Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

كيف نحقّق التوازن بين ثقافة الحقّ والواجب

بقلم: طه جابر العلواني

هل ثقافتنا ثقافة حقوق أم ثقافة واجبات؟ هل التّفاضل سنّة في الوجود؟ هل هناك تفاوت بين البشر، أم أنَّهم متساوون تمامًا؟ وهل لهذا التفاوت أثر في تحديد أدوارهم في هذه الحياة؟ لقد خلق الله الإنسان وأَوْكل إليه خلافة الأرض وأتمنه على حريّته، وكلّفه، وأمره ونهاه وابتلاه بذلك، وجعل مهمّته في الحياة أن يُوحّد الله -جلّ شأنه- ويعبده وحده لا شريك له، وأن يُزكّي نفسه وبيئته ويُطهّرهما، ويُزكّي تصوّره واعتقاده ونظم حياته وسائر ما يحيط به. ومن تكايف التزكية، العمران بإحياء مَوَات الأرض، وإعمارها، وعدم إهمال شيءٍ منها، خاصّة وأنَّ الخالق العظيم قد خلق فيها كل ما يؤدي إلى إعمارها إذا شاء الإنسان أن يفعل ذلك، فإذا تجاوز مهمّته، أو فعلها بغير الطريق المرسوم، أو أخلّ بها بأيّ نوع من الإخلال، كان الفساد والخراب -بكل أشكاله- نصيب الأرض، فيُفقد الأمن فيها وتضطرب عمليّات الإنتاج والتوزيع اضطرابًا يجعل البشر عاجزين عن الحصول على أقواتهم منها أو تأمين استقرارهم فيها.

وللإنسان -إضافة إلى حقيقته الإنسانيّة الكليّة المشتركة- صفات طبيعيّة وخِلْقيّة لا تأثير له فيها ولا اختيار؛ فأن يُخلق الإنسان طويلاً أو قصيرًا، أبيض أو أسمر، جميلاً أو أقل جمالاً، تلك كلها صفات طبيعيّة خِلْقيّة تتعلّق بتقدير العزيز العليم، الذي خلق الكون وقدّر فيه كل شيء تقديرًا، فكأنّ بين يديه -جلّ شأنه- خارطة -إن صحّ التعبير- يحتلّ الإنسان فيها موقعًا، وكذلك الطبيعة والأرض بما فيها ومَنْ عليها، وهذه الخارطة هو وحده -جلّ شأنه- المتحكّم فيها: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (الفرقان:2). إنَّ  إمكانيّة إيجاد قناة في مصر، تربط بين البحار_ تدعى فيما بعد قناة السويس_ أو وجود آبار بترول في جزيرة العرب وما حولها، ووجود مناجم ذهب وفضة وغيرها موزعة على مختلف بقاع الأرض، وكذلك الأنهار والمحيطات، كلّ هذه الأمور وأمثالها داخلة في خارطة التسخير الإلهي والتقدير الربّانيّ، والجانب الجبريّ من الإنسان الذي سميناه بالخلقيّ والطبيعيّ داخل في هذا، فتجد شعبًا أكثر ميلًا من شعوب أخرى للهو واللعب والرياضة وما شاكل، وتجد شعبًا آخر أكثر ميلًا للزراعة أو الصناعة أو ما ماثل ذلك؛ لأنَّ تقدير العزيز العليم لهذه الأرض هو التكامل والتفاعل والتوازن باعتبار وحدة البشريّة ووحدة المبدأ والغاية التي تجعل من الميزان والتوازن هدفًا وغاية ووسيلة وقيمة أساسيَّة في علاقات البشريَّة التي أكد الرُّسل كافَّة أنّها تنتمي إلى أب واحد وأم واحدة وربّ واحد، وتأخذ أدوارها في هذه الحياة بتقدير ذلك الرب الواحد -تبارك وتعالى- وتخطيطه وتيسيره وإرادته.

وقد قدّر العزيز العليم أن يكون الإنسان بطبيعته طموحًا، يتطلّع دائمًا إلى أن يكون الأفضل وإلى أن يتفوّق على سواه، وقد برز ذلك واضحًا في المثل الهام الذي ضربه الله -تبارك وتعالى- لنا في ابني آدم وتقريبهما القربان، وكيف طغتْ الرّغبة في الوصول إلى موقع الأفضليّة فجعلتْ من أحد الأخوين حاسدًا شرّيرًا، وحوّلته إلى قاتل غاشم جاهل فيما بعد، ولهذه النزعة الخطيرة المغروسة في طبائع هذا الإنسان أن تدخل في نظام التكامل فتكون خيرًا ويكون عائدها تنافس في الخيرات وسعيًا وراء معالجة الأزمات وحلّ المشكلات وكسب الطيّبات واستقرار الحياة، فالصفات الُخلُقية ميزان يعدل نظام الحياة وسير الإنسان فيها ويكسب الإنسان -إذا شاء- ما يخرجه من آثار كثير من القضايا الخِلقيّة التي لا كسب للإنسان فيها، فالقضايا الخُلُقيّة بمثابة الميزان الذي يعدل الكفة، ويضع كل شيء في نصابه، ويستطيع الإنسان أن يُكسب نفسه أفضل الصفات الخُلُقيّة، ويضع نفسه على الطريق السويّ، ويهتدي في سبل الحياة، ويُعوّض أي نقص خِلْقي قد يكون اعتراه _ وذلك إذا أراد وهيأ نفسه لذلك، وتيسّرت له عوامل أخرى. فإذا طرحنا سؤالاً خطيرًا وقلنا: هل الأصل في البشريّة التساوي بين جميع أفرادها دون استثناء، أم الأصل فيها التفاضل، وعلى أيّ شيء يقوم التفاضل، أيقوم على الصفات الخِلْقية أم الخُلُقية، الأصليّة أم المكتسبة؟ نستطيع القول إنّ التساوي يمكن أن يكون ثابتًا في المبادئ العامّة، فلا شك أنّ البشر متساوون في الحقيقة الإنسانيّة، فلا فرق بين جنس وآخر، ولون وآخر، ولغة وأخرى: “كلّكم لآدم، وآدم من تراب”، فنحن متساوون في المبدأ والمعاد والجزاء عند الله -سبحانه وتعالى- لا شك في ذلك: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ (آل عمران:195)، ومتساوون في الكرامة الإنسانيّة، ثم بعد ذلك تصدّق الصفات الخُلُقيّة ذلك أو تنفيه، فإذا استقام الإنسان تمّت له الكرامة وإذا أشرك بالله ما لم يُنزّل به سلطانًا، واستكبر عليه وعلى آياته وكفر برسله فإنّه -آنذاك- يستحقّ أن يُطلق عليه نجس: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (التوبة:28)، وهذا كلّه لا يعود إلى حقيقة الإنسان، بل إلى صفاته المكتسبة الخُلُقيّة. أمّا ما نتفاضل فيه فهو أمر موجود في الإنسان والحيوان والنبات والشجر وكل ما خلق الله سبحانه وتعالى، ففي طعوم الفواكه يقول جلّ شأنه: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (الرعد:4)، وفي الرّسل، وهم جميعًا رسل الله يحملون للنّاس رسالاته، لكن الله -جلّ شأنه- قد قال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (البقرة:253)، فهذا التفضيل للرسل بُني على الأدوار التي أُسند لكل رسول آداؤها والقيام بها.

وحين ندرس أوضاع المسلمين اليوم نجد أنّ ثقافتهم هجينًا وخليطًا مركّبًا من ثقافات عديدة أهمّها ثقافة هذا العصر الغربيّة في جوهرها ومنشئها وتجلّياتها وانعكاساتها، وقد نشأت هذه الثقافة الهجين فينا  بعد أن انحسرت عنّا تأثيرات ثقافة القرآن ، وداخلتنا  ثقافات أخرى امتدت في الفراغات الموجودةلدينا، فأصبحت  ثقافتنا ثقافة حقوق في المقام الأول؛ وذلك ناشئ عن التأثر بالحضارة الغربية التي حفل تاريخها  باضطهادات الإنسان للإنسان،  ، بحيث اتجهت كل حركات الإصلاح والتحرّر في الغرب لأن تضع في مقدمة أهدافها كيفيّة استرداد تلك الحقوق المستلَبة وحِميتها وتعزيزها، فسادت تلك الأفكار، وبرزت شعارات حقوق العمَّال، وحقوق أرباب العمل،وحقوق المرأة، وحقوق الأطفال، وحقوق الخصوصيَّة، وحقوق الدولة. فوُجد الإنسان الذي ينظر انطلاقًا من بُعْدٍ واحد، وهو إنسان تربى -في الأصل- على أن يكون ذا بعد واحد، واحتل جانب الحق ذلك البعد وسيطر عليه، وقد كان لذلك ما يسوّغه في بعض المراحل التاريخيَّة، ولكن ذلك الاتجاه قد بقي هو الغالب، حيث صار هناك للإصلاح مطلب آخر ألا وهو كيف نوجد التوازن الذي فُقد بين ثقافة الحقّ وثقافة الواجب. فثقافة الواجب قد تأثّرت إلى حدّ كبير بطغيان ثقافة الحق، خاصَّة بعد أن حصلت بعض الفئات المهمّشة على حقوقها، ومن هنا نجد -حين نلاحظ التطورات التي تجري في الحركات النسوية في الغرب على سبيل المثال- نوعًا من الطغيان المهدِّد لبقاء الأسرة لدى النسويَّات اللَّواتي امتلأتْ عقولهن وقلوبهن بثقافة الحقّ، فلم تعد تسمح لهن إلا برؤية ثقافة الحقوق وتجاهل ثقافة الواجب، مما أدّى إلى حدوث كثير من الظواهر التي جعلت نسبة تفكّك الأسرة في الغرب ترتفع في أمريكا بين البيض إلى ما جاوز الــ60%، وبين الأفروأمريكا ما جاوز الــ70%، والأرقام ما تزال في تزايد.

إنّنا نجد اضطرابًا في بلداننا التي نجحت فيها الثورات الشعبيَّة، فمن اعتصام لآخر، ومن اضراب لثالث، ومن مظاهرة لأخرى، وكل فئة من فئات الناس تسعى وراء حقوقها، ونحن لا نناقش فكرة أنَّ لكل هذه الفئات حقوقًا، ولا شك أنّها لم تستطع الوصول إليها في ظلّ الأنظمة السابقة، فشعرت في ظل إعلاميَّات الثورة -التي لم يكن لها موازين دقيقة- أنَّ لها أن تطالب بكل تلك الحقوق وتستطيع أن تصل إليها دفعة واحدة، وألاّ تؤخّر مطالبها في الوصول إلى حقوقها مهما كانت الأسباب، بحيث نسمع إضرابًا للمعلّمين يُعطّل الدراسة والتعلم، وللسّائقين يُعطّل حركة الحياة، وللأطباء يمكن أن يؤدي إلى وفيات وتدمير مستشفيات وزيادة أعداد المرضى في البلاد، إلى غير ذلك من فئات النّاس، بحيث أصبح بعض الناس يتمنَّون _خاطئين_ أنَّ ما حدث ليته لم يحدث، وتلك كارثة، فهذا النوع من الثورات والتحرّكات الشعبيّة يحتاج إلى سند دائم متّصل من عواطف الأمَّة ومشاعرها وتأييدها ودعمها، إنّها إذا فقدته فإنَّها قد تعود إلى نقطة الصفر وكأنَّها لم تحقق شيئًا، وذلك خطر كبير على الحاضر والمستقبل.

إنَّ أهم شيء يُفعل الآن هو أن تدخل كل أجهزة التعليم والإعلام والدّعوة والإرشاد والتّثقيف والتّوجيه والتّدريب حالة إنذار، تجعلها جميعًا تعمل يدًا واحدة وبصوت واحد لإعادة بناء حالة التّوازن بين الحقّ والواجب وإخراج الناس من متاهات ثقافة الحقّ الـمُطلق؛ ليعرف كل هؤلاء أنَّ لهم حقوقًا معترفًا بها، لكنَّ الوصول إلى هذه الحقوق له منهج وله طريق ووسائل وأدوات ومصادر وموارد تؤثّر في عمليَّات الوصول إلى هذه الحقوق التي إذا لم يُدْرك أصحابها ذلك في وقت مبكر؛ فسوف يضيّعون حقوقهم ويضيّعون واجباتهم ويضيّعون حقوق الآخرين، فتضيع الشعوب وتُدَمَّر الأوطان، وتكون تلك الثورات والتحرّكات وبالاً على أهلها وأوطانها وشعوبها.

إنَّ الله -تبارك وتعالى- قد أوجد ترابطًا وتلازمًا شديدين بين أداء الواجب والحصول على الحق، فربط نعيم الآخرة وعذابها بالعمل الإنسانيّ، وما أكثر الآيات التي تُختم -بعد ذكر نعيم أو عذاب- بأنّه جزاءً بما كانوا يعملون، كما أنَّه -جلَّ شأنه- قد أرسى في كتابه العزيز قاعدة ذهبيَّة، لو تشبثت البشريَّة بها لتخلّصت من كثير مما تعاني منه، هي: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة:7-8)، وإذا كان المفسّرون -وتأثر بهم عامة الناس- يرون أنَّ ذلك كله مرتبط بالآخرة، فإنّنا لا نرى أيّ داع لربط ذلك العموم بخصوص الآخرة، فالهلاك الذي يصيب أممًا في الأرض لا شك أنَّه شأن يحدث في الحياة الدُّنيا، ويقول جلّ شأنه: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ (الكهف:59)، ويقول: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ*فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ*فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ (الأنعام:42-44)، وقال جلّ شأنه: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ (الأعراف:58)، وقال تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ*ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ*وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ*أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ*أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ*أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ*أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ*تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ*وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ (الأعراف:94-102)، فهذا الجانب -الذي يُنبّهنا القرآن إليه- كثيرًا ما يغفل عنه الناس في مراحل الصراع بين الحقّ والواجب، ولو أنَّهم التفتوا إليه بالقدر الكافي لما انتشر الفساد حتى عمّ البرّ والبحر والجو، ومنه الفساد في قضايا القيام بالواجبات وأداء الحقوق.

إنَّ شعوبنا الثائرة في حاجة إلى وعي بهذه الأمور؛ ذلك لأنَّ ثقافة الحقّ في مرحلة من المراحل -حين طغتْ الماركسيَّة- استهانت واستهترت بثقافة الواجب نحو الله ونحو الأمَّة ونحو المجتمع ونحو البشريَّة كلها، فكل هذه الواجبات قوبلت بكثير من الهزء والسخريَّة، خاصَّة في المرحلة التي عرفت بمرحلة الحرب الباردة، حتى إنَّ بعض قادة الأمم المنتمين إلى المحيط الإسلامي لم يتردّدوا في الاستهزاء بالجزاء الأُخروي على خصال البرّ؛ ومنها الصبر والتّحمّل وأداء الإنسان ما عليه وطلب ما له بالمعروف دون تخريب أو إضرار.

إنَّ الثقافة الإسلاميَّة الحقيقيَّة القائمة على التوازن بين الحقّ والواجب غائبة أو مغيّبة للأسف الشديد، وهي في حاجة إلى استعادة واسترجاع لئلا تبقى آثار الثقافات الأخرى -سواء أكانت ماركسيّة أو ليبراليّة- هي التي تتحكم في تحرّكات المسلمين فتزيده خبالاً على خبال واضطرابًا على اضطراب وفسادًا على فساد. فإلى ثقافة القرآن من جديد، ثقافة الميزان والتوازن والتّكامل بين الحقّ والواجب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

نسأل الله -جلّ شأنه- أن يهدينا جميعًا سواء السبيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *