Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

ظاهرة توافق الأفكار

أ.د/ طه جابر العلواني

عرفت آدابنا العربيَّة ما سمي بالسرقات الشعريَّة، فقد يتطرق شاعر إلى معنىً ما في شعره فيقال: إنَّ هذا المعنى مسروق من شعر فلان المتقدم عليه، فكأنَّه أخذ الفكرة وأعاد نظمها بأسلوبه.

وحاول البعض التلطيف من هذا الأمر فاعتبرها نوعًا من توارد الأفهام أو العقول على معنى معين، وأنَّه لا يعتبر أي من الشاعرين قد أخدا من غيرهما سواء كان سابقًا أم لاحقًا،  بل كان ذهني الشاعرين قد وردا معًا إلى مشرب معين وحدث ذلك، والنماذج على ذلك كثيرة. وكان من أخطر ما يعاب الشعراء المبدعون به هو اتهامهم بالسرقة –سرقة الأفكار-. وكان أفاضل الشعراء وفي مقدمتهم المتنبي هدفًا لمثل هذه الاتهامات من خصومهم. وقد انتقل الاتهام بالسرقة من الشعر إلى النثر ومن الأدب إلى الفكر، فيقال هذه فكرة فلان وقد اتخذها من فلان.

 وهذا يستدعي أن تكون الأفكار كالبشر والحيوان لها أنساب ووالد وما ولد، ووالدة وما حملت؛ لكي يقال ذلك، وعندي أنَّ الأفكار كالأقوال والأرزاق قدَّرها الله (سبحانه وتعالى) الذي قدَّر في الأرض أقوات، وقدر للإنسان الأفكار، وقد استأنس لهذا الوصف القرآن المجيد بالمكنون، ففي المكنون إشارة إلى أنَّ النص قد اشتمل على معان كثيرة تتكشف هذه المعاني مع الزمان، فهناك معان أكنها القرآن المجيد لتظهر في وقت لاحق تكون البشريَّة قادرة فيه على معرفتها والاستفادة بها، ولذلك كان الصحابة الكرام حين يتذاكرون القرآن فقد يتحدثون بتفصيل عن معان للآيات الكريمة لها وجود في عصرهم أو في إطار طقسهم المعرفي وأسباب النزول قد تكون من العوامل المشجعة على هذا النوع من الفهم، فيقال هذه الآية نزلت في بني فلان أو نزلت في معالجة الإشكاليَّة الفلانيَّة أو ما شاكل ذلك. وقد يتساءلون عن آيات لا يستطيعون أن يصلوا إلى معانيها فيقول بعضهم لبعض: هذه مما لم يأتِ تأويله بعد أي يظهر وجوده الواقعي في حياة الناس، فإذا سلمنا بهذه الفرضيَّة، وهي أنَّ الأفكار أرزاق مثل الأقوال وأرزاق مقدرة، فقد يساعدنا هذا في تجريد الأفكار عند الأشخاص من ناحية ويجعل الأفكار كالأرزاق أمورًا لابد من السعي الإنساني للوصول إليها، وبذل الإنسان جهده للحصول عليها، فكون الأفكار أقدارًا مقدرة لا ينفي أثر الجهد الإنساني للوصول إليها والكشف عنها، وأنَّ الوصول إلى الأفكار والحصول عليها يتوقفان على مدى جهد الإنسان وما يبذله ومؤهلاته وقدراته الإدراكيَّة وذلك نصيبه الذي يستحق عليه الثناء أو الذنب أو الاتهام بالتقصير في مجال الأفكار، فلا تقود الأفكار إنشاءًا إنسانًا بشكل كامل بل تكون موجودة منفصلة عن ذاته مثل ذرات الأثير في الهواء، وبسعيه وجهده يصل إليها إذا كانت مهيئة للظهور في واقع وزمان ومكان وظروف ترتبط بها وتستجيب لحاجتها، يعني أن تكون هناك لحظات تاريخيَّة لظهور الفكرة، ومن هنا نستطيع الاتفاق مع المفكر الجزائري مالك بن نبي –يرحمه الله- الذي قسم الأفكار إلى أقسام منها: الميت، والمميت، والقاتل، ومنها الأفكار الحية التي تقوم بها وعليها الحياة.

وهناك أفكار قد تبلغ درجة الاستحسان لها مبلغًا يجعل من قال بها يراها وكأنَّها إلهام غيبي خارجي لشدة الاهتمام بها، وبعضهم يراها نوعًا أرقى من ذلك ويصفها بما يصفها به؛ لأنَّ ذلك يريح من عناء البحث عن أصولها وأنسابها وتاريخ ظهورها وما إلى ذلك. ولعلاقة ظهور الأفكار بالزمان والمكان وحاجات الإنسان وأنماط تفكيره ومناهجه في التفكير فقد تختلف هذه الأفكار إلى درجة التنافر والتضارب. وقد يكون الأولى البحث عن جذور الأفكار بدلًا من البحث عن أنسابها، فالبحث عن جذور الأفكار بحيث يقتضي تحليل الفكرة تحليلًا جيدًا والإحاطة بمكوناتها ومقوماتها وعناصرها والكشف عن علاقاتها وارتباطاتها ثم الذهاب بها إلى العصور السابقة إن كان ذلك في إطار البحث الممكن وذلك لمعرفة الفكرة وتاريخ ولادتها أو زيوعها وانتشارها والبيئة التي تولدت فيها، إذ إنَّ هذا النوع من البحث الدقيق في عالم الأفكار سوف يقدم الكثير لحملة الهم الفكري في مجال تطوير الأفكار وإثرائها وتخصيبها والتوليد منها بشكل يجعل عالم الفكر حيًّا متحركًا يتطور في إطار المدارس والجامعات العلميَّة أكثر من ارتباطه بأفراد وأشخاص. كما أنَّ التعبير عن الأفكار بعبارات مختلفة يصبح آنذاك أقرب إلى محاولات التعليم والإفهام منه إلى محاولة تشخيص الأفكار وربطها بهذا الفرد أو ذاك.

كذلك تشتد الحاجة إلى عمليَّات تأصيل لمناهج التفكر والتمييز بينها، فصلات مناهج التفكير ذو أثر لا ينكر في تحديث حقائق الأفكار وصورها، فضلًا عن إيجاد وسائل والتفاعل معها والانفعال بها وما إلى ذلك. إنَّ العقم الذي يشكو الجميع منه في عالم الأفكار خاصَّة في العامل الإسلامي والمحيط الإسلامي ناجم ولا شك عن افتقاد المنهج أو المناهج المتصلة بعالم الأفكار وعدم القدرة على تفعيل الموجود منها بحيث يكون منتجًا على سبيل الإنشاء أو على سبيل التوليد، وما لم يتمرد أهل الفكر على التقليد جملةً وتفصيلًا فإنَّه لن تكون هناك إمكانيَّة تذكر لإحداث نهضة أو ثورة فكريَّة تبني عالم الأفكار المسلم من جديد وتصنعه على طريق الإحياء والتجديد والنهوض. فما السبيل إلى ذلك ؟؟

هذا ما سنحاول إجلاؤه والبحث فيه راجين من كل معني بالشأن الفكري الإسلامي أن يدلي بدلوه، ويسهم بدوره في إحداث هذه النهضة الفكريَّة. والله أعلم..          

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *