبأ:6)، والسماء بناءً، وسقفًا محفوظًا ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (الأنبياء:32)، وأنزل به من السماء ماءً، فأخرج به من كل الثمرات ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الرعد:3)، وخلق الأرض وما فيها وما عليها لتكون ميدان استخلاف له، ومجالًا بحيث يمشي في مناكبها، ويأكل من أرزاق الله (جل شأنه) والأقوات التي قدرها فيها، ويستدل بأدلة الإبداع التي ذكرها القرآن الكريم على وحدانيَّة المبدع الإله الرب، المتفرِّد بالعظمة والجلال، آنذاك تتبين له آيات الكتاب، وتبرز مفاهيمها، ويعطيه القرآن من كرمه بمقدار ما يتعمق بتدبُّره، فإذا جاء إلى التشريعات أدرك أنَّ الحكم لله (جل شأنه)، وأنَّ الكتاب الكريم هو المصدر الأوحد المنشيئ للأحكام، فالحكم لله لا شريك له، والإيمان به، والشرع شرعه، والأمر أمره، وهو الذي حدد لكل فلك مداره، فالنبوَّة والرسالة تدور حول التلقي والبلاغ، والتأسي، وضرب المثل، وتقديم نماذج الاقتداء، وألوهيَّته (سبحانه وتعالى) تجعل الحاكميَّة المطلقة له (جل شأنه)، لكن من رحمته أودعها في كتابه، وأمر البشر بتلاوة هذا الكتاب وتدبُّره، وقراءته، ومعرفة ما فيه من أحكام، وتشريعات، والله (تبارك وتعالى) لا تقيد كلماته قواعد اللغويين والنحويين والأصوليين، ومن إليهم، فللقرآن المجيد أساليبه في بيان التشريعات، وتفصيل الشرائع، ومن فضل الله (جل شأنه) أن فصَّل لنا في هذا الكتاب ما أمرنا به، وما نهانا عنه، وما حرم علينا، وما أباح، ورسول الله (صلوات الله وسلامه عليه) قد وضع لنا السنن والقواعد التي تعلِّمنا كيف نتلو الكتاب، وتعلِّمنا كيف نفهمه، وتعلِّمنا كيف نعمل به، ونجعل من آياته وتشريعاته واقعًا عمليًّا نحياه ونعيشه.

فالإيجاب قد يأتي بصيغة الأمر افعل، وقد يسبق بحرم، وقد يأتي في إطار المثل، أو القصة، فإنَّ في الأمثال أحكام كثيرة، وفي القصص عبر ودروس، والقارئ المتدبِّر مطالب بأن يتدرب على ذلك ويتعلمه، لكي يتمكن من إدراك معاني القرآن المجيد، وكذلك التحريم قد يأتي بصيغة النهي لا تفعل وقد يأتي مسبوقًا بالتنفير وقد يظهر في قصة أو مثل وإنَّ في الأمثال لحكم كثيرة، وأحكامًا كثيرة، ولذلك فإنَّ التدبُّر لابد أن يكون مقترنًا بالوسائل والأدوات التي تسمح للإنسان أن يأخذ الدرس وأن يتعظ، وأن يتعلَّم منهج القرآن في التناول، وهذا مدخل في غاية الأهميَّة، وادِّعاء أيَّة تشريعات إضافيَّة تحرم ما أحل القرآن، أو توجب، أو تندب إليه، أمر مرفوض، وأي تشريع يوجب أو يأمر بما لم يأذن به الله فإنَّه تشريع مرفوض، لا يقبل، ولا يؤبه به، وعلى مستوى التدبُّر فإنَّ الإنسان إذا ما ارتقى إلى مجال القدرة على التمييز بين الآيات الكريمة وميَّز آيات الكتاب الكريم على أساس ما يتعلَّق بالإيمان وما يتعلَّق بالشريعة، فإنَّ بصيرته ستنمو، وفهمه سيتسع، وعلمه سيمتد، وفوق كل ذي علم عليم.

وهذا المدخل إذا حدث الوعي به فلن يكون الناس ألعوبة بأيدي أصحاب الدعاوى الكاذبة، ولن تجتالهم الشياطين، ولن يتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، يحلون لهم الحرام أو يحرمون عليهم الحلال، فذلك كلّه سيحصنهم مستوى وعيهم بالقرآن الكريم من الانخداع به، ويحول بينهم وبين اجتيال الشياطين لهم، والله أعلم.

والشريعة والإيمان من المداخل المرتبطة بالإخلاص المطلق لله (جل شأنه)، فيجب أن تخرج من دائرة الشعارات والمزايدات، ومحاولات إحراج الناس بعضهم لبعض، لتكون خالصة لله (جل شأنه)، فلا يلج إلى رحاب القرآن من هذا المدخل أو بهذا المدخل من لم يجد لذة الإخلاص في قلبه وعقله ونفسه ووجدانه، فقد هلك المراؤون، وهلك الذين يشركون بعبادة ربهم أحدًا، وهذا المدخل من المداخل التي تفتح باب المقارنة، بين ما أرسى القرآن دعائمه من قواعد الإيمان، وبين ما زاده وأضافه المضيفون، وبين أحكام الشريعة التي جاء القرآن بها وعمل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على تنفيذها كما أنزلت وبين ما أضافه المتعالمون، والذين لم يكتفوا بالكتاب العزيز، كما أنَّ هذا المدخل يوجد حدًا فاصلًا بين شريعتنا وشرائع من قبلنا، وتظهر فيه خصائص هذه الشريعة، من تخفيف ورحمة ووضع للإصر والأغلال، وتحريم للخبائث، وإباحة للطيبات.

 

[1] “بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات يوم، إذ طلع رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا نعرفه، حتى جلس إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأسند ركبته إلى ركبته، ووضع كفيه على فخذيه، ثم قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، ما الإسلام؟ قال رسول لله (صلى الله عليه وآله وسلم): الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، فقال الرجل: صدقت، قال عمر: عجبنا له يسأله ويصدقه، ثم قال: يا محمد أخبرني عن الإيمان، ما الإيمان؟ فقال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، فقال: صدقت، فقال: أخبرني عن الإحسان، فقال: الإحسان أن تعبد الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك، قال: فحدثني عن الساعة متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البناء، ثم انطلق، فقال عمر –رضي الله عنه- فلبثت ثلاثا، ثم قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يا عمر ما تدري من السائل، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ذاك جبريل –عليه السلام- أتاكم يعلمكم دينكم” الراوي: عمر بن الخطاب، المحدث: البيهقي، المصدر، السنن الكبرى للبيهقي، الصفحة أو رقم الحديث (10/203)، خلاصة حكم المحدث: ثابت وله شواهد كثيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *