Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

سحر النبي

الأمر يتعلق بحديث مروي في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين: رضي الله عنها أن لبيد بن أعصم اليهودي سحر النبي -صلى الله عليه و سلم- . و أثر السحر فيه حتى أصبح يتخيل أنه فعل الشيء و هو لم يفعله. أعرف أن بعض العلماء رد الحديث لمعارضته لظاهر القرآن أقصد قوله (تعالى) منكرا قول المشركين في سورة الإسراء ﴿ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا﴾ (الإسراء:48) و ما جاء في سورة الفرقان ﴿ أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ (الفرقان:8). و قرأت اليوم رد على هذا الرأي يثبت به الحديث و يقول أنه لا تعارض بينه وبين الآية . ذالك بأن الآية جاءت ترد على المشركين إدعاءهم أن القرآن إنما هو قول رئي من الجن يعلمه النبي. أما سحر لبيد فهو عارض. كالمرض،  لكن المسألة لا تتوقف عند هذا الحد فالنبي -صلى الله عليه و آله  سلم- كان لا يفتر عن ذكر الله ليل نهار كما هو معلوم عنه فأنى للسحر أن يؤثر فيه. و الله (تعالى) يقول في كتابه الكريم: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ..﴾ (الرعد:11).

مع أن كل الذين كتبوا في موضوع السحر يقولون أنه لا يصيب الملتزم بالأذكار و الأدعية. فلا أدري ما الموقف من هذا الحديث و هو في الصحيحين . صعب رده و صعب توفيقه مع نصوص القرآن الكريم . خصوصا شيخنا عندما يتخذه أعداء الإسلام مطية ليشككوا في الرسالة كلها . و قد استمعت لأحدهم مسيحي وهو يناظر أحد المسلمين يقول له : كيف تثقون و تتبعون رجلا يتخيل إليه الأشياء لم يفعل و يظن أنه فعل ألا يكون ظن أن جبريل من أوحى إليه و هو تخيل فقط . و هذا مذكور في صحيحيكما:البخاري و مسلم. أرجوكم شيخنا أن توافينا بقول فصل في هذا الحديث. أنا لا أشك في الإسلام و لا في وحي الله لرسوله . نسأل ليطمئن القلب فليست لي جرأة في تضعيف حديث في الصحيحين.

الجواب:

أولا: إن عصمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في التبليغ أمر قطعي، وقد تكفل الله جل شأنه بها، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة:67)، فيستحيل عقلا ولم يقع شرعا أن أخطأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو نسي أو تأثر بأي مؤثر سلبي في كل ما أمر بتبليغه للناس، هذا أمر قطعي، لا يحق لمسلم ولا مسلمة يؤمن بالله اليوم الآخر أن يشك لحظة فيه.

ثانيا: كل ما يعارض هذا القطعي مما هو دونه مرتبة في الإدراك العقلي مثل الظني أو المشكوك فيه أو المخالف له؛ فإنما يجب رده، ومناقشته بطرق أخرى، والسحر كله ذكره الله جل شأنه في كتابه ليبين أن بني إسرائيل استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، لا في الطعام والشراب وحدهما بل في العلم، فاستبدلوا ما أنزل الله عليهم من كتاب وحكمة وفضلوا عليها اتباع ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، فالسحر تلاوة الشياطين، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عصمه الله )جل شأنه( من شياطين الإنس والجن، فلم يستطيعوا اغتياله ولا قتله وقد حاولوا ذلك مرارا وتكرارا، ولا إسكات صوته، ولم يتمكنوا من تحريف كتاب الله )جل شأنه(، فلا الكتاب مفتوح للتخرصات والأوهام والتحريفات ولا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكن اليهود قوم غشم، يوحون للناس دائما أنهم يقدرون على ما يعجز البشر عنه، وأنه لا أحد من أعدائهم يستطيع الإفلات أو النجاة من خبثهم ومكرهم وكيدهم، فهذا سلاح قد استعملوه قديما وحديثا، وقد روجوا له في جزيرة العرب قبل الإسلام لقرون عديدة، واستطاعوا أن يقنعوا العرب في الحجاز خاصة بكثير من ترهاتهم، وتخريفاتهم، ومنها: قضية السحر، والجن والتأثير في الإنسان. ونحن نعلم أن المشركون كانوا يبحثون عن أي شيء يفسرون به هذا التأثير الذي لم يكن يقاوم للقرآن المجيد ولسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكلاهما نور، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد جاءنا من الله نورا، وحمل إلينا نورا، وهو كتاب مبين، فالباطل لا يأتي الكتاب المبين ولا على مستوى الحرف، ولكنهم اختلقوا فرية الغرانيق العلا، وروجوا لها، وجعلوا منها قضية يتداولها الناس جيلا بعد آخر ويروجون لها، وهي كاذبة مفتراة من أولها إلى آخرها.

كذلك كون ابن الأعصم اليهودي قد سحر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهاتان الفريتان صاغهما عقل متآمر خبيث، وأوجد لهما كل الظروف التي جعلت منهما كأنهما أمران لا يجادل فيهما، وهذا خطأ، فالإمام البخاري إمام جليل القدر، بذل جهده مع الإمام مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والداراقطني وسواهم من أئمة الحديث واجتهدوا في جمع أصح ما استطاعوا ويبقى الجهد جهدا فرديا لا ينال شرف عصمة الأنبياء، ولكن ينال تقدير واحترام اجتهاد المجتهدين، وسيدنا أبو حنيفة -يرحمه الله -إمام من أئمة المسلمين، كان له منهجه، وكان للمحدثين مناهجهم، فمنهج البخاري في التوثيق والتضعيف منهج ذاتي؛ ولذلك اختلف منهجه في كتابه في الأدب المفرد عن منهجه في الصحيح، وقد شرط على نفسه شروطا اضطر إلى تجاوز بعضها في بعض ما أخرجه منها، ووثق رجالا خالفه في توثيقه لهم غيره من أئمة الحديث، وإذا قرأت تاريخه الكبير والصغير تجد كثيرا ممن وثقهم قد ضعفهم أئمة آخرون، والأمة حين منح علماء السنة شهادة الصحة للصحيحين صحيح مسلم وصحيح البخاري، فإنما كانت صحة على الجملة، وفهمها بعض من لم يؤتوا من علم الحديث ورجاله وتاريخه وأسباب وروده إلا اليسير توثيقا على المستوى الجزئي، وعلى مستوى الاستقراء التام، وليس الأمر كذلك، وإلا لكان إدّعاء لعصمة الكتابين وصاحبيهما وهذا أمر لم يقل به أحد من المسلمين وإنما قالوا ذلك على الجملة، وهناك أحاديث أخذها المحدثين على الإمام البخاري، ولا يضيره ذلك، ولا يخل بمكانته ولا مكانة صحيحه أن يرد أهل العلم عليه جملة من حديثه، فالإمام البخاري فقيه كان ينتقي من الأحاديث ما يتفق وفقهه، ويترك ما عدا ذلك، وقد قيل عنه بأنه يحفظ ما يزيد عن سبعمائة ألف حديث، وحديث البخاري كما تعلم قد بلغت بالمكرر سوى المعلقات والمتابعات (7593) حديثـًا حسب ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي لأحاديث البخاري، ويرى الحافظ ابن حجر العسقلاني أن عدد أحاديث البخاري (7397) حديثـًا. وفي البخاري أحاديث معلقة وجملتها (1341)، وعدد أحاديث البخاري المتصلة من غير المكررات قرابة أربعة آلاف.

فالقبول إذن قبول كتاب بجملته، وتوثيق لصاحبه، ولم يمنع ذلك إماما لا يقل مكانة عن البخاري وإن لم يشتهر شهرته هو الداراقطني قد استدرك على البخاري مائة وعشرين حديثا، واستدرك الحاكم عليه وعلى مسلم أحاديث كثيرة شكلت مستدرك الحاكم المطبوع بأربع مجلدات كبار، فالبخاري حين أورد حديث ابن الأعصم هذا أراد أن يبين أن الساحر لا ينال من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا ما ينال منه عرض مرضي، مثل الزكام، أو ما نسميه بالإنفلونزا، دون أن يغير في طبيعته، أو يؤثر في نبوته ورسالته، فكأنه أراد تأكيد عصمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن الذين قرأوا هذا الحديث بعده أساؤوا فهم مراده وحملوه على عدم عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من السحر، وفتحوا باب فتنة وشر ما ينبغي أن تفتح، والحديث مهما يكن لا يقف لمعارضة ما قطع القرآن به من عصمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا عارض حديث كتاب الله فنأخذ بكتاب الله ونترك الحديث، ولا يقلل ذلك من شأن البخاري شيئا فالبخاري نفسه قد ترك مما يحفظ ما يقرب من سبعمائة ألف حديث، ولم يعب عليه أحد ذلك، والإمام أبو حنيفة يقول في نحو ذلك: “إنني أكذب الرواة أو بعضهم ولا يكون تكذيبي لهم تكذيبا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم”، ويقول يرحمه الله في كتابه القيم العالم والمتعلم: “إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستحيل أن يخالف القرآن، ونبي الله لا يخالف كتاب الله )تعالى(، ومخالف كتاب الله لا يكون نبي الله، فرد أي رجل يحدث عن النبي بخلاف القرآن ليس ردا للحديث ولا تكذيبا له، وليس فيه ردا على النبي بل هو رد على من يحدث عن النبي بالباطل”، فالتهمة تلحق الراوي، ولا تلحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويقول الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه: “إذا روى الثقة المأمون خبرا متصلا الإسناد نرده بأمور أحدها أن يخالف موجبات العقول، فيعلم بطلانه، لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول، وأما خلاف العقول فلا، والثاني أن يخالف نص الكتاب أو السنة المتواترة فيعلم أنه لا أصل له، أو أنه منسوخ”، إلى آخره.

 فالحديث المروي في موضوع السحر حديث لا يخرج عن أن يكون كما أولنا سابقا للإمام البخاري، أو يكون مردودا بمعارضته لكتاب الله )تعالى(، وأدلة عصمة نبيه من تأثير السحر والسحرة ومن إليهم، ولا يقولن قائل بأن في ذلك ازدراء للإمام البخاري أو ردا للسنة، بل هو رد لرواة رووا أحاديث دون أن يلتزموا بشروط المحدث مثل الشروط التي ذكرها الخطيب البغدادي وغيره، إنني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ونبيه، لم يسحره أحد، ولا للحظة من حياته، لا في نوم ولا يقظة، ولا ذكر الغرانيق العلا ولم يقع في شيء من ذلك، فالله عصمه وحماه وحفظه وعصم كتابه، ونحمد الله (جل شأنه) أن تولى عصمة القرآن بنفسه، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:9)، وقال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * ثم إن علينا جمعه وقرآنه * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة:16-19)، فلولا ذلك لضيع العرب كتاب الله كما ضيعته بني إسرائيل؛ لأنهم الآن يحملون الكتاب مثل أصحابهم بني إسرائيل كما يحمل الحمار أسفارا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.     

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *