Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة - مراحل نشأة وتطور الخطاب الإسلاميّ - نقد الخطاب الإسلامي المعاصر - الأنبياء والتجديد - نحو تجديد الخطاب القيميّ

عوائق أمام المراجعات

أ.د/ طه جابر العلواني

إنّ المحاولات التي بُذلت لإصلاح التعليم الديني لم تُحدث من الآثار ما كان يُرتجى منها، ولم تتمكن من وضع هذه العلوم تحت تصديق القرآن وهيمنته، واستيعابه وتجاوزه، ولم تُعدها إلى حالة الانطلاق من «الجمع بين القراءتين» الذي لا يمكن أنْ تأخذ العلوم مسارها الصحيح بدونه؛ ولذلك أسباب عديدة أدت بجملتها إلى تردد كثير من العلماء القادرين على ممارسة المراجعة والنقد في القيام بذلك قديمًا وحديثًا، ومنها:

  • أدلجة كثير من المقولات التراثية ([1]) في مختلف علوم المقاصد في بعض مراحل التاريخ، وما تتم أدلجته فمن الصعب توجيه النقد بكل أنواعه إليه، فحاملوه سوف يرون في النقد عملاً عدائيًّا يستفزهم للدفاع عن ذلك التراث.
  • إنَّ مما يزهّد البعض في ممارسة النقد المعرفيّ للتراث حتى لو أتقنوه، وانطلقوا في نقدهم من منطلق الالتزام بالتراث، لا التنكر له، تصورهم أنّ لا علاقة تذكر بين تردي أوضاع الحاضر وثقافة وأفكار الماضي.
  • إنَّ تقاليدنا تنطوي على حساسيّات شديدة لأيَّة مراجعات تتكلم عن آباء كُرّست مشروعيَّتهم التاريخيَّة؛ لأنَّ ذلك – في نظر البعض- إساءةٌ إلى أولئك الآباء وتقليل من شأنهم، وقد كُرّست مشاعر ترى أنّه لا فصل بين الرأي وقائله، فإذا انتقدت رأيًا فكأنّك سببت قائله.
  • إنّنا أمَّة قد أصَّلت لفكرة «الإجماع» واعتبرته دليلاً من أهم أدلتها الشرعيّة، فصار كثيرون من أبناء الأمَّة ينظرون إلى «النقد المعرفي» على أنَّه مفرّق، منافٍ للإجماع الذي ينبغي أنْ يكون هدفاً لسائر أبناء الأمَّة وفصائلها ([2]).

وعلى الرغم من قيام بعض الأئمة السالف ذكرهم، بمراجعات هامة في التراث، إلاّ أنّنا لا نستطيع أنْ نقرر أنَّ المراجعات كانت ظاهرة عامة أو علمًا أو فنًا قائمًا بنفسه، فلِمَ لمْ يُراجع الإسلاميون تراثهم بأنفسهم؟

إنَّ كاتب هذا المقال لا يقلل من أهمية أيِّ جهد معرفيٍّ يُبذل من الداخل الإسلاميِّ أو من خارجه؛ لمقاربة التراث الإسلاميِّ وتناوله تناولاً معرفيًا، لكنَّه يرى أنَّ أهل التراث أولى بتراثهم من سواهم، وأقدر على نقد تراثهم وتحليله والكشف عن نقاط قوته ومفاصل ضعفه.

وقد يكون لهم عذر ونحن نلومهم، أو أنَّ الحاجة إلى مرآة عاكسة كان أكبر!! كما قيل:

 

فالعين تلقي كفاحا ما نأى ودنا   ***    ولا ترى نفسها إلا بمرآة

     

ولكن المؤمن مرآة أخيه، أفليس من المناسب أنْ يكون مرآة تراثه والمحلل لقضاياه، والخبير بدقائقه؟ فما الذي جعل الكثيرين يتردَّدون في ذلك، أو لا يمارسونه إلا لمامًا؟ حين نحاول النظر بعمق إلى الأسباب التي جعلت الباحثين المسلمين، الذين ينطلقون من منطق الالتزام بالإسلام يترددون في القيام بالدراسات المعرفية والنقديَّة للتراث يمكن ذكر بعضها – على سبيل الإجمال- في النقاط التالية:

1- قليلون جدًّا أولئك الذين يستطيعون أنْ يدركوا العلاقة الوثيقة بين تردي أوضاع الحاضر، وثقافة وأفكار الماضي؛ حيث إنَّ فترة الاستعمار وما استلزمته من تعبئة للحفاظ على الهوية والإعداد للتحرير، قد استخدمت الماضي كأهم وسيلة للتحريض على تغيير ذلك الحاضر، فاضطرت لتبرئة الماضي وتكريس صلاحيته وسلامته، وحجب الأنظار عن ملاحظة ما فيه إلا إذا كان إيجابيًّا، أو مما يمكن تأويله وتفسيره بشكل إيجابي، وإذا كان القرآن المجيد يشير إلى الماضي بشكل مبدئي بقول الله (تعالى): ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة:134)، فذلك وإنْ كان في سياقه الخاص وإطاره، لكنه في سائر الأحوال إنّما يتعلق بنتائج الثواب والعقاب والجزاء، وتلك قضية أخرى، أمَّا دراسة أحوال مَنْ سبق وتحليل قضايا الواقع التاريخيّ لاستفادة العبر والدروس، والكشف عن علاقتها بالحاضر، فتلك من الاعتبار والنظر المأمور به، لاستخلاص الدروس، والاستفادة بالتجارب.

2- إنَّنا ورثة تقاليد ذات حساسيات شديدة لأيَّة مراجعات لآراء أو مذاهب تكلمت بها شخصيات كُرِّست مشروعيتُها ومكانتها التاريخية في العقول والقلوب والنفوس، وذلك لخلط سابق تكرس – أيضًا- بين الرأي وقائله حتى كاد البعض ينظر للرأي كأنه ذات صاحبه، فأيّ نقد يوجه لرأي قال به أو تبنَّاه أحد قيادات الرأي أو المذهب يعد بمثابة نقد لصاحب الرأي أو المذهب، فإذا كان النقد عندنا قد أخذ معنى السبِّ والهجو، والآراء قد تشخصت لعوامل تاريخيَّة ومعاصرة فإنَّ ذلك يعيننا على فهم كثير من الأسباب التي تحول بين بعض من لديهم ما يقولون والإمساك عن الإفصاح عنه، والتصريح به؛ لئلا يُتهموا بعدم توقير الأئمة، وعدم احترام الآباء.

كما أنَّ تقاليد احترام الأكبر في السن أو المقام، تقاليد متأصلة في ثقافتنا، صاحَبها نوع من الانحراف بمفهوم الاحترام ليضم إلى معانيه قَبول الرأي من الأكبر وعدم إظهار المخالفة إلا في أضيق الحدود، وفي إطار كثير من التحفظات، في حين كان يجب أنْ يستقر ويتأصل له ما كان رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- يحاول تربية المسلمين عليه من إبداء الرأي والاجتهاد فيه والتعبير عنه، ويكفي في هذا أنْ نتأمل أوامره –صلى الله عليه وآله وسلم- بالاجتهاد، وأنَّ المجتهد إذا أصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر واحد.

3- إنَّنا أمة قد أصَّلت لفكرة الإجماع، واعتبرته دليلاً من أهم أدلتها الشرعيّة، وعرف فكرها ولو في نطاق ضيق ما يسمى بالإجماع السكوتي.

والمراجعات وإبداء الآراء المغايرة نتيجة لمثل هذا البعد الثقافي أصبحت تأخذ شكل الاختلاف والانشقاق، وتهديد الإجماع والوحدة، وتفريق كلمة الأمَّة، ومَنْ يجترئ على المراجعة وهي بهذه المثابة؟!

4- ارتبطت فكرة تقديم الرأي والمراجعة بتكون الفرق ونشوء الطوائف، مع أنّه كان الأولى أنْ تربط نشأة الفرق بغياب قنوات التعبير، وفقدان سبل مراجعة الآراء في داخل الكيان الاجتماعي الموحد، وفي إطار الانتماء للأمة الواحدة؛ إذ لو وجدت مثل هذه السبل والقنوات، لما وجد أصحاب الآراء والمقالات حاجة إلى إيجاد قنوات خاصّة بهم من خلال حزب أو فرقة أو طائفة، من شأن تلك الظاهرة أنْ تهدد وحدة الأمَّة.

5- فترات الصراع الطويلة مع الآخر جعلت من وحدة الرأي مطلبًا لأصحاب القرار والمسئولين عن تعبئة الأمَّة، فصدور أيّة مراجعات أو آراء مغايرة يحمل -عندهم- على أنّه تفريق لوحدة الأمَّة وتهديد لهُويَّتها، ولو أوجدت القنوات الشرعيّة للاستفادة بالمراجعات والآراء المغايرة لما احتاج أحد إلى تكريس هذا الاتجاه.

6- شاعت في ثقافتنا عبارات تحول بعضها إلى أمثال سائرة، وتغلغل بعضها في آدابنا، مثل «ما ترك السالف للخالف شيئًا»، ونحو «ليس في الإمكان أبدع مما كان» وغيرها، فإذا أضيفت إليها الآثار السلبية لمقولات الجبر والاضطراب في فهم علاقات الأسباب والمسببات، نتيجة خلط سابق واضطراب في فهم دوائر الفعل الإنسانيّ والإرادة والتقدير والفعل الإلهي، فإنَّ ذلك قد يساعد في توضيح هذا العامل باعتباره واحدًا من أهم عوامل تعويق عمليات المراجعة وإبداء الرأي الآخر.

7- عامل آخر يمكن أنْ يلاحظ في هذا المجال من خلال ملاحظة كتب الطبقات والتراجم ومبالغاتها في بيان مناقب الماضين من أهل العلم، ومعظم هذا التراث قد أعد في أجواء اصطراعية، جعلت أتباع كل مذهب أو فرقة يبالغون كثيرًا في نسبة الفضل والذكاء والخير إلى علماء فرقهم ومقدميها، وحصيلة ذلك كله قد صبت في دائرة تعظيم التراث، وتجاوز سلبياته، والإحساس بالاستغناء عن المراجعة والنظر فيه أو نقده والاستدراك عليه وعلى بناةِ فكره وقضاياه.

8- معظم الذين تجرؤوا على مراجعة تراث مَنْ سبقهم من أهل العلم وقالوا في بعضه ما يخالف، نالهم كثير من الأذى من معاصريهم علماءً وحكامًا وجماهير، فاتُّهم بعضهم «بالردة»، وتعرض بعضهم للأذى والسجن وحرق الكتب، وكم من إمام جليل القدر شيع من سجنه إلى قبره؟ والناظر في تاريخ كبار الأئمة، ومنهم الأئمة الأربعة والإمام زيد والإمام جعفر الصادق وغيرهم، ثم مَنْ جاء بعدهم يجد مصداق ذلك بوضوح.

9- بعض المذاهب بدأت مجرد آراء فردية، ثم جرى تلقيها بالقبول فشاعت وانتشرت، وادُّعي على بعضها إجماع، وربما مزجت بعض الآراء في المعتقدات فلم يعد الفرق واضحًا بين أصل القول وبين ما آل إليه فصارت مراجعته أمرًا معقدًا يكاد يعتبر من قبيل الاستدراك على العقيدة في إطار فرقة أو طائفة أو إطار عام.

10- بعد الفتنة الكبرى والاختلاف اشتهر مفهوم «الفرقة الناجية» والفرق الأخرى الهالكة، وكل فرقة من الفرق أسقطت مفهوم «الناجية» على نفسها، وجعلت منه نموذجًا معرفيًّا شديد التحديد، شديد الدقة، جامعًا مانعًا لا يسمح بالنظر إلى فكرة إمكان أو احتمال وجود الحق والصواب في أيّ جانب آخر. فالحق والصواب لا يتعددان، وامتلاكهما شأن الفرقة الناجية فقط، وبالتالي فكل فرقة لا ترى حاجة إلى مراجعة ما لديها أو الاستدراك عليه؛ لأنّه حق كلّه وصواب كلّه، ولا تحتاج إلى مراجعة ما لدى غيرها؛ لأنّه باطل كلّه وضلال كلّه، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟!!

وقد مرت – على الأمَّة- كل هذه القرون المتطاولة، فهل راجع السُّنَّة فيها مقولاتِهم وآراءَهم في الفرق الأخرى؟! وهل راجعت الفرق الأخرى مقالاتها وآراءها في السنَّة وغيرهم من المخالفين لهم؟ لم يحدث الكثير، والمراجعات اليسيرة التي حدثت كانت تُقبر باستمرار إلا حالات نادرة تفرضها ظروف بعينها، وكثيرًا ما تكون من أجل أنْ يقنع كل من الفريقين الآخر بوجهة نظره وصحة مذهبه. وكثير من محاولات التقريب ولقاءاته من الماضي جرت في هذا الإطار؛ ولذلك فإنَّها لم تنته إلى ما فيه غناء.

11- وحين ننتقل من تلك المرحلة إلى هذه المرحلة التي نحياها فإنَّنا نجد – إضافة إلى ما ذكرنا من أمور موروثة- أمورًا أخرى تتصل بهذه المرحلة بالذات، نود أنْ نقتصر على الإشارة إلى جانب منها، وهو:

12- إنَّ حركات الإصلاح في منطقتنا قد انقسمت على نفسها حول مشروع النهوض بالأمة؛ فانطلق فريق في بناء فلسفته الإصلاحية من التراث، وانطلق فريق آخر من المعاصرة، وكطبيعة معظم الانقسامات في داخلنا ليست هناك قنوات تساعد على استيعابها، فضلاً عن تحويل مجراها باتجاه الهدف المشترك فتكون النتائج – في الغالب- أنْ تبهت صورة الهدف المشترك الذي هو موضوع اتفاق لدى الفريقين، وقد تتألق صور الوسائل والأدوات ونحوها مما هو مختلف فيه وعليه، ويقوم كل من المنقسمين بتعبئة جهوده كلّها ضد الآخر، وليس لتحقيق الهدف ويستدعي أصحاب التراث كل شيء نافع – في ظنهم- للمعركة، ويستدعي الآخرون كل شيء من المعاصرة كذلك لغرض السجال والصراع، وحتى السلبيات يبدأ  كل من الفريقين العمل على الدفاع عنها وتأويلها، فدافعت الحركات والاتجاهات الإسلاميَّة عن التراث بدون تمييز إلا على مستوى نظري محدود، بل ومارس بعضها الحياة فيه، وحملت بعض فصائل المعاصرة على التراث كلّه، ودافعت عن المعاصرة كلّها دون تمييز كذلك، وحتى حين بدأت المعاصرة في إطار الحداثة وقصور المنهجيَّة العلميّة الوضعية تقوم بتفكيك كل شيء من الكون والطبيعة والدين والتاريخ لم يشعر أبناؤها المتبنون لهذا التوجه في النهضة بأيّ قلق، ولما تجاوز الفكر الغربي الحداثة إلى ما بعد الحداثة وقام بتفكيك الذات الإنسانيّة نفسها بعد تفكيك مسلماتها، وبرزت هذه الفوضى الحضارية المرعبة، استمر تأييدهم وتبنيهم لها كما هو، وحين بدأت المدارس الغربية – نفسها- بنقد فكر المعاصرة الاجتماعي والإنسانيّ، مع بيان قدرته الفائقة على التفكيك، وعجزه البالغ عن التركيب لم يتغير الموقف عند أبنائها؛ لأنَّهم لم يدركوا بعد أنَّ فكر المعاصرة الغربي، قد دخل مرحلة تأزيم الحلول وأنَّه في حاجة إلى مَنْ يعينه على تجاوز هذه الحالة، ولا يتم ذلك إلا باستحضار البعد الغائب ألا وهو الغيب، وبطريقة توحيدية لا توجد بنقائها وصفائها إلا في القرآن وحده.

وهذان الاتجاهان في التراث وفي المعاصرة ناجمان عن عقلية تقليد، وعقلية التقليد – مهما بلغت- سمَّاها علماؤنا منذ القرن الثاني الهجري بعقلية العوام وعقلية العوام ليس من طبيعتها أنْ تقبل المراجعات أو النقد، فضلاً عن أنْ تبني مشروع نهضة أو تؤسس حضارة؛ لأنَّ من شأن الثقافة التي نختارها أنْ تؤدي إلى طبيعة القطيع، وعقلية التقليد لا تسمح بالمراجعات ولا تستسيغ النقد، كما أنَّ السياسات التعليمية في بلادنا فشلت في رسم نموذج الإنسان الذي نريده ونحتاج إليه لعصرنا، ونقلت التعليم فلسفةً وأفكارًا ونماذجَ وأجهزةً ومؤسساتٍ نقلاً – كما يقال- من منطلق التقليد، فجاءت الحركات الإسلاميَّة المعاصرة لتحاول سد ذلك الفراغ من خلال نشاطها وبرامجها الثقافيَّة خاصًّة فتبنَّت التراث على الجملة باعتباره وسيلة المحافظة على الهُوِيَّة، وباعتباره من أقوى وسائل جمع الأنصار، والامتداد في الناس وانتقت من قديمه وحديثه ما رأت أنَّه يملأ الفراغ، ولم تفعل ذلك – أيضًا- بناء على نموذج للإنسان الذي تريد بناءه لعصره ويومه، بل بناءً على رؤيةٍ خاصًّة واجتهاد لم يأخذ حظه من الدراسة والتمحيص، بل انصرف الهم إلى التوجيه نحو أخلاقيات التنظيم ومطالبه وسلوكياته.

لعل ما ذكرت يعد كافيًا لتوضيح العقبات الفكريّة والثقافيَّة التي تجعل من عمليات المراجعة والنقد المعرفي للتراث أمورًا في غاية الصعوبة والحراجة.

لذلك، فإنَّني لا أخفي أنَّني قد ترددت كثيرًا وأنا أحاول مقاربة هذا الموضوع والولوج إليه، ولا أُخفي أنَّني كثيرًا ما حدثتني نفسي ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (يوسف:53) بالانصراف إلى تلك الموضوعات السهلة التي تجد من الجماهير ترحيبًا، ومن الهيئات تشجيعًا، ومن الناشرين ترويجًا!!

وَلِمَ لا يسع المرء ما وسع علماء أجلاء عبر تاريخنا الطويل كلّه طووا جوانحهم على مراجعاتهم وآرائهم حتى ماتوا، فاتسعت قبورهم لما ضاقت عنه مجتمعاتهم؟ والذين صرحوا ببعض مراجعاتهم، ونجوا من الموت ربما خافوا على جثثهم أنْ تنبش عنها قبورهم، ومن هؤلاء على سبيل المثال: الإمام فخر الدين الرازي الذي أوصى تلامذته ومحبيه أنْ يدفنوه ليلاً وسرًّا، وألا يدُلّوا أحدًا على موضع قبره؛ لئلا تنبشه بعض فرق المخالفين وتمثِّل به، وقد يُزَهِّد بعض القادرين على المراجعات والقراءة المعرفية ما يرونه من أحوال أمتنا؛ فقد كان نبيها –صلى الله عليه وآله وسلم- يستعين حتى بمحاربيه وأسراه على تعليم أصحابه، فيفترض فيها أنْ تكون قد تجاوزت صفة الأمية بهذا المعنى من قرون طوال، بيد أنَّها لا تزال نسبة الأمية العامة فيها تتجاوز السبعين في المائة على العموم، ولا تزال تردد بفخرٍ حديثًا شريفًا له سياقه ومغزاه، ومعناه: «إنَّا أمَّة أميَّة لا تكتب ولا تحسب».

وكأن أربعة عشر قرنًا من نزول العلم علينا وأمرنا بالقراءة ليست كافية لأنْ تحدث فينا تغيرًا نوعيًّا أو كيفيًّا، فإذا لاحظنا الأميَّة المقنعة التي قد تكتب الحرف وتقرؤه، وتكتب الرقم وتحسبه، فإنَّها ستشمل من النسبة الباقية كثيرًا، والمراجعات والنقد نوع عالٍ من أنواع المعرفة، يستلزم دربة وخبرة واستعدادًا من الصعب أنْ نجدها، لا في الأميَّة المكشوفة، ولا في الأميَّة المقنعة؛ ولذلك فإنَّ للخشية والتردد – أحيانًا- بعض المسوغات حيث إنَّ المراجعات والنقد، كثيرًا ما يصنفان في إطار الهدم دون تفريق بين هدم لأجل الهدم وهدم لأجل البناء، فالهدم من أجل البناء هو أشبه بما عُرف بالتخلية قبل التحلية.

 

(1) المراد بالأدلجة: أيّ جعلها جزءًا من أيدلوجيا معيّنة.

(2) إلى غير ذلك من الأسباب التي سنتناولها تفصيلاً في الفصول القادمة من البحث الذي بين أيدينا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *