Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

فقه الأقليات

أ.د/ طه جابر العلواني

 يثير الحديث عن فقه الأقليات عددًا من الأسئلة المنهجيَّة، منها: إلى أيِّ العلوم الشرعيّة أو النقليَّة ينتمي هذا الفقه؟ بأيِّ العلوم الاجتماعيَّة يمكن لهذا العلم أنْ يتصل، وما مقدار تفاعله مع كلٍّ منها؟ لماذا سمي بـ «فقه الأقليات»؟ وإلى أيِّ مدى تعتبر هذه التسمية دقيقة؟ كيف نتعامل مع القضايا التي يثيرها وجود المسلمين بكثافة خارج المحيط الجغرافي والتاريخي الإسلامي؟

وللإجابة عن هذه التساؤلات نقول: لا يمكن إدراج «فقه الأقليَّات» «في مدلول الفقه» كما هو شائع الآن – أيّ فقه الفروع- بل الأولى إدراجه ضمن «الفقه» بالمعنى العام الذي يشمل كل جوانب الشرع اعتقادًا وعملاً، بالمعنى الذي قصده النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- في قوله: «مَنْ يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»  أو «الفقه الأكبر» كما دعاه الإمام أبو حنيفة؛ لذلك رأينا ضرورة ربطه بالفقه الأكبر وضعًا للفرع في إطار الكل، وتجاوزًا للفراغ التشريعي أو الفقهي.

إنَّ فقه الأقليات فقه نوعي، يراعي ارتباط الحكم الشرعيّ بظروف الجماعة، وبالمكان الذي تعيش فيه، فهو فقه جماعة محصورة لها ظروف خاصَّة يصلح لها ما لا يصلح لغيرها، ويحتاج متناوله إلى ثقافة في بعض العلوم الاجتماعيَّة، عامةً، وعلم الاجتماع والاقتصاد والعلوم السياسيَّة والعلاقات الدولية خاصَّة.

تفكيك السؤال:

وإذا ثار سؤال له صلة بفقه الأقليات على لسان فرد، أو دار على ألسنة جماعة، فإنَّ المفتي المعاصر يحتاج إلى تجاوز الموقف الساذج البسيط الذي يحصر الأمر بين سائل ومجيب، سائل يعوزه الاطِّلاع الشرعيّ، ومجيب يعتبر الأمر منتهيًا عند حدود الاستفتاء والإفتاء، فهذا موقف غير علمي ورثناه عن عصور التقليد، وكرسته عقلية العوام التي استسهلت التقليد واستنامت له.

والمطلوب تبنِّي موقف علمي، يبحث في خلفية السؤال والسائل، والعوامل الاجتماعيَّة التي ولَّدت السؤال، وأبرزت الإشكال، وهل هو سؤال مقبول بصيغته المطروحة، أم يتعين رفضه بهذه الصيغة، وإعادة صياغته في صورة إشكال فقهي، ثم معالجته في ضوء رؤية شاملة تستصحب القواعد الشرعيّة الكلية، والمبادئ القرآنيَّة الضابطة، وتراعي غايات الإسلام في الانتشار والتمكين على المدى البعيد؟

ومن هنا نستطيع أنْ نفهم نهي القرآن المجيد عن أسئلة معينة، من شأن إثارتها والإجابة عنها أنْ تؤدي إلى مشكلات اجتماعية خطيرة؛ لأنَّ تلك الأسئلة صاغتها ظواهر سلبية، فإذا أُجيب عنها في ذلك السياق استحكمت تلك الظواهر وتمكنت. كما نستطيع في ضوء ذلك فهم نهي الرسول –صلى الله عليه وآله وسلم- عن «قيل وقال وكثرة السؤال…».

فإذا سأل سائل – مثلاً هل «يجوز» للأقليات المسلمة أنْ تشارك في الحياة السياسيَّة في البلد المقيمة فيه، بما يحفظ لها حقوقها، ويمكنها من مناصرة المسلمين في بلدان أخرى، ويبرز قيم الإسلام وثقافته في البلد المضيف؟ فإنَّ الفقيه الواعي بعالمية الإسلام وشهادة أمته على الناس، وبالتداخل في الحياة الدولية المعاصرة لن يقبل السؤال بهذه الصيغة، بل سينقله من منطق الترخص السلبي إلى منطق الوجوب والإيجابية، انسجامًا مع ما يعرفه من كليات الشرع وخصائص الأمَّة والرسالة.

ضرورة الاجتهاد:

لقد استوطن الإسلام في العقود الأخيرة بلدانًا كثيرة لا تدخل ضمن حيزه التاريخي، وصار وجوده ناميًا في تلك البلدان، وبدأ المسلمون يواجهون واقعًا جديدًا يثير أسئلة كثيرة جدًّا تتجاوز القضايا التقليدية ذات الطابع الفردي، المتعلقة بالطعام المباح واللحم الحلال وثبوت الهلال والزواج بغير المسلمة، إلى قضايا أكبر دلالة وأعمق أثرًا ذات صلة بالهوية الإسلاميَّة، ورسالة المسلم في وطنه الجديد، وصلته بأمته الإسلاميَّة ومستقبل الإسلام وراء حدوده الحالية.

وربما حاول البعض الإجابة عن هذا النمط من الأسئلة بمنطق «الضروريات» و«النوازل» ناسين أنَّه منطق هش لا يتسع لأمور ذات بال وربما واجه المسلم فوضى في الإفتاء: فهذا الفقيه يُحِلُّ، وذاك يُحرِّم، وثالث يستند إلى أنَّه يجوز في «دار الحرب» ما لا يجوز في «دار الإسلام»، ورابع يقيس الواقع الحاضر على الماضي الغابر قياسًا لا يأبه بالفوارق النوعية الهائلة بين مجتمع وآخر، وبين حقبة تاريخية وأخرى، بل لا يأبه بالقواعد الأصولية القاضية بمنع قياس فرع على فرع.

فتكون النتيجة المنطقية لهذا المنطق المنهجي الخاطئ إيقاع المسلمين في البلبلة والاضطراب، وتحجيم دورهم المرتقب، والحكم عليهم بالعزلة والاغتراب، وإعاقة الحياة الإسلاميَّة، وفرض التخلف عليها، وإظهار الإسلامي بمظهر العاجز عن مواجهة أسئلة الحضارة والعمران المستنير في زماننا هذا، والحق أنَّ مشكلات الأقليات المسلمة لا يمكن أنْ تُواجَه إلا باجتهاد جديد، ينطلق من كليات القرآن الكريم وغاياته وقيمه العليا ومقاصد شريعته ومنهاجه القويم، ويستنير بما صح من سنَّة وسيرة الرسول –صلى الله عليه وآله وسلم- في تطبيقاته للقرآن وقيمه وكلياته.

 

تجاوز الفقه الموروث:

أمَّا الفقه الموروث في مجال التنظير لعلاقة المسلمين بغيرهم فهو – على ثرائه وتنوعه وغناه وتشعبه – قد أصبح أغلبه جزءًا من التاريخ، لأسباب تتعلق بالمنهج، وأخرى بتحقيق المناط.

 

أما الأسباب المنهجيَّة فأهمها:

أولاً: لم يُرتب بعض فقهائنا الأقدمين مصادر التشريع الترتيب الصحيح الذي يعين على حسن الاستنباط، والذي يقضي باعتبار القرآن الكريم أصل الأصول، ومنبع التشريع، والمصدر التأسيسي المهيمن على ما سواه، والمقدم عليه عند التعارض، واعتبار السنَّة النبويَّة مصدرًا بيانيًّا ملزمًا يُكمل القرآن ويفصله ويتبعه.

ثانيًا: لم يأخذ أكثر فقهائنا عالمية الإسلام بعين الاعتبار في تنظيرهم الفقهيّ لعلاقة المسلمين بغيرهم، بل عبَّروا عن نوع من الانطواء على الذات لا يتناسب مع خصائص الرسالة الخاتمة والأمة الشاهدة.

ثالثًا: تأثر الفقهاء بالعرف التاريخي السائد في عصرهم حول التقسيم الدولي للعالم، فضاقت نظرتهم للموضوع، وابتعدوا عن المفهوم القرآني للجغرافيا.

 

وأما الأسباب ذات الصلة بتحقيق المناط فأهمها:

أولاً: لم يعتد المسلمون في تاريخهم – بعد عصر الرسالة – على اللجوء إلى بلاد غير إسلاميَّة طلبًا لحق مهدَر أو هربًا من ظلم مفروض، بل كانت بلاد الإسلام في الغالب أرض عزٍّ ومَنَعة، ولم تكن تفصل بينهما حدود سياسية مانعة؟ فكلما ضاقت بمسلم أرض، أو انسدت عليه سبيل، تحول إلى ناحية أخرى من الإمبراطورية الإسلاميَّة الفسيحة، دون أنْ يحس بغربة، أو تعتريه مذلة.

ثانيًا: لم تكن فكرة المواطَنة – كما نفهمها – اليوم موجودة في العالم الذي عاش فيه فقهاؤنا الأقدمون، وإنّما كان هناك نوع من الانتماء الثقافي لحاضرة معينة، أو الانتماء السياسي إلى إمبراطورية معينة يعتمد المعيار العقائدي، ويتعامل مع المخالفين في المعتقد بشيء من التحفظ، مع اختلاف في درجة التسامح، من محاكم التفتيش الأسبانية إلى الذمة الإسلاميَّة.

ثالثًا: لم تكن الإقامة في بلد غير البلد الأصلي تُكسب حق المواطَنة بناءً على معايير ثابتة، مثل الميلاد في البلد المضيف، أو أمد الإقامة، أو الزواج، وإنّما كان الوافد يتحول تلقائيًّا إلى مواطن إذا كان يشارك أهل البلد معتقدهم وثقافتهم، أو يظل غريبًا- مهما استقر به المقام- إذا كان مخالفًا لهم في ذلك.

رابعًا: لم يكن العالم القديم يعرف شيئًا اسمه القانون الدولي أو العلاقات الدبلوماسية، اللذان يحتِّمان على كل دولة حماية رعايا الدول الأخرى المقيمين على أرضها، ومعاملتهم بنفس معاملة الرعايا الأصليين، إلا في بعض الأمور الخاصَّة التي تقتضي حق المواطنة التميز فيها.

خامسًا: كان منطق القوة هو الغالب على العلاقة بين الإمبراطوريات القديمة – بما فيها الإمبراطورية الإسلاميَّة- فكانت كل منها تعتبر أرض الأخرى «دار حرب» يجوز غزوها وضمها كليًّا أو جزئيًّا إلى الدولة الغالبة؛ إذ من طبيعة الإمبراطوريات أنَّها لا تعرف حدودًا إلا حيث تتعسر على جيوشها مواصلة الزحف.

سادسًا: لم يعش فقهاؤنا الوحدة الأرضية التي نعيشها اليوم، حيث تتداخل الثقافات، وتعيش الأمم في مكان واحد، وإنما عاشوا في عالم من جزر منفصلة، لا تعايش بينها ولا تفاهم، فكان «فقه الحرب» طاغيًا بحكم مقتضيات الواقع يوم ذاك، وما نحتاج إليه اليوم هو «فقه التعايش» في واقع مختلف كمًّا ونوعًا.

سابعًا: كان بعض الفقهاء الأقدمين والمتأخرين يعبرون بفتاواهم عن نوع من المقاومة وردة الفعل على واقع مخصوص يختلف عن واقعنا، وفي هذا الإطار يمكن أنْ ندرج كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أهل الجحيم» وفتاوى علماء الجزائر في صدر هذا القرن بتحريم حمل الجنسية الفرنسية، فهذه الكتب والفتاوى جزء من ثقافة الصراع التي لا تحتاج إليها الأقليات الإسلاميَّة.

 

إنَّ هذه الأمة من أخص خصائصها لا يمكن أنْ تحدها أرض، أو يختص بها مكان، بل لا بد أنْ تخرج إلى الناس، وتبلغهم رسالة الله إلى العالمين. فأيّ كلام بعد ذلك عن «دار إسلام» أو «دار إسلام» و«دار حرب» – بالمعنى الجغرافي لهذين المصطلحين- إنّما هو ضرب من التكلف وتضييق لآفاق الرسالة.

بل إنَّ مفهوم «الأمة» في شرعنا لا يرتبط بالكم البشري أو الحيز الجغرافي أصلاً، وإنما يرتبط بالمبدأ الإسلامي، حتى إنَّ تجسد ذلك المبدأ في شخص واحد؛ ولذلك استحق إبراهيم -عليه السلام- وصف «الأمة» في القرآن الكريم؛ لقنوته لله وشكره لأنعمه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (النحل:120، 121).

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *