Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

حول مراجعات الجماعات الإسلامية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

حول مراجعات الجماعات الإسلاميَّة

حوار بين دكتور طه العلواني ودكتور مدحت ماهر

س: حضرت لكم بعض الدروس والمحاضرات التي كانت تحمل عنوان “مراجعات في الفكر والتراث الإسلاميّ”, وما استطعت فهمه مما حضرته أو استمعت إليه أو قرأته لكم أنكم تقومون بعملية “استدراك” على بعض مسائل وقضايا التراث الإسلاميّ وبعض جوانب الفكر الإسلاميّ الذي اشتملت عليه علومنا النقليَّة منذ بداية تدوينها.

واليوم نجد أن هناك اتجاهاً قد بدأ منذ عدة سنواتٍ بين الجماعات الإسلاميَّة للقيام بمراجعات لأفكارها, بعض هذه المراجعات لا يتردد في إعلان خطأ بعض الفتاوى السابقة أو الآراء أو المواقف, وبعضها يقف عند مرحلة “الاستدراك” وبيان أن تلك الفتوى أو الموقف كانت في حاجة إلى أن تستكمل في مستوى أدلتها أو تكييفها أو طرق استنباط الحكم فيها أو ضوابط تطبيقها, فما رأيكم في هذه المراجعات؟ وهل ستؤدي إلى تصحيح مسار الحركات الإسلاميَّة التي يطلق عليها أو تطلق على نفسها “الجهاديَّة” التي سادت فيها روح المراجعات, أو أن هذه المراجعات لن تنتهي بأكثر من تخطئة بعض قيادات هذه الجماعات للمراجعين وربما اتّهامهم بالضعف والتراجع والاستجابة للضغوط خاصةً بالنسبة لأولئك الذين ما زالوا تحت قيود أو ضغوط مباشرة؟ وتبدأ مرحلة جديدة من الانشقاقات والتشرذم بينها.

وهل هناك شروط تركها علماؤنا في المراجعات تبيِّن لنا من الذي يحق له أن يقوم بالمراجعة؟ وهل يعدّ تغيّر مواقف هؤلاء المراجعين من قبيل تغيُّر موقف إمام كالإمام الشافعيّ الذي تغيّر اجتهاده في مصر في كثير من القضايا الفقهيَّة التي تناولها في بغداد فآلت إلى أن يكون له فقه قديم ((هو فقهه البغداديّ)) وفقه جديد ((هو فقهه المصريّ)). وقد نسب العلماء إلى هذا الإمام الجليل أنَّه لم يبق من فقهه الجديد في فقهه القديم إلا مجموعة من المسائل لا تتجاوز عشرين مسألة, كما ذكر ذلك النووّي في المجموع وغيره؟! وهل يمكن أن يعدّ هذا النوع من المراجعات منسجماً مع القاعدة الفقهيَّة “لا ينكر تغيُّر الأحكام بتغيُّر الأزمان” وهل يقوم بالمراجعة الفقهيَّة المجتهد أو الفقيه نفسه كما حدث بالنسبة للإمام الشافعيّ؟ أو الأولى أن يقوم بالمراجعة سواه لأنّ المراجعة نقد والأولى أن يقوم بالنقد غير صاحب المذهب؟!! وهل تعتبر الأقوال السابقة والمراجعات وكل منها يتعلق بفتاوى الأمَّة, هل يقبل أن تصدر عن أفراد مهما علت مكانتهم؟ ومهما كانت؟ وبالتالي فالمراجعات لمثل هذا النوع من الفتاوى أو المواقف أو الآراء لا يكفي أن يرجع فيها إلى الفقهاء وحدهم, بل لابد من الرجوع فيها إلى علماء الأمة ومنهم فصائل عديدة من علماء الاجتماعيَّات في السياسة والاجتماع والنفس وعلم الاجتماع الدينيّ وغيرهم؟!!

W   W   W   W    W

ج: المراجعات من حيث هي توجُّه شرعيّ بدأ القرآن المجيد به, حين راجع تراث النبيِّين كافةً وأعاده إلى حالة الصدق الأولى التي نزل بها, ونفى عنه كلَّ ما ألحق البشر به من خارجه ليعود كما نزل صافياً نقيّاً خالياً من غلوّ الغالين, وانتحالات المبطلين, وتأويلات الجاهلين وتحريفات المغرضين. وقد سلك رسول الله r المسلك ذاته, بناءاً على استدراكٍ قرآنيّ أحياناً كما في مسألة الأسرى وغيرها, وأحياناً ابتداءً منه r بعد نظر في المآلات, ففي الأسرى والمنافقين قال له القرآن المجيد: ]مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[ (الأنفال: 67). وقال له في قضيَّة المنافقين: ]عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ[ (التوبة: 43).

أما مراجعاته r فكثيرة جداً, ومنها قوله: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِي فَوْقَ ثَلاَثٍ لِيَتَّسِعَ ذُو الطَّوْلِ عَلَى مَنْ لاَ طَوْلَ لَهُ فَكُلُوا مَا بَدَا لَكُمْ وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا» رواه الترمذي.

ومن ذلك قوله r: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّ فِى زِيَارَتِهَا تَذْكِرَةً» رواه أبو داود. وكذلك موضوع تأبير النخل, والمنزل الذي أنزل رسول الله r فيه جيش المسلمين في بدر, وذلك أمر شائع بيِّن في أصول الإسلام, تحوّل إلى ثقافة لدى المسلمين وعلمائهم خاصَّة. ولم تعد شيئاً يأنف منه العالم أو المجتهد, كما لم ير عامَّة الناس فيمن يرجع عن قوله أو يراجعه ما يعيبه, بل إنّ ذلك مّما يزيد الثقة منه أن جاءت بشروطها وحين قضى عمر t بشيء وقضى بنقيضه في عامٍ قابل, وقيل له في ذلك؟ قال: “ذلك على ما قضينا, وهذا على ما نقضي”. وكثيراً ما كان أصحاب رسول الله r يراجعون رسول الله r ويراجع بعضهم بعضاً, وقد يرجع بعضهم عن اجتهادٍ كان قد اجتهده, أو مذهب كان قد تبنّاه, دون أن يرى في ذلك أيَّة غضاضة. ولو أردنا جمع أنواعٍ من المراجعات على مستوى القرآن الكريم وعلى مستوى عصر التلقي كلِّه لجمعنا في ذلك مجلدات.

ولقد امتدحت الحضارات المعاصرة عمليَّات “النقد الذاتيّ” التي مارستها بعض الحضارات, وتبنّتها بعض التيَّارات الفكريَّة المعاصرة, واعتبرت ذلك دليل قوة لا دليل ضعف, وأنَّه مدعاة للثناء لا للقدح, والأئمَّة كلُّهم حينما تدرس سيرهم من مختلف فرق المسلمين ومذاهبهم نجد لهم مراجعات, بل “تراجعات” في بعض الأحيان. وفضوح الدنيا -حتى فيما يعد فضوحاً- أهون بكثير من فضوح الآخرة. فمن أخطأ في شيء أو حكم أو اجتهاد أو قول أو فعل فإنَّ عليه أن “يرجع” عنه إذا بان له صواب سواه, ويكون بذلك قد حصل على ثواب اجتهاده الأول, وإن كان خطئاً, وعلى ثواب المراجعة باعتبارها اجتهاداً ثانياً. وهذا بالنسبة لمن لهم أهليَّة الاجتهاد. أما بالنسبة لأهل “الانتقاء” من أقوال الفقهاء, فإن كانوا يتحرّون من المذاهب أقواها دليلاً, وأصرحها تعليلاً وهم على قدرة توءهلهم للترجيح بين الأدلة وإدراك العلل واستنباطها فهم بذلك يكونون من أهل الترجيح ولهم شروطهم ومواصفاتهم. وإذا كانوا من المتقنين لأصول فقه الأئمة, ولديهم القدرة على التخريج على أصولهم فهم من “أهل التخريج” ولهم شروطهم ومواصفاتهم. وإذا كان أحد منهم قد نال مرتبة “الاجتهاد في مسألة أو باب من أبواب الفقه” فليصرّح بذلك ليجري التعامل معه وفقاً لذلك وإن نقل عن مجتهد ميّت فأتى له أن يعلم أن ذلك المجتهد الميت قد رجع عن قوله الأول الذي أخذ به الناقل ورجحه وتبناه ليرجع هو بعد ذلك وما هو إلا ناقل. وإذا كان تكييف الواقعة قد تغيّر لديه فعليه أن يعلق ذلك لعل هناك من هم أخبر بالواقع وأدرى ليرشدوه!! ورسالة عمر t إلى قاضيه اشتملت على توصية صريحة بالمراجعة والتراجع. وعلة كل حال فإنّ ذلك -كلّه- مشروط بأن تكون المراجعة جادّة حرّة لم تنجم عن ضغط أو إكراه أو ترغيب أو ترهيب, بل نجمت عن الدليل وطرق الاستدلال, ومراجعة الدليل, ومناهج الاستدلال والاستنباط وتغيير الواقعة والواقع. وحين تكون بهذا الشكل فإنها تقع موقع الاجتهاد الذي وعد صاحبه بثواب الله؛ للمصيب أجران وللمخطئ أجر. إذا بذل الفقيه من الجهد فيها ما أيقن معه بالعجز عن بذل مزيد, وإذا كان القول في قضيَّة من القضايا التي تعد من قضايا الأمَّة التي تحتاج إلى اجتهاد جماعيّ فإنّ المطلوب في المراجع أن يعلن خطأه في التجرؤ على الإفتاء في قضايا لو عرضت لأصحاب رسول الله r لجمعوا لها أهل بدر أو قرّاء الصحابة كلهم.

أما ثقافة “الاستكبار عن المراجعة” والخوف من أن يقال: إنه كان على خطأٍ, فتلك ثقافة المتكبرين والجبابرة والطغاة أو ثقافة جحا الذي قيل له, وكان عمره خمسة وعشرين سنة, كم عمرك يا جحا؟ فقال: خمسة وعشرون, فسألوه بعد عشر سنين فقال: خمس وعشرون. ولمّا قيل له في ذلك أجاب: أنا رجل قد قلت كلمتي ولا ينبغي للرجل أن يرجع في كلمة قالها؛ فهذه “ثقافة جحوية” لا تليق بأهل العلم.

إذا تبين ذلك, فإن ما حاولنا القيام به من مراجعات لتراثنا إنما هو محاولة جادة أردنا بها وجه الله I وإتباع كتاب الله وسنة وسيرة رسول الله r والاقتداء بسلفنا الصالح, واستعمال مداخل التصديق والهيمنة (وهي مداخل قرآنيَّة) والاستيعاب والتجاوز, أي استيعاب فترة زمنيَّةٍ مّا ومعالجة مشكلاتها بما تهدي إليه آيات الكتاب وسنن رسول الله r ثم تجاوزها بعد ذلك إلى زمن آخر. فنحن نحاول أن نراجع تراثنا النقليّ بحثاً عن مدى اتصاله بالكتاب الكريم ومنهج الرسول العظيم في إتباع الكتاب وبناء فقه التديُّن على الدين وطرائق سلفنا الصالح فيما تركه لنا جيل التلقي وجيل الرواية وجيل الفقه من أجيال هذه الأمة لنصحّح بذلك مسار أجيال التقليد التي أدى بها التقليد إلى كثير من عوامل الجمود والانحراف. فنحن نحاول أن نراجع كل علم من علومنا النقليَّة والشرعيَّة بنور المنهج القرآنيّ في الإنشاء والكشف والتأسيس والمنهج النبويّ في الإتِّباع والتأسي والاهتداء بالقرآن المجيد, فنرى إلى أيّ مدى جمع في موروثاتنا -من تلك المعارف- بين القراءتين: قراءة الوحي وقراءة الكون, ونرى إلى أيّ مدى لوحظت -في بناء تلك المعارف التراثيَّة- وحدة القرآن البنائيَّة, وحاكميَّته ومقاصده العليا وكليّاته وغاياته, ومدى ملاحظة المؤسسين لتلك الأقوال لختم النبوة وتخفيف الشريعة ورفع الحرج وحاكميَّة الكتاب وشهادة الأمة وخيريَّتها ووسطيَّتها لنستطيع بذلك الميز بين مكونات هذا التراث ومعرفة ما ينسجم منه مع تلك المعالم والمحدّدات المنهجيَّة وما يتعارض معها. وأظن أنَّ هذه المحاولة على صعوبتها وأهميَّتها وكونها محاولات رائدة غير مسبوقة في شموليّتها وجدِّيّتها وعمومها هي محاولة ضروريَّة لابد أن تتضافر عليها جهود أهل العلم ومؤسََّسات التعليم الإسلاميّ وعلماء الاجتماعيّات والسلوكيّات لتؤتي ثمارها ولتسمح لنا بتجديد تراثنا وتنقيته واستصلاحه والبناء على الأسس السليمة له والقواعد المستقيمة فيه ومراجعاتنا تختلف عن مراجعات الجماعات الإسلاميَّة.

مراجعات الجماعات:

أما فيما يتعلق بمراجعات الجماعات الإسلاميَّة السياسيَّة والجهاديَّة -مع حفظ الألقاب والأسماء بعد ذلك- فإنَّ هناك مراجعات كثيرة قد جرت منذ عهد ابن تيمية, بل قد سبقته, حول فكرة جواز أو عدم جواز قيام فصيل من أبناء الأمة بتشكيل فئةٍ تأخذ لنفسها اسماً وشعاراً وصفاتٍ أخرى تميّزها عن الجسم الكبير للأمَّة, وخرج -رحمه الله- بموقف واضح صريح؛ نصّ عليه في فتاواه الكبرى في أماكن كثيرة منها؛ وهو عدم جواز تميّز أيّ مجموعة من أبناء الأمَّة عن الأمَّة -كلّها- وإعطاء نفسها اسماً غير الاسم الذي سمىّ الله I به هذه الأمة: ]هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ[ (الحج: 78). سواء في ذلك طريقة صوفيَّة أو هيئة حزبيَّة أو فئة من الفئات واعتبر -رحمة الله عليه- ذلك -كلّه- نوعاً من التمزيق للأمَّة والانفصال الممنوع عنها, وكان نظره -رحمه الله- في ذلك دقيقاً, حيث إنَّ الإنسان حين يألف أن يوصف بوصف متميّز, وأن يُنسب إلى فئة أو طائفة مهما تكن كبيرة أو واسعة فإنّها ليست كل الأمَّة, ولذلك فإنَّ مشاعره تجاه بقيَّة الأمَّة سوف تتغيّر, ولابد أن يشعر بشيء من الاستعلاء على فصائل الأمَّة الأخرى والانفصام عنها. ولذلك كان يفضل -رحمه الله- ومعه كثيرون من علماء المسلمين عدم اتخاذ أسماء مميّزة يميِّزون بها من حولهم من الطلاب والمريدين وعدم إعطائهم شعارات يرددونها وكانوا يعيبون على الصوفيَّة الأخذ بـ“نظام الخرقة”, ويعتبرون التميُّز باللِّباس دليلاً للرغبة في الشهرة أو التميُّز, والأصل في الأمَّة المسلمة أنَّها أمَّة واحدة لا تمايز بين أيٍّ من أبنائها والآخرين. وقد جمع عالم فاضل معاصر أقوال العلماء هذه حتى عصر ابن تيمية ومن تلاه في كتاب مطبوع سماه “حكم الانتماء إلى الجماعات الإسلاميَّة”.

ومع ما قد يكون لدينا من ملاحظات على هذا الاتجاه في بعض الأمور الفرعيَّة, وفي بعض النتائج فإنَّ الأصل الذي تستند إليه هذه الدعوى أصل قويّ يشهد له الكتاب والسُّنة والسيرة وحياة أصحاب رسول الله r. وإذا رغب معترض أن يعترض فيمن سمُّوا بـ“أهل الصُّفة” أو عرفوا بـ“القرّاء” من الصحابة فتلك أسماء أطلقت على قوم لهم مهارات وملكات محدّدة لا تؤدي إلى عزلهم عن الأمَّة, كما يقال لمن شاركوا في بدر “بدريُّون” ولمن شارك في غزوة أحد “أحديّون” أو “أهل بيعة الرضوان” أو “مهاجرون” أو “أنصار”… فكل تلك الألقاب لم تعط أصحابها أيَّة دوافع للافتئآت على الأمَّة أو تجاوز مجموعها, أو الحديث باسمها نيابة عنها, أو الاستعلاء عليها, أو الانفصال عن محيطها الاجتماعيّ الأكبر.

ومن المعروف عن أهل العلم القول المشهور: “لا يُنسب لساكتٍ قول”, (وكثير من الجماعات والحركات والفئات المعاصرة تنسب للأمَّة ولأكثريّتها الصامتة ما تتبنّاه من أقوال دون تشاور مع هذه الأمَّة, ودون أخذ لرأيها, أو توعيتها لكي تقول: أؤيّد أو أعارض أو ما إلى ذلك), فكأنَّ الأمَّة تم إهمالها وتهميشها من أصحاب السيف والقرار الذين استبدّوا بأمورها لا عن رأيٍ منها أو مشورة, والجماعات التي استبدَّت ونسبت إلى الأمَّة ما شاءت من أفكار وآراء وتوجّهات, وفي كل ذلك افتئآت على الأمَّة, وتجاوز لها غير مقبول, ويصطدم بصفة الأمَّة الأساس الواردة في قوله تعالى: ]وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ[ (الشورى: 38).

والأمَّة -بمجموعها مهما كان مستواها ومهما قيل فيه- هي أوعى بكثير من المفتاتين عليها أيّاً كانوا, سواء أكانوا من أهل السيف أو من أهل القلم, لكن ثقافتنا حشيت بأمور كثيرة غريبة سوّغت لاتجاهات الافتئآت على الأمَّة وتجاوزها؛ منها الفهم الخاطئ لدور ]أُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ[ (النساء: 59), ولحقيقة هذا المفهوم, ولانتشار أقوالٍ من مثل: “العاميُّ لا مذهب له … مذهبه مفتيه”؛ ليسوغ أهل العلم لأنفسهم عدم تعليم العاميّ أدلة الأحكام وعللها ومداركها ومآخذها ومآلاتها, فذلك أسهل عليهم, ولكنّ ذلك لن يخرج الجاهل من جهل ولا الأمّيّ من سيطرة الأميَّة عليه, ولن يحقق مقاصد الشارع ولا يتفق مع سنة رسول الله في تعليم الكتاب والحكمة.

هذا وقد حفل عالمنا الإسلاميّ -قبل إلغاء الخلافة العثمانيَّة عام (1924م) وبعد إلغائها- بظهور كثير من الفئات والأحزاب والجماعات والجمعيَّات التي ولّدت تيَّارات فكريَّة مختلفة ما زادت الأمَّة إلا فرقة وضعفاً وتخاذلاً. وكان من أهم الأسباب التي دفعت إلى توليد تلك التيَّارات اكتشاف المسلمين تخلّفهم وضعفهم بعد بروز أوروبا الحديثة وظهور تفوقها بعد الكشوف الجغرافيَّة والمخترعات, ودخولها مرحلة الانتقال من ثورة إلى أخرى, حتى أصبحت أوروبا سيدة العالم القادرة على فرض أفكارها ورؤيتها الكليَّة وعالم غيبها وقواعد تفكيرها ونظمها وتشريعاتها على بقيّة أجزاء العالم. وأدركت أوروبا بذلك أنَّها أصبحت الوريث الشرعيّ للعالميَّات الهيلينيَّة والرومانيَّة وأنَّ من حقها أن تفرض على العالم ما يجعله على مقاس قبضتها, فأدخلت “القوانين الوضعيَّة” بأشكالها المختلفة للعالم الإسلاميّ خاصة. فالعالم الإسلاميّ بقي ماثلاً في ذهنها باعتباره أخطر تهديد واجهته أو تواجهه, فلم تنس له قوته في مواجهة الحروب الصليبيَّة على مدى مئتي عام, وأنه حين بلغ أخطر مراحل الضعف -فتحالف الصليبيُّون مع التتار لاستئصال هذا العالم وتدميره ووضعه خارج التاريخ- إذا بالغزاة التتار ينتهون -في الآخر- إلى الدخول في الإسلام والانضمام إلى أهله ولو بعد تخريب كثير وهزيمة الصليبيّين. كما أنَّ “المسألة الشرقيَّة” بدأت باعتبارها عنواناً للتهديد الإسلاميّ لأوروبا بعد أن دخلت القوات العثمانيَّة قلب أوروبا. فأخذوا على عاتقهم هذه المرة محاربة “الشريعة” بالتشريع الوضعيّ, والعقيدة بالرؤية وبتأسيس عالم غيبٍ جديد, سادت الدعاوي إلى استبدال ونظم الحياة الإسلاميَّة وما تفرزه وتبنيه من ثقافة بنظم بديلة كفيلة في نظرهم ببناء ثقافة أخرىٰ.

وأمام لهفة العالم الإسلاميّ لاقتباس التقنية والنظم الإداريَّة من الغرب كما حاول سليم الثاني العثمانيّ ومحمد علي وخير الدين التونسيّ وغيرهم, الذين أيقنوا أنّ تلك الاقتباسات لابد منها لاجتياز المسلمين حاجز التخلّف, ولتهيئة أنفسهم لدفع ثمن النهضة ومتطلَّباتها ودخول عصر الصناعة والتقدم. وابتلع كثيرون من حكام المسلمين -آنذاك- الطُّعم وقبلوا أن يدخلوا هذا “التقدم” المنشود إلى المحيط الإسلاميّ باعتباره كلاً لا يتجزأ ولاعتمادهم على أنَّ قوة الإيمان في قلوب المؤمنين, وهيمنة المشاعر الإسلاميَّة على نفوسهم سوف تجعلهم قادرين على الفرز والاختيار والانتقاء, فظنُّوا أنَّهم سيأخذون آنذاك ما تشتدُّ حاجة المحيط الإسلاميّ إليه من صناعة وتقنية ونُظم إداريَّة دون أن يتأثَّروا بفلسفة الغرب لأنَّهم لم يستطيعوا في تلك المرحلة المتقدمة أن يدركوا أن أيَّة آلة ولو كانت مكنسة كهربائيَّة إنّما تنبثق عن فكرة كانت في رءوس صانعيها, وأنَّ من يريد استخدام تلك الآلة فلا مناص له من تبنِّى الفكرة التي كانت وراءها.

وحين دخلت “القوانين الوضعيَّة”, وبدأت تنتشر في المحيط الإسلاميّ أفرزت كمّاً هائلاً من المشكلات حال بين العالم الإسلاميّ والأخذ بقواعد التصنيع والتقنية وما إلى ذلك, وبقي العالم الإسلاميّ إلى يومنا هذا يتجادل في المقدِّمات, ويتجاهل الأهداف والغايات, ويأخذ الأغلفة ويترك اللباب والمضامين فبقي على تخلُّفه وما زاده التجادل في المقدّمات والأخذ بالمظاهر إلا خبالاً. ووجد المسلمون أنفسهم منغمسين في جدل كبير أدى إلى انقساماتٍ هائلة بينهم حول “القوانين الوضعيَّة” وما ترتَّب عليها. فقد انقسم أبناء الأمَّة في بادئ الأمر إلى فريقين: فريق يرى في دخولها وتحكيمها نوعاً من الاستعمار التشريعيّ والتحدِّي لأحكام الشريعة الإسلاميَّة يستحق الرفض بل والجهاد, ولكنَّ هذا الرفض والجهاد ينصبُّ أولاً على أبناء البلد أو المنتمين للمحيط الإسلاميّ الذين أدخلوا هذه “القوانين الوضعيَّة” ليسمح ذلك بانشطارات أخرى داخل المحيط الإسلاميّ. وليؤصّل ويؤسّس للصراع الداخليّ, وللتفتيت الأهلي الذي لن يسمح لهذه الأمَّة أن تستعيد وحدتها التي هي شرط لابد منه لانطلاقها في طريق النهضة, وسبيل العمران.

وفي الوقت نفسه رأى البعض في القوانين الوضعيَّة أنَّها لا تعدو أن تكون تطوّراً فقهيّاً مقبولاً في الجملة, ويمكن أن تستبعد منه بعض الأجزاء الصارخة في غربتها عن الإسلام ليحصل التوفيق بينها وبين الفقه في مذاهبه المتعدّدة. ولكنّ الغالبيَّة المسلمة رفضت تلك القوانين وصارت تطرح مجموعة من الأسئلة الخطيرة؛ منها:

  • ما حكم من لا يحكِّمون “الشريعة”, ويحكّمون تلك “القوانين الوضعيَّة”؟ قال بعضهم بأنَّهم كفار واعتبروا كفرهم “كفراً أكبر” مخرجاً من الملّة, يبيح الدم والمال. واعتبره البعض كفراً أصغر موازياً للفسق يبيح الخروج كحدٍّ أقصى لإنكار هذا المنكر دون أن يبيح الدماء.

وعدّ بعضهم أنَّ الحكم بهذه الطريقة شامل لصنّاع القرار ولكل من يتعاون معهم بما في ذلك الشرط والجند والحراس. وجرى تداول موضوع “الردَّة” ورمي صنّاع القرار بها, وجرّ ذلك إلى سؤال آخر في غاية الخطورة يتعلق بالمجتمعات المسلمة نفسها:

  • هل تعدُّ تلك المجتمعات التي تُحكم بـ“القوانين الوضعيَّة” مجتمعات جاهليَّة عادت إلى الجاهليَّة الأولى؟ أو أنها مجتمعات ما تزال مسلمة ظهرت فيها “أحكام كفر”!! لأنّها ما تزال تحتفظ بالمسجد والآذان ونظم الأسرة الشرعيَّة؟ فلا تفقد الصفة الإسلاميَّة ما دامت تلك المظاهر قائمة؟!.

ثم برزت أسئلة أخرى حول الديار نفسها.

  • هل تصبح دار الإسلام دار حرب بظهور القوانين الوضعيَّة فيها فيُباح لأهل دار الإسلام إن وجدوا في بقعة أخرى غزو تلك الديار لإعادة ضمِّها إلى ديار الإسلام ولو بالقوّة وما حكم القاتل والمقتول في هذه الصراعات؟!

وبدأت عشرات الأسئلة تظهر حول هذا الأمر وما تفرّع عنه. وبدأ البعض يقيسون هذا على ما حدث في بني إسرائيل حينما اعتمدوا على أحبارهم ورهبانهم الذين تجاوزوا شرائعهم؛ وبذلك تكون المؤسَّسات الدينيَّة والعلماء والمفتون والقضاة الشرعيّون كلُّهم مرتّدين كرّدة الأحبار والرهبان الذين أحلّوا لأقوامهم الحرام وحرّموا عليهم الحلال وبذلك عزلت المؤسسات الدينيَّة عن التأثير تماماً. وتتابعت الأسئلة حتى تداولت بعض الفئات أسئلة عجيبة مثل: هل نسوّي بين وزير زراعة -في الحكومات التي تحكم بالقوانين الوضعيَّة- ووزير عدل؟ وهل يعامل الوزير فيما يسمى بـ“وزارات السيادة” كما يعامل وزير بلديّات أو شئون اجتماعيَّة أو ما إلى ذلك..؟ فانقسمت الأمة في داخلها وكثرت الصراعات فيها, وانشطر المتعلمون فيها, وتمايزت الحكومات والشعوب وأصبح كل منها في وادٍ غير وادي الآخر, وإذا بالأمَّة تزداد تخلُّفاً وفقراً وجهلاً وأمراضاً وفرقة وتمزقاً, وتوجّه أسلحتها نحو صدور أبنائها.

وبين فينة وأخرى تقدم “أطروحات” تواجه بمراجعات, وتُعلن مراجعات ويراجع البعض على المراجعات,.. وعندي أنَّ ذلك -كلّه- لا يخرج الناس من خطيئة سوء التعامل مع الكتاب الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تعاملاً شبيهاً بتعامل بني إسرائيل مع توراتهم حيث قال Y: ]مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[ (الجمعة:5).

وقد ينتج البعض فقهاً يلبسه ثياب الاجتهاد ولكنَّه فقه لا يمتاز عن فقه أصحاب البقرة بكثير؛ لأنَّه قائم على أسئلة تواجه بأسئلة, وتتسلسل إلى ما لا نهاية, أو إلى نهاية غير مقبولة, هي نهاية القيام بالمأمور به بروح التثاقل والملل الذي يخفى وراءه رفضاً أو حيرة لا يمكن أن يبني أمَّة ولا يمكن أن ينشئ ثقافة أو يؤدي إلى عمران وحضارة وتزكية نفوس, والتزامٍ بتوحيد الله I.

ولكي تؤتي هذه المراجعات آثارها وتكون مراجعات حقيقيَّة, لا مصطنعة, فإنَّنا في حاجة إلى الرجوع إلى الكتاب الكريم رجوعاً شاملاً يشمل الأمَّة كلّها؛ لنراجع بالقرآن الكريم ليحكم بيننا تراثنا كلّه, ونعرضه عليه فما كان منبثقاً عنه محقّقاً لغاياته ومقاصده متصلاً  بكليّاته أبقينا عليه, وما ناقضه وخالفه ضربنا به عُرض الحائط, بقطع النظر عن قائله, والفِرَق التي تبنَّته والحزب والجماعة التي رفعته لها شعاراً. والقرآن يفسِّر بعضه بعضاً, والتطبيق النبويّ والإتّباع الذي أمر رسول الله r به كفيل بأن يضعنا على المحجَّة البيضاء. أما التراث الفقهيّ فهو في غالبه تراث تجزيئيّ جزئيٌّ ظرفيٌّ وزمانيٌّ ونسبيٌّ في زمانه ومكانه وإنسانه فلا يعمم إلا بأدلة معتبرة تسمح بذلك التعميم, والأحكام وبناء الفكر الزرائعيّ, والعقليَّة التبريريَّة الانتهازيَّة التي تقود إلى مزيد من الاختلاف والشقاق وسوء الأخلاق. وقد تؤدي إلى دفع العامَّة إلى فك الارتباط بينها وبين دينها, وإضعاف ثقتها به, والتزامها بأحكامه.

أما المراجعات التي تقوم على عمليَّات انتقائيَّة؛ فينتقي حزب مَّا أشدَّ وأثقل ما في فقه الفقهاء من أحكام, ويراجع عليه -ولو بعد حين- البعض باختيار الأخف ورفض الأشق بناءاً على ضغط الظروف, أو ابتغاء الاستجابة لمتطلَّبات واقعٍ مَّا فذلك لن يؤدي إلا إلي مزيد من التشرذم والتذبذب والبلبلة والحيرة.

إنّ هذه الضجَّة المثارة حول ما سمّوه بـ“المراجعات” يمكن أن تقرأ في ضوء المؤشّرات التالية:

أولاً: إنَّ هذه الفئات التي تسمي نفسها جهاديَّة أو حركيَّة أو أيّة تسمية أخرى, تتحرك تحت ضغط نموذج معرفيّ أو باراديم قد قضى بكفر الحاكمين لأنَّهم لم يحكّموا الشريعة بل حكّموا القوانين الوضعيَّة, والأمَّة جاهلة في نظرهم, والمجتمعات جاهليَّة لذلك فإنَّ من حقهم أن يستولوا على سائر صلاحيَّات الحاكمين, وواجبات الأمة وأن يعتبروا جماعتهم مهما صغرت هي الأمَّة البديل عن الأمَّة الجاهلة والمجتمعات الجاهليَّة وقيادتهم هي البديل الشرعي لسائر مراتب القيادة للمجتمعات والحكومات والدول وفي هذا خلط كبير وافتئات على الأمَّة والدولة والقيادات وأولياء الأمور في سائر المستويات لا يمكن أن يؤدي إلا إلى الصراع الداخلي والفتن الأهليَّة.

ثانياً: بمقتضى هذا “الباراديم أو النموذج المعرفيّ” الذي يصبح بمثابة نظّارة عقليَّة مكبّرة يقرؤون النصوص القرآنيَّة والمأثورات النبويَّة والسنَّة المرويَّة والتاريخ النبويّ والإسلاميّ بصفة عامَّة ولذلك فإن هذا النموذج المسيطر على عقولهم يجعلهم قادرين على أن ينتقوا من أقوال الفقهاء والأئمة في عصور التاريخ المختلفة مع تجاهل آثار الزمان والمكان والتغيُّرات التي تحدث نتيجة لذلك فيأخذون فقه الفقهاء على أنّه موازٍ لنصوص الشارع. فينتقون منه ما يقبله نموذجهم المعرفيّ وما يعزز مواقفهم ويتجاوزون ما لا يقبله ثم يقومون بقراءات تجزيئيَّة للكتاب الكريم وللسنَّة والسيرة ووقائع التاريخ الإسلاميّ ليجعلوا منها أدلة معضِّدة جزئيَّة تؤخذ منقطعة عن سياقها, مستلبة من ظروفها لتعزّز ما يذهبون إليه, وتمنحه -في نظرهم- الشرعيَّة المطلقة ليقوموا بعد ذلك بتأسيس دعوى عريضة: “ما نذهب إليه وما أوصلتنا أدلتنا إليه صواب محض وحق مطلق وما عداه فهو خطأ وباطل”, وحين يبرز فقهاء آخرون من خارج نموذجهم المعرفيّ وتجمعاتهم المغلقة, فيقولون بما يخالف أقوالهم فإنَّهم يسارعون إلى استعمال نصوص تعزل هؤلاء المخالفين لهم عن الجماهير المسلمة, وتضع بينهم وبين جماهير تلك الحركات الحواجز السميكة كأن يقال: إنّ أولئك -أعني المخالفين لهم- حذرنا رسول الله r منهم بأحاديث من مثل: “احذروا المنافق العليم اللسان” أو الأحاديث التي تقول بضرورة الأخذ عن الثقات وهم يحصرون الثقة برجالهم ويسحبونها عن غيرهم ليصموهم بأنَّهم فقهاء سلطان أو وعاظ سلاطين أو فقهاء الحيض والنفاس أو حواشي الحكومات أو ما إلى ذلك من أوصاف. المهم أن تبقى آذان وقلوب الأتباع مصغية لأصواتهم وحدها.

ثالثاً: نموذجهم المعرفيُّ هذا أعطاهم تصوراً خاطئاً بأنّ لهم أن ينتقوا من أقوال الفقهاء بقطع النظر عن الزمان والمكان وتكييفات الوقائع ما يشاءون, وأنّ ذلك التبنيّ من قبلهم يضفي مزيداً من الشرعيَّة على ما يتبنّون, ويصبح ما عدا ما تبنَّوه ولو كان ضعيفاً أقوى المذاهب وأزكاها وكل ما عداه من المذاهب تستحق الهجر والإهمال.

رابعاً: فإذا أدركوا بعد حين خطأهم وليس سهلاً على مثل هؤلاء أن يدركوا الخطأ أو يصلوا إلا تحت ضغوط شديدة من داخل التنظيم أو من خارجه إليه تبنوا مذاهب أخرى أقل حدّة أو شدة, أسقطوا عليها من الأدلة المنتقاة بشكل جزئيّ خارج عن السياق ما يعززها, ثم قالوا: هذا الذي تبنَّيناه سابقاً كان اجتهاداً صحيحاً سابقاً له ظروفه وله مسوّغاته وما نتبنّاه اليوم فهو اجتهاد جديد لظهور مستجدات اقتضت تغيير الاجتهاد فهو -أيضاً في نظرهم- اجتهاد صحيح معتبر صادر عن أهله وهم في الحالين لم يجتهدوا, بل انتقوا واختاروا ما يوافق الموقف الذي هم فيهم.

وأما ما يترتب على ذلك من مشكلات فإنَّ من السهل عليهم تجاوزها بأن يستدلوا بالحديث المعروف: “إنَّ الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر”.

خامساً: إن المراجعات الصادقة الصحيحة لا ينبغي أن تكون بالشكل الذي يمارسه هؤلاء بل تكون بالعودة إلى الكتاب الكريم وقراءته بمنهجيَّة منضبطة بحيث يقرؤ القرآن بوحدته البنائيَّة, ويلاحظ في خطابه النظم والأسلوب والكليَّات القرآنيَّة والمقاصد العليا الحاكمة, والجمع بين القراءتين وأن لا تُخرج أية من سياقها على طريقة أبي نواس في الاستشهاد بقوله تعالى: ]فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ[ (الماعون:4) حيث ضمن بيته هذه الآية فقال:

ما قال ربك ويل للأولى         * * * * *      سكروا بل قال ربك ويل للمصلين

وآيات الأحكام سواء تعلقت بالجهاد أو بغيره لا ينبغي أن تقرأ معضَّاة على طريقة أولئك الذين جعلوا القرآن عضين, بل ينبغي أن تقرأ على أنّها آيات من كتاب أنزله الله Y ليعلم البشريَّة كيف تؤهل نفسها للاستخلاف وتعد نفسها لحمل الأمانة والوفاء بالعهد الإلهيّ, والنجاح في اختبار الابتلاء فما أنزل هذا القرآن ليكون مواد متناثرة يقتبس منها من شاء كما شاء, ويضرب بعضها بالبعض ولا جاءت سنن رسول الله r لتكون بهذه المثابة. من هنا فإنَّنا نؤكد أنَّ المراجعات نفسها في حاجة إلى مراجعات. مراجعات في النموذج المعرفيّ الكامن في عقول هؤلاء, ومراجعات في منهجهم في القراءة, ومنهجهم في قراءة النصوص ومعرفتهم بالفقه وأصوله, والتصديق على التراث بالقرآن الكريم وعرض على القرآن الكريم ليقول كلمته في كل باب من أبوابه, فالحاكميَّة للقرآن, لا لفقه البشر.

سادساً: لقد تجاهل هؤلاء خصائص الرسالة والشريعة والدعوة, ولم يأخذوها بنظر الاعتبار وهم يمارسون اجتهاداتهم أو فقههم فتجاهلوا بعد عالميَّة هذه الرسالة وما يقتضيه هذا البعد من أفكار وتصورات ومناهج لها آثارها في الدعوة والدولة والأمة وطرائق ذلك كله كما تجاهلوا شمول الإسلام وعمومه للبشرية كلها, وتجاهلوا خصائص شريعته التي وردت في سورة الأعراف وتجاهلوا آيات الظهور وأحاديث الظهور التي تؤكد على القيم الكبرى, قيم الحق والهدى والعدل والأمانة وما إلى ذلك. وبرز في عقولهم بعد “الحاكميَّة الإلهيَّة” التي كانت في بني إسرائيل ونسخت بـ“حاكميَّة القرآن” في هذه الشريعة بقراءة بشريَّة تجمع بين القراءتين وتتمسَّك بوحدة القرآن البنائيَّة وكليّاته ومقاصده وأهدافه وتجاهلوا ختم النبوة, وما يقتضيه من تجاوز للفقه الخاص والتزام بالفقه الأكبر الذي يقدمه القرآن وبيّنه منهج النبي r في إتّباع القرآن المجيد, وضبط قضايا الحياة به. وليتهم تشبثوا بالأصلين العظيمين شرعة القرآن ومنهاج النبوة في إتباعها, وتطبيق ما جاءت به في هذه العظائم التي أحدثت للإسلام ضرراً بالغاً, وأدت إلى إضعاف ما قد يكون بقى للمسلمين من قوة على مستوى العالم كله, وأعادت الاستعمار والاحتلال إلى أجزاء عزيزة من بلاد المسلمين!!

فإلى القرآن من جديد, وإلى منهاج النبوة لتكون المراجعات حقيقيَّة, وتوبة نصوح يكفر بها أولئك ]الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً[ (الكهف:104) عما اقترفوا في حق الإسلام والمسلمين وتدمير ما ينته محاولات النهوض الإسلاميَّة عبر ثلاثة قرون.

(وإنا لله وإنّا إليه راجعون)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *