Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

فلسطين بمنظور قرآني

أ.د/ طه جابر العلواني

    في كثير من الكتابات المعاصرة، تبدو فلسطين محل تنازع بين (حق تاريخي) يدعيه اليهود، و(حق قومي) يتمسك به العرب، ولكل فريق حججه واحتجاجه على الآخر ربما يمتد إلى المفاهيم والمسميات، فالقدس لدى العرب هي أورشليم لدى اليهود، والضفة الغربية لدى العرب هي يهودا والسامرة لدى اليهود، والغزو الصهيوني والاستيطاني لدى العرب هو (العودة) لدى الإسرائيليين. فإلى أي مدى يكمن التشابك بين الادعاء التاريخي اليهودي والحق القومي العربي؟

  إذا حاولنا الإجابة على هذا التساؤل الجوهري من خلال أحد المنطقين أي التاريخيّ اليهودي أو القومي العربي، فلن نخرج إلا إلى المزيد من التشابك، إذ سنضطر للتداعي مع أفكار الطرفين إلى ما لا نهاية، فالعرب لا ينكرون أن اليهود كانوا هنا يومًا ما في (الماضي)، واليهود لا ينكرون أنَّ العرب هم هنا (اليوم)، فكأنَّ المعركة الممنطقة تتم حول مفهوم إلغاء أو عدم إلغاء الإرث بالتقادم.

قد طرح البعض حلًا تسوويا يقضي بالتناصف بين الفريقين، التاريخي اليهودي والقومي العربي، طالما أنَّ لكل منهما قدرات المواجهة مع الآخر، ولكن دون التمكن من نفيه النهائي او اقتلاعه الجذري مهما تعددت الحروب، وهذا ما تحاول القوى الدولية فعله هنا، بداية من كامب ديفيد ومرورا بمدريد وما بعدها، فإلى أي مدى يمكن لهؤلاء النجاح؟

     لو نجحت التسوية الدولية بامتداداتها السياسية العربية، أنظمة ومنظمات، سنتيقن وقتها أن التاريخ هو من صنع الإنسان فقط، وليس ثمة قوة مفارقة لما يحدث على أرض الواقع، أي أننا سنأخذ بالمفهوم (الوضعي) للتاريخ الإنساني ونتعامل مباشرة مع الوقائع المادية.

   الإسلام يعطي فهما مختلفا للمسألة برمتها، من حيث دلالات المصطلحات ومن حيث مسيرة التاريخ، في الماضي كما في الحاضر، فالأرض ليست هي (فلسطين) العربية، وليست كذلك (يهودا والسامرة) الإسرائيلية، أنها بالتحديد (الأرض المقدسة).

    وهي بهذه الصفة (المقدسة) تتجاوز الحقين الوضعيين، التاريخي اليهودي والقومي العربي، فالله (سبحانه) بصفة (التقديس) للأرض قد وضع يده عليها مبطلا أي حق بشري فيها، بادعاء تاريخي أو بادعاء قومي، لهذا نكتشف أن الله (سبحانه)حين أمر بن إسرائيل بدخول هذه الأرض، فقد أمرهم بدخولها وبها قوم يملكون فيها حقهم القومي، وقد استعصى بنو إسرائيل على الأمر الإلهي، وأشاروا إلى وجود قوم في الأرض المقدسة يقاتلون دونها، ولذلك كان حوارهم مع موسى، (صلوات الله  وسلامه عليه): ﴿ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ *وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ*قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ* قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ* قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (المائدة 25:21).

لو عمدنا إلى تحليل هذه الآيات لوجدنا منطقا إلهيا في الحدث التاريخي يخالف المنطق الوضعي تماما، فالله (سبحانه) يأمر بني إسرائيل بدخول أرض لا يملكون فيها حقًا قوميًا، فالخطاب الإلهي ركز على (إرادة) إلهية، وليس عل حق قومي ﴿ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ…. ورفض الإسرائيليون الأمر الإلهي لا من ناحية عدم الرغبة في الأرض ولكن من ناحية وجود قوم جبّارين فيها، وطلبوا من موسى أن ينفذ إرادة الله بنفسه ومعه ربه ﴿… فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا… (المائدة:24)، بل وآثر الإسرائيليون العودة إلى مصر والبقاء رهن الأسر الفرعوني على دخول هذه الأرض أو التجاوب مع الإرادة الإلهية الآمرة بدخولها، فلما ضاق بهم موسى: ﴿… أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (البقرة:61). فحتى (الحق التاريخي) الذي يدعيه الإسرائيليون لم ينالوه بقدراتهم الذاتية ولا برغبتهم، ولهذا عوقبوا بالتيه أربعين سنة حين رفضوا دخول الأرض المقدسة، وقد تجلت حكمة الله في ذلك بأنها جيل تربى في الأسر الفرعوني، وتشرب قيم العبودية والذل فأصبح غير قادر على القتال، وولادة جيل جديد في التيه الصحراوي حيث الحرية والخشونة والاعتزاز، ولهذا كان التيه أربعين سنة، حيث ينتهي جيل ويولد جيل آخر ويبلغ أشده، وما كانت كلمات ربك إلا كتابا موقوتا في عدة الزمان: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (الأحقاف:15).

إذن، ليس ثمة (حق تاريخي) يمكن لليهود أن يدعوه في (الأرض المقدسة) كذلك ليس للعرب (حق قومي) في ذات الأرض المقدسة، فهي –أي الأرض المقدسة- وبمنطلق القرآن (ملكية إلهية خالصة)، ولهذا سميت (الأرض المقدسة) والتقديس يعني تجلي الله بالصفات في مقام التشبيه، فهو في الأرض المقدسة ملك وحاكم ومباشر للسلطة عبر الأنبياء، وذلك المعنى الدقيق (للحاكمية الإلهية) المرتبطة بالأرض وبالشعب، ومن خلالها يتم (تقديس الأرض) و(تفضيل) الشعب. فالصفتان، التقديس والتفضيل ترتبطان بالحاكمية الإلهية وليس بذات الأرض أو بذات الشعب، ولهذا ظل اليهود حين فهموا التفضيل فهما عنصريا: ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (البقرة:47).

     فلو كان التفضيل يتجه إلى (ذات العنصر) أو (ذات الأرض) لما عتب الله على إبليس حين فاضل أصل نشأته على نشأة آدم: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً (الإسراء62:61).

    فالتقديس ليست لذات الأرض، والتفضيل ليس لذات الشعب، وإنما لتعليقهما بالحاكمية الإلهية (المباشرة) على الأرض والشعب، فالأرض (مسخرة) بالكامل كأنها الجنة بالنسبة لآدم، فحيث خاطب الله آدم في الجنة لينال رغدًا ما يشتهي كذلك خاطب بني إسرائيل لينالوا رغدًا ما يشتهون: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (البقرة:58).وكذلك الخطاب الإلهي لآدم من قبل: ﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (البقرة:35).

     واستجابت الأرض والسماوات لكلمات الله في مملكتهن بخارق المعجزاتن فالبحر يفرق كطودين عظيمين: ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (البقرة:50)، و: ﴿ وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (البقرة:60).

وفي مقابل هذا العطاء الإلهي الخارق جاء العقاب غليظًا، فبمجرد الاعتداء في السبت يكون المسخ: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (البقرة:65). فحقت عليهم عقوبات تسمى في شرع الله (بالنكال) و (الإصر والأغلال). فخارق العطاء الإلهي المعجز يستتبعه خارق العقاب الإلهي ضمن مفهوم الحاكمية الإلهية المباشرة في الأرض المقدسة.

  قد تمرد الإسرائيليون على تلك الحاكمية الإلهية المباشرة، وطلبوا (سلطة ذاتية) في شكل ملك يولى عليهم كبديل عن حكم الله المباشر: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (البقرة:246). وهكذا تم الأمر: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا…﴾ (البقرة:247). وتلك نقطة مفارقة في تاريخ الأرض المقدسة، وإيذانا ببداية السقوط.

     في إطار تلك المنظومة المتكاملة (الأرض المقدسة- الشعب المفضل- الحاكمية الإلهية المباشرة- خارق العطاء المعجز –خارق العقاب)، ظل الخطاب الإلهي (حصريا) إلى بني إسرائيل ومقيدًا بشرعة (الإصر والأغلال)، فلما أراد الإسرائيليون تجاوز (مقدمات) هذه الحالة وعلى عهد موسى بالذات مطالبين بشرعة التخفيف والرحمة وجههم الله إلى منظومة مغايرة تماما عليهم الإنتماء إليها كشرط لشرعة (التخفيف والرحمة)، منظومة لا يكون فيها الخطاب الإلهي حصرًا عليهم، وإنما خطاب للعالم أجمع، ولا يكون المنطلق من أرض مقدسة وإنما من أرض تتسع للبشر جميعًا، وحيث لا يكون خارق عطاء ولا يكون خارق العقاب، ولا تكون حاكمية إلهية مباشرة وإنما قرآن يتلى فيستوعبه البشر، على مختلف ثقافاتهم وحضاراتهم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ * وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ * وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ *وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (الأعراف:158:152).

    إذا رجعنا لكافة هذه المقارنات سنكتشف تحول الخطاب الإلهي من الحصر إلى الإطلاق، أي من الخطاب القبلي (يا بني إسرائيل) إلى الخطاب العالمي (كافة للناس)، ومن شرعة (الإصر والأغلال) إلى شرعة التخفيف والرحمة، ومن العطاء الخارق وما يستتبعه من عقاب خارق بمنطق الحواس المنظورة على التوجه وفقا لطبيعة الإنسان دون معجزات: ﴿ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا (الإسراء:90) وقد فجر موسى اثنتا عشرة عينا من قبل. وقالوا ﴿ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا (الإسراء:91)، وقد كانت تلك هي جنة بني إسرائيل في الأرض، أي القرية الرغدة العيش، ولكن خاتم النبيين –أعزه الله بكلماته- لم يأت بخارقة معجزة،  وقد كبر عليه إعراض القوم يسألونه ما سأله الإسرائيليون من قبل لموسى: ﴿ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ* إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (الأنعام 36:35).

    فامتنعت المعجزات عن خاتم النبيين، وحلت شرعة (التخفيف والرحمة) بديلا عن شرعة (الإصر والأغلال) وأصبح الخطاب الإلهي (عالميا). بذلك انتهت حالة الأرض (المقدسة) و(الشعب المفضل) و(الحاكمية الإلهية المباشرة) وبدأت مرحلة (القرآن والإنسان)، وهكذا أرسل الله (سبحانه) أفضل أنبيائه وخاتمهم: ﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ* وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ*  وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (النمل: 91-93).

    قد انتهت (منظومة) الأرض (المقدسة)، بظهور النبي الأمي في الأرض (المحرمة) منطلقا باتجاه العالمية والخطاب القرآني العظيم، والمكنون والكريم، كافة للناس، وبشرعة (التخفيف والرحمة)، وهكذا استوعب الإسلام العرب في جزيرتهم، ثم امتد بهم على (الوسط) من العالم القديم، ما بين المحيطين، الأطلسي غربا والهادي شرقا، وخلال قرن واحد من الزمان.

    نعم، قد عاد الإسرائليون الآن إلى الأرض المقدسة : ﴿ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً *ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا* عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (الإسراء:4-8)

    قد قرر القرآن أمرين في سياق التاريخ (غير الوضعي) بالنسبة للأرض المقدسة، فالقرار الأول هو بداية (الحشر) الإسرائيلي باتجاه الأرض المقدسة من بعد جلاء قبائل بني قريظة وبني النضير وبني القينقاع من يثرب (المدينة المنورة)، ومضمون هذه القرار واضح في مقدمة سورة (الحشر) حيث قضى الله (سبحانه): ﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ *وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ* ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (الحشر: 2-4).

قد طبق الله عليهم عقوبة الإصر والأغلال حين طردهم من المدينة المنورة، ولم يحكم رسول الله فيهم وإنما حكم الرسول سيد الأنصار، فقضى عليهم بعقوبة الإصر والأغلال من حيث أنهم قد ﴿.. شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ.. (الحشر:4).

     إن منطلق الآيات يدل على (تدافع) بين المسلمين واليهود، فالله (سبحانه) إذا قضى بإخراجهم من المدينة المنورة، فإنما جعل ذلك (أول الحشر) إلى الأرض المقدسة، تحقيقا منه (سبحانه) لوعد المرة الثانية ﴿ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ…﴾ (الإسراء:7) وهو وعد ينتهي بإزالتهم من الوجود في الأرض المقدسة ﴿… لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا (الإسراء:7). ووعد حشرهم موضح أيضا في نهاية سورة الإسراء وبنفس منطق العودة: ﴿ وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (الإسراء:104).

    وتخلص الآن على ما نريد، فهذا المنطق التدافعي لا يحتمل حقًا قوميًا أو تاريخيًا، لا للعرب ولا لليهود، أنه تفسير مغاير كليا لكافة التفسيرات الوضعية للتاريخ، فهنا (تدخل غيبي) واضح، إذا يعود اليهود من بعد أربعة عشر قرنا إلى ذات المنطقة التي وحدها الإسلام بعالميته ليمارسوا دورًا (نقيضا)، أي الدور (التفكيكي)، فالرسالة الإسلامية بعالميتها هي أكبر من (الحصرية) التي ذكرناها وهي أكبر من الضيق التشريعي، فلماذا أعاد الله بني إسرائيل وقد نسخت حالتهم التاريخية والدينية؟!

هذا التساؤل يجد إجابته في مقدمة سورة الجمعة: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (الجمعة:5). فالله لم يقل (إن) الذين حملوا التوراة، وإنما قال (مثل) الذين حملوا التوراة، والمثل بشبيهه، فيرتد المعنى للذين حملوا القرآن فاستووا كاليهود الذين حملوا التوراة. ومن هنا يبدأ (التدافع) بين الطرفين، الإسلامي واليهودي، فكلاهما قد أساء إلى دوره، فبحبل منا تجاوز الله عن غضبته على اليهود، فعادوا إلى الأرض المقدسة: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ… (آل عمران:112).

ينبئنا القرآن العظيم بأن التدافع سيظل قائما إلى أن ينتصر الإسلام ﴿… فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا (الإسراء:7). وذلك حين يستيقن المسلمون من دينهم، تأكيدًا لقول الله (سبحانه) ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (التوبة:33).

هنا يكمن الفارق الكبير والجذري بين التفسير (الوضعي) للتاريخ والتفسير الذي يستشرف الوحي الإلهي للتاريخ، وهذا هو الفرق بين (الغائية الإلهية) للوجود وحركته وما قد يبصره الإنسان من وقائع (عفوية) الدلالات، فالتقدير الإلهي للوجود تتجه في النهاية إلى إحقاق الحق، كغاية: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (الدخان:38-39).

قد يستعصى هذا المنهج على كثيرين، وربما زج بعضهم في مفهوم (الجبرية) التي قد يرى أننا أخذنا بها في فلسفة التاريخ، أي فيما أوضحناه حول جبرية (التدافع)، غير أن ما يبدو من جبرية إلهية يتسع في مضمونه للإنسان وللطبيعة وهذا مجال فلسفي فيه من الرحابة القرآنية بأكثر مما يتصوره الفكر المعاصر، ولا نطرح ذلك قط في إطار (المعضلات) الفكرية التي تحتاج حلا (توفيقيا) أو منطقًا (انتقائيا)، فالعرب كما اليهود يستشعرون (كامل الحرية) في التخطيط، سلمًا أو مواجهة، ولا تعترضهم (الإرادة الإلهية) في سجلاتهم اليومية ولا تتدخل في كيفية الوقائع التي يباشرونها، فذاك كله قائم بذاته ولذاته ضمن (عالم المشيئة)، ولكن حين ندرك (ما فوق) عالم المشيئة يحدث النوع الآخر من التمكين والتبصر، ذلك أن وعي الإنسان هو أكبر من الحدود المادية الضيقة، وأكبر من شروط المواصفات الوضعية، فكيف إذا تحقيق وعيًا بالوحي القرآني؟

  

                                          

     

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *