Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
خواطر في الأزمة الفكرية والمأزق الحضاري للأمة الإسلامية 1989 - حوار مع القرآن - مقاصد الشريعة2001 - الأزمة الفكرية المعاصرة تشخيص ومقترحات علاج 1994 - أبعاد غائبة عن فكر وممارسات الحركات الإسلامية المعاصرة - الأزمة الفكرية ومناهج التغيير 1996 - إصلاح الفكر الإسلامي بين القدرات والعقبات 1994 - Towards a Fiqh for Minorities -Spanish - The Ethics of Disagreement in Islam - TOWARDS A FIQH FOR MINORITIES Some Basic Reflections

رسالة إلى مصر

أ.د: طه جابر العلواني

إلى العزيزة مصر،

سلام الله عليكِ ورحمته وبركاته،

يعز عليَّ أنَّ الأمور فيكِ قد آلت إلى ما آلت إليه اليوم، وبلغت من الحدة هذا المستوى، وأبناؤكِ الذين كانوا قادرين على استيعاب أعتى الشعوب وأكثرها جفاء لم يعودوا قادرين على استيعاب أبنائهم وتحمّل إخوانهم، وصار العنف فيكِ مستساغًا وما عهدت ذلك جزءًا من طبيعتكِ.

كنت أعرفكِ وأعرف أنَّ طبيعتكِ الهادئة المسالمة قد تحوِّل أشد الأفكار تطرفًا إلى أفكار معتدلة، وقد تجعل من التعصب مرونة واعتدالًا، وقد تجعل من الفتن والمصائب والاختلافات وسائل تعارف وتآلف قد ينتهي بتعاون.

أين ذهبت طبيعتكِ تلك، وما الذي غيركِ، وما الذي حدث لكِ؟

أود أن أذكِّر إخواني وأبنائي المصريين بماضيهم وبمدى حبهم للسلام والأمن والطمأنينة والاعتدال والوسطيَّة. إن الاسلام قد دخل إليهم فأحبهم وأحبوه ووجدوا فيه ما يتفق وأحلامهم وما ينسجم وطبائعهم وما يهذب نفوسهم ويرشد سلوكهم، فأقبلوا عليه دون فتح ودون غزو، وانفعلوا به، وجعلوا رسالة الحب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سبيلهم إلى كسب مودته ومحبته واحترامه، فاعتبرهم جميعًا كأنَّهم أصهاره، وعدَّ ذلك رحمًا بينهم وبينه، فكيف يستطيع المصري أن يرى أنَّ هناك ما يمكن أن يضيق عليه في حياته من ما جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو صهره وحبيبه. إنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اعتبر مصر موطن الصهر، فمارية زوجه مصريَّة، وابنها منه هو إبراهيم حب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وإذا كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (التوبة:128) فإنَّه (عليه الصلاة والسلام) لا يمكن أن يترك ما يشق كلمة أصهاره ويدفعهم إلى التحارب والتقاتل ولا الصراع والتجافي.

 فالعنف ليس من طبيعة الإسلام ولا من طبيعة المصريين، ولعلَّه لو فقدت الجوامع المختلفة بين الإسلام والمصريين فلن تفقد المشتركات كلّها وأعلاها نبذ العنف والبعد عنه وعدم السقوط فيه، ولذلك فإنِّي أريد أن أذكركم ونفسي بقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (آل عمران:103)، وبما رواه البخاري عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: ” أتاهُ رجُلانٍ في فِتنَةَ ابنِ الزُّبَيير فقالَا: إنَّ الناسَ ضَيَّعوا وأنتَ ابنُ عُمَرَ، وصاحبُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فما يَمنَعُكَ أن تَخرُجَ؟ فقال: يَمنَعُني أنَّ الله حَرَّمَ دمَ أخي، فقالا: ألم يقل الله: ﴿وقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. فقال: قاتَلْنا حتى لم تَكُن فِتنَةٌ، وكانَ الدِّينُ لِلَّهِ، وأنتُم تُريدونَ أن تُقاتِلوا حتى تَكونَ فِتنَةٌ، ويكُونَ الدِّينُ لغيرِ اللَّهِ”[1].

وروى أبو داود عن أبي ذر قال: قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا أبا ذَرٍّ، قلتُ: لبيكَ يا رسولَ اللهِ وسعْدَيْكَ، فذكَرَ الحديثَ، قال فيه: كَيْفَ أنتَ إذا أصابَ الناسَ موتٌ يكونُ البيتُ فيه بالوصيفِ -تباع البيوت لشراء القبور- قلْتُ اللهُ ورسولُهُ أعلَمُ، أوْ قالَ: ما خارَ اللهُ لي ورسولُهُ، قال: عليكَ بالصبرِ أوْ قال: تصبرُ، ثُمَّ قال لي: يا أبا ذَرٍّ قلْتُ لبيكَ وسعدَيْكَ، قالَ: كيفَ أنتَ إذا رأيتَ أحجارَ الزَّيتِ -يقصد الكعبة- قدْ غرقَتْ بالدِّمِ، قلْتُ: ما خار اللهُ لي ورسولُهُ، قال: عليْكَ بِمَنْ أنتَ منه، قلْتُ: يا رسولَ اللهِ أفلا آخذُ سيْفِي وأضعُهُ على عاتقي، قال: شاركْتُ القومَ إذنْ، قلْتُ: فما تَأْمُرُنِي، قال: تَلْزَمْ بيتَكَ، قلْتُ: فإِنْ دُخِلَ علَيَّ بيتِي، قال: فإِنْ خشيتَ أنْ يَبَهرَكَ شعاعُ السيفِ فألْقِ ثوبَكَ علَى وجهِكَ يبوءُ بإثمِكَ وإثمِهِ”[2] أي بقتلك.

هذا الحديثان لا يدعوان إلى السلبيَّة أو العزلة، وإنَّما يدلان على أنَّ المجتمع لا ينبغي أن تعالج المشاكل داخله بالعنف، فلا عنف في داخل المجتمع، وحين يتجه فريق إلى العنف لابد أن يعرى ويحاصر لأنَّ هذا الفريق يحاول أن يختلط الحابل بالنابل، وأن تكون فتنة يختفي في ثناياها ويثير ويخرب كما يشاء، لكن حين يكف أبناء المجتمع وشرائحه وفصائله المختلفة عن الانجرار إلى الفتنة والوقوع في شراكها، فسيمتاز –آنذاك- المجرمون الذين يسعون إلى الفتنة ويعملون على إشاعتها في صفوف المجتمع، ويمكن –آنذاك- أن يحاصروا وينبذوا من الجماعة.

أمَّا أيَّة مشاركة في الفتنة والاضطراب فإنًّها ستخدمهم وتعطيهم الفرصة للإختفاء وراء الآخرين وإشعال الفتنة، فالثورات الداخليَّة والإحتقانات ينبغي أن توجه دائمًا إلى عدو حقيقي وخارجي، لذلك علمنا الله (تعالى) كراهة العدو الأول الشيطان: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (فاطر:6). وكراهة أوليائه من الأعداء الحقيقيين الخارجيين.

إنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رغم معرفته بالمنافقين إلا أنَّه حين اقترح عليه أن يقتل زعيم المنافقين الذي طعن في عرضه وأشاع الفتنة واختلق قصة الإفك على أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها، قال رسول الله: ” … لا يتحدثُ الناسُ أنَّ محمدًا يقتلُ أصحابهُ …” فلا ينبغي أن يقتل الإنسان مواطنيه أو يضرب أبشارهم أو يهين كراماتهم أو يعرض المجتمع لخطر الفتنة والاحتراب مهما كانت الأسباب.

حماكِ الله يامصر، وحفظكِ من كل سوء، ووقاكِ شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنَّه سميع مجيب.

وسلام عليكِ يامصر.

[1]  الراوي: عبدالله بن عمر، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 4513، خلاصة حكم المحدث: صحيح.

[2]  الراوي: أبو ذر الغفاري، المحدث: الألباني،  المصدر: إرواء الغليل، الصفحة أو الرقم: 8/101، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *