Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

قراءة في كتاب «تجديد المنهج في تقويم التُّراث»

أ.عبد الرحمن ناصر

أولًا: من هو طه عبد الرحمن؟

فيلسوف ومفكِّر مغربيّ، ولد عام 1944 حصل على دكتوراه في الفلسفة من جامعة محمد الخامس بالرباط، ثمّ دكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون بفرنسا. وذلك في سبعينيات القرن الماضي. يُعرف طه عبد الرحمن بفلسفته «الأخلاقيَّة» كما يعرف هو بـ «فيلسوف الأخلاق» أو بـ «فقيه الفلسفة». درَّسَ المنطق والفلسفة في جامعة محمد الخامس بالمغرب منذ 1970 وحتَّى 2005.

اتَّخذّ الدكتور طه عبدالرحمن خطًّا مغايرًا لخطّ أغلب المفكرين والفلاسفة العرب المعاصرينَ له. فقد اتَّخذ مشروعه قواعدًا وأصولًا مغايرة وربما متناقضة مع أغلب السائد. فقد اعتمد مشروعه على فك الارتباط بين «الفلسفة» من ناحية وبين «المفهوم الحداثي الغربي للفلسفة»، كما اعتمد كذلك على نقد التصور الغربي السائد عن «العقل والأخلاق» وعلاقتهما بالدين. نقد الدكتور طه الحداثة الغربية الحالية، وانتقد أكثر محاولات نقلها لدينا من قبل المفكرين العرب، إذ إنَّ نقلها من سياقها وواقعها التي نشأت فيه يعتبر انتقاصًا واجتزاءًا لها ومن أصولها التي أنتجتها. يعتقد الدكتور طه أنَّه يجب التفريق بين مستويين من «الأشياء». وهو واقعها أولًا وروحها ثانيًا. الروح هي مجموعة القيم والمبادئ التي على أساسها يكون هذا الواقع تجسيدًا لها أو محاولات لتجسيدها. مما يعني أننا كـ «عرب» يجب أن نبحث عن الحداثة في روحها، المبادئ والقيم التي أنشأتها، لا أن نأخذها هكذا كما هي ونفرضها على واقعنا فرضًا.

ينتقد الدكتور طه التصوُّر السائد من أنّ العقل مستقلُّ بذاته، فالعقل بالنسبةِ له ليس «ذاتًا» وإنما انفعالًا أي فعلًا من الأفعال وسلوكًا لذاتٍ حقيقية هي «القَلب». وعلى هذا يقسِّم العقل إلى ثلاثة أنواع من «العقلانيَّة»، فالعقل المجرد ثم العقل المسدَّد ثم العقل المؤيَّد، وهو آخر مراحل العقلانية، حيث يستطيع هذا القلبُ أن يتلقى الإلهام «تأييدًا». وهو بهذا يخالف تمامًا جميع التصورات السائدة عن العقل، ليس فقط على المستوى الغربي وإنما على المستوى العربي الذي نقل التصورات الغربية كما هي.

في ظل هذا الانتقاد لنَقل الثَّقَافَة الغربيَّة، يقترح الفيلسوف المغربي أن يكون مشروع التَّرجمة على مراحل ثلاث. فالمرحلة الأولى ترجمة حرفيَّة أسمَاهَا «الترجمة التحصيلية». والمرحلة الثانية هي «الترجمة التوصيلية» التي بها يوصِّل المترجم ما أراد المؤلف الغربي بالمعنى ولا تكون الترجمة هنا حرفية. بينما المرحلة الثالثة هي «الترجمة التأصيلية» التي تَتَوَخَّى الإبداع بما يتلائم مع ما يسميِّهِ عبقريَّة اللغة المنقول إليها (وهي في حالتنا العربية). لا يتوقَّف الأمر في نظرته النقدية على الفلسفة الغربية والمفكرين الحداثيين العرب وإنما أيضًا اشتمل نقده على الفلسفة الإسلامية في نقد الحالات السلفَّية والصحوة الإسلامية. كما انتقد أيضًا الفكر الإسلامي القديم بسبب هامشية مفهوم الأخلاق فيه، فالفلاسفة والمتكلمون منهم تذبذبوا في القول بتبعية الدِّين للأخلاق والقول باستقلال الأخلاق عن الدين. أما الفقهاء والأصوليون فقد جعلوا رتبة الأخلاق لا تتعدى المصالح الكمالية، كما يعبِّر الدكتور طه.

لماذا هذا الكتاب بالأساس؟

لم يكن المؤلِّف ينتوي أو يخطر على باله أن يخوضَ «بَحرَ التُّراث» ولكنَّه قد دخله دخولًا مغايرًا فقد دخلهُ فقط للردّ على الأعمال التي تولَّت حَقل التراث بالعناية والتَّدقيق والنظر، فقد بدأ المؤلِّف في تفحُّص هذه الأعمال واحدًا تلو الآخر، كما ذكر في مُقدِّمَة كتابه، فوجد فيها اجتزاءًا صريحًا وانقطاعًا مريعًا عن التراث وأصوله التي انبنى عليها، مجتزئين تارةً من التراث ومتسرِّعين أحيانًا في إطلاق الاحكام، ومستقدمين للأدوات النظرية الغربية في النظر إليه اقتطاعًا من السياق وتلفيقًا لسياقٍ آخر، فبدأ المؤلف في العمل على هذا الكتاب ليبيِّنَ مشكلاتهم النظرية والعقلانية التي وقعوا فيها في التعامل مع التُّراث. كان أشهر هذه المشاريع التي تناولت التراث بالفحص والتدقيق والنظر هو مشروع الدكتور والمفكر المغربي الشهير محمد عابد الجابري، في كتبه الثلاثة:

  • نحنُ والتُّراث.
  • تكوين العقل العربي.
  • بنية العقل العربي.

فبدأَ في نقد هذا المشروع في الباب الأوَّل من هذا الكتاب، كما بدأ في البابين التاليين بتقديم نظرته «التَّكامليَّة» للتراث. من جانبي تداخل المعارف التراثية، وتقريب المعارف التراثية.

الباب الاوَّل: نقد نموذج الجابري في النظر للتراث

يؤكِّد المؤلف أولًا انَّ الانفكاك عن التراث لا سبيل إليه وإن سعى المرءُ إلى ذلك فلن يستطيع، لكنّ الانقطاع عنهُ قد يكون أيضًا بالنظر فيه بأدواتٍ ليست صحيحة بالنسبةِ له. فالتراث وإن كان حقيقة تاريخية إلا أنَّهُ يعيشُ فينا وبنا، ويحيطُ بنا من كلّ جهة. فإن أقبلنا عليه واعين بآثاره، وإلا فإنهُ سيكونُ مؤثِّرًا علينا دون أن نَعِي آثاره. يعتقد المؤلف هذا ويؤكِّدُهُ بكثرةِ الأعمال والمشاريع الفكرية التي تناولت التراث، التي يعتقدُ أغلب أصحابها أنّ المنهجية العلمية واحدة، وأنّ ما يمكن تطبيقه من الأدوات والوسائل «العلميَّة» على تراثٍ آخر يمكن تطبيقه على أيّ تراثٍ آخر، وهذه هي أساس المشكل الفلسفي التي ينبني عليه مشروع المؤلف في نقد المشاريع الفكرية في نقد التراث، وبناء مشروعه الخاص. فبالنسبةِ له فإنّ العلمَ ليس واحدًا، وطرائقهُ عديدة ومختلفة، هذا من ناحية، من ناحيةٍ أخرى فإنّ هؤلاء المفكرين قد اعتقدوا أنّ أدوات المنهج العلمي الغربي الذي يفتعلُ مع تراثٍ غير دينيٍّ بالأساس يمكن تطبيقها بسهولة على تراثٍ دينيٍّ واضح كما هو التراث الإسلاميّ العربيّ.

في كتابه اعتمد المؤلف على منهجية أخرى مستعملة في نقده أولًا لمشاريع غيره، ثمّ في نظرته للتراث. هذه المبادئ تنقسم إلى مبادئ نظرية وأخرى عمليَّة.

المبادئ النظريَّة:

  • التخلُّص من الأحكام المسبقة أو الجاهزة أو المتسيِّسة التي اعتاد بعض الباحثين المتساهلين إرسالها إرسالًا بصدد التراث.
  • تحصيل معرفة شاملة بمناهج المتقدِّمين من علماء الإسلام ومفكِّريهم في مختلف العلوم، مع تحصيل معرفة كافية بالمناهج الحديثة تُمَكِّن من القدرة على تجاوز طور التقليد في المناهج والاقتباس من النظريات إلى طور الاجتهاد في اصطناع المناهج ووضع النظريات.
  • استخدام أساليب أنسب الوسائل في وصف كل قسم من أقسام التراث.

المبادئ العمليَّة:

  • عدم الفَصل بين جانبِ المعرفة وجانب السُّلُوك. ويقصد بها أنَّهُ لا يفصل بين جانب المعرفة العلميَّة وبين سلوك صاحب المشروع، فكيف يمكن أن يدلنا شخص ما على الطريق القويم في التعامل مع التراث الذي يقوم على الشَّرع بينما هو يقطع الصلة بهذا الشرع علميًا وربما عمليًا.
  • الاجتهاد في تكوين التكوين العقلي بالالتزام بالمقتضيات العملية في التراث فلا علم منفكّ عن العمل. وهو أحد أركان مشروع المؤلف والذي ينتشر في عدد كبير من كتبه.

يوجِّه طه عبدالرحمن لمشروع الجابري نقدًا لاذعًا باعتبار أنّ مشروع الجابري وقع في آفتينِ عظيمتين:

  • الأولى: آفة التعارض بين ادعاء التكامل والعمل بالتجزيئي.
  • الثانية: آفة القصور في تحصيل المقتضيات الإجرائية للآليات التي وقع التوسُّل بها في تقويم التراث.

ينقسم الباب لثلاثة فصول، لكلّ فصلٍ منها دعوى يقوم المؤلف بالتدليلِ عليها، وهي:

  • دعوى التقويم التجزيئي.
  • دعوى التناقض الأصلي لنموذج الجابري.
  • دعوى القصور الآلي لنموذج الجابري.

أولًأ الدَّعوى الأولى: النظرة التجزيئيَّة للتُّراث

تقُوم دعوى المؤلف على أنّ أيَّ نصٍّ أيًا كان تراثيًا أو غيره مبنيٌّ على أساسِ أصولٍ مُعيَّنة وكيفيَّات مُحدَّدة ولا يتأتي استيعاب النص والمقصود منهُ دون الإحاطة بالوسائل التي استخدمت في إنتاجه من الأساس. ويعتقد المؤلف أنَّ أيّ مشروع لا ينظر في الوسائل والأدوات اللغوية والمنطقيَّة التي أنتجت أيّ نصّ تعتبر نظرة تجزئييَّة للنصّ. وقع أغلب المشتغلين في حقل التراث في نظرة تجزيئية بسبب اختيارهم لوسائل وأدوات للنظر ليست من جنس التراث الذي ينظرون إليه ويقومون بفصحه إن نقدًا وتقويمًا. يسمِّي المؤلف هذه الآليات الدخيلة على النصّ التراثيّ «الآليات الاستهلاكية» أو «الآليات الفرعية».، أو «الآليات الفوقيَّة». ويمكن حصر هذه الآليات وفقًا للمؤلف في صنفين رئيسيين:

  • صنف الآليات العقلانيَّة.
  • صنف الآليات الإيديولوجيَّة (أو ما يسميها المؤلف الآليات الفكرانية المسيَّسة).

الصنف الأوَّل: يذهب معتقدو هذا المذهب إلى أن «المذهب العقلاني» هو أقدر المناهج في النظر للتراث وغيره، وهو منهج «مُقتبس» بتعبير المؤلِّف، يؤدِّي اعتقادهم بهذا المذهب إلى تشريح التراث وتجزيئه، لاعتبارات المذهب العقلاني، فما وافق منه هذا المذهب أخذوه وأبرزوه، وما لم يكن موافقًا للمذهب العقلاني همَّشوه ونسوه، وهذه نظرة تجزيئية لا تَخفَى، إذ إنها كما يسمِّيها المؤلِّف آليات فوقية، يريد الباحثون فرضها فرضًا على تراث لم يُنتج بنفس الوسائل التي أُنتجَ بها التراث الغربي.

يوجه المؤلف انتقاده اللاذع لهذا الصنف، لأنه حتى لم يُعمل عقله في نقد هذا النموذج العقلاني السائد (والذي تمّ تصديره) كما لم يتمّ اختبار هذا المنهج بشكلٍ نقديّ في التعامل مع التراث للوقوف على قدرته الوصفية وقدرتها التحليليَّة وقوتها الاستنتاجيَّة. أحد أكبر المساوئ التي وقع فيها أرباب هذا المنهج أنّ المنهج العلمي النظري يفصل ما بينَ النَّظر والسُّلوك، بينما يرتبط النظر بالسلوك في تراثنا الإسلاميّ العربيّ، فارتباط العلم والعمل أصلٌ هام في التراث.

الصنف الثاني: يذهب معتقدو هذا الصنف – وفقًا للمؤلف – إلى إظهار البُعد السياسيّ دومًا في التراث، باعتبارهِ – في نظرهم – الجزء الأهمّ والبُعد الأكمل لشروط النَّهضة الثقافية والحضارية، فيلجئهم هذا الاجتزاء في النظر للظواهر، وإلى إبراز ما كان سياسيًا وتهميش ما كان غير ذلك منها، ناهينا أنهم كسابقيهم أهملوا النظر والنقد في المنهج الذي يستعملونه قبل أن يبدأوا بالعمل به، ثمّ اختباره بشكلٍ نقدي في مدى نجاعته وقدرته في التعامل مع التراث.

ثانيًا: التعارض الأصلي لنمُوذج الجابري في تقويم التراث:

وفقًا للمؤلف فقد وقع الجابريّ في تعارضين اثنين، وهما:

  • دعواهُ للعمل بالنظرة الشمولية في تقويم التراث، بينما عمل هو في مشروعه بالنظرة التجزيئية (على ما كان التفصيل في الفصل الاول).
  • بينما يدعو الجابريّ للنظر في الآليات المُنتِجَة للنصّ التراثي، وقع في تعارض عندما قام بالنظر في المضامين التراقية دون النظر في الآليات التي انتجت هذه المضامين.

يقوم مشروع الجابري على نقطتين أساسيتين وهو النظر نظرة شموليَّة للتراث، وعلى النظر في الآليات المُنتجهةِ لهُ ليستطيع الوقوف على المآخذ والمسارات الخاصة بالتراث، لكنّ هذا لم يحدث وفقًا لطه عبد الرحمن، وهنا التفصيل:

في النقطة الاولى الخاصة بالأخذ بالنظرة الشمولية للتراث؛ ينتقد عبدالرحمن موقف الجابري حين يقرر أولًا أنه ينتقد المشتغلين في حقل التراث أنهم يردون كلّ جزءٍ من الفكر الفلسفي العربي إلى الأصل السابق الذي جاء منهُ إن يونانيًا أو هنديًا أو فارسيًا، ويدعو إلى النظر بشكلٍ شموليّ للتراث، لأنّ العلماء المسلمين كانوا موسوعيين ولهم في اغلب الحقول العلمية من رياضة وكيمياء وطب وفقة…إلخّ. كما أنه يقرر أنَّ مشروعه ينظر في الآليات المُنتجة لهذا التراثّ لأنّ التداخل بين الآليات والنص المًنتج تداخل صميمي. لكنه حين قام بتطبيق ذلك الخطّ المنهجيّ وقع في نقيضه فقد اشتغل بمؤلفات الأقدمين الذين نظروا في هذه الآليات تقويمًا وتحليلًا، مثل أنه درسَ مقالات الشافعيّ بالنسبة للآليات الفقهية والأصوليَّة والسكاكيّ بالنسبة للآليات البلاغية والقشيري بالنسبة للآليات العرفانية، وهكذا. ومن هنا يظهر التناقض الأصلي لنموذج الجابري في النظر إلى التراث.

وفقًا للمؤلف فقد وقع الجابري في المشكلتين اللتين فصلهما في الفصل الاول (النظرة الإيديولوجية والنظرة التسييسيَّة) عندما بدأَ في انتقاد من قاموا بالنظر إلى التراث وفقًا لبعض المبادئ التراثية لأنها تخالف نظرة الذي تعتبر (آليات فوقيًّة) هذه المبادئ التي قدح فيها الجابري في الناظرين إلى التراث من خلالها، يسرد منهم المؤلف ثلاثة مبادئ:

  • تداخل القيمة الخلقية والواقع: وهو ما يميز التراث الإسلامي العربي المحكوم بالشرع الإسلاميّ. بينما يريد الجابري أن يفصل ما بين الاخلاق والواقع السياسيّ، بينما يؤكد الكاتب ان هذه النزعة عرفها الفلاسفة قديمًا لكن لم يبدأ ترسيخها إلا مع الفيلسوف الإنجليزيّ هِيوم ثمّ مواطنه مور. في هذه المنطقة وقع الجابري في آفة النظر إلى العقلانية باعتبارها شيئًا جوهرانيًا وذاتًا منفصلةً عن أيّ سياقٍ آخر بدعوى الموضوعية.
  • تداخل القيمة الروحية والعلم: بينما يعتمد التراث الإسلامي العربيّ1 وفقًا للكاتب على الجمع بين القيمة الروحية والعلم، ينتقد الجابري هذه النظرة في التعامل مع التراث، فهمَّشَ العرفان، واعتبره المرتبة الادنى واعتبر العقل البياني المرتبة الوسطى والعقل البرهاني المرتبة الاعلى، والعقل البرهاني يعتبر ابن رشد هو المؤسس له في الفلسفة الإسلامية العربية، وهو يقوم على مبدأ فصل الدين عن الامور السياسية. وهو خطأٌ واضح بالنسبة للمؤلف الذي يعتبر هذه النظرة تجزيئية للغاي، ومحاولة استخدام آليات منتجة من سياقٍ آخر (هو السياق الغربي) يؤمن بالعلمانية على سياقٍ آخر (هو السياق الإسلامي العربي) محكومٌ بالشرع الإسلامي الحنيف.
  • تداخل القيمة الحوارية والصَّواب: وهي المناظرة، فالمؤلف يعتمد على مبدأ المناظرة باعتبارهِ مبدًا أساسيًا من مبادئ التراث الإسلامي. بينما لا يعتبره كذلك الجابري، ويطرح المؤلف رؤيته لل (معاقلة الحية) التي تنتج من خلال المناظرة ويكون مردودها تعدد العقلانيات، على خلاف ما يرى الجابري.

القصور في فقه الآليات، والنموذج المتهافت لمشروع الجابري

اعتمد الجابريّ وفقًا للكاتب على ثلاثة مبادئ في نظره للتراث، هذه المبادئ الثلاثة هي (الموضوعية والعقلانية والنظر المتوحد) وهذه المبادئ تخالف مبادئ أسياسية يقوم عليها التراث الإسلاميّ العربيّ. ويتسائل المؤلف هل إنّ الجابري حين قام باستعارة هذه الادوات بشكلٍ “استهلاكيّ” هل نقد المبادئ التي تقوم هذه الآليات عليها أولًا؟ ويجيب بأن لا، لم ينقدها الجابريّ، ويتسائل مرةً أخرى هل قام الجابري بنقد هذه الآليات نفسها؟ بناءً على هذه النتائج التي استنتجها المؤلف عن مشروع الجابريّ، يصيغ دعواهُ في هذا الفصل كالتالي:

إنّ عدم وقوف الجابريّ على دقائق الآليات المنقولة التي استعملها في نموذجه التقويميّ أفضى بِهِ إلى اتخاذِ مسلك في تجزئ التراث يخلّ إخلالًا بالمقتضيات التقنيَّة والشروط الإجرائيَّة لهذه الآليَّات.

كما أنّ المؤلف يقرر حقيقة أن المبادئ التي استخدمها الجابري لا تشكل نسقًا واحدًا متمايزًا بذاته وإنما اقتطعها من عدة أنسقه متنافرة كالبنيوية والتكوينية والجدلية والعقلانية. ويؤكد أن الجابري لم يحدد معاييره في انتقاء هذه الآليات اللازمة ليحصل التنسيق بينها حتَّى. ما انعكست آثارها الاضطرابية وتفرقها التجزيئية على تحليله للثقافة العربية. وليتبين هذه الآثار السلبية المترتبة على ذلك يقف المؤلف على أبرز الآليات التي استخدمها الجابريّ، وهي:

  • آليَّة تخصيص العقل.
  • آليَّة المقابلة.
  • آليَّة التقسيم.
  • آليَّة المماثلة.
  • آليَّة تخصيص العقل

في بداية كتاب الجابريّ تكوين العقل العربي يؤكد الجابري انه يعتمد مفهوم العقل بشكلٍ علميّ وأنه يجتهد في تقصي المرتبة العلمية في مفهوم العقل في اقصى مراتبها. لكنّ هذه الجملة يعترض عليها طه عبدالرحمن.. فقد اعتمد الجابريّ في نظره في هذا الامر (مفهوم العقل) على ما وصل إليه المنهج العلميّ في نصف القرن السابق! وليس ما وصل إليه المفهوم العلمي الحالي (وقت صدور كتابه). النقطة الاخرى في هذه المنطقة أنّ الجابريّ اعتمد في رؤيته للعقل على مقولة للفيلسوف السويسري غونزيت عن العقل، ترجمها الجابريّ ترجمة ناقصة أدَّت لعكسِ ما كان يقصده غونزيت. وبهذا فإنّ مفهوم العقل عند الجابري ناقص من زاويتين:

الاولى: أنَّهُ اعتبر أنّ الانتاج العلمي بدايات القرن الماضي هو غاية ما وصل إليه العلم. وهو نظرٌ متهافت في نظر طه عبد الرحمن.

الثانية: أنَّ الجابريّ اعتمد على اسس خاطئه عن مفهوم العقل بترجمته الخاطئة لجملة غونزيت.

  • آليَّة المقابلة

المقابلة تكون بمقابلة الشئ بما يوافقه، أو بما يخالفه, لكنّ الجابريّ وقع في مشكلة منطقية كبيرة. فقد اعتبر أنّ هناك معقول ديني له ثلاثة أقسام، هي: 1- الاعتقاد في وحدانية الله، 2- الاعتقاد بإمكان معرفة الله بالنظر إلى الكون، 3- الاعتقاد في النبوَّة. السؤال المنهاجيّ الذي يطرحهُ طه عبدالرحمن هنا على الجابريّ هو مدى اشتراك ما أسماه الجابري المعقول الديني مع المعقول العقلي الذي يتبناه منهاجيًا؟

العقول متدرجة ومختلفة في نظر الجابري (عرفاني ثم بياني ثم برهاني وهو أعلاها) فما نسبة اشتراك المعقول الديني هذا مع المعقول العقلي؟ وأيُّ عقلٍ هذا الذي يتشارك مع المعقول الديني؟ هل هو العرفاني أم البياني أم البرهاني؟

  • آلية التقسيم

كما ذكرنا يقسِّم الجابري الأنظمة المعرفية في التراث الإسلام إلى ثلاثة أنظمة: عرفان وبيان وبرهان. جعل البرهان هو أعلاها منزلةً، والعرفان (التصوف) أدناها. يعترض المؤلف على هذا التقسيم اعتراضات منطقية ومنهاجية عديدة. منها انّ هذا التقسيم ينطوي على مغالطة ازدواجية المعايير.. فقد تداخلت في هذا التقسيم دلالة الصورة الاستدلالية العقلية (البرهان) بالمضمون المعرفيّ (البيان) بالصيغة اللفظية (العرفان).

الباب الثاني: النظرة التكاملية إلى التُّراث الإسلامي العربي والاشتغال بآليات التداخل المعرفي

في هذا الباب والذي يليه يقع غرض المؤلف على أن يتبين الجوانب الأساسية من التراث التي يبرز فيها التكامل بروزًا. ثم ليدلل على مبدئين اثنين؛ أولهما: مبدأ تداخل المعارف التراثية فيما بينها، والثاني: مبدأ تقريب العلوم المنقولة إلى مجال التداول الإسلامي العربي. واختار المؤلف نماذج هذا التداخل المعرفي والتقريب التداولي على معيارين اثنين:

الأول: تمحيص التداخل والتقريب من طرفي للمعارف الإسلامية المتباينين، وهما؛ طرف أبعد المعارف من المجال التداول الإسلامي العربي، وطرف أقرب المعارف من هذا المجال.

الثاني: تمحيص التداخل والتقريب في أفضل الشواهد على هذين الضربين المعرفيين المتباينين.

وعلى هذا اختار المؤلف أربعة علوم ليبين من خلالها التداخل المعرفي – في هذا الباب –

  • علم الأصول: باعتباره يشكل نسيجًا متكاملًا من معارف إسلامية متنوعة.
  • الفلسفة الإلهية: باعتبارها علمًا منقولًا اندمجت فيه بنيات معرفية تراثية أصيلة.

وفي الباب التالي الذي يتناول مبدأ التقريب، اختار المؤلف علمين آخرين، هما:

  • علم المنطق، بوصفهِ أبعد العلوم النظرية في التجريد.
  • علم الاخلاق، باعتبارهِ أبعد العلوم العملية في التسديد.

ينقسم  هذا الباب الذي يتناول مبدأ التداخل المعرفي في التراث إلى ثلاثة فصول، كلُّ فصلٍ بدعوى:

  • دعوى التقويم التكاملي.
  • دعوى التداخل المعرفي الداخلي.
  • دعوى التداخل المعرفي الخارجي.

أولًا: دعوى التقويم التكاملي

تقوم هذه الدعوى كما يصوغها المؤلف بأنّ:

التقويم الذي يتولى في استكشاف الآليات التي تأصلت وتفرعت بها مضامين التراث كما يتولى استعمالها في نقد هذه المضامين يصير لا محالة إلى الاخذ بنظرة تكاملية.

يصوغ المؤلف قاعدتين أخريين تقول الأولى بأنّ الآليات الإنتاجية للنص التراثي تتنقل في مضامين هذا التراث تنقلًا مفهومًا معروفًا من حقلٍ معرفيٍّ إلى حقلٍ معرفيٍّ آخر. القاعدة الاخرى أنَّ هذه الآليات الدقيقة جدًا والمتنوعة استحكمت في هذا النصّ التراثيّ جدًا لدرجة أنها لا يمكن فهم التراث إلا من خلال التمكن من هذه الآليات تمكنًا قويًا.. يقرر المؤلف أن أغلب المشاريع التي تقوِّم التراث نظرت نظرة تجزيئية جدًا وأخرى تسيسية مؤدلجة، كما يعتبر أنَّ هذه المشاريع لم تعتمد على المنطق في نظرتها للتراث ولن تضعهُ في نظرتها التجزيئية بطبيعتها، رغم أنّ المنطق أحد أهمّ هذه الآليات التي قام عليها إنتاج هذا النصّ التراثيّ. لماذا يعتمد أصحاب هذه المشاريع على المنطق؟ الجواب لأنهم ليسوا متمكنين منه!

ثانيًا: التداخل المعرفي الداخلي وتكامل التراث

يميز المؤلف بين درجتين اثنتين من أنواع هذا التداخل الداخليّ، أولهما: التراتب، وثانيتهما التفاعل. التراتب هو تراتب العلوم، وقد تولى جمعٌ كبير من العلماء المسلمين وعلماؤه مهمَّة ترتيب العلوم التي عرفتها الثقافة الإسلامية. منها تصانيف الفارابي في إحصاء العلوم وطاش كبرى زاده في مفتاح السعاة وطبقات العلوم للأبيوري والخوارزمي في مفاتيح العلوم. وهذا يؤكد ما تذهب إليه النظرة التكاملية للتراث والتي يتبناها المؤلف. بالنسبة للدرجة الثانية من هذا التداخل فقد أقرّ علماء الإسلام بأنّ العلوم الإسلاميَّة تتداخل وتتفاعل كلها مع بعضها، فالمباحث الكلامية تتفاعل مع المباحث اللغوية والبلاغية والفلسفية، والمباحث المنطقية تتفاعل مع المباحث اللغوية والأصولية وهكذا.

ولهذا اتجه المسلمون في التكوين والتأليف إلى الاخذ بـ الموسوعية. في التأليف والكتابة والتكوين أولًا بالطبع. وقال قال ابن قتيبى (من أراد أن يكون عالمًا، فليطلب علمًا واحدًا، ومن أراد أن يكون أديبًا، فليتسع في العلوم) ويورد المؤلف بعض المقالات الأخرى عن هذا الأمر، كما يضرب مثلًا بأنّ علماء الإسلام اشترطوا لمن يريد أن يتعاطى مع علم التفسير أن يكون ملمًّا بخمسة عشر علمًا. هي: اللغة والنحو والتصريف والاشتقااق وعلوم البلاغة (المعاني والبيان والبديع) وعلم القراءات وأصول الدين وأصول الفقه وعلم أسباب النزول والقصص وعلم الناسخ والمنسوخ والفقه والحديث وعلم الموهبة! ونشاهد هذا متحققًا في أغلب علماء الإسلام الذين جمعوا بين عدد كبير جدًا من العلوم بدايةً من الكندي والفارابي وابن سينا والغزالي والرازي.

يضرب المؤلف مثالين لكلٍ من مبدأي التداخل المعرفي الداخلي والخارجي. بالنسبة للتداخل المعرفي الداخلي فهو في أصول الفقه كما أسلفنا، وسيطبق مبدأه على الشاطبي كنموذج، وفي مجال التداخل الخارجي سيتم تطبيق هذا المبدأ على الفيلسوف والفقيه المالكي ابن رشد.

التداخل الداخلي في أصول الفقه: الشاطبي نموذجًا

علم أصول الفقه هو أحد العلوم التي أنشأتها الثقافة الإسلامية إنشاءً، يبدأ المؤلف في سوق القواعد النظرية والدعاوى المنطقة التي اعتمد عليها لاختيار الشاطبيّ كنموذج للتداخل الداخلي في التراث الإسلاميّ العربيّ. ثمّ يقرر انّ نظريات الشاطبيّ عن المقاصد إنما تنقسمُ إلى ثلاث درجات وفقًا لتحليله لمعاني كلمة (قصد). ويخرج بنتيجة أنَّ هناك ثلاث نظريات أصوليية يمكن الحديث عنها عند الشاطبيّ، وهي:

  • نظرية المقصودات: وهي تبحث في المضامين الدلالية للخطاب الشرعيّ.
  • نظرية القصود: وهي تبحث في المضامين الشعورية أو الإرادية.
  • نظرية المقاصد: وهي تبحث في المضامين القيمية للخطاب الشرعيّ.

كما يقرر المؤلف أنّ أكبر علم من العلوم حدثت بيه وبين أصول الفقه هذا التداخل في نموذج الشاطبيّ، هو علمُ الأخلاق. ينطلق المؤلف بعد ذلك في التدليل على أنّ الشاطبيّ لا يمكن أن نطلق على برهانية الشاطبيّ كما يقول محمد عابد الجابري. وإنما تعريفات الجابري للبرهان لا تنطبق بحالٍ من الاحوال على الشاطبيّ.

التداخل الخارجي: ابن رشد نموجًا:

يقرر المؤلف أولًا أن ابن رشد هو أكثر مفكري الإسلام تجزيئًا وأكثرهم تبنيًا لمبدأ (الفصل) بين الحقول المعرفية وبعضها، وأكثرهم مخالفةً لمبدأ التداخل. حتى أن المؤلف يعتبرهُ مرشد المفكرين التجزيئيين الحاليين. ويبدأ في تعديد مظاهر التجزئ عند ابن رشد في أربعة مظاهر:

أولًا: تصفية العلوم: يستشهد المؤلف على هذه النزعة التي تسعى لتصفية العلوم بأنَّه قام في أول أعماله المسماه بالمختصرات بتلخيص صنوف العلوم، وقام باختصار كتاب المستصفى في علم أصول لافقه للغزالي، ويذكر المؤلف أن ابن رشد حين قام بالاختصار حذف المقدمة المنطقية التي قدمه به الغزالي نفسه، بينما هذه المقدمة تعدّ حدثًا حاسمًا في تاريخ الممارسة التكاملية للتراث. ولكن ابن رشد وفقًا للمؤلف ىثار تصفية العلوم من بعضها وافرد له مختصرًا مستقلًا يردهُ إلى نطاقه المعرفيّ اليوناني الذي هو (الفلسفة) معتقدًا بالفصل بين اصول الفقه والمنطق. بينما يعتر المؤلف أنّ الغزالي على النقيض من ذلك؛ حيث كان يرى أنَّ من لا يتمرس في المنطق فلا حاجة به إلى العلم، وليس بعالم.

ثانيًا: تباين العلوم: فقد حذا ابن رشد حذو أرسطو حذو النعل بالنعل، واعتبر أنَّ العلمية تقتضي وجود البرهان، إذ لا توجد هذه الصفة في علم دون برهان (لاحظ تقسيم الجابري للعقول ورفعة العقل البرهاني عن العرفاني والبياني).

ثالثًا: القدح في التداخل: اشتهر ابن رشد بكتابه «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» والذي يعتمدُ فيه أن للشريعة ناموسًا خاصًا وأنّ للحكمة (الفلسفة) قانونًا متميزًا.

رابعًا: القدح في أهل التداخل: وهو أنه انتقد الفارابي وابن سينا والغزالي معًا بسبب منزعهم التداخليّ هذا، وقدح في علمهم وسلوكهم كما بلغ ذلك حدّ التبديع والتكفير لبعضهم.

يعتمد المؤلف في تشريحه لابن رشد على أنَّه لديه تداخل في الآليات الإنتاجية، رغم أنَّ ابن رشد يرفض التداخل املعرفي بين أنواع العلوم بحجة إضراره باستقلال البنيات المعرفية بعضها عن بعض وتسببه في اضطراب الفهم والاستيعاب، وفي اختلاط العقول! هذا التداخل المعرفي لدى مضامين نصوص ابن رشد تجده واضحًا في تداخل علم الكلام في فلسفة الإلهيات في نصوصه.

*يُسهب المؤلف في هذا الفصل في تشريح ابن رشد وتشريح آلياته التي قامت عليها مضامين خاطبه بشكلٍ منطقيّ. بشكلٍ يتعذَّرُ علينا هنا استيفاءه أو اختصاره.

 الباب الثالث: النظرة التكاملية إلى التُّراث الإسلامي العربي والاشتغال بآليات التقريب التداولي

بعدما انتقد المؤلِّف نموذج الجابريّ في الباب الأوَّل، وشتغل في اثبات النظرة التكاملية التي يتبناها في الباب الثاني، في هذا الباب الثالث والاخير يدلِّل على نفس النظرة التكاملية للتراث من خلال الاشتغال على آليات التقريب التداولي في النظر إلى التراث الإسلامي العربيّ، بعدما اشتغل على آلية التداخل المعرفيّ في الباب السابق.

يُعرَّف التقريب باعتباره: وصل المعرفة المنقولة بباقي المعارف الأصليَّى. وفي اصطلاح المؤلِّف هو: جعلُ المنقول مأصولًا. خصائص هذه العلوم المنقولة التي يعالجها التقريب ثلاثة: 1- التنوُّع. 2- التفاعل. 3- الاستمرار. اختار المؤلف علمين اثنين ليمارس عليهما آلية التقريب، وهما:

  • علم المنطق: بوصفهِ أفضل نموذج للعلوم النظرية المنقولة. لانفراد موضوعه بمرتبة في العمل لا تضاهيه فيها علم نظريّ غيره.
  • علم الأخلاق: بوصفهِ أفضل نموذج للعلوم العملية المنقولة لانفراد موضوعه بمرتبه في العمل لا يضاهيها فيها علمٌ عمليٌّ غيره.

ولكنّ المعايير التي اختارهما عليها المؤلف ليست كافية بالنسبةِ له، فيقرر أن يختبر العلمان وفقًا لخصائص العلوم المنقولة التي ذكرناها سابقًا: 1- التنوُّع. 2- التفاعل. 3- الاستمرار. وعلى هذا يقرر أنَّ اختياره لهذين العلمين هما أفضل اختيارين.

  • أصول مجال التَّداول الإسلامي العربي

يعتبر مفهوم المجال التداولي دعامةً أساسيَّةً في مشروع المؤلِّف في نظرتهِ للتراث. بدأ المؤلفُ في صكِّة في السبيعينيات حينما بدأ الاشتغال بالتراث. ولهذا المصطلح ثلاثة أركان يوسِّع المؤلِّف في شرحهم وفي دفع اعتراض المعترضين عليهم. نذكرهم هنا:

أوَّلًا: خصوصيَّة المجال التَّداولي

يعرِّف المؤلف المصطلح باعتبارهِ: محلّ التواصل والتَّفاعل بيتن صانعي التُّراث. وهناك تفاصيل لأسباب هذا التواصل بين صانعي التُّراث على ثلاثة أقسام:

  • الأسباب اللُّغويَّة.
  • الأسباب العقديَّة.
  • الأسباب المعرفيَّة.

  ثانيًا: قواعد المجال التداوليّ:

  • الأسباب اللُّغويَّة. ولها ثلاثة قواعد:
  • قاعدة الإعجاز: سلم بأنّ اللسان العربي استعمل في القرآن الكريم بوجوهٍ من التأليف وطرق في الخطاب يعجز الناطقون عن الإتيان بمثلها عجزًا دائمًا.
  • قاعدة الإنجاز: لا تنشئ من الكلام إلا ما كان موافقًا لأساليب العرب في التعبير، وجاريًا على عاداتهم في التبليغ.
  • قاعدة الإيجاز: لتسلك مسلك الاختصار في العبارة عن مقاصدك، مؤديًا هذه المقاصد على الوجه الذي يسهل به وصلها بالمعارف المشتركة، ويحمل على استثمار هذه المعارف أقصى ما يكون الاستثمار.
  • الأسباب العقديَّة. ولها ثلاثة قواعد:
  • قاعدة الاختيار: سلِّم بأنّ العقيدة التي لا تنبني على اصول الشَّرع الإسلاميّ، قولًا وعملًا، كائنةً ما كانت، لا تُعدُّ عقيدةً مقبولةً عند الله عزَّ وجلّ.
  • قاعدة الائتمار: سلِّم بأنَّ الله سبحانه وتعالى واحدٌ مستحقٌّ للتقديسِ والتنزيهِ والعبادةِ دونَ سواه، متبعًا تعاليم الرِّسالة التي بعث بها نبيه الخاتم سيدنا مُحمَّد عليه الصلاة والسلام.
  • قاعدة الاعتبار: سلِّم بأنَّ كل ما سوى الله لا يكونُ إلَّا بمشيئتهِ، ولا يُحفظُ إلَّا بمنَّتِهِ، معتبرًا مقاصدهُ في أحكامهِ، ومعتبرًا بحكمتهِ في مخلوقاته.
  • الأسباب المعرفيَّة. ولها ثلاثة قواعد:
  • قاعدة الاتساع: سلِّم بأنَّ المعرفة الإسلاميَّة حازت اتساع العقل بطلبها النفع في العلم والصلاح في العمل، ولا نفع في العلم ما لم يقترن بالعمل، ولا صلاح في العمل ما لم يقترن بطلب الىجل.
  • قاعدة الإنتفاع: لتكن في توسُّلِكَ بالعقلِ النَّظريّ، طلبًا للعلمِ بالأسباب الظَّاهرةِ للكون، منتفعًا بتسديد العقل العمليّ.
  • قاعدة الاتباع: لتكن في توسُّلك بالعقل الوضعيّ، طلبًا للعلم بالغايات الخفيَّةِ للكون، متَّبعًا إشاراتِ العقلِ الشَّرعيّ.

 ثالثًا: ضروب الإخلال بقواعد المجال التداولي

الإخلال بهذه القواعد للمجال التداوليّ تحدث كلما وردت على المجال ظواهر ثقافية وحضارية منقولة سواء كان ذلك بسبب إقبال أهله عليها تقليدًا لغيرهم، أو لحاجةٍ وجدوها في نفسهم لهذه الطواهر. أو حتَّى بسبب إدخالها على أهل هذا المجال عنوةً من قبل أهل المجال التداوليّ الآخر. والاخلال بقواعد المجال التداوليّ ويتنوَّع الاخلال بهذه القواعد الخاصة بالمجال التداولي (العقدية والمعرفية واللغوية) أو الإخلال بالقواعد الثلاثة الخاصة بكلّ قاعدة من هذه القواعد (كالإخلال بقاعدة الاعتبار بالنسبة للقواعد العقديَّة، أو الإخلال بقاعدة الاتساع من القواعد المعرفية أو الإخلال بقاعدة الإعجاز من القواعد اللغوية) أو الجمع بين عدَّة إخلالات معًا.

  • أصول التقريب التداولي الإسلامي العربي

في البداية يقرر المؤلف أنه لا سبيل إلى معرفة الممارسة التراثية بغير الوقوف على التقريب التداوليّ الذي يتميَّز عن غيره من طرق معالجة المنقول باستناده إلى شرائط مخصُوصةٌ يفضي عدم استيفائها إلى الإضرار بوظائف المجال التداولي، فضلًا عن استناده إلى آليَّات صوريَّة محددة. ويبدأ المؤلف في هذا الفصل في تفصيل عملية الوصل والتقريب التي يريدها هذا الباب.

  • خصوصية التقريب التداوليّ

أولًا: الأوصاف العامَّة للتقريب التداوليّ

  • التقريب غير التوفيق: وقد تمايزت وتباينت آراء مؤرخي الفلسفة الإسلامية وناقديها في التوفيق. فمنهم من رأي أنَّ التراث الإسلامي مشروع توفيقي هائل يوفِّق ما بين العلوم الأصيلة والعلوم الدخيلة بحركية وفاعلية كبيرة، ومنهم من رأي التوفيق آفة من آفات هذا التراث الإسلامي العربيّ، بينما يرى البعض أنّ الفلسفة الإسلامية مشروع توفيقي هائل يحاول فقط أن يوفق الحقائق الفلسفية والحقائق الدينية الإسلاميَّة.

بسنما ينتقد المؤلف النموذج التوفيقي الذي لا ينظر في الآليات المُنتجة لهذا العلم من غيره. وأنّ الآليات المنتجة لكلّ علم تحتلف باختلاف البيئة والثقافة واللغة ونظرية المعرفة والعقيدة في سياق الحضارة التي أنتجت هذه العلوم. بالطبع أكبر هؤلاء الموفِّقين هو ابن رشد الذي وينتقده المؤلف كثيرًا في كتابه فصل المقال الذي يرى فيه الفلسفة أخت الشريعة وأختها الرضيعة، دون النظر في الآليات التي أنتجت الفلسفة اليونانية ونظيرتها الإسلاميَّة.

للتوضيح أكثر في هذا السياق يضرب المؤلف مثلًا بمفهوم «التِّيوس» في المجال اليوناني أو «الإله» في المجال الإسلاميّ. فالمشتعل بالتوفيق لا يرى الحاجة في الوصل بين هذه المفهومين إذ كلاهما يدلّ على الصانع الي ليس فوقهما صانع. بينما المشتغل بالتقريب يرى الامور بشكلٍ مختلف، فيقرأ المفهومين من خلال عدَّة قواعد وأسباب منها المعرفيّ ثم العقديّ واللغويّ. فالـ «تيوس» عند اليونان هو المبدأ الأوَّل من مراتب الوجود بينما الإله عند المسلمين هو أنه المستحقّ للعبادة دون سواه. وبينما يرى المجال التداوليّ اليوناني الـ «تيوس/الإله» مقصودًا نظريًّا يراه المجال التداوليّ الإسلاميّ مقصدًا عمليًّا، وشتَّان بين النظرتين.

  • التقريب غير التَّسهيل: التسهيل أو التييسر تمّ استخدامه كثيرًا باعتباره تقريبًا، لكنّ المؤلف يرى باختلاف اللفظين اختلافًا دِلاليًّا كبيرًا، فبينما يهتم المشتغلونَ بالتَّسهيل باستخدام الألفاظ السَّهلة للدالة على المفاهيم الفلسفية العميقة والمغلقة بينما يرى المؤلف أن التقريب يوجب تحرَّي هذه السهولة ليس فقط في الألفاظ والمفاهيم الكبيرة وإنما أيضًا في الاعتقاد والفكر والعبارة، فيلزم أن يكون التقريب على هذه المستويات الثلاث، بينما يقوم دعاة التسهيل بتيسير المصطلحات المغلقة فقط.
  • التقريب غير المقاربة: يدلُّ لفظ المقاربة في استعماله على النتائج التي تكون قريبة من المطلوب. ويطلق على هذه النتائج «حكم تقريبي» وقد تم استخدام لفظ المقاربة للدلالة على التقريب في بعض المواضع، بينما هناك اختلافًا منطقيًا واسعًا بينهما. فإذا دلَّت المقاربة على التوسُّط وعلى الاشتباه في النتائج التي وصلت إلى حد التقارب مع النتائج الحقيقية، فإن التقريب يصل إلى حدود المطابقة والحقّ. وهو اختلافٌ جوهريٌّ كبير.

ثانيًا: العمليَّات الخاصة للتقريب التداولي

يقع لفظ «التبعيد» موقع الضدّ من لفظ «التقريب». وكلاهما متعلِّقٌ بمجال التداول. فكما أنّ التقريب هو حفظ أسباب الاتصال بالمجال التداوليّ، بينما التبعيد هو محو هذا الاتصال أو حفظ الانفصال عنهُ. وللتبعيد وجوهٌ ثلاثة، سيعرضها المؤلف للاستدلال بها عن طريق «المقابلة» على أوصاف الاتصال التداوليّ في التقريب.

  • الوجه الأوٍّل؛ التبعيد تطويل: يقول المؤلف أنَّ الطرق التي اتبعت في أداء المقاصد الفلسفيَّة والمنطقية وقعت في تطويل العبارة، والمقصود أنهم يذكرون ألفاظًا وتراكيبًا في العبارة تزيد عن حاجة القارئ بالنظر إلى المقتضيات اللغوية. والتطويل في الصيغة يؤدي إلى آفتي الحشو والركاكة كما يؤثر على المخاطب بالتشكيك.

وإذا كان الأمرُ كذلك بالنسبة للتبعيد فإنَّ المقابل له هو التقريب والذي يوصف بالاختصار. فيؤثر في المخاطب بالاستيقان والتيسير وسرعة الفهم.

  • الوجه الثاني؛ التبعيد تهويل: فقد اتصفت المضامين الفلسفية والمنطقية المنقولة بوصفِ التهويل والمقصوُ به هنا هو إيراد مغانٍ ومفاهيم يستعظمها المخاطب بالنظر للمقتضايت المعرفية لمجال التداول.

ويقع أصحاب التبعيد في ضرر معرفيّ على المخاطب. فيقع في آفة الإغراب كأن يأتي بأسماء العلم من غير اني صوغها على مقتضيات الاوازن العربية أو أن يستخرج الفاظًا بمسالك اشتقاقية غير مألوفة. كما يقع كذلك في آفة التعجيز حيث يشعر المخاطب بأنَّهُ أقلّ من أن يفهم، فيتشكك في قدراته على الفهم والتحصيل والإنشاء. يقابله على ناحية التقريب «التهوين» ولهُ عدَّة منافع منها الألفة حيث يبتعد المشتغل بالتقريب عن كلّ ملغزٍ من الألفاظ فيشعر المخاطب بالألفة مكا يشعرهُ بالإقدار على الفهم والتحصيل والإنشاء.

  • الوجه الثالث؛ التبعيد تعطيل: وهو أن اتخذ تقرير المعاني الفلسفية المنقولة فالإضافة إلى التطويل (الإخلال بالقاعدة اللغوية للمجال التداولي) والتهويل (الإخلال بالقاعدة المعرفية للمجال التداولي) وجهًا آخر يسميه المؤلف «التعطيل» وهو قطع صلة الألفاظ الفلسفية بمدلالاتها اللغوية والاصطلاحية الأصلية التي توافق المقتضيات العقدية لمجال التداول.

وقد وقع أرباب التبعيد في آفة التضمين وهي أنهم عمدوا إلى ألفاظ عامة ودائرة على الألسن فيدخل فيها معاني ليست هي المعاني التي تسبق إلى ذهن المخاطب حين يسمع هذه الألفاظ. كأن يعمد إلى لفظ من الألفاظ الخاصة بمجال عقدي فيحملها على وجوه غير وجوهها الأصلية. كأن يحمل (اللوح المحفوظ) على معنى (النفس الكلية) و(القلم) و(جبريل) على معنى (العقل الفعَّال!).

وكما أنَّ التعطيل يُوقع المشتغلين بالتبعيد في هذه الآفات، فإن ما يُطلق عليه المؤلِّف «التشغيل» وهو مضادّ التعطيل من جهة التقريب التداوليّ يوصف بالتفعيل حيث يقوم المشتغل بالتقريب بتأسيس المدلول الاصطلاحي الشرعي على المدلول اللغوي للفظ لكي يستمد منه الأسباب الدلالية والاستدلالية التي تدخله في سياق الممارسة التداولية.

الفصل الثالث: آليات تقريب المنطق اليوناني

يقرر المؤلف في بداية هذا الفصل أنَّ المنطق اليوناني علمٌ تجريديّ ولهذا كانت مناهضة المنطق بسبب تغلغله في التجريد بينما يقوم المجال التداولي الإسلامي على أفقٍ عمليّ.

أولًا: الأسباب التداولية لمناهضة المنطق

لم يكن المشتغلون بعلم المنطق محصورين في منطقة جغرافية معينة، ولا ديانة محددة فكان منهم المسلم واليهودي والصابئي والمسيحي. كما تنوعت عقائدهم ومذاهبهم فمنهم المتكلم والفقيه وغيرهم كذلك. وقد لاقى المنطق تشنيعًا وحدَّةً في التعامل من المنتقدين، كما اعتبروا المنطق تشنيعًا ومظنة للشبهات ورجمًا بالغيب. كما اتهموا المشتغلين به والعاملين عليه. وقد كان من المعارضين الفقهاء الكبار والأصوليون والمتكلمين واللغويين. كالشافعيّ والسيرافي والباقلاني والقاضي عبدالجبار وابن تيمية والسيوطي وابن قيم الجوزية والكثير غيرهم. وقدّ أخلّ المنطق بعدة قواعد مأصولة في المجال التداوليّ الإسلاميّ العربيّ. منها الإخلالات اللغوية ومنها الإخلالات العقديَّة كما يخلُّ كذلك بالقاعدة المعرفيَّة. كلّ هذه الأسباب أدَّت لمناهضته والمشتغلين بِهِ تمامًا.

ثانيًا: آليَّات التقريب اللغوي واختصار المنطق: ابن حزم نموذجًا.

ثالثًا: آليات التقريب العقديّ وتشغيل المنطق: الغزالي نموذجًا.

رابعًا: آليات التقريب المعرفيّ وتهوين المنطق: ابن تيمية نموذجًا.

  • في هذا الجزء من الكتاب يُسهب المؤلِّف في آليات التقريب الثلاثية (اللغوي والعقدي والمعرفي) في الاشتغال بالمنطق أو انتقاده (في حالة ابن تيمية) في المجال التداولي الإسلاميّ العربيّ. لا يمكن اختصار هذا الجزء أو شرحه بإيجاز، ربما يطلع عليه الدكتور بنفسه، لعدم تمكني من علم المنطق بطريقة تتيح لي التعامل معه وشرحه ناهيك عن اختصاره.

 الفصل الرابع: التقريب التداوليّ لعلم الأخلاق اليوناني

أولًا: إبطال دعوى ضعف العناية التراثية بعلم الأخلاق

فقد انتشرت بين الباحثين والمشتغلين بالتراث دعوى تقول أنّ حظّ مجال الأخلاق من اهتمام علماء الإسلام ومفكريه ضئيلٌ إذا ما قورن بغيره من مجالات المعرفة العلمية الفلسفية. وهي دعوى باطلة في نظر المؤلف، مثلها مثل الدعوى التي تقول بضعف حظ التراث الإسلاميّ العربي من الاشتغال بالمنطق واقتصارهم على نقل المنطق اليونانيّ. ولكنه يقرر أن هذه الدعوى في علم الأخلاق أسوء منها على علم المنطق لأنّ علم الأخلاق أكثر العلوم قربًا إلى الممارسة الدينية.

  • صلة الشريعة الإسلامية بالأخلاق: فقد صرَّحت الشريعة الإسلامية تصريحًا واضحًا مباشرًا بأهميَّة الأخلاق وكونها ركنًا من أركانه المؤسِّسة. فقد وصلت إلينا روايتان لحديثٍ مشهور ينصُّ نصًّا على هذا: (إنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق) و(إنما بعثتُ لأكمل صالح الاخلاق). فكيف تنشأ علومًا كالحديث والفقه وغيرهما ولا يتمّ تطوير علم للأخلاق؟!
  • خصوصية الاخلاقيات الإسلامية: فلا يصحُّ أن تُنزل أحكام الأخلاقيَّات اليونانيَّة إنزالًا على الأخلاقيات الإسلامية، إذ لهذه الاخيرة خصوصيَّة على الأولى. ونجد علم الأخلاق مبثوثًا في علومٍ ثلاث، هم: 1- علم الفقة، و2- علم الكلام، و3- علم التصوف. وقد تمت تسميتهم بـ (علم السلوك).
  • الكليات الأخلاقية الفطرية: فلم يقف اهتمام المسلمين بعلم الأخلاق على ما أنتجته الشريعة الإسلامية من المعاني والمبادئ. وإنما استفادوا في بناء فلسفتهم الأخلاقية مما نقلوه من النظريات الأخلاقية اليونانية والفارسية والهندية. وقد ساهم ثلاثة فلاسفة يونانيين كبار في بناء الفلسفة الاخلاقية الإسلامية وهم: أفلاطون وأرسطو وجالينوس.

ثانيًا: آليَّات التقريب العقدي وجلب الاشتغال للأحكام الاخلاقية اليونانية

  • اتحاد مفهوم المدينة ومفهوم السياسة:

فقد عرَّف أسطو الإنسان باعتباره «حيوانًا سياسيًا» بينما عبَّر المسلمون عن هذا المعنى بقولهم: «الإنسان حيوانٌ مدنيّ» أو بقولهم «الإنسانُ مدنيٌّ بطبعه». فهل هناك صلةٌ بين السياسي والمدني عند اليونان؟

يرى المؤلف أن العلاقة بين السياسي والمدني مبثوثٌ في اللَّفظ اليوناني «بوليتيكوس» فهذا اللفظ مشتقٌّ من كلمة «بوليس» أي «المدينة». فهنا كلمة بوليتيكوس تدل على المدني والسياسي معًا. فلا انفكاك لأحدهما عن الآخر. يترتب على هذا الجمع بين اللفظين أن الاخلاق اليونانية هي أخلاق مدنية سياسية وصفت بكونها «أخلاق المواطن الصَّالح». علمًا بأنّ مدلول المواطنة هنا هو التَّساكُن في مدينةٍ واحدة.

  • مبدأ الاشتغال والأحكام الأخلاقية اليونانية

على هذا، ولدافع التقريب تحتاج الأخلاق اليونانية إلى التَّصحيح من الجهتين، حتى يرتفع عن الإرادة الإنسانية نقصُها، ويرتفع عن المواطنة ضيقها. وقد تولت الممارسة التراثية هذا التصحيح الاخلاقي باستخدام آليات التقريب العقدي، حتَّى تمدّ الأخلاق اليونانية بالسند العملي الذي ينقصها (لاحظ ما أوردناهُ من التدليل أن علم الأخلاق اليوناني نظريُّ تجريديٌّ مثل المنطق اليوناني تمامًا، بينما علم الأخلاق الإسلامية عمليّ تجريبيّ).

  • مبدأ الإيمان بالله، وتأصيل الأحكام الأخلاقيَّة: ويقتضي هذا المبدأ ما قرَّرته قاعدة الإئتمار والتي ذكرناها سابقًا، وهي:

سَلِّم بأنَّ الله سبحانه وتعالى واحدٌ مستحقٌّ للتقديسِ والتنزيهِ والعبادةِ دونَ سواه، متبعًا تعاليم الرِّسالة التي بعث بها نبيه الخاتم سيدنا مُحمَّد عليه الصلاة والسلام.

وتنبني على هذه القاعدة حقيقتين اثنتين: 1- أنّ الأخلاق مبنيَّة على التوحيد لا على التعديد. 2- وأنّ الأخلاق مشرَّعة تشريعًا إلهيَّا لا موضوعة وضعًا إنسانيًّا. وعلى هذا حاولت الممارسة التراثية أن تقرِّب علم الأخلاق اليوناني من خلال ثلاثة ممارسات:

الاولى: نسبة فلاسفة الأخلاق إلى التوحيد والبحثُ في كتبهم وعباراتهم عن الألفاظ أو العبارات التي تعطي مفهومًأ توحيدًا، وتأوُّل ألفاظهم التي تفيد الشرك أو مخالفة أركان العقيدة.

الثانية: تغيير عبارات النصوص فإذا ذكر لفظ الآلهة بالجمع فيكتبها الشخص المشتغل بالتقريب الإله.

الثالثة: تضمين النصّ عبارات إسلامية: يذكر المشتغل بالتقريب اسم «الإله الصانع» مثلًا بألفاظ التقديس والتنزيه كلفظ «جل شأنه/عزّ وجلّ» لحمل المخاطب على تأويل صيغة الآلهة بالجمع كما أسلفنا.

هذا كان مثالًا آخر على مفهوم التقريب التكاملي في المجال التداوليّ الإسلامي في علم الأخلاق اليوناني. وعلى هذا كان الكتاب مهتمًا بـ:

  • اتباع الاشتغال بمسالك تقويم التراث منهجية تستمد أوصافها وآلياتها الجوهرية من المبادئ التي قامت عليها الممارسة التراثية الإسلاميَّة العربيَّة.
  • نقد المؤلف لكلّ أشكال النظرة التقويمية للتراث التي تعتمد آليات ومنهاجيات مغايرة جاءت من ثقافة وحضارة مغايرة ومجال تداولي آخر غير المجال التداولي الإسلاميّ العربي.
  • ينتقد المؤلف أعمال المؤلفين التي اشتغلت على المضامين التراثية ولم تعمل على الآليات الإنتاجية التي أنتجت هذه المضامين التراثية. وعلى هذا ينتقد المؤلف النظرة التجزيئية للتراث التي وقع فيها مشروع المفكر الراحل مُحمَّد عابد الجابريّ. وينتقد المؤلف نموذج الجابري في الباب الأوَّ من هذا الكتاب مشروع الجابري نقدًا لاذعًا، خارجًا بنتيجة أنّ هذا المشروع الذي يدعي التكامل هو أبرز المشاريع التي تعاملت مع التراث تجزيئيةً ونقصًا.
  • في البابين التاليين يشتغل المؤلف على مفهومي التَّداخل المعرفيّ لعلوم هذا التراث الإسلامي العربي، من خلال علم أصول الفقه. ومن خلال فلسفة الإلهيات والتداخل المعرفيّ الخارجي، متخذًا نموذجين اثنين أولها الشاطبي في كتابه الموافقات، والثاني ابن رشد في فلسفته.
  • في الباب الثالث والأخير يشتغل المؤلف على مفهوم التقريب التداوليّ للتراث. ويعمل بتقريب العلوم المنقولة مع العلوم المأصولة بتعبيره. ويتخذ نموذجين اثنين على هذا التقريب. أولهما علم المنطق اليوناني وثانيهما علم الأخلاق اليوناني وكيفية تقاربهما التداوليّ مع الثقافة والعلوم الإسلاميَّة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *