Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

العلواني ومراجعة التراث الإسلامي

 

العلواني ومراجعة التراث الإسلامي (مشروع جديد1)

حوار أجراه إسلام عبد العزيز

إسلام أون لاين

في حوار سابق مع الفقيه الأصوليّ الأستاذ الدكتور طه جابر العلواني، وكان خاصّاً باستيضاح وجهة نظره في مسألة “المراجعات” التي قامت بها جماعة الجهاد المصريَّة، ممثلة بالدكتور فضل أو سيد إمام. وما ورد فيها من مصطلحات وقضايا فقهية.. بان أن الرجل يفكر بطريقة غير متداولة ولا معتادة على الأسماع التي ألفت الاستماع إلى أقوال الفقهاء “المحافظين”. وفقاً لقواعدهم وأدلَّتهم.

فأثناء الحديث عما أسماه “محدِّدات الشريعة الإسلاميَّة” ومنها “محدّد ختم النبوة”، أكد الشيخ العلواني: أنَّ الإيمان بهذا الأمر من مقتضياته “عدم نزول المسيح مرة أخرى، وعدم ظهور المهدي المنتظر” وأن القول بأي من هذين الأمرين يتنافى والإيمان بأنّ سيدنا محمداً-صلى الله عليه وآله وسلم-“خاتم النبيّين مهما كثرت التأويلات.

ومع أنّ “إنكار ظهور المهدي” تحديداً ليس جديداً على الساحة الفكرية الإسلاميّة، إلا أنّ الأمر كان له وقع خاص مع د. العلواني؛ لأنّه فقيه أصوليّ له وزنه في عالم الفقه والفكر الإسلامي المعاصر. ومن المؤكد أنّ الرجل عنده من الأدلة العلميّة والمنهجيّة ما يؤكد -من وجهة نظره ونظر مدرسته الفكريَّة وتلامذته على الأقل- صحة ما ذهب إليه، لأنّ الرجل لم يعرف عنه إرسال الأقوال على عواهنها، أو بدون أدلّة.

ولأنَّ الحوار أثار الكثير من التعقيبات الرافضة لما عرض والموافقة، ونظراً لأهميَّة البناء على ما سبق، فقد ذهبنا إلى د. العلواني مرة أخرى، لنستبين منه الأمر بوضوح أشد وجلاء أكثر بياناً، فظهر أنَّ “موضوع إنكار ظهور المهدي ورجعة السيد المسيح” لم يكونا الغاية الأخيرة في مشروع الأستاذ العلواني, لكنهما مجرد مفردتين من مفردات منهج تجديدي جديد أسماه العلواني “مشروع مراجعة التراث الإسلاميّ وتجديده” وهو التراث المدون الذي أطلق عليه “العلوم الشرعيَّة” أو “العلوم النقليَّة” أو “العلوم الإسلاميَّة” التي يصنِّفها الأستاذ العلواني إلى صنفين: الأول “علوم المقاصد”, والثاني “علوم الوسائل” تبعاً لتصنيف المتقدمين للمعرفة الإسلاميَّة.

بدأ الحوار.. وبدأت مفردات المشروع التجديدي للدكتور العلواني تتكشف شيئاً فشيئاً.. وسننشر حلقات هذا الحوار تباعاً لعله يكون بداية لأفكار تجديدّية جديدة نحاول من خلالها فتح نقاش حول موضوع ربما صار من المسلمات كونه ضرورة وجود وبقاء تحتاج الأمّة إلى من يقوم به, ومن أولى من الشيخ العلواني بالقيام بهذه المهمة بعد الخبرات والتجارب الطويلة التى مر بها في الشرق والغرب، واطلاعه الواسع في التراث والمعاصرة؟! وسوف نقدم في وقت لاحق منهج الأستاذ الشيخ العلوانى الذي وضعه انطلاقاً من القرآن المجيد، وجعله في عشرة محدّدات. ومن البديهيات التي لا تحتاج لنقاش كبير بعد أن ظهر عجز هذه المعارف الموروثة-كما هي- والقائمين عليها عن وضع مشروع نهوض للأمة يمكن أن يساعدها على الخروج من الأزمات الخانقة المهيمنة على حياة الأمة اليوم!!

كل ما نرجوه من قارئنا ألا يدخل إلى الموضوع محمَّلاً بوجهات نظر سابقة، متحيزاً ضد مفكرنا الذي له المئات, بل الآلاف من التلاميذ المنتشرين في قارات الأرض الخمس يتبنَّون فكره، ويحملون أطروحاته. وأن يتحلى القارئ بروح العلم المتجرّدة عن أي نعرات أو أهواء، وأن يترك من لا يستطيع أن يقول خيراً أمر مناقشة هذه الأطروحات الهامَّة المدعمة بالدليل والتعليل للعلماء القادرين على البحث والنظر واستجلاء الأمور من مظانّها وإثراء هذا المشروع التجديدّي الطموح بحواراتهم الجادّة الرصينة.

* فضيلة الدكتور في حوار سابق مع إسلام أون لاين -أثار الكثير من التعقيبات- وأثناء حديث فضيلتكم عن محدّدات الشريعة الإسلاميةّ قلت: إنّ من أهم هذه المحددات محدد “ختم النبوة”، وأنّ هذا المحدد يستوجب عدم قبول القول بالمجئ الثاني لسيدنا عيسى u. وعدم ظهور ما يسمى في الأدبيات الإسلامية بـ“المهدي المنتظر”.. وأثار هذا الحديث تعقيبات كثيرة أغلبها تنصب على أنّ هناك نصوصًا صحيحة وصريحة في هذا الأمر تجاهلتها في حديثك ولم تلتفت اليها!! ثم سمعنا بعد ذلك أن لفضيلتكم مشروعًا أسميته “مشروع مراجعة التراث الإسلاميّ”.. نريد أن نعرف من سيادتكم عن هذا المشروع ومدى علاقته بهاتين الجزئيتيّن تحديداً..؟

– الأستاذ العلواني: لا غرابة في ردود الأفعال التي وصلتكم ووصلني بعضها حول ما ذكرته من أنَّ “ختم النبوة” ليس مجرد فضيلة من الفضائل التي أضيفت إلى رسول الله r وهو منبع الفضائل -كلها-، بل هي في نظري المتواضع محدِّد منهجيًّ لابد من تفعيله, ومعرفة ما يترتب عليه وقبوله؛ لأنّه جزء من محدّدات “المنهج القرآنيّ” ، والقرآن يتقدم على كل شئ ولا يتقدم عليه شئ على الإطلاق ومن قدَّم على القرآن شيئاً فليراجع عقيدته.

والذي أعنيه بالمحدّد المنهجيّ أنّ للمنهج والمنهجيَّة محدّدات، هي منهجية عناصر وقواعد وأركان ودعائم قرآنيَّة من شأنها أن تضبط حركة العلم والمعرفة والفكر والبحث العلميّ وسائر وجوه التعامل مع القضايا المعرفيَّة، فحينما يقول I: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} (الأحزاب:40)،  وتحكم بها على كل ما عاداها من غير القرآن؛ لأنّ الحاكميَّة للقرآن المجيد فلا يعلو عليه سواه. وذلك يعني أنَّ القرآن قد نصّ على أنّ رسول الله”محمد بن عبد الله” r خاتم النبيين, وآخرهم لا نبيّ يأتي إلى الناس والى الأرض بهذه الصفة بعده, ولا وحي ينزل بعد القرآن المجيد فالقرآن الكريم خاتم الكتب.

ولو علم الله I أنه ما زالت هناك حاجة إلى نبي أو إلى رسول بعد خاتم النبيين r ما قال: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}ولا ستثنى الرجوع المزعوم من إطلاق الختم وعمومه, {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} (مريم:64) بل لكان القرآن بشّر بهذا القادم -بعده- وقام ببيان أوصافه ومهمته بدقة وتفصيل في آيات الكتاب الكريم كما بشر موسى وعيسى بمجيء سيدنا محمد r، ولكن القرآن الكريم بَّشر بأن النبوة انتهت وختمت، وأن الدين اكتمل {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} (المائدة:3).

والشريعة تمت و“منهج الإصلاح القرآني” قد استقر نظريّاً بتمام القرآن وكماله وتطبيقياً بسيرة رسول الله وسنته r، وأن مرجعية البشرية قد انحصرت في هذا القرآن, وهذا النبي الكريم. أما في مجال النظر فالقرآن الكريم قد تناول مناهج الإصلاح من عالم العهد “” إلى آخر مرحلة في الآخرة وهي مرحلة الجزاء: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} (الشورى:7) فلم يعد هناك أيُّ مجال للقول بأنَّ هناك نقصاً في الدين يمكن أن يكمله أيّ أحد بعد خاتم النبيين r، فلا نبيَّ بعده r يأتي إلى البشر. وليس هناك نظام الإحالة إلى التقاعد أو الاستيداع, ثم إعادة الخدمة في “ظاهرة النبوة” ولا كتاب بعد القرآن. و”ختم النبوة” لن يفض من أحد!!

تداخل الأديان

* يبقى السؤال أيضاً.. ما علاقة هذا الأمر من وجهة نظركم بنفي عودة المسيح u مرة أخرى إلى الأرض وظهور المهدي المنتظر في المحيط الإسلامي؟

– دعني أشرح لك ولقرائك الأفاضل الأمر.. هناك ظاهرة إنسانية موجودة قد لا يلتفت الكثيرون إليها، وهي تحتاج إلى علماء من مستوى عال معين، أعني الذين يجمعون بين العلوم الاجتماعيّة والعلوم الإنسانيّة والشرعيّة النقليّة، لكي يتمكنوا من تحليل ومعرفة هذه الظواهر، ومنها ظاهرة خطيرة جداً هي ظاهرة “التداخل بين الأديان”. وهي ظاهرة خطيرة ولها أسباب عديدة.

ففي مراحل معيَّنة تدخل بعض قضايا الأديان السابقة إلى الدين اللاّحق أو فيه بشكل أو بآخر، إما بعمليّات التفسير والتأويل، أو من خلال الإيمان بالتواصل بين الأديان، أو اكتشاف تماثل بين بعض قضايا الدين السابق وما جاء بعده. أو لأيَّة أسباب مناسبة أخرى!!

والإسلام بوصفه الدين الخاتم قد انفتح على الديانات الأخرى، واعتبر معتنقيها “أهل كتاب” والقرآن المجيد نزل {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} (المائدة:48) فهو يعيد ما حرّف وزيِّف في الكتب السابقة إلى حالة الصدق، ثم يكون {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} (المائدة:48) أي: يهيمن عليه بعد تصحيحه ويحفظه في آياته وسوره. وفي سبيل ذلك مد جسوراً كثيرة في اتجاه أهل الكتاب لعلهم حين يدركون فضله عليهم, وما حمله لهم من تصحيح وخير يؤمنون به، فيصبح الناس-كلهم- أهل كتاب واحد هو القرآن العظيم الذي اشتمل على الصحيح المشترك “بينه وبين التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى”. وبذلك توجد الأرضيّة المشتركة بين أتباع الأنبياء فيكونون جبهة واحدة في وجه الوثنيَّة والإلحاد {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (النمل:76)، وكأنَّه يقول لهم: بيني وبين موسى أخوة، وتلك صلة بيني وبينكم ورحم، ولكن هيهات أن يرعي اليهود هذه الرحم أو هذه الصلة، فرفضوها رفضاً مطلقاً، وقالوا للمشركين: {هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً} (النساء:51).

نرجع لظاهرة التداخل بين الأديان.. القرآن المجيد ذكر النبوات والأنبياء والمرسلين وصدَّق وهيمن واستوعب وتجاوز، وما كان لأحد أن يدخل على الإسلام شيئاً من خلال القرآن الكريم؛ وما يستطيعون لأنَّه معصوم.. فلو أضيف حرف واحد إليه لبان وانكشف، فليس من الممكن اختراقه؛ لأنّ القرآن حفظ بحفظ الله I.

ولكن “التفسير” عمل بشريّ، وهو فهم المفسرِّين لآيات الكتاب، وأيّ مفسّر أو مؤول إنّما يفسّر أو يؤوّل في إطار ثقافته وقدرته وذكائه وعلمه، وكل ذلك نابع مما هو متوافر في بيئته من فنون المعرفة.

فهذه المكوّنات كلها تدخل في التفسير. فإذا عرفنا أنّ أهل الكتاب كانوا يسكنون الجزيرة العربيّة، النصارى في نجران، وفي كثير من المناطق التي تسمى اليوم “بالجزيرة العربية”، واليهود كانوا يسكنون الحجاز -المدينة ومكة-، وقد نزحوا إلى منطقة الحجاز بالذات قبل سبعة قرون من بعثة النبي r انتظاراً له كما نص على ذلك المؤرخون ابن خلدون وغيره. لماذا سبعة قرون؟

إنَّ من المعروف أنَّ التوراة كانت ذات عناية خاصَّة بالتفاصيل التاريخيَّة, كما أنَّ لها عنايتها بالتاريخ البشريّ والفواصل التاريخيّة، وكانت التوراة تقدم مؤشرات على أنَّه في كل أربعة عشر قرناً أو سبعة يأتي نبيّ يقوم بعمليّات التصحيح لمن سبقه، ويجدِّد تراث النبيّين الذين سبقوه فيما يتعلق بمن أرسل إليهم.

المهم أنَّ المفسّر يتأثَّر فيما يتأثَّر به من مصادر ثقافته وبما يسمى بالثقافة الشفويَّة.. وقد كان أهل الكتاب ذوى تأثير شديد في تلك “الثقافة الشفويّة”.. إن لم يكن اليهود صناَّعها الحقيقيّين فنقلوا أفكاراً من تراكمات فكرهم كثيرة.. مثلاً: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً} (الزخرف:19)، وفكرة أنَّ الملائكة إناث فكرة كامنة في العقل اليهوديّ، فانتقلت من الثقافة الشفويّة الكتابيَّة إلى العرب. وكذلك نشروا أفكاراً كثيرة عن الخلق والطبيعة والأفلاك والكواكب بين العرب.

كما حملت تلك الثقافة اتهام جبريل بأنّه يتصرف في الوحي أحياناً تصرفات من عنده، فقد يخون -حاشاه- وقد يحول الرسالة من واحد إلى آخر، وقد يخطئ في نقل أشياء كلّف بنقلها إلى رسول قالها لرسول آخر.. هذه كلُّها أفكار نجد لها جذوراً في تحريفات التوراة والتلمود والمشناة والمدارس التي اختلطت بتراث بابل وغيرها.

وفي إطار هذه الثقافة الشفويّة-أيضاً- جاء الإيمان بالقوى الخارقة للجن وتأثيراتهم على الإنس.. فنشروا في الجزيرة العربية فكرة القدرات الخارقة للجن وسيطرته على الإنس، وأنه يمكن للجن أن يتحول كما يريد إلى ثعبان أو إلى حمار أو إلى أي إنسان أو أي شيء آخر، وتلك الأفكار تجعل الإنسان مهزوزاً ضعيفاً خائفاً قد ينظر بقلق إلى أي حيوان يراه ليعتقد أنه يمكن أن يكون جنّاً.. وأهل المدينة كانوا يتهيَّبون قتل الأفعى السوداء، لأنَّ الثقافة الشفويةَّ أقنعتهم بأنَّ هذا الحيوان قد يكون متحّولاً عن جن وأنّ أهله سوف ينتقمون منهم إن قتلتموه.

وفي الأدب العربي قصص شائع حول النساء اللواتي يخطفهنّ الجن، وزواج الجن من الإنس والعكس، ومازالت في البيئة المدينة المنورة بالذات بقايا من تلك الثقافة، فهي التي ابتليت بالثقافة الشفويّة من المجاورة اللصيقة باليهود.. وما زال هناك أناس يعتقدون في المخالطة مع الجن وإمكان دخول الجن في الإنس واختراق الجن للإنس.. مع أنَّ الله U ما جعل أيَّ سلطانٍ للجن علينا غير الوسوسة. ولكن فضائياَّت التخريف المشبوهة كثيراً ما يعقد بعضها للمشعوذين جلسات على الفضاء لإخراج الجن من إنسان تلبسوا به.!!

فكرة المخلص

* تقصد فضيلتك أن فكرة المهدي يمكن أن تعود طبقًا للثقافة الشفوية التي أشرت إليها إلى فكرة “المخلص الموجودة في العقيدة النصرانيّة..”؟

– نعم.. النصارى نقلوا إلى العرب عن طريق “الثقافة الشفويّة” فكرة المخلِّص؛ وعقيدة المخلَّص منتشرة في اليهوديّة والنصرانيّة وبالتالي انتشرت في الجزيرة العربيَّة قبل الإسلام {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ} (البقرة:89) اليهود يستفتحون بـ“النبيّ الخاتم” الذي غيّروه -بعد ذلك- حسداً من عند أنفسهم, ليكون “المشايا” بدلاً من المسيح u ومحمد r، وقد تبعهم النصارى الذين كانوا يستفتحون بالمخلّص القادم الذي هو السيد المسيح الذي افترضوا أنَّه سيأتي إلى الأرض مرتين: المرة الأولى تقدمت بإرسال عيسى بن مريم لهم، واعتقدوا أنهم تخلّصوا منه بإغراء الحاكم الرومانيّ بصلبه بواسطة الرومان. والمرة الثانية ما زالوا ينتظرونها، ويفترضون أنه سوف يأتي بوصفه”المشايا” لينصر اليهود, ويبيد المسلمين ويحكم ألف سنة. فدخلت إلينا فكرة المخلّص من هذه الثقافة, وصاغ الرواة من “الثقافة الشفويَّة” روايات تؤيدها.

ويزعم بعضهم تواترها وما من حديث منها يسلم من علل في المتن أو في الإسناد أو في كليهما. أقول: لو سلمنا بفكرة المخلص فأين يقع “ختم النبوة” وكيف نفسّره وما هي دلالاته؟! ولذلك فإن بعض غلاة الفئات المتصوفة وفي مقدمتهم الشيخ “محيي الدين” حينما شعروا بأنّه لن تستقيم لهم قضية “الولاية” ودعوى القدرات الخارقة والقول بوجود القطب والغوث وغيره من مصطلحاتهم وإعطائه الصلاحيَّات التي أُعْطِيَتْ من قبل للأنبياء إلا إذا تحايلوا على مبدأ “ختم النبوة” قالوا: ختمت “النبوة التشريعيّة” فقط. أما كل عناصر النبوة الأخرى فقد استمرت وجرى تناقلها من وليّ إلى آخر حتى قيام الساعة…، وهذا قد ورد في الفتوحات المكيّة، والنقول عنه في بعض كتب التفسير التي تأثّرت به, ومنها تفسير الالوسيّ في سورة الإسراء والكهف وغيرها.

وقد تأثّر بعض الشيعة -أيضاً- -بهذا- خاصة أتباع “التشُّيع الصفويُّ” الذي شابته بدع كثيرة خلا منها “التشيُّع العلويّ”. لإنّ “التشيُّع العلويّ” قد بدأ تشيّعاً نقيّاً قاصراً على تأييد سيدنا علي بن أبي طالب وتفضيله على سيدنا عثمان أولاً, ثم تفضيله على الشيخين بعد ذلك. وقد كان أبو ذر وغيره من كبار الصحابة يرون أنَّ الإمام علي بن أبي طالب في شبابه وفتوته ونشأته في حجر رسول الله r قد يكون أقدر على تحمل أعباء الخلافة من سيدنا أبي بكر وعمر وعثمان فيما بعد.. فكان هناك ميل إلى أن يكون هو الخليفة عند البعض، وسيدتنا فاطمة -رضي الله عنها- كانت مياَّلة إلى هذا أيضاً، فهو زوجها وتربَّى في حجر أبيها r. وهذا تشيُّع أو موقف تبناَّه كثير من الصحابة والتابعين في مراحل مختلفة، دون طعن في الشيخين وعثمان-رضي الله عنه-.

نقطة أخرى كانت لدى بعض المسلمين وهي قوله I لسيدنا إبراهيم: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} (البقرة:124) فكلمة “الظالم” اسم فاعل، وكمذهب في النحو واللُّغة العربيّة يتبناّه كثير من الأصوليّين أن الاشتقاق يقتضي أن يستصحب المشتق ما منه الاشتقاق ألا وهو “الظلم”. فيكون الظلم قائماً به حتى لو تاب وعفا الله عنه. واستنبط بعض أئمة الشيعة من ذلك دليلاً لتفضيل الإمام علي, بأنَّه لم يتلبّس بالظلم, ولم يسجد لصنم طيلة حياته فيكون أولى من الخلفاء الثلاثة في نيل عهد الله, وهو الخلافة.

فمثلاً لو فرضنا أن واحدًا قتل، وتاب وأناب وعفا عنه أهل القتيل أو أخذوا منه دية مثلا، فهل يصح أن نسميه أو نطلق عليه: إنّه قاتل؟ قالوا: نعم ما دام ما منه الاشتقاق قد حدث وقام به, ولو لبرهة يسيرة فيستمر كأنّه شيء لاصق به فقالوا: قوله I {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} (البقرة:124) مشتق من الظلم و“إنّ الشرك لظلم عظيم”.. وأبو بكر وعمر وعثمان كانوا في الجاهليَّة مشركين وعلى ذلك يكون الإنسان الوحيد من الصحابة الذي رشح للخلافة ولم يتلبس بظلم أو شرك هو الإمام علي.. فيكون أحق بالخلافة.

ولما دخل الفرس الإسلام وجاءوا من الخلفية الملكيّة التي تؤمن بأنّ الملك حينما يموت فأولى الناس به ابنه الذكر الكبير فقد أصبح من السهل جدّاً أن يقال لمن انتقل من الفرس إلى الإسلام إن سيدنا علياً وهو زوج ابن رسول الله r وتربى في حجره ولم يسرق ولم يسجد لصنم هو أولى بالخلافة.. وإلى هذه النقطة والأمر موضع نظر وتأمل, وفيه مجال للقبول والنقاش. ولكنه تجاوز الإمام إلى بنيه والأئمة من بعدهم. وقد سوغ الغلاة من الصفويِّين ذلك بما يمكن أن يفسح الطريق للقول بنوع من “الحلول”. –أي: حلول النبوّة جزءاً أو كلاً في الأئمة.

وعقيدة الحلول تعني أن اصطفاءاً إلهياً لإنسان يمكن أن ينتقل إلى آخر من بنيه بالتوارث. “فالنبوة والوحي” -وهذه أخطر نقطة في هذا النوع من التشيُّع- أنَّ الإمامة انتقلت منه r إلى الأئمة من بعده من آل بيته مع بعض مستلزماتها.

ولذلك قالوا: “إنَّ الإمامة لا يمكن أن تتم باختيار وانتخاب بشريّ؛ لأنّ البشر -كلّهم- أقل من الإمام وإنمّا تتم بنص إلهيّ”، فالله I يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس فهو الذي يصطفي الأئمة كذلك ويصطفيهم وفق مواصفات معيَّنة من أهمها العلم؛ ولذلك نسبوا للإمام عليّ علماً اختصه رسول الله r به وهو “علم الجفر”.

وهذا السؤال كان مطروحاً في عهد الإمام علي نفسه، حينما سأله سائلون أكثر من مرة: “هل ترك لكم آل البيت رسول الله r شيئاً تختصُّون به دون غيركم من المسلمين..” سورة من القرآن خاصة بكم مثلاً كما يدعي البعض أنَّ هناك “سورة الولاية” أو شيئاً أوصاكم به لم يذكره لآخرين، أو ترك لكم شيئاً أخفاه عن الآخرين؟! فقال: “والله ما ترك لنا شيئاً إلا فهماً يعطيه الله لعباده” وذلك يعني أنهم مع فضلهم بقرابة نبيه وتشرفهم بذلك مثلهم -من حيث الرسالة- مثلنا مثل أيّ واحد آخر من المسلمين يقرأ القرآن ويتدّبر ويتفهّم ويفقه، ثم قال t: وما في جراب هذا السيف وهو رسالة أملاها عليه رسول الله r ردًّا على أسئلة جاءت من اليمن تسأله عن أحكام الزكوات وبعض الأمور المحدَّدة المقدّرة، فأمر رسول الله r علياً أن يكتب له الرسالة، وكتبت، فاحتفظ-رضي الله عنه- بنسخة لنفسه؛ لأنَّ فيها أحكاماً وإجابة عن أسئلة فقهيَّة معينَّة أجاب عنها رسول الله r.

وفكرة الحلول هذه أو انتقال شيء من النبوة بمعنى من المعاني إلى الوليّ عند بعض غلاة المتصوفة أو إلى عليّ وذرّيته من بعده، مع فكرة الإمامة لسيدنا علي ثم أبنائه وصولاً إلى الثاني عشر الذي هو المهدي، شاعت فكرة “المهدي المنتظر” الذي هو الإمام الثاني عشر. وللعلم ليس هناك أمويًّ واحد من بني أميَّة طيلة العهد الأمويّ إلا كان ينتظر -أيضاً- أن يأتي منهم مهديّ، وعد بعضهم عمر بن عبد العزيز مهدي ّالأمويين؛ لأنّه ملأ الأرض عدلاً، ومنع بعض المظالم إلى آخره. وكذلك العباسيون منحوا الخليفة العباسي الثالث لقب “المهدي”.

والمختار الثقفي حين استولى على بعض المناطق جاء بوضَّاع من وضَّاعي الحديث، وقال له: “أدفع لك عشرة آلاف درهم وتضع لي حديثاً ينطبق على مواصفاتي يقول إنّني أنا المهدي المنتظر، فالوضاع قال له والله إني لأخشى الله أن أضع على لسان نبيه كلمة.. فادفع لي ألفاً واحداً وأضعها على لسان واحد من الصحابة”، ودخلوا في مفاوضات طويلة نجدها في “موضوعات ابن الجوزي”.

وحينما تتبعت تاريخياً الأشخاص الذين ادعوا المهدويّة في هذه الأمة، وجدت حوالي       (150 )مهدياً, كلهم يدعي أنَّه “المهدي المنتظر”.. ولم يكن آخرهم القحطاني صاحب جيهمان العتيبي، وقضية الحرم في أول هذا القرن نهاية دعوى المهدويّة، لقد حدث احتلال للحرم، وانتهاك لحرمته وحصلت تلك الفتنة المعروفة، والله Y أنهاها بلطفه بعد أن انتهك الحرم من قبل هؤلاء، وأغلقت أبوابه أسابيع بوجه الطائفين بحجة أنّ المهدي ينادى به بين الركن والمقام.

أنا شخصيّاً أستطيع أن أريك -الآن- رسائل عندي من شخصين مختلفين ومن بلدين مختلفين راسلاني منذ فترة يزعم كل منهما أنّه “المهدي المنتظر”، ويستحلفني ويسر إليَّ بهذا ويقول: إننَّي أريد أن أعيّنك مساعداً عندي تساعدني في هذه القضية. ولست أدري أي مهدي هذا الذي يختار لنفسه مساعداً لا يؤمن بهذا الأمر لا جملة ولا تفصيلاً.

* هل هم شخصيات معروفة.. يعني علماء أو مشاهير؟

– لا أبداً.. هم مجاهيل صغار، وهناك عام ( 1980م ) صدر كتاب باللُّغة الإنجليزَّية وأعتقد أنّه ما زال في الأسواق (“The mahde in Islam” المهدي في الإسلام) الكتاب هو عبارة عن قصة لفقتها المخابرات الأمريكية (C.I.A) بالتعاون مع مخابرات بريطانيا، وأخيراً انضمت إليهم (K. G.B) في روسيا.

فاتفقت الأجهزة الثلاثة على صناعة “المهدي وتمرير المشروع الغربيّ بطريقه كاملاً” بطريقة في منتهى الفجاجة والاستخفاف بالعقل المسلم.. وهذا الكتاب موجود في الأسواق وطبع عدة مرات في نيويورك، ولندن وتورنتو، أنا عندي في بيتي نسختان منه، وعرضته على بعض المسئولين العرب والمسلمين وقلت لهم: ترجموه واجعلوا الناس تفهم ما الذي يدبرَّ وكيف يفكر خصومهم بتوظيف بعض ما في تراثهم لاستعبادهم. فهل يعقل أن يضع رسول الله r بأيدي أعداء أمته أسلحة يستعملونها على هواهم لتنصير المسلمين والكيد لهم, وليضعوا خلالهم ويمّزقوا صفوفهم؟!! وهو بـ“المؤمنين رؤوف رحيم”. وهل يليق بالأمة الشاهدة على البشريّة أن تهبط إلي هذا المستوى المتدنّي من التفكير وقد تركهم رسول الله-صلى الله عليه ولآله وسلم-على المحجّة البيضاء؟!! وكون هذه الظاهرة تتكرر في عالمنا الإسلامي، حتى يدعي المهدية عدد يتجاوز هذا المستوى؟ 150 مهدياً إلى اليوم، ألا يلفت ذلك النظر؟!! لو أنّ الأمة عندها وعي بقضية “ختم النبوة” باعتباره محدداً منهجيّاً ما كان هذا الاعتقاد قد تسرب بهذه الطريقة، أو لم يكفهم رسول الله r وهل ترك رسول الله r شيئا لم يعلمه لنا لننتظر المسيح أو المهديّ ليعلمونا ما لم يعلمه لنا رسول الله وخاتم النبيين r؟! الذي بلَّغ الرسالة، وأدّى الأمانة ونصح للأمَّة!!

لقد علمنا القرآن ورسول الله r كل ما نحتاجه، وهذا القرآن الكريم بين أيدينا فالله I يقول: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ…} (العنكبوت:51) فالدين كامل والقرآن كامل، ورسول الله r لم يفارق هذه الدنيا -عصمه الله وحماه وحفظه من المشركين ومن أهل الكتاب ومن جميع أعدائه- إلى أن بلّغ الرسالة وأكملها وأدى الأمانة بتمامها. وقال الله U: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} (المائدة:3) لقد تركنا على المحجَّة البيضاء ليلها كنهارها. فما الذي يمكن لعيسى u أو للمهدي أن يضيفاه؟! ومن لم يكفه القرآن, ولم يكفه رسول الله محمد r فلا كفاه الله.

فما الذي سيفعله المهدي؟ وما الذي سيفعله عيسى u؟ بعد رسول الله وخاتم النبيين وكمال الدين وتمام القرآن، إنَّ الأمم الآن لم تعد تخضع ذلك الخضوع المطلق لأفراد وما نوع المعجزات والخوارق التي يمكن أن تظل أعناق البشريّة لها خاضعة لو قدمها سيدنا عيسى أو المهدي؟! إلى عالم اليوم؟! إنَّ آخر ظاهرة خضوع للفرد،كانت ظاهرة الخميني في إيران، ومع ذلك لم يكن كل الإيرانيّين مؤيّدين له، بل كان بعضهم معترضين عليه، هو لم يدعِّ المهدية ولم يستطع، وأقصى ما استطاع أن يقول به (ولاية الفقيه)، فقال لهم: إذا كان هناك مهدي منتظر لا مانع أن ننتظره الانتظار الإيجابيّ بأن نفعل كل ما يجب عليه فعله، والفقيه هو الذي يشرف على إدارة الدولة، فإن جاء المهدي فمرحباً به وسيسلم له كل شيء، وإن لم يأت فنحن في انتظاره نصرف الأمور حتى يظهر، لأنَّه لم يرد أن يصمد الجماهير بنفي ظهوره.

والشيخ أحمد الكاتب كاتب عراقي من أصل حوزوي وهو عالم من علماء الشيعة، كلفته الحوزة بدراسة موضوع المهدي لتعزيز ولاية الفقيه، فاستمر مدة عشر سنوات متفرغاً لدراسة هذا الأمر، وخرج بكتاب ودراسة تقول إن فكرة المهدي هي ذاتها فكرة المخلص عند النصارى وعند اليهود، ونشر كتابه بعنوان (الفكر السياسيّ الشيعيّ) وبيَّن أنَّها فكرة سياسيَّة طرحت لأسباب معينة لا أصل لها يعتد به لا من الكتاب ولا من السنة ولا من أي مصدر معتبر من المصادر الإسلامية.

فحين أقول: إنّ “دعوى ظهور المهدي” هي فكرة المخلّص ذاتها، ودخلت إلينا من خلال الإسرائيليَّات في التفاسير، صاغ البعض أحاديث لتأكيد الفكرة ووضع البعض الأحاديث، وعزّز بعضهم الفكرة بتقوية أحاديث آحاديَّة وإشهارها ولا أقول: إنّ ما أذهب إليه صواب حتى يقوم الدليل على صحة ما أقول بمناقشة كل ما قامت هذه الدعوى عليه وفقاً لمناهج المحدّثين ونقد متونها وأسانيدها وتحكيم أنوار القرآن فيها. وهذه المسائل تستدعي من علماء الأمّة النظر والتدقيق ونقد متونها وأسانيدها بدل المرة ألفاً، وأنّ هناك أحاديث أخرى في الصحيحين وفي غيرهما، تشتد الحاجة إلى إعادة نظر فيهما فهل في هذا مجانبة أو مجافاة لما علّمنا الإسلام من طلب الدليل والحجة والبرهان لأيّة دعوى مهما كانت مكانة المدعي؟! وأنّه لا عصمة لكتاب غير كتاب الله ولا لرجل بعد رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم.

الاجتهاد حق

* لكن البعض يعتقد أن البخاري ومسلم وعلماء الحديث على مر العصور قد كفوا الناس مؤنه هذا البحث، ووضعوا من القواعد ما ضمن صحة ما رووه.. فما تعقيبكم..؟

– يا سيدي أنا بوصفي طالب علم أدرك أن من حقي ألا أقبل أحاديث ما، قد يكون سندها صحيحاً عند غيري، لكنيّ اكتشفت في السند عيباً، أو صح متنها عند آخرين ونقدت المتن واكتشفت به عيباً، وفقاً للمنهج الأصولي ولمناهج أئمة الفقه والحديث كما فعلت في حديث الردة حديث (من بدل دينه فاقتلوه) درست جميع طرقه, كما درست طرق حديث (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) درست حديث (ستفترق أمتي على بضع وسبعين شعبة) وخرجت بنتائج مغايرة للمشهور بين الناس لأنّ الناس كما قلدوا في الفقه والأصول قلّدوا في توثيق الرجال وتضعيفهم، وقلدوا في قواعد نقد المتون وبهروا بأئمة فقلدوهم والقرآن علمنا أنّ الحق أحق أن يتبّع!!

وهذه الأحاديث مشتهرة على الألسن وصححها كثيرون تقليداً لمن صححها قبلهم، لكن وجدنا فيها عيوباً وفقاً لمناهج المحدثين -ذاتها-، فما العيب أن يقوم طالب علم أو شخص مختص بدراسة وفق المناهج التي وضعها المحدثون المتقدمون، ليثبت لنا أن هذا الحديث فيه عيب لم يكتشف ويكتشفه، {كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ} (الإسراء:20) أنا لا أدعي لنفسي أي شيء فيها أنا مجرد طالب علم أخطئ وأصيب. واستخدم مناهج العلماء, وأعرض الأحاديث على كتاب الله لكي لا يتوهم متوهم أنّ هناك تعارضاً بين ما جاء بكتاب الله وما جاء به رسوله r.

وكل العلماء متفقون على أنّ الحديث إذا خالف القرآن يُنحَّى ويترك جانباً. فالقرآن هو الذي يؤخذ به، فهو الحاكم على الحديث، وهو المصّدق والمهيمن على تراث النبيّين كافَّة، فلم أفعل شيئاً غير هذا، ولم أتجاوز الحدود المرسومة لدى المحدثين ولدى أهل العلم بالحديث والأصول؟

والإمام البخاري نفسه -رحمه الله- اختار صحيحه الذي لا يتجاوز عدة آلاف اختاره من سبعمائة وخمسين ألف حديث صحيح جمعها، كما نسبوا إليه ذلك، فهل أقول: إنّ الإمام البخاري أنكر السنة؛ لأنه اختار حديثاً واحداً من كل أربعمائة تقريباً وأهمل الباقي وتجاوزه ليكون صحيحة أقل من أربعة آلاف من خمسين وسبعمائة ألف حديث كان جمعها ولم يأخذ بها؟ لا.. فهو حدّد لنفسه منهجاً معيّناً بضوابط معيّنة، وكان له فقهه ووضع فقهه في عناوين كتابه، فاختار ما يتفق ومنهجه، ولذلك تراه أحياناً يضع العنوان ولا يأتي بحديث، فهل الذي يوجد عنده(750) ألف حديث يعجز أن يأتي بحديث منها يضعه تحت ذلك العنوان الخالي، ولكن لم يصح عنده وفقاً لقواعده ومنهاجه على ما في قواعده من ذاتيَّة .

ومعلوم أن هناك أحاديث صحت عند البخاري ورفضها مسلم؛ لأنّ “مسلماً” عنده شروط غير شروط البخاري. وهذه أمور فنيّة دقيقة متخصصة، فهؤلاء الذين ينكرون علينا إن أنكروا بعلم فالمفروض أن يحجزهم علمهم عن ذلك الإنكار، وإن أنكروا عن جهل فالمفروض إلجام العوام عن علم الكلام، العاميّ من لا يعرف هذه الفنون ومن لا يطلع على هذه العلوم يجب أن يخرس لسانه، ولا يخوض فيما لا يعرف، وإلا وصف بأنه يهرف بما لا يعرف.

وهذه الأمور لها أناس عندهم اختصاص، وأنا طالب علم أحاول بتجرد وإخلاص مراجعة تراث أمتي لتنقيته مما يصادم القرآن والمنهج, ومبادئ تلك العلوم, وأدرب طلبتي على ذلك لئلا يكونوا إمّعات فأي ضير في هذا؟، إنني أخطئ وأصيب، وأطلب ممن يكتشف خطأ عندي أن يقوّمني بذكر ذلك بالدليل النقليّ والعقليّ وبيانه، ويصوب خطئي، وأن يبيِّن لي الصواب، لكن أن يتهمني، ويشتمني.. هذا أمر مخالف للمنهج العلمي، وللمنهج القرآنيّ في الأساس، واحتسب عند الله ما يصيبني من هؤلاء .

هؤلاء الشانئون يرون أنّ الإنسان إذا بدأ نقاشاً علمياً في موضوع فيه حديث أو أحاديث فكأنه ينكر السنة، لا تلازم بين هذا وذاك وإلا لوجهت هذه التهمة إلى سائر العلماء بمن فيهم المحدثون؟! ولو جعلنا الإمام أبا حنيفة مثلاً, وقلنا: هل يستطيع أحد أن يتهمه بأنه أنكر السنة، لأنه لم يأخذ بقوله r (لا نكاح إلا بوليّ) مع أنَّ الحديث صحيح، بل بلغ حد الشهرة ولم يأخذ به؛ لأنّ الله في القرآن قد نسب النكاح إلى المرأة وقال: {حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} (البقرة:230)، وقال: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} (البقرة:232) فأخذ بظاهر القرآن وأهمل الحديث.

فإذا كان الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- يفعل هذا ولم يتّهم بأنّه قد أنكر السنة بل لم يعمل بحديث لمعارضته لظاهر النصّ القرآنيّ {حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}، وقال نسب الله إليها النكاح فلم ينسب إليها ذلك لو لم تكن صالحة لأن تزوج نفسها بنفسها فهل يعد عدم أخذه بحديث (لا نكاح إلا بولي) إنكاراً للسنَّة؟!

* فضيلة الدكتور.. إذا كان تعليل فضيلتكم أساسه فهم النص القرآني، فمسألة نزول المسيح u فيها نص قرآني حسب فهم البعض بعيداً عن الأحاديث ومدى صحتها متناً وسنداً.. يعني قوله I عن المسيح u: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا} (الزخرف:61), وقوله عنه أيضاً: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً} (آل عمران:46) حسب فهم البعض للمقصود بالكهولة أنّه سوف يكون كهلاً حين عودته مرة أخرى.. وقوله I: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ..} (آل عمران:55) فكيف تحلون هذا الإشكال؟

– بداية.. عيسى لم يتعرض لما زعموه كذباً من “صلبه”، إلا وهو كهل.. حيث أنّ الكهولة تبدأ من سن الثلاثين، وقد نص الإمام الرازي في التفسير(4/57) أنّ “الكهل بمعنى الكامل التام وأكمل أحوال الإنسان إذا كان بين الثلاثين والأربعين” فاللُّغة العربيّة تقسم مراحل حياة الإنسان العمرية إلى مرحلة طفولة وهي من الولادة لأربعة سنوات، ومرحلة سن تتميز، وهي بعد سن الخامسة، ثم مرحلة مراهقة وهي لحين البلوغ ثم مرحلة شباب وهي مرحلة ما بعد البلوغ حتى العشرين، ثم مرحلة رجولة وهي ما بين 20 إلى 30، ثم مرحلة كهولة وهي من 30 فما فوق، ثم مرحلة شيخوخة من40-50 فما فوق، وهذه لغة عربيَّة قد يختلف بعض فقهاء اللّغة في بعض التفاصيل ولكنهم لا يختلفون في المعاني الإجمالية. ويستطيع من يشاء أن يرجع إلى قواميس اللغة، ويرى كيف تعامل العرب مع كلمة صبي وطفل وصبية وطفلة ومراهق وبالغ وشاب وشايب ورجل وكهل إلى آخره.

سيدنا عيسى حينما ابتعث كان في الثلاثين يعني أنّه بقي يدعو سنتين أو ثلاث سنوات وستة أشهر في بني إسرائيل يدعوهم إلى الاعتراف به وبنبوته، وإلى تصحيح مسارهم، وهناك من يرى أنَّه قضى ست سنوات أو أكثر يعني هو كان كهلاً عند بعثته {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً} وقد تكلم إلي بني إسرائيل في الكهولة وانتهى الأمر، وحتى لو فهم بعض المفسرين واللغوّيين ذلك بالشكل الذي أشرت اليه فإن لسان القرآن يستوعب اللّغة العربيَّة ويتجاوزها وقوله تعالى: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً}. فهو قد تكلم في المهد وبرّأ أمّه-عليها السلام-من تهمة الزنا. تكلم في كهولته داعياً بني إسرائيل إلي الإيمان به وبما أنزل عليه: “فأشارت إليهم  قالوا: كيف تكلم من كان في المهد صبياً { قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا  وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا  وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا  وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا}   ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون” (مريم29-34)

والذين يقرءون القرآن مجزأ يلتقطون منه مختارات مثل ما يلتقطون الشواهد الشعرية، طبعاً لن يفهموا القرآن في هذه الحالة، ولكن حينما يقرؤون القرآن الكريم “بوحدته البنائية” فسيجدون أنّ سيدنا عيسى u قد كلم الناس في المهد وكهلاً، ذلك أن عيسى u حمل لبني إسرائيل في كهولته نبوة تصحيحيَّة لرسالة موسى {وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} (آل عمران:49).

فهذا نصًّ لا يحتمل أيّ تأويل أو تفسير، فالذي يكون مخصَّصاً من الله الذي خلقه وأرسله لبني إسرائيل كيف يصبح رسولاً للعالم -كلّه- بعد إرسال محمد ذي الرسالة العالميّة الشاملة: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} (سبأ:28), {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} (الأعراف:158), {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء:107,) إنّ هذه الدعوى دعوى الرجعة الثانية لعيسى أصبحت وسيلة لتحقيق مصالح النصرانيَّة العالميَّة ومصالح المنصّرين. والتنصير والمنصّرون هم الذين يعملون على تأكيد هذه العقيدة المنحرفة في عقائد المسلمين، لكي يؤكدوا عليهم أنّهم سوف يتحولون إلى النصرانيَّة عاجلاً أو آجلاً، لكنَّهم لو تنصروا قبل الرجعة فذلك أكرم لهم!! وإنّ مصالح المسلمين موازية لمصالح النصرانيَّة واليهوديّة في هذا. فالآن نحن نحارب بهذه العقيدة.. اليهود يرون أنهم سيقيمون “الهيكل”  على أنقاض الأقصى من أجل أن ينزل المشايا اليهوديّ ويعتبرون إبادة العرب والمسلمين مسألة وقت ومعركة “هرمجدون” لابد منها إذا ما كان يفهمها هؤلاء، لأنَّها تمهيد لنزول السيد المسيح، وأن هذا السيد المسيح هم مختلفون فيه سمّاه اليهود “المشايا” ويعتبرونه يهوديّاً، والنصارى يرون أنّه المسيح “عيسى بن مريم” الذي جاء بني إسرائيل بالنصرانيَّة لتصحيح مسار اليهوديَّة.

وللأسف فإن الروايات الإسلامية الواردة في هذا كانت إلى صف النصارى في هذا، يعني لو سلمنا ووافقناهم فيما يقولون!! لماذا يأتي السيد المسيح بعد خاتم النبيين؟ إنَّما هي دعوى لا معنى لها الإّ إزالة صفة الخاتميّة والعالميّة عن رسول الله r وفتح الأبواب أمام المتنبِّئين والمنصِّرين لتنصير المسلمين، وإضلالهم، وإقناعهم بالانفتاح على الشعوذة والخرافة، وصرفهم عن “المحجَّة البيضاء” التي تركهم عليها رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم.

تحرير المصطلحات

* ولكن يا أستاذنا ليس هناك تلازم فيما يبدو بين نزول المسيح u وبين ختم النبوة للنبي r؟

– لماذا؟

* لأن السيد المسيح سوف يكون تابعاً للنبي r، وسيصلي كما جاء في الحديث خلف إمام من المسلمين هو المهدي، ولن يأتي بتشريع جديد ينسخ تشريع النبي r فالبعض يمكن أن يعترض على طرحكم بهذه الطريقة..؟

– هذا من قبيل التأويل؛ لأنّ لديهم أحاديث تقول: إنّه ينزل على المنارة البيضاء في دمشق ويجد المهدي في صلاة الصبح يؤم الناس، وحينما يشعر المهدي -ولا أدري كيف يشعر وهو يصلي إماماً وهذا يأتي من الخلف!! بأنّ السيد المسيح قادم يتأخر عن المحراب، ويقدم السيد المسيح، فيقول السيد المسيح له معتذراًً عن الإمامة: “لا.. أئمتكم منكم”، ويصلي خلف المهدي ثم يقتل الدجال إلى آخره.. هذه الروايات في حاجة إلى محدِّثين أكفاء يقومون بعملّية إعادة نقد متونها وأسانيدها نقد الصياريف وبموضوعيةَّ تامة؛ لأنَّ هناك أحاديث كثيرة دخلتنا عن طريق يسميه علماء الحديث بطريق “السابرين” الذين يروون للأئمة أحاديث لإخلاف في صحتها في بادئ الأمر حتى إذا وثَّقهم أولئك الأئمة, وحملوا شهاداتهم بتوثيقهم بدأوا يدسُّون ما يرغبون من أحاديث موضوعة أو ضعيفة، المهم أنَّنا نحتاج الآن -لذلك النقد الدقيق البناَّء وعندنا الوسائل الكثيرة- لنعمل ونشتغل شغلاً جادّاً على تنقية المرويّات وبمعايير المحدثين ومناهج النقد بعد وصل ما انقطع منها الإّ لعرض سائر النتائج التي نتوصل إليها على القرآن الكريم. لن نخرج عنها.

وما أريد أن ألفت النظر إليه أنّ قضية نزول السيد المسيح ليس عليها من القرآن الكريم أيّ دليل، والعقائد اليقينيّة-عندنا-كلها قد جاء القرآن بها “تؤمنون بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر” وآيات القدر عندنا حوالي (40 آية) وردت في فهم القدر الفهم الصحيح السليم لا لجعله ركناً من أركان الاعتقاد، والأحاديث الظنيَّة لا يثبت بها اعتقاد يقينيّ.

فتلك الأركان التي ذكرها القرآن المجيد الخمسة هي أركان العقيدة عندنا، وعقيدتنا عقائد قطعيّة يقينيّة لا يمكن أن تثبت بالطرق الظنيَّة. مذهب واحد من مذاهب الأمة اعتبر خبر الآحاد إذا ثبت ولم يعارض القرآن مقبولاً في إثبات بعض المعتقدات، وبذلك فتحوا علينا هذا الباب الذي أدخل قضيَّة المهدي والسيد المسيح ومئات القضايا الظنيَّة والخلافيَّة في العقائد الإسلاميّة فأضعفوها ولم تعد كما كانت قادرة على منح المؤمن “الرؤية الكليّة النقيّة”و”التصور الإسلامي السليم”. وانتشرت اتجاهات التفكير والتنسيق والتبديع في الأمّة!!

ثم إن ما ذكره القرآن الكريم عن مسألة سيدنا عيسى u لابد أن يفهم في سياق “الوحدة البنائية للقرآن” كله، يقول تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} (آل عمران:55)، “والوفاة” معروفة في مفاهيم القرآن لا خلاف عليها. وأما “الرفع” فأكثر استعماله قرآنيّاً في “رفع الدرجات”, أولاً. فكيف صار الرفع في هذه المسألة بالذات بمعنى رفعه حيّاً إلى السماء، فالرفع في القرآن جاء بمعنى آخر مثلاً في قوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة:11)، وقوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} (فاطر:10).

إذا نحن أمام مفهوم قرآنيّ اسمه “الرفع” هذا المفهوم القرآنيّ موجود وشائع في كثير من السور، ليس فيه ما يشير إلى رفع حّسيّ.. وشُبَهُ الحياة والرفع حيّاً هي شبه نصرانيَّة؛ لأنَّ النصارى انقسموا إلى عدة مذاهب في قضية السيد المسيح، واختلفوا ولكي يتهرب اليهود والنصارى من منهج القرآن في إزالة اختلافهم فيه عملوا بدسائسهم على جعل القرآن المجيد طرفاً في الاختلاف، وهو واقع الاختلاف فيه نتيجة انسياق كثير من المسلمين وراء “أهل الكتاب” في تبني تلك المعتقدات المظنونة.

ولقد قال قسم من أهل الكتاب: إنه صُلب وانتهى، وقسم آخر قالوا صلب واستطاعت مريم المجدلية وأمه أن ترشيا الحرس الواقف على القبر لكي يترك مجالاً لتنفسه داخل القبر، فترك فتحة يتنفس السيد المسيح منها، وقدمتا رشوة أخرى لكي ينصرف الحراس عن حراسة قبر السيد المسيح فانصرفوا، فجاءت مريم المجدلية وأمه وأخرجتا السيد المسيح وسارتا به إلي حيث اجتمع تلامذته، وتناول عشاء الفصح مع طلابه الذين كان معظمهم في شك أنَّه السيد المسيح، فكان بعضهم يلمسه، وكان بعضهم يسأله وذلك حسب رواياتهم هم.. ثم تزوج بعد ذلك مريم المجدلية، وأنجب منها أطفالاً وعاش حياة عادية إلى أن مات.. هذه كلها روايات نصرانية ليست بينها رواية واحدة قرآنيّة.

وقسم منهم قالوا: شبّه لهم فاشتبهوا بالواشي نفسه الذي أراد الله أن يخزيه بأن ألقى عليه شبه السيد المسيح فقُتل هو، وهرب السيد المسيح.. وسواء أخذنا بالرواية النصرانيّة الأولى أو الرواية الأخيرة، فكلاهما تدلان على أنّه  عاش بعد محاولة صلبه وإنقاذ الله له منهم حياة عادية ثم مات.. هذا عند غالبيَّة النصارى..

أما نحن فقد اشتبهت علينا كلمة “رافعك”، وهي حسب ما فهم البعض تعني أنه رفع إلى السماء حيّاً لينزل ثانية، وهذا تناقض.. فالقرآن قال في نفس الآية التي جاء فيها مفهوم “الرفع” {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} (آل عمران:55)، وقد جاء بعضهم بقراءة شاذة “إنّي رافعك ومتوفيك” ليعزز المذاهب النصرانيَّة بتلك القراءة. وتزعم بعض فرق النصارى أن الرومان واليهود انشغلوا بالشبيه وصلبوا الشبيه وقتلوه والمسيح هرب أو هربه آخرون فلماذا يرفعه؟ لا شيء يستوجب الرفع؟ وما الداعي إلى رفعه؟ الأعلى مستوى رفع درجته عنده I. وإذا كان رفعاً بالمعنى الآخر فهذا يناقض {شُبِّهَ لَهُمْ} (النساء:157) إذن هم أتوا به للصلب والله توفاه ورفعه بذلك تتم المعجزة، بعد تمكينهم من قتله بل إماتة الله له بسلام أما أن يشبه لهم ويصلبوا الشبيه ظناً منهم أنه هو, فذلك لن يلفت نظرهم إلى معجزة إنقاذ الله له منهم وعدم إتاحة الفرصة لإماتته بأيديهم، وذلك هو “السلام عليه حين يموت”.

إن عقول بعض أهل التفسير ملئت بالإسرائيليات فلم تسمح باكتشاف التناقض بين أقوالهم مع القرآن الكريم، في نفس الآية التي يستدلون بها إما شبه لهم وهو نَجَا، وهذا صحيح ولا داعي للرفع الحسيّ بالمعنى الذي يفهمونه، فهو اختفى في نظر بعضهم عن الناس في مكان ما، قيل: إنَّه اختفى في مصر وتزوج وأنجب ابنين أو ابناً وبنتاً إلى آخره، ثم توفاه الله بعد أن عاش حياة عادية؛ لأنّه لم يدع-بعد ذلك- بني إسرائيل أو سواهم إلى شيء. وهذا التناقض موجود في روايات الإنجيل وفي الأحاديث الواردة عندنا وأقوال المفسرين، فيجب أن نحل هذا التناقض {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} (آل عمران:55) رافعك روحاً والأرواح كلها ترفع إلى الله I، فمنها من يوضع في الجحيم، ومنها من يوضع في عليين {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} (المطففين:20-21) فرفعه Y رفع روحه.

والدليل على ذلك هو ورود مصطلح الرفع في القرآن كما قلنا بهذا المعنى، فالكل يرفع بهذه الطريقة، الشهداء والعمل الصالح وغيرهم وكذلك رفع الدرجات.. فلابد من تحرير مفهوم “الرفع”؛ لأننا إذا حررناه فلن يكون عندنا شيء يضطرنا بأن نقول رفع روحاً وجسداً.

* إذن تعتقد أن تحرير مصطلح “الرفع” هو فيصل هذا الموضوع؟

– نعم.. لابد من تحرير “مصطلح الرفع” لعله يرفع شبهة أنه رفع جسداً حيّاً.. وبقى حيّاً ينتظر بلوغ سن الكهولة وحلول وقت هبوطه إلى الأرض ثانية ليعيش ويحكم ألف عام. إنّ قوله: “متوفيك” نص في وفاته u وتأويله تعسُّف وتكلًّف. وهي كافية لنفي القول باستمرار حياته للعودة ثانية إلى الأرض. هي تنبه إلى نفي عملية العودة؛ لأنه قال {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}.

أما الإشكال الأكبر في فهم هذه القضية فهو عند المفسرين في سورة الزخرف، حينما قال تعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} (الزخرف:57-58) وهنا يفسّر ويبيّن القرآن الكريم {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ} (الزخرف:59) ولاحظ هنا خصوصيَّة رسالته فهو ليس رسولاً للعالمين, لكنّه بعد العودة إن صحت وسلّمنا بها (وهذا ما نسلمه) سيكون رسولاً للعالمين أصالة أو وكالة وبذلك تنسخ “عالميّة الرسالة الخاتمة” “الإسلام”. و”خاتميه النبوة” ثم يأتي بعد ذلك قوله تعالى: {وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ} (الزخرف:60) هذا التفات لا علاقة له بالآية هذه إلا المجاورة المناسبة..

الوحدة البنائية للقرآن

* لكن هذه قراءة جديدة لهذا النص القرآني.. على أي شيء اعتمدت فضيلتكم فيها..؟

– هذه القراءة التي قرأنا بها تؤكد وتعتمد على أنَّ القرآن له “وحدة بنائيّة” متكاملة، ولأؤكد لك ذلك تأمل ما قاله المشركون الجاهلون كانوا يقولون: {لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} (الأنعام:8-9) فهنا يردُّ عليهم بقوله: {وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ} (الزخرف:60) فمعناه أنَّ الله I قادر على إرسال الملائكة برسالاته. لكن لن تستطيعوا أيُّها البشر التفاهم معهم فالرسالة هي قضيًّة اتصال.

والعمليّة الاتّصاليّة يجب أن يكون فيها المرسل مثل المرسل إليه، فأنا اخترت بشراً، وأنتم حينما تجادلون في عيسى u وتقولون: {أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} (الزخرف:58) فتختلفون فيه، فريق يقول خلق من غير أب، وفريق يقول: أبوه يوسف النجار وإلى آخر الاختلافات والتناقضات في قصص أهل الكتاب التي كانت شائعة بسبب “الثقافة الشفويّة” في الجزيرة العربيّة عن هذا النبيّ الكريم.

فيرد تعالى: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً} حتى يجادلوك {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ} (الزخرف:58-60) ثم جاء بقوله {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} (الزخرف:61) هذا يعود إلى الوحي وإلى الرسول محمد r وهو ورسالته عمود هذه السورة.

الضمير هنا لا يعود إلى سيدنا عيسى u؛ لأنه وضع فاصلاً بين قضيته وبين هذا الأمر، {وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ}؛ لأنه فرغ من مناقشة موضوع الجدل الذي جادله المشركون في قضية سيدنا عيسى، فالضمير يعود على النبي محمد r وعلى الوحي.. {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} أي محمد r، والوحي إليه، وهذا ما يؤكده قول النبي r: “بعثت أنا والساعة كهاتين” أي أنه لا نبي بعده، ليس غير الساعة بعده، ” بل الساعة موعدهم” ولذلك جاء الأمر بعدها بإّتباعه r: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}.

فإما الإيمان به وإما الساعة التي تذهب بكم للجزاء {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} يعني هذا الوحي أوحيناه إليك يا محمد.. والدليل على ذلك أنَّنا نرى سورة الزخرف كلها تقريباً تتحدث عن الوحي لمحمد r، بدأت بقوله تعالى: {حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} (الزخرف:1-2) حيث إنَّ كل النقاش كان حول سيدنا رسول الله r والقرآن وما جاءهم به سيدنا رسول الله r، وموضوع سيدنا عيسى u مقحم؛ لأنَّهم أرادوا أن يقحموه في هذا الموقع، ورسول الله r يدعوهم إلى الإيمان به، فقالوا: “إنّ عيسى نبيًّ ورسول من غير أب ومن أم فقط، وعليه شبهات كذا وكذا”، فأخبرنا: {أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ}؛ ولذلك رد عليهم I كما بينا {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ} كأنه يؤكد عليهم قائلاً: عيسى ليس قضية جوهريَّة بالنسبة لكم.. هو مثل فقط لبني إسرائيل، أنتم انظروا إليَّ أنا “محمد r.. أنا منكم وأنا نبيكم وهذا الكتاب هو القرآن الذي نزل بلغتكم، فما لكم ولعيسى تجادلوني فيه؟! إنّه نبيّ ومَثَلٌ لبني إسرائيل، عليكم فقط أن تؤمنوا أنّه جاء لبني إسرائيل وأنه نبي من أنبياء الله ورسول إلي بني إسرائيل وانتهى، أنا ما طلبت منكم أكثر من هذا، ثم انتقل بهم مرة أخرى إلى المطلوب منهم تحديداً {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} أي الوحي إليك والكتاب المنزل إليك وإرسالك {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ } يا عرب يا أميوّن “بها واتّبعوني” وإلا لو ربطنا هذا الضمير بسيدنا عيسى يكون قوله تعالى: “اتبعوني مقحماً غير منسجم مع السياق” والقرآن أبلغ وأفصح من أن يكون فيه شيء كهذا.

فهي آية واحدة يأمر فيها بإتّباع محمد r ويصفه بأنّه بمثابة إعلام بقرب الساعة وعلامة على قربها وبه جرى ختم النبوة، فلم يعد الزمن يتسع لنبوّة أخرى. فعليهم أن يبادروا إلى الإيمان به وإتباعه {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا} أي الإسلام الذي جئتكم به {صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ * وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (الزخرف:61-62) أي: بمثل تلك الشبهات.

وخشية أن يظن هؤلاء أن فيما تقدم عن سيدنا عيسى من قوله: {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ} (الزخرف:59) تقليل من شأنه جاء بعد ذلك قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ} لبني إسرائيل: {قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} وهذه علامة أيضا على سيدنا رسول الله r {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} (الزخرف:63) ولا تكونوا مثل بني اسرائيل؛ لأنهم لما سألوا عيسى عن بعض الأمور قال: هذه ليست لي، سيأتي لكم نبَُّي آخر هو أحمد وهو الذي سيخبركم بهذا ويجيبكم عما سألتم عنه {وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} (الزخرف:63-64). وقول عيسى-عليه السلام-الذي حكاه القرآن المجيد “ومبشّراً برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد..” ولو كانت لعيسى رجعة بعد أحمد-صلى الله عليه وسلّم-لم يقل من بعدي فقط؛ ولقال: وسآتي بعده لأؤكد لكم نبوته، وصدقي فيما جئتكم به، لكن إطلاقه لقوله: “من بعدى” دليل قاطع على أنّه لن يأتي بعد خاتم النبيين بأيّه صفة حتى لو نصّ المؤلون على أنّه سوف يأتي ليعتنق الرسالة الخاتمة، وينضم إلى أمّة محمد-صلى الله عليه وآله وسلّم- فهل يعنى أنه سيأتي متخلياً عن مهمته الأولى الخاصة بتصحيح وتعزيز ما جاء به موسى-عليه السلام-؟؟!! او أنّ نبوته ورسالته سوف تنسخ ليكون شخصاً عادياً بين المسلمين؟!

 

العلواني ومراجعة التراث الإسلامي (مشروع جديد2)

تلك هي الحلقة الثانية في حوارنا مع الدكتور طه جابر العلواني رئيس المجلس الفقهي لأمريكا الشمالية سابقاً، ومدير المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وعضو المجامع الفقهية، حول مشروعه الجديد لمراجعة التراث الإسلامي.

في الحلقة الماضية بدأنا في تحسس هذا المشروع من خلال “قضية ظهور المهدي وعودة المسيح “u، ورأينا كيف أكد العلواني رفضه القاطع لهذه الأمور من خلال قراءته للقرآن الكريم.

وفي هذه الحلقة نحاول أن نقترب أكثر وأكثر من حقيقة هذا المشروع ومرتكزاته، مؤكدين أننا لا نتبنّى فكرة معيَّنة ولا نروج لتوجُّه محدَّد، إنما نحاول إثراء الحوار حول قضايا الفكر الإسلامي دون تحيز.

العلواني أكد في تلك الحلقة أن ما يقوله ليس جديداً، وإنما قال به وفعله من قبل أئمة كبار أمثال أبي حنيفة والشافعي وابن حزم وغيرهم من تقديم ظواهر القرآن المجيد على أخبار الآحاد.

ولفت العلواني الأنظار إلى أنه لا يمكن بحال أن ينكر السنة بمفهومها الصحيح، مستعيذا بالله من ذلك، ولكنه في الوقت ذاته أكد قناعته بأن السنة لا تستقل بتشريع ولا بتأسيس اعتقاد ولا بإخبار عن غيب استأثر الله بعلمه, وأنها مرتبطة بالقرآن بأوثق رباط, فهي تدور حول القرآن المجيد حيث دار.

وفي ثنايا الحوار أثرنا عديداً من القضايا الجديرة بالمتابعة:

مراجعة التراث الإسلامي

*  فضيلة الدكتور.. دعنا من “إشكال المهدي وعودة المسيح u ولو إلى حين.. ولنقترب أكثر من مشروعكم الهام في “مراجعة التراث الإسلامي”.. نريد أن نفهم لأن البعض يظن أن ما يمكن تسميته “الأسس التشريعية” أو “مصادر التشريع” قد اكتملت ولم يعد لأحد أن يتحدث عن مراجعة هذه الأسس لأنها خطوط حمراء.. فنحن نريد أن نفهم طبيعة المشروع تفصيلاً, ونجلي تفاصيله للمعنيين من أبناء الأمة.

– الدكتور العلواني: يا سيدي هؤلاء الإخوة -عفا الله عنا وعنهم- يقرءون الأمور مجزأة، وحينما يقرأ الإنسان قراءة مجزأة فكأنه لا ينظر إلى الإنسان بكامله “رأساً ووجهاً، ويداً بل يرى فيه أعضاءاً وأجزاءاً” ينظر إليه أعضاء، فيراه مرة يداً ويراه رأساًو…و…, والناظر بهذا الشكل لا يستطيع أن يرى الكل أو يدركه.

القرآن الكريم ذو وحدة بنائية، ولست أنا القائل بهذا لكن المحققين من علماء الأمة أكدوا هذا، والقرآن نفسه يؤكده ويوظفه ويوضحه في قوله تعالى مثلاً: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} (الحجر:95), {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} (الحجر:91) أي أجزاء وأعضاء مبعثرة.

فيأتي أبو نواس ويقول:

ما قال ربك ويل للألى سكروا * * * * *      بل قال ربك ويل للمصلينا

هذه القراءة نحن نهينا عنها وأمرنا بأن نقرأ القرآن بوحدته الكاملة، ورسول الله r في العرضتين الأخيرتين للقرآن قبيل وفاته راجع القرآن مرتين مع جبريل، وقطع بأمر الله I ما بين القرآن وأصل النزول مفرقاً وأسباب النزول أو مناسباته. في بدأ النزول كانت “اقرأ” هي الأولى، ولكننا نقرأ فى المصحف “الفاتحة” أول سورة والبقرة ثانية وآل عمران ثالثة وهكذا وفقاً لقراءة رسول الله r وجبريل في العرضتين الأخيرتين قبل التحاق رسول الله بالرفيق الأعلى.

هذا الترتيب توقيفيّ إلهي، الله I أمر نبيه r مع جبريل أن يفعل هذا، والحكمة الأساسية التي يمكن لنا تذكرها في هذا المجال قطع الطريق على أعداء القرآن فالله I يعلم أنه سيأتي من المتطفلين على علوم القرآن والدراسات القرآنية من يقول: “إنَّ القرآن نصًّ تاريخي” بمعنى أنه مرتبط بمرحلة تاريخية معينة ليس له أن يمتد خارجها.. هي مرحلة عصر النبوة.

ويؤكد ذلك المستشرقون حين يقولون: إنَّ كل الأمثلة التي جاء بها القرآن من البيئة العربية {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} (الغاشية:17)، فقد يقول الغربيُّ أو المستغرب: بالنسبة لي لم أر بعيراً في حياتي كلها.. فلماذا يكلفونني ما لا أطيق بضرب أمثلة لا أعرفها ولا توجد في بيئتى. إذن هو كتاب لقوم معينين في مرحلة تاريخيَّة معيَّنة.. يعني لا يعد القرآن نصاً مطلقاً تخاطب به البشريَّة إلى يوم الدين. بل هو نص تاريخاني مرتبط-على سبيل الحصر- بزمان ومكان معيَّنين.

فقطع الله I الطريق على هؤلاء بأن أمر بإعادة ترتيبه؛ لأن التنجيم (أي: إنزال القرآن نجوماً) كان قد أدى الغرض: التنجيم, وتفريق الآيات في التنزيل كان لصناعة الأمة بالكتاب وتقديمها نموذجاً للبشرية، وقد حدث وصارت عندنا الأمة الموصوفة بخير أمة أخرجت للناس، وبقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} (البقرة:143) وذلك عبر نزول القرآن منجماً في اثنين وعشرين عاماً وخمسة أشهر واثنين وعشرين يوماً هي مدة الوحي.. انتهت المهمة الآن، القرآن أصبح يخاطب البشرية كلها إلى يوم الدين؛ لأنه لا كتاب بعد القرآن ولا نبي بعد محمد r والدين قد اكتمل.

وعليه فلو استمر ارتباطه ببيئة النبي r وعصره والقضايا التي عالجها لكان المستشرق والكافر والرافض للقرآن قد احتج بهذا وقال: إن هذا كتاب لا يخصني، بل يخص الناس الذين نزل فيهم وفي عهدهم.

فبالعرضتين الأخيرتين تم قطعه عن أسباب النزول والأسباب التاريخيَّة ليأخذ صفة “الإطلاق”، وليجاوز أي مرحلة تسبقه, ويصبح هذا القرآن الكتاب الذي يستوعب العصور كلها، فلا يقال في أي عصر من العصور: هذا الخطاب ليس لي.. هو خطاب للبشريَّة -كلها- إلى يوم الدين؛ لأن النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-خاتم النبيين والمرسلين والكتاب آخر الكتب والدين مكتمل.

*  وماذا يعني هذا الاستيعاب للقرآن بالنسبة مثلاً للأحكام التشريعية؟

– يعني ببساطة أن القرآن الكريم هو المصدر المنشئ لسائر الأحكام الشرعيَّة، أي شيء يمكن أن تقول: إنَّه من الدين في أساسياّته وأصوله وقواعده وعقيدته وشريعته تجده في القرآن الكريم، ولذلك يقول I: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} (آل عمران:23-24).

إذن فالحاكمية لهذا الكتاب الكريم وكل آية وردت في القرآن الكريم {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} يعني للقرآن الكريم؛ لأنه هو كلام الله فهو الخط الفاصل وهو الذي خوطبنا به.

ورسول الله r حدد الله I مهمته بما يلي: “يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم” فيعلم الكتاب ويعلم الحكمة الكامنة فيه, ومنهج إتباعه, ويتابع سلامة الإتباع بوقوع النتيجة وهي: “التزكية”.

*  لكن أليست الحكمة هنا هي السنة كما نفهم؟

– لا.. هذا تفسير الإمام الشافعي، ولكن الحكمة أيضاً مفهوم مثل مفهوم “الرفع” الذي تحدثنا عنه في قضية عودة عيسى u، مفهوم قرآنيًّ يحتاج إلى تحرير ولي محاولات في تحريره ستظهر قريباً بإذن الله..

وقد كتب بعض الناس في هذا كتابات، ولكن المفهوم ما يزال بحاجة إلى تحرير باعتباره مفهوماً قرآنياً، والسنة لا يقال لها “الحكمة”؛ لأن الله I استخدم كلمة “السنة” كثيراً في القرآن الكريم: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ} (الأحزاب:38-62), {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} (آل عمران:137)، {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} (الأحزاب:62) فما المانع أن يقول يعلمهم الكتاب والسنة.

*  هل المقصود بها في استعمالاتها: “السنة الكلامية أو السنة الفعلية”؟

– هذا سيساعد على تحرير الأمر كله القرآن الكريم (كتاب وخطاب)، ورسول الله r يقوم بتعليم الكتاب وتطبيقه، فالتطبيق هو التأويل والحكمة منهج التطبيق والتأويل العملي.. لماذا؟

لأن الله I يقول: {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} (الأعراف:53) يقصد التأويل المتعلق بقضية البعث والآخرة.

هنا ربنا I كلف رسوله r أن يعلم الناس الكتاب حرفياً وأن يبين لهم حكمته وما فيه من خير بالتطبيق العملي “كان خلقه القرآن” فسلوكه، عبادته، خلقه، حكمه، قيادته، كل ما يفعله كان قرآناً..

وكان r إذا فعل شيئا عن اجتهاد أو عن انطلاق من براءة أصلية كما يقال، قد يستدرك القرآن عليه {عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة:43)، {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الْأَعْمَى} (عبس:1-2), {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} (الأنفال:67).

لذلك فـ“السنَّة” وحي من الله I، كأنَّه يقول له: تعلّمهم الكتاب وتجعل نفسك نموذجاً لهم في تطبيقه، يتأسَّون بك ويهتدون بفعلك ويقتدون بك؛ لأنَّ البشر بطبيعتهم كما يحتاجون إلى النظريّة يحتاجون إلى التطبيق وإلى الأسوة الحسنة.

فليس كافياً أن تعلمهم الكتاب تلاوة وقراءة، ولكن طبق أمامهم ما جاء فيه لكي يرونك تفعل وتقول تتصرف وتمارس، ومن كل ذلك يأخذون حكمة ويستنبطون منهجاً لتطبيق القرآن الكريم، من خلال ما تقول وما تفعل وما تقرر وما تتخذ من سياسات وما تفتي وما تعلم.. كل هذا يأخذونه ممن؟

يأخذونه عنك ومن اتباعك في عملك؛ لأنه r المسئول عن التأويل، فتصبح هنا السنة سنة رسول الله r قرآنيَّة تأسيساً نبويّة تطبيقاً قرآنياً، وعملاً وقولاً للنبي r قائماً على القرآن.

* “سنة قرآنية نبوية”.. يمكن أن نطلق عليها؟

– نعم هي سنة قرآنيّة ينشؤها القرآن ويحولها الرسول إلى واقع عملي لتكون سنة واقعية أسس لها القرآن وحولها النبي إلى ممارسة وواقع مشاهد ملموس.. وليست قضية مستقلة، ففي إطار السنة القرآنية لن يكون هناك أي إشكال، ولذلك قال الشافعي -رحمة الله عليه- في مقدمة رسالته: “فليس تنزل في أحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله سبيل الهدى إليها”، هذا قوله، وحينما جاء إلى البيان وشرح لنا البيان في الرسالة علمنا خمسة أنواع من البيانات، ثلاثة لبيان القرآن بالقرآن؛ القرآن يبين نفسه، وواحدة السنة تبين القرآن.. يعني رسول الله r يبين ويطبق بفعله وقوله وتقريره وحكمته وتطبيقه لتتحول آيات الكتاب إلى سنن لنا مثل سنن من كان قبلنا من الأمم {يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} (النساء:26).

والبيان الخامس الاجتهاد الإنساني في الفهم والتطبيق، وضرب له مثلاً بأن تجتهد لمعرفة القبلة وما إلى ذلك..

إذن السنة في حقيقتها هي سنة سيدنا رسول الله r فعلاً وسنة القرآن من حيث الصياغة والأمر والقول “النص” فيكون الله I قد جمع لنا بالقرآن ومن أنزل عليه القرآن بين الخطاب القولي والتطبيق العملي.

وهذا يجعل الأمر في غاية الوضوح والبيان.. ولكن متى بدأت المشكلة؟ المشكلة بدأت حينما جاء “العقل الفقهيّ” ووضع في اعتباره فرضيّة خاطئة فحواها “أنّ النصوص متناهية والوقائع غير متناهية” فأخذ يبحث للفقه عن أدلة أخرى غير الكتاب الكريم وتطبيقاته النبويَّة.

لا إنكار للسنة

* ولكن.. أستاذنا.. سيدور في أذهان الناس أن د. طه الذي يعد لهذا المشروع ويتحدث عن السنة بهذه الحماسة عند التطبيق يكون هناك موقف آخر من بعض نصوص السنة، فدعني أسألك سؤالاً مباشراً وصريحاً: هل تنكر السنة أو على الأقل الاحتجاج بها؟

– لا.. أعوذ بالله.. أعوذ بالله.. أنا أؤمن بكفر من ينكر الاحتجاج بالسنة، ومنكر السنة.. من قال هذا؟!

*  إذن للسنة مكانتها في الحجية؟

– نعم.. السنة حجة لا يمكن الاستغناء عنها.. كيف يمكن الاستغناء عنها؟!!

*  إذن دعني ألخص الخلاف حتى لا يتشعب عند البعض وأقول: الخلاف الآن في الأصل حول تحرير مفهوم السنة؟

– بالضبط هذا هو الإشكال.. أقصد أن الإشكال -كله- في المفهوم، بالنسبة لي مفهوم السنة أن رسول الله r ينزل القرآن عليه فيدعو الكتَّاب يملي عليهم ما أوحي إليه، ثم يقوم في الناس مطبقاً هذا الذي أوحي إليه ومتبعاً له ليتبعوه فيه, وليتأسوا به..

قال القرآن: “أقيموا الصلاة” تلا رسول الله ذلك على الناس وأقام الصلاة بهم، وقال: “صلوا كما رأيتموني أصلي” وإذا كان حجاً في قوله تعالى: “ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً” وحج-عليه الصلاة والسلام وقال: “خذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا”، وإذا كان خلقا فهو سيخالط الناس به، وإذا كان عقائد فهو سيبرزها لهم قولاً وفعلاً.

ومن فضل الله I أن كل أصناف النفاق والشرك كانت موجودة في عصره r؛ الكفر بأنواعه، أهل الكتاب بأنواعهم، المنافقون بأنواعهم، فجميع الشبهات وأمور الرفض كانت موجودة في عهده r، وبالتالي ينزل عليه القرآن وهو يعلم الناس ويقص على بني إسرائيل أكثر الذي فيه يختلفون، ويكشف عن قلوب المنافقين وضمائرهم وما فيها.. إلى آخره.

لكن من ينكرون السنة يبيحون لأنفسهم التشريع؛ لأنهم أنكروا تطبيق النبي r للقرآن، وأنا أعرف بعض من يسمون “بالقرآنيين” اليوم، منهم من يسجد على لحيته؛ على ذقنه، يستدلون بقوله تعالى: {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً} (الإسراء:107)؛ لأنهم فهموا يخرون للأذقان بهذا المعنى.. فهؤلاء لا يؤبه لهم, ولا يلتفت إلى طرائقهم.

* ترى إن كان هذا هو الأصل كما تقول فضيلتكم فما الذي خرج بالمفهوم عن أصله هذا؟

– أنا أقول لك.. مثلاً في الفقرة 48 في كتاب الرسالة يقول الإمام الشافعي: “فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها”، وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (إبراهيم:1).

وقال: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل:89). وقال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الشورى:52) هذا قول الإمام الشافعي وأدلته على هذا.

لكن العقل الفقهي التعليمي الأكاديمي كان يريد أولاً أن يغطي كل المساحات الفقهية المتوقعة، وقد حصل الخطأ بأن تصوروا أن القرآن نصوص محدودة وقالوا: “النصوص متناهية والوقائع غير متناهية” وهذه مقالة شائعة عندهم منذ القرن الثاني وانتشرت جداً في قرن التكوين الفقهي.

وقالوا أيضاً: إن الأدلة هي الكتاب والسنة، ثم أضافوا الإجماع، ثم أضافوا القياس واستمرت عمليات الإضافة.. لماذا؟ لأن حديث معاذ، وهو (موضوع) رواته مجاهيل.

 * تقصد أن حديث بعث النبي r معاذاً لأهل اليمن وقوله: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله…الخ .حديث موضوع؟

– نعم هو حديث موضوع.. مروي عن مجاهيل من أهل حمص، ولا يمكن أن يقول رسول الله r الذي أنزل عليه القرآن تبيانا لكل شيء له: “فإن لم تجد”، ولكن هذا الحديث قد صُنِعَ، وللإمام ابن حزم كلام في غاية النفاسة في هذا الحديث، رفضه في “النبذ” وهو كتابه الوجيز في أصول الفقه وفي “إحكام الأحكام” وفي غيرها، والصناعة الفقهية ظاهرة في الحديث.

وتأمله: “أرسل معاذا إلى اليمن وقال: بم تحكم؟ قال بكتاب الله، قال: فإن لم تجد!” لا يمكن لرسول الله r وعليه أنزل الكتاب أن يقول له: “فإن لم تجد”، وكيف ينسجم هذا مع أقوال كثيرة نقلت عن الصحابة: “والله لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله”..

وأنا قد أخذت ما قاله ابن حزم ورأيت ما قاله صاحب إعلام الموقعين الذي لم يستطع أن يكذب ابن حزم ولا غيره من الأئمة النقاد، فقال: “إنه حديث تلقته الأمة بالقبول”.. هذا كلام غير دقيق.. الحديث إما أن يصح إسناده ويستقيم متنه ويتجاوز كل قواعد نقد المتون، وإما أن يلقى جانباً، أما أن يقال (تلقته الأمة بالقبول) من هي الأمة؟! ومن الذي استفتى الأمة في قبوله, فوجدها تقول بذلك وتقبله, وكيف قام صاحب الدعوى بذلك؟!

*  تعني أن قبول الأمة بغير القواعد ليس له اعتداد؟

– نعم.. المفروض يقبله المتخصصون.. والمتخصصون هنا هم أهل الحديث، ولكن الصناعة الفقهية الغالبة على الفقهاء جعلتهم يقولون هذا، ولذلك ورثنا تلك القاعدة غير الدقيقة أيضاً: “أن السنة هي المصدر الثاني في التشريع..” وهي مقالة خطيرة عسير قبولها عند العرض على الأذهان جداً؛ لأن من شأنها أن توجد عقلية تراتبية.

* عفواً يا دكتور.. أعتقد أن المقصود بتلك المقولة -على حد علمي- ليس الترتيب، وإنما المقصود أن السنة كما تعلمنا بمثابة المذكرة التفسيرية للقرآن الكريم، تفصل المجمل وتشرح المبهم، فليس الجميع قادرين على فهم الأحكام من القرآن؟

– ومن قال أن في القرآن مبهم وغامض وعسير على الفهم. أنا متى أحكم أن الكتاب ليس فيه هذا الحكم؟ إذا أردت مني أن أحكم أن الكتاب لم يتناول هذا الحكم، فهذا يحتم عليَّ أن أجزم كأصولي وفقيه بأني استعرضت الكليات القرآنية كلها واستعرضت الجزئيات ولم أجد لهذه الواقعة مجالاً لأن تندرج تحت كلية من الكليات أو جزئية من الجزئيات..

وليس هناك عالم على وجه الأرض يجرؤ أن يقول: “كتاب الله لم يتناول هذا الأمر إطلاقاً”، وحتى لو تناولنا قضايا عادية جداً، لا يجرؤ على أن يقول ليس لها في كتاب الله أصل، مثلاً يقول: {خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..} فيدرجها تحت قضية الخلق، يدخلها بدليل إبداع، بدليل خلق بدليل تشريع، بأي دليل {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا..} (فصلت:53)، {..وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (النحل:8) فهناك كليات وهناك جزئيات، ويمكن أن تجد الحكم الشرعي في الكليات إن لم تجده في الجزئيات.

 *وأين موقع السنة من هنا إذاً؟

– تعليم رسول الله r.

* لا, أنا أقصد في الاستدلال والاحتكام إليها وليس كمصطلح؟

– أنا في فهمي للقرآن أنني لا آتي إلى أي تشريع، أنا علي فقط أن أرى كيف طبق رسول الله r هذا القرآن، وما الذي قاله حوله، فحينما أرى صفة صلاة النبي r وحقيقتها، أدرك أن هذه هي الصلاة التي أمرني ربي بها، وحينما أرى صفة حجة النبي r، فهذا هو الحج الذي أمرت به، وفي الزكاة كيف كان الرسول r يزكي فذلك ما سوف آخذه.. رسول  الله r غزا خمساً وثلاثين غزوة في حياته أجد كل أحكام الجهاد التي أحتاج إلى معرفيها يمكن آخذها من هذه الغزوات.

* يعني السنة العملية فقط؟

– نعم السنة التطبيقية العملية للقرآن الكريم، فهي غير منفصلة عنه، لا نفرق بين الله ورسوله r، فنجعل هناك سنة مستقلة في التشريع وسنة أخرى.

الأمر الآخر في الحديث.. أعني حديث معاذ.. فإن لم تكفهم السنة “فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو..” طيب يا سيدي رسول الله r هو الموحى إليه، ومعاذ واحد من أصحابه وحديث عهد به، والبيئة اليمنية لا تختلف عن البيئة الحجازية كثيراً، ما الذي يتوقع أن يختلف لهذه الدرجة بحيث لا يجد رسول الله r لا في الكتاب كلياته وجزئياته وعمومياته ولا في السنة بكل مستوياتها الحكم؟

* وأيضاً لأن الوحي لم ينته بعد فالرسول r ما زال حياً، وعادة القرآن أن ينزل منجماً للوقائع والأحداث؟

– نعم بارك الله فيك.. ولكن أرادوا أن يفتحوا المجال للاجتهاد حتى يدخلوا منه.. الإمام الشافعي يقول: “الاجتهاد هو القياس, وبذلك يحصر الاجتهاد في القياس والاجتهاد هو حالة نفسية وعقلية أرادها الله أن تكون حالة هذه الأمة الخيرة الشاهدة المخرجة للناس لكي تقوم بأدوارها المناطة بها في هذه الحياة”..

رؤية قرآنية لفهم السنة النبوية

* أعتقد أن الإشكال الأكبر هنا يا دكتور يكمن في التعارض.. بمعنى.. إذا كان هناك نص من السنة صحيح صريح يتعارض مع فهم لنص قرآني كفهمكم مثلاً لقوله تعالى: {…وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ…} (الأحزاب:40) أيهما أقدم الفهم أم النص.. ثم ما القواعد التي تحكم فهم النص القرآني من البداية؟

– ليس في هذا إشكال؛ لأن يفسر بعضه بعضاً وهو يسن السنة ويبينها قولاً ورسول الله r يحولها إلى فعل يقترن بالقول أحياناً, وينفك عنه أحياناً أخرى, فأين هو الإشكال في هذا؟ وحينما فهم الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- من قوله تعالى: {حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} (البقرة:230) أن المرأة ليست بحاجة إلى ولي ينكحها مع وجود نص قرآني آخر {بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} (البقرة:237)، ومع ذلك فالإمام أبو حنيفة قال: “هذا يدل على أن للمرأة أن تنكح نفسها بنفسها” وعزز ذلك بقوله تعالى: {لاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} (البقرة:232) مع أن “لا نكاح إلا بولي” حديث صحيح وقوله: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} (البقرة:237) آية كريمة إلا أن هناك مناهج تعارف عليها العلماء في الترجيح بين الأدلة وتغليب بعضها على بعض.

 لكن النقد الذي وجهه الإمام أبو حنيفة أن ظاهر القرآن أولى من الأخذ بسنن حتى لو صحت, واشتهرت فهي لا تقدم عنده على ظواهر القرآن إذا جاءت على خلاف ما دل ذلك الظاهر عليه.

* حتى لو صحت؟

– نعم.. حتى لو صحت؛ لأن القرآن الكريم قطعي في ثبوته وحتى في دلالته نسبة القطع فيع عالية لاشك في ذلك، والأصل فيه القطع، والسنة وأخبار الآحاد هي ظنية، فيقدم القطعي عنده على الظني وهناك قواعد كثيرة أخرى يستعملها العلماء في هذه المجالات.

والنظر في الترجيح من أدق أوجه النظر.. وقبل أن استطرد في هذا دعني اقرأ لك شيئاً مما كتبه الإمام الشافعي في أمر لصيق بما نحن فيه يقول: “أخبرنا عبد العزيز عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن المطلب بن حنطب أن رسول الله r قال: (ما تركت شيئا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به ولا تركت شيئاً مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه)، ويقول: وما سن رسول الله r فيما ليس لله فيه حكم -يعني بخصوصه وليس حكماً مطلقاً- فبحكم الله سنه..” يعني بالكلي من القرآن.

فالإمام الشافعي هنا يؤكد ويسلم أن كل ما سن رسول الله هو بحكم الله I، يعني استنبطه من القرآن الكريم.. “ليس لله I فيه حكم فبحكم الله سنه..” أي بخصوص دليل جزئي، قال: “وقد سن رسول الله r مع كتاب الله وسن فيما ليس فيه بعينه نص الكتاب”، فكلمة “بعينه” هنا مهمة جداً، يعني الدليل الجزئي وإلا فإن السنة تقوم على أصل نظري في الكتاب وتطبيق نبوي في الواقع..

فإذن الإمام الشافعي وهو إمام أهل السنة في هذا يؤكد أنه ليست السنة مستقلة في التشريع استقلالاً كاملاً، وإنما هي تبع للقرآن الكريم في كل ما يسن.

ورسول الله r في هذا الحديث الذي رواه عنه المطلب بن حنطب يؤكد هذا، فالفصل بين السنة والقرآن بالطريقة التي يفهمها بعض الناس, هذا فصل لم يكن عند السلف ولا كان مشتهراً في القرون الثلاثة الخيرة.

معروف أن رسول الله r تبع للقرآن في كل ما جاء به، وقد خوطب بهذا {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} (الأحزاب:1)، {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} (الأنعام:106) إتباع يعني متابعة واحد يلي الآخر {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (الجاثية:18)، {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (المائدة:67).

إذن المفروض على رسول الله r الأتباع، وعليه صلوات الله وسلامه البلاغ، وشهد الله له بأنه بلغ وشهد رسول الله r لنفسه بأنه بلغ، وشهد بذلك المسلمون كافة. فهذا الفصل غير صحيح وغير وارد..

وأنا سأقرأ لك وثيقة معاصرة من مجمع البحوث والأزهر حول عملية استقلال السنة بالتشريع التي هي مثار النزاع، وأيضاً سنجد أن الأزهر قد أقر فتوى الشيخ عبد الله المشد حول الموضوع نفسه.

لا حجية للسنة إلا بالقرآن

*  قبل القراءة يا دكتور لأن هذا الموضوع مهم وخطير.. دعني أقول خلاصة ما تريد فضيلتك قوله حسب ما فهمت أنا “لا استقلال للسنة بالتشريع ولا حجية لها إلا من خلال ارتباطها بالقرآن الكريم”.. هل هذا صحيح؟

– بالضبط.. وقد جاء ذلك في تلك الوثيقة التي سأقرؤها.. واسمعها.. الوثيقة على هيئة سؤال ورد إلى الأزهر وتمت الإجابة عليه، والسؤال هو:

“هل من أنكر استقلال السنة في إثبات الإيجاب والتحريم يعد كافراً أم لا ؟ نرجو الإفادة بالرأي مع الاستدلال وشكراً”.

فكان رد الأزهر كالتالي:

“لقد اختلف العلماء في استقلال السنة الأحادية بإثبات واجب أو محرم.. فذهب الشافعية ومن تبعهم إلى أن من أنكر ذلك في الأحكام العملية كالصلاة والصوم والحج والزكاة فهو كافر، ومن أنكر ذلك في الأحكام العلمية كالإلهيات والرسالات وأخبار الآخرة والغيبيات فهو غير كافر، لأن الأحكام العلمية لا تثبت إلا بقطعي من كتاب الله أو سنة رسوله المتواترة.

وذهب الحنفية ومن تبعهم إلى أن السنة الأحادية لا تستقل في إثبات واجب أو محرم سواء أكان الواجب علمياً أو عملياً وعليه فلا يكفر منكرها، أي لا ينسب إلى الكفر، وإلى ذلك ذهب علماء أصول الفقه الحنفية، فقال البزدوي في شرحه على البخاري: (إن دعوى علم اليقين وأحاديث الآحاد باطلة؛ لأن خبر الآحاد محتمل لا محالة ولا يقين مع الاحتمال، ومن أنكر ذلك فقد سفه نفسه وأضل عقله..) وبهذا أخذ الإمام محمد عبده والشيخ محمود شلتوت وغيرهم.

يقول المرحوم الإمام محمد عبده: (القرآن الكريم وهو الدليل الوحيد الذي يعتمد عليه الإسلام في دعوته، أما ما عداه في الأحاديث سواء صح سندها أم اشتهر أم ضعف فليس مما يوجب القطع).

كما ذكر الشيخ شلتوت في كتابه الإسلام شريعة وعقيدة أن الظن يلحق السنة من جهة الورود، أي من جهة السند، ومن جهة الدلالة أي المعني والشبه في اتصاله والاحتمال في دلالته.

ويرى الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات أن (السنة لا تستقل بإثبات الواجب والمحرم؛ لأن وظيفتها فقط تخصيص عام القرآن وتفسير مجمله وتقييد مطلقه، ويجب أن يكون ذلك بالأحاديث المتواترة لا الأحادية).

(يريد أن تكون مفيدة للقطع).

يعني نفى أن تكون للسنة صلاحية حتى التخصيص والتقييد إلا المتواتر، يؤيد آراء من سبق ذكرهم كما جاء في صحيح البخاري في باب الوصية وصية الرسول r قبل وفاته.. فعن طلحة بن مصرف قال: سألت ابن أبي أخي: هل أوصى رسول الله r؟ قال:لا، قلت: كيف كتب الناس الوصية أو أمروا بها ولم يوصه؟ قال: أوصى بكتاب الله.

قال ابن حجر في شرح الحديث: (أي التمسك به والعمل بمقتضاه) ولعله أشار إلى قوله r: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله) واقتصر على كتاب الله لكونه جاء فيه كل شيء، إما بطريق النص أو بطريق الاستنباط، فإذا اتبع الناس ما في الكتاب عملوا بكل ما أمرهم الله I به.

وحديث سلمان الفارسي عنه r: (الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرمه الله في كتابه وما سكت عنه فهو عفو لكم)، وأجاب الشاطبي عما أورده الجمهور من قوله تعالى: {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} (النساء:59) بأن المراد من وجوب طاعة الرسول إنما هو في تخصيصه للعام وتقييده للمطلق وتفسيره للمجمل، وذلك بالحديث المتواتر وأن كل ما جاء به النبي r يجب أن يكون من القرآن لقول عائشة رضي الله عنها عن النبي r كان خلقه القرآن وأن معنى قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} (النحل:89) أن السنة متداخلة فيه في الجملة وأكد الشاطبي ذلك بقوله تعالى: “ما فرطنا في الكتاب من شيء”.

ولقد رد على ما استدل به الجمهور مما روى من النبي r قوله: (يوشك أحدكم أن يقول هذا كتاب الله ما كان من حلال فيه أحللناه وما كان من حرام حرمناه إلا من بلغه حديث مني فكذب به فقد كذب بالله ورسوله).

لأن من بين رواة هذا الحديث زيد بن الحباب، وهو كثير الخطأ ولذلك لم يرو عنه الشيخان حديثاً واحداً لا البخاري ولا مسلم.. وجاء مسلم الثبوت والتحرير (خبر الواحد لا يفيد اليقين ولا فرق في ذلك بين أحاديث الصحيحين وغيرهما).

ومما سبق يتضح أن الإيجاب والتحريم لا يثبتان إلا بالدليل القطعي الثبوت والدلالة، وهذا بالنسبة للسنة لا يتحقق إلا بالأحاديث المتواترة، وحيث إنها تكاد تكون غير معلومة -أي المتواترة- لعدم اتفاق العلماء عليها فإن السنة لا تستقل بإثبات الإيجاب والتحريم..

وعلى هذا فمن أنكر استقلال السنة في الإيجاب والتحريم فهو منكر لشيء اختلف فيه الأئمة ولا يعد مما علم بالضرورة وعلى هذا لا يعد كافرا.. لجنة فتوى الأزهر. 1/2/1990م.

فما قلناه أو ما ذهبنا إليه ليس بدعاً، وإنما يتفق مع ما ذهب إليه الإمام الشافعي وأئمة آخرون.

* عزوت ذلك في الأصل لأبي حنيفة؟

– نعم.

* بعيداً عن هذه النقطة تحديداً أنا أعتقد ما زال الكثير لديك حول المشروع؟

– أظن أننا الآن وصلنا إلى مفرق جيد على وعد بحوار آخر حول تفاصيل المشروع.

* جيد.. ونحن وقراؤنا في الانتظار…