Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

سياق ما بعد الحداثة

أ.د/ طه جابر العلواني

بالنِّسبة لأوربا ومجالها الحيويِّ -من هذه الزاوية- أمريكا، والغرب بعامَّة أطلق جمهرة المفكرين فيها على «السياق المعاصر» سياق «ما بعد الحداثة»، ولعل ما يُهمنا منه الآثار التي ترتَّبت على السياق السابق له، وهو «سياق الحداثة» خاصَّة في مجالات العلم والفكر والثقافة والجوانب الحضاريَّة المختلفة.

وتلك الآثار قد تناولت فيما تناولته الدين والطبيعة والتاريخ والإنسان، وما من ثورة من تلك الثورات إلا وقدَّمت مجموعة من الرؤى والأفكار التي تعارضت مع مسلَّمات بشريَّة كانت مستقرة، أو أحدثت فيها تغيُّرات كبيرة، ومنها مسلَّمات كنسيَّة لاهوتيَّة، أو مسلَّمات دينيَّة مشتركة، وذلك قد فرض على «علماء اللاهوت» تغييرات كبيرة، قامت على بعض تلك التغيُّرات مدارس وكنائس وطوائف جديدة، لا في النصرانيَّة -وحدها- بل في ديانات كثيرة، حتى ضاقت مساحات الثوابت في كل الديانات التي كانت سائدة في الغرب ولا تزال، واتسعت مساحات المتغيِّرات؛ لتنسجم مع الثورات العديدة المتتابعة التي أشرنا إليها.

تأليه العلم:

وحين برزت «الثورة العلميَّة» نادى البعض بـ«تأليه العلم»، والاستغناء التام عن «الدين»، وبـ«مركزيَّة الإنسان» بديلًا عن «مركزيَّة الله»، وبـ«مركزيَّة المختبر» بدلًا من «مركزيَّة الكنيسة»، وانبهرت البشريَّة بمنجزات العلم ومعطيات الحضارة التي أنشأها، وبدأ العلم يُهدم بـ«قواعد التفكير البشريِّ الخاصَّة»، ويضع «قواعد تفكير بشريَّة عامَّة مشتركة» يضع أسسها في المختبرات وقواعد الصناعات العملاقة، وتتضافر المناجم والمصانع وعقد المواصلات والاكتشافات على تقديم المتغيِّرات المطلوبة لجعل تلك القواعد أكثر فاعليَّة وتأثيرًا ولتغيير شبكات النظم والعلاقات بين البشر، وبدأ العلماء والمفكرون يقدِّمون ما يستطيعون للحاق بقافلة «العلم الطبيعيِّ وفلسفاته»، فوضعت علوم أو معارف تتناول «الإنسان» بجوانبه المختلفة، لتكون بعد ذلك علومًا سلوكيَّة واجتماعيَّة منبثقة من منطلقات الرؤى الجديدة، تتحكم في سائر ما تقدم وبكل ما يستجد، وصارت تلك المعارف مرجعيَّة شبه مطلقة في بناء الرؤى والأفكار والنظم وتحديد العلاقات، وصياغة المفاهيم، وتشكيل المسلَّمات وتحديد المتغيِّرات. وقام علماء اللاهوت -اليهود منهم والنصارى- وكثير من قادة الأديان الوضعيَّة بتطوير علومهم اللاهوتيَّة والدينيَّة، واستبدال بعضها والخضوع لمتطلبات تلك التغيُّرات.

فصار في جُلِّ تلك الديانات تقليديُّون وتجديديُّون، وتكاثرت الانقسامات فيها، وتضيَّقت مساحة الثوابت فيها كثيرًا مرة أخرى حتى صارت «النسبيَّة والاحتماليَّة» من المسلَّمات العامَّة.

أما «الإسلام» -دين الله الخالد- فإن عصمة الله –تعالى- لكتابه، وحفظه وجمعه، وإقراءه وعدم إنساء نبيِّه –صلى الله عليه وآله وسلم- شيئًا منه، جعله ذلك في منأى عن التأثر الحاد بتلك العواصف، وهذا جانب إيجابيٌّ تمثَّل بنعمة إلهيَّة ولاشك، لا يدَّ للمسلمين أنفسهم بها.

أمَّا المسلمون -أنفسهم- فقد كان لهم وضع آخر باعتبارهم بشرًا يتأثَّرون بما يتأثَّر البشر به من عوامل ومؤثِّرات، فهم -حين بدأت سلسلة «الثورات التي ذكرناها»- كانوا في حالة سبات وتخلُّف وتراجع حضاريٍّ، فكانت ردود أفعالهم لما حدث مرتبكة مضطربة، ولم تسمح لهم أحوالهم تلك بجعل رد فعلهم لما حدث يتَّسم بالإيجابيَّة والقدرة والفاعليَّة، والوعي الدقيق باللَّحظة التاريخيَّة، وإدراك متطلَّباتها، وتحديد كيفيَّة الخروج من حالة الانفعال إلى حالة الفعل الإراديِّ الهادف المنضبط.

فهم في جميع الفترات السابقة كانوا يواجهون مشكلات تفرزها بيئاتهم ونظم حياتهم، فيواجهونها بحلول يأخذونها من «مرجعيَّتهم» أو من «إطارهم المرجعيِّ». فالمشكلة وعلاجها يظهران داخل «البيئة المسلمة».

فالانقسامات –مثلا- كانت تحدث بشكل «أفقيٍّ» حول فهم في «المرجعيَّة أو الإطار المرجعيِّ» تنجم عنها فرق أو مذاهب تبقى -مهما اختلفت- في دائرة الإطار الجامع.

لكنَّهم -فجأة- وجدوا أنفسهم يختلفون هذه المرَّة اختلافات رأسيَّة تُحدث فصامًا غير معهود من ناحية، ومرجعيَّته في المعالجة مرجعيَّة أخرى خارجيَّة، فحين تطرح قضايا «المرأة» مثلا أو «حقوق الإنسان» أو «قضيَّة الحريَّة والديمقراطيَّة» تجد مسلمًا ملتزمًا بـ«المرجعيَّة الإسلاميَّة وبالإطار المرجعيِّ الإسلاميِّ» يقدِّم فيها خطابًا لا يجد صدى عند أخيه العلمانيِّ الذي يُصرُّ على التثبُّت بانتمائه الإسلاميِّ، ويرفض الإلحاد أو الطعن في الدين، بل يتمسَّك به على المستوى الفرديِّ؛ ومع ذلك فإنَّه يرفض معطيات «المرجعيَّة الفقهيَّة» وخطابها ومعالجتها. فإذا قيل له: إنَّه خطاب شرعيٌّ جاءت به نصوص شرعيَّة، عمد إلى «التأويل»، والدعوة إلى نزع من «تجديد أو اجتهاد» يخفِّف من إلزاميَّة النصوص لينسجم مع أوضاع العالم الذي يعيش فيه، وإذا كان «الإصلاحيُّون والمعتدلون» في الأديان الأخرى قد استطاعوا أن يتجاوزوا «أزمة التناقض مع قواعد التفكير الإنسانيَّة المشتركة» بقبول المعطيات العلميَّة، وتأويل النص الدينيِّ، أو تهميش دوره، فلِمَ لا يفعل علماء المسلمين الشيء نفسه، ويسلكوا السبيل ذاته، فيُريحون ويستريحون؟!! ويحتلُّون موقعهم في مسيرة «العولمة».

الاستشراق الجديد:

ثم بدأت مراكز البحوث والدراسات الغربيَّة تقوم بحفريَّات متنوِّعة في مصادر الإسلام والمعرفة الإسلاميَّة والثقافة الإسلاميَّة والتاريخ الإسلاميِّ؛ ووضع العقل المسلم والنفسيَّة المسلمة، و«الشخصيَّة الإسلاميَّة» -بكل جوانبها- على طاولات تشريح وتفكيك، في محاولات مستميتة لرصد كل شيء، وفرز وميز كل مؤثِّر أو متغيِّر. وورث «الاستشراق اليهوديُّ» ذلك -كلَّه- وبدأ يتعامل معه بخبراته المتراكمة عبر القرون، وتجاربه الغنيَّة في الاختراق والتزييف والقراءات الملتوية، وإرادته الحديديَّة لحشر هذه الأمّة -بكل ما تمثِّل- في أضيق الدوائر وأحرج الزوايا؛ لكيلا تقوم لهذه الأمَّة قائمة مرَّة أخرى، ولتعود كما بدأت إلى جاهليَّاتها المختلفة، جاهليّات الشعوب الأميَّة.

وهكذا بلغنا هذا الذي سُمِّي بـ«السياق المعاصر».

وهذا «السياق المعاصر»لم يشكِّل تحديًا لنا في حقل واحد من حقول المعرفة، أو جانب واحد من جوانب الحياة، بل شكَّل تحدِّيًا شاملا عامًّا لا يمكن أن يواجه إلا بما يقدِّم استجابة عامَّة شاملة لذلك التحدِّي توازيه في القوَّة، وتخالفه في الاتجاه.

العلوم الإسلاميَّة:

لا نريد بـ«العلوم الإسلاميَّة» كل ما أنتجه «العقل المسلم» من علوم ومعارف، بعد أن فتح القرآن المجيد والرسول الكريم الآفاق والأنفس أمامه، فجال في كل شيء، وأنتج في كل جانب، فصنع فكرًا وعلمًا وحضارة ومدنيَّة وثقافة وعمرانًا، بل نريد بها «العلوم النقليَّة»، أو ما سُمِّي بـ«العلوم الشرعيَّة» أو «الدينيَّة» التي دارت بشكل مباشر حول القرآن المجيد؛ تفسيرًا أو بيانًا واجتهادًا واستنباطًا وفقهًا فيه. وجعلها علماء «تصنيف العلوم» في أحد عشر علمًا، خمسًا منها أسموها بـ«علوم المقاصد»؛ وهي علوم العقيدة والتفسير والحديث والفقه والأصول، وسبعًا سُمِّيت بـ«علوم الوسائل»، وهي المنطق والنحو والصرف والبيان والبديع والمعاني واللُّغة.

وهذه العلوم أو المعارف هي التي يُعتمد عليها في تكوين علماء الدين أو «التديُّن» من إمامة وخطابة وتدريس وإفتاء وقضاء في مجالات خاصَّة … وما إلى ذلك!!

والذين أطلقوا عليها «العلوم الشرعيَّة» أرادوا التنبيه إلى أن «الشريعة» كانت المدار الأساسيَّ الذي دارت حوله هذه المعارف من حيث الكشف عن مصادر الشريعة، وأدلتها ومداركها وأحكامها، وكيفيَّة الوصول إلى معرفة ما هو مشروع، وما ليس بمشروع من مباحثها، وذلك لضبط شؤون وشجون الحياة الإنسانيَّة بضوابط الشريعة الإلهيَّة، وتأسيس «فقه الدين» لإقامة عمليَّات ممارسة «التديُّن» على قواعده السليمة دون غلوٍّ ولا تفريط ولا إفراط ولا ابتداع.

وأطلق عليها البعض «العلوم الإسلاميَّة»، وذلك لتأكيد ارتباطها التَّامِّ بالإسلام منهجًا وغاية ومصادر، ولتتميَّز عن «علوم الأوائل» و«العلوم الفلسفيَّة» بصفة عامة.

وأطلق عليها «العلوم النقليَّة»؛ لاعتمادها على مناهج النقل والرواية في تعلُّمها وتعليمها وتناقلها وتداولها، وبناء مسائلها وجزئيَّاتها، وتكوين الملكة البحثيَّة فيها، وإن كانت أكثر جزئيَّاتها قد بُنيت على مناهج استنباط!!

وأطلق عليها «علوم الديِّن» لدورانها حول «الخطاب أو النصِّ الدينيِّ»، ابتداءً وتاريخًا وآثارًا وإنشاءًا وكشفًا؛ ولأنَّها الدليل المرشد في ممارسة «التديُّن».

وهي علوم ومعارف نشأت عن تصوُّر ذي مواصفات خاصَّة «للقراءة» في الخطاب القرآنيّ وبيانه في السنن النبويَّة القوليَّة والفعليَّة والتقريريَّة، قائم على فرز وميز ما له علاقة بإنشاء الأحكام التكليفيَّة والوضعيَّة أو الكشف عنها، وقد نمت هذه العلوم وكملت لتكون بعد ذلك في خدمة ذلك الخطاب احتجاجًا له وتفسيرًا وبيانًا لمحتواه، وفقهًا فيه، وتوضيحًا لكيفيَّة التعامل معه، وبناء قواعد الحياة والتوحيد والتزكية والعمران عليه.

فمدخلات هذه العلوم والمعارف من الخطاب ومخرجاتها تعود إلى الخطاب لتكون جزءًا من مخرجاته بعد ذلك بشكل من الأشكال.

التحدِّيات:

إنَّ «التحدِّيات» -التي تواجه هذه العلوم والمعارف- وحملتها تحدِّيات كثيرة وخطيرة ومتنوِّعة في الوقت نفسه، وهي تحدِّيات داخليَّة وأخرى خارجيَّة، ومحليَّة وعالميَّة.

وقد لا تتسع هذه المناسبة لاستقراء هذه التحدِّيات، فلعلَّ ذكر أهمها ينبِّه إلى ما بقي منها.

  1. إنَّ سياق عصرنا -هذا- سياق عزل الدين، وحصره في دائرة الخصوصيَّة والشأن الشخصيِّ.
  2. إعلاء شأن الحسِّي والتجريبيِّ والماديِّ والاقتصاديِّ.
  3. تبع هذا تهميش دور أهل العلم الشرعيِّ ومؤسَّساته، وانخفاض موازين الكفاءة بينهم وبين سواهم.
  4. إخراج هذه العلوم والمعارف من دائرة العلم كما في «تعريف اليونيسكو» وغيره للعلم.
  5. وبالتالي فعالم الشريعة يعدُّ نفسه «سلطان العلماء»، والناس لا يرون فيه إلا فقيهًا لا ينبغي أن يتدخل في أي شأن من شئون الحياة خارج المسجد.
  6. علوم لم تعد بمقاييس العصر ومناهجه من العلوم الضروريَّة، بل التكميليَّة أو الهامشيَّة.
  7. علوم تعتمد على الرواية، والرواية لم تعد منهجًا معتدًّا به علميًّا إذا لم يعزِّزها العلم؛ ولذلك لجأ البعض للاستعانة بـ«الإعجاز العلميِّ والآثار».
  8. ربطت شياطين الجن والأنس بينها وبين التخلف، ونزعت عنها فضائلها، بل حُمِّلت مسئوليَّة التخلف.
  9. اختلف تصنيف البشر، فبعد أن كان التصنيف يقوم على الإيمان والكفر صار يقوم على الإنتاج والتنمية.
  10. النصوص الدينيَّة بحسب علوم العصر صارت تُعدُّ في النصوص «التاريخانيَّة»، ونفوا عنها صفات «الإطلاق والقداسة».
  11. سيادة الفكر الليبرالي بكل ما أدَّى ويؤدي إليه من مركزيَّة الإنسان وغروره.
  12. النظر إلى الشريعة على أنَّها مجموعة قيود وضوابط مختلفة تنافي مركزية الإنسان وحقوقه.
  13. تخلف المسلمين.
  14. الصراع بين المفكر والفقيه.
  15. الصراعات الطائفيَّة والمذهبيَّة.
  16. الخلط بين الثابت والمتغير.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *