Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

2 حوار د/ طه مع موقع مؤمنون بلا حدود

 

-تنقلتم سيادتكم في حياتكم الفكرية بين عدة مشاريع، بداية بمشروع “أسلمة المعرفة”؛ وانتهيت الآن بالوقوف على تبني مشروع مركزية القرآن وتنقية التراث بإخضاعه للقرآن، فما الذي وجدته ناقصًا في المشاريع السابقة وتسبب في عدولك عنها، وهل يعد مشروعك الأخير نسخًا لما قبله؟

        أنا إنسان متعلم، أتعلم من التجارب التي أمر بها، كما استفيد  ومن تلاميذي ومن أصحابي، وأتعلم من كل ما يصادفني في الحياة، أتعلم بنوع من الانفتاح تعلمته منذ الصغر من كتاب الله، فعلاقتي بكتاب الله هي أول علاقة أقمتها مع كتاب، هذه العلاقة بكتاب الله أخذت أشكالًا مختلفة، الشكل الأول: حينما كنت طفلًا يأخذه أهله إلى الكُتَّاب ليتعلم القرآن الكريم؛ عالمه كله يدور حول من يعلّمونه كتاب الله، فمنهم من يعلمك حفظًا ويريد منك أن تحفظ النص ولا شيء غير ذلك، ومنهم من يلفت نظرك مع تعليمك النص إلى بعض مضامينه كالصلاة والصيام؛ حين يمر بالآيات الخاصة بهما، هذه العلاقة بقيت، وتطورت، وتحولت بعد ذلك إلى نوع من الوعي زرعه في نفسي شيخي الأول في المدرسة الدينيّة؛ حينما كان يشعرني أن كل العلوم والمعارف التي ندرسها عليه (مما سُمي بعلوم المقاصد وعلوم الوسائل في المدارس التقليديّة التي كانت ملحقة بالمساجد في بلادنا)، هذه المعارف كلها لخدمة القرآن وهدفها الرئيسي مساعدة الناس في فهم معانيه، فالتفسير هو تأويل لآيات القرآن وبيان معانيها، والتوحيد أو العقيدة هو بيان للعقيدة التي جاء القرآن بها، وهي: الإيمان وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وعلوم الحديث هي أيضًا لولا تأصيل القرآن لطاعة النبي وضرورة اتباعه واتخاذه أسوةً لما وُجدت هذه العلوم. وأما علم الفقه والأصول؛ فالقرآن جاء هاديًا وجاء ليأخذ بيد الإنسان إلى النور وإلى التفسير الأحسن لكل ما يصادف هذا الإنسان في الحياة؛ وبذلك كله ترسخت القناعات بهذا الكتاب الكريم وأنه هو كتاب الاستخلاف وكتاب الهداية ومنبع كل حكمة وخير. ومنذ ذلك الحين بدأت أطرح التساؤلات على نفسي: لماذا إذن تغير حال المسلمين وذهبوا بعيدًا عن هذا الكتاب؟ فالمزايا التي يجري الحديث عنها في كتاب الله، لا نراها في حال المسلمين وواقعهم، ولا نراها في سلوكيّاتهم، فكيف حدث هذا الفصام؟ ولم حدث؟ وما أهم أسباب هجر المسلمين للقرآن المجيد وانشغالهم بغيره؟

        قادتني هذه الأسئلة إلى نوع من التفكير في الماضي، هذه العلوم كلها موجودة، ومع ذلك لم تستطع أن تحول بين المسلمين وبين هجران كتاب الله، هذا التساؤل يأتي لأيّ إنسان يطلع أو يؤمن بما في القرآن المجيد وبتحديه وبإعجازه، وبتفوقه على كل كتاب على وجه الأرض، لا بد أن يسأل الإنسان نفسه لماذا أخذت أحوال المسلمين هذا المنحى السيئ وذهبت بهم إلى ذلك الدرك الهابط؟ وبعد أن انتهيت من هذه المرحلة التي طرحت فيها هذه الأسئلة، عملت بالإمامة والخطابة ببغداد، فما زادني ذلك إلا وعيًا وارتباطًا بالسؤال الأول، لكن كيف نستطيع أن نجد العلاقة بين القرآن وبين الأمة كالعلاقة التي أوجدها الرسول بين هذا الكتاب وبين الأمة في جيل التلقي؟

 واضح أن الناس قد انصرفوا عن الكتاب الكريم بالرغم من كثرة، وحتى هذه العلوم النقلية التي تأسست في البداية لتكون في خدمته، لكنّ الحق أنّ معظمها في مسائلها الجزئية والتفصيلية لم تعد في خدمة القرآن، إن لم تصبح عبئًا عليه. وحين نأتي إلى كثير من القضايا الفقهية فسنجد أنّ الفقيه قد اتخذ من آيات القرآن شواهد، ولم يتخذها مصدرًا منشئًا للحكم، فهو ينشئ الحكم في موقع ولأسباب يراها ثم يستشهد له بآية قرآنية، هذا اتجاه اكتشفته وأنا أدرس الفقه والأصول؛ ولذلك وجدت علاقة الأصوليين “علماء أصول الفقه” و علماء أصول الدين أو علماء الكلام ضعيفة جدًا بكتاب الله، كما وجدت أيضًا أنّ الفقهاء لم يختلفوا كثيرا في هذا الصدد، فهم كذلك يتخذون الآية شاهدًا يُستشهد بها لتقوية موقف هذا الفقيه أو ذاك، وفرق كبير بين أن تتخذ الآية دليلًا ينشئ الحكم ويوجده ويكشف عنه، وبين أن تتخذها مجرد شاهد، هنا طُرح التساؤل بإلحاح فقد كنا ندرس في أصول الفقه بكلية الشريعة والقانون في الأزهر أي كتاب من كتب أصول الفقه؛ فنجد مسائل عديدة: ليس لها في القرآن أصل مثلا تجد بحثًا في مسألة تكليف ما لا يطاق، ويناقش هنا الأصوليون فيما بينهم هل يجوز التكليف بما لا يطاق؟، فيقال هذا جائز عقلًا وواقع شرعًا؛ قد نحتمل هنا أن يقال هذا جائز عقلًا، أما أن يكون واقعًا شرعًا فهذا يخالف القرآن الكريم تمامًا، فالقرآن يقول ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا..﴾ (البقرة:286)، فأن ندرس ونضيع أوقاتًا نفيسة في “هل يجوز التكليف بما لا يطاق؟” ثم نقول نعم يجوز. وكذلك أن نناقش قضية أن الله خاطب أبا لهب بالإيمان لكنه يعلم أنه لن يؤمن، هذه نقاشات شديدة الغرابة وفيها إضاعة لأوقات ما ينبغي أن تضيع في هذه!! وهذا كله دليل على هجران كتاب الله واستبداله باتباع مذاهب الفلاسفة والمتكلمين، ولذلك فإنّ الفخر الرازي -رحمه الله- في أواخر أيامه أعلن توبته عن هذه المعارف وقال: “ولقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما وجدت فيها شيئًا يماثل القرآن”، و حينما انتقلت بعد مناقشة رسالتي للدكتوراة في مصر، إلى المملكة السعودية للعمل في كلية الشريعة بجامعة محمد بن سعود الإسلامية في الرياض كلفت بتدريس فقه وأصول الحنابلة، و الفقه الحنبلي وأصول الحنابلة تختلف عن أصول الشافعية والحنفيّة التي درستها فيما مضى. ولم تكن تحتل موقعًا مهمًا في دراساتي الأصوليّة، فقد درست في الأزهر على المذهب الشافعي، ولم أكن قد اقتربت من الحنابلة بعد، فوجدت أنه لا بدّ من دراسة فقه وأصول الحنابلة، فقمت بقراءة أهم كتب الفقه الحنبلي وأصوله، وحين أقبلت عليها، ظننت أنني مقبل على دراسة فقه وأصول مؤسسة على الحديث، فإذا ذُكر الإمام أحمد ذُكر الحديث كما هو معروف؛ وقد قال الطبري في ذلك قولًا ودفع ثمنًا باهظًا على  مقولته تلك: “الإمام أحمد محدث وليس بفقيه”، لكني لم أجد في المذهب الحنبلي ما كنت أتوقعه من الاعتماد على الحديث النبوي، و لم أجد ما كنت أتوقعه بأنّه لا يوجد حديث صحيح كما قال الشافعي وأحمد وغيرهم إلا وله في القرآن أصل، لأن النبي كلف بتلاوة القرآن وتعليم الناس إياه، وهذا التعليم هو الذي يشكل السنة، إذن: يجب أن يكون لها أصل في القرآن، وقد لفت نظري هذا، ولم أجد في البحوث الحنبلية ما يخرج عما ألفته من مباحث الجمهور في مسائل الأصول، ولم أجدهم يختلفون إلا في القليل النادر. وبعد ذلك أتيحت لي فرصة الإطلاع على المذهب المالكي، والإمامي الجعفري، والمذهب الزيدي، لكني ما وجدت عند أحدٍ منهم العناية اللازمة بالقرآن المجيد، فمثلًا في نقاشهم حول تكليف الكفار بفروع الشريعة، وأن أبا لهب خوطب بالإيمان لكن الله يعلم أنه لن يؤمن، هذا كله منحى جبري يؤسس للجبر، والقرآن المجيد لا يسمح لنا أن نفهم هذا، لكنّه يقول: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (يس:7)، إذن فهناك قول وهذا القول له مجال أن يحق، وهناك مجال حرية الاختيار لا يمسه هذا، ولا يلغيه.

 إن علم الله بأن فلانًا سيكون كذا، لا يعني أنه إذا لم يحق عليه القول فسوف يجبر عليه، فعلم الله لا يجبر الإنسان، يعلم الله أن فلانًا سيعصي أو سيصلي، سيطيعه أو يعصيه، لكن هل علمه (جل شأنه) لوحده مجردًا سوف يجعل هذا الإنسان يعصي حتمًا أو يطيع حتمًا؟!، القرآن يقول لا؛ يقول “لقد حق القول”، وكأن القول يقف منتظرًا أنت تصدقه أو لا يحق عليك، فأنت عندك حرية الاختيار، لكن الفقهاء شرحوا الأمر بطريقة يفهم منها الجبر، وانتهاء الاختيار الإنساني، ولو أن القرآن هو الحكم لن ندخل في مثل هذه المناقشات ولن تشغل الناس ولن تتحول إلى إشكاليات في حياتهم، لكن للأسف هذا ما وجدناه.

وبالعودة إلى حياتي الفكرية، حين كنت في السعودية كانت المملكة تستقطب أهم العقول في العالم الإسلامي إلى جامعاتها، فكنا نلتقي بأساتذة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وكنا نستغل الفراغ باللقاء والنقاش، وبعد 10 سنوات من العمل ومخالطة العلماء، قررت مع بعض الأساتذة الآخرون أن نقوم بواجبنا العلمي وقمنا بعد ذلك بتأسيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فمن خلال هذه المداولات قررنا أن نحقق طموحنا الخاص بعد ذلك  بخدمة الأمة، فقررنا بعد المداولات أن نُنشئ مؤسسة تعمل على بلورة القضايا الفكرية الأساسية، وتنصرف لقضية الفكر لا لقضية السياسة، فكانت عندنا قناعة أن السياسة بطبيعتها تتعامل مع الممكن والواقع، وستظل مرتبطة بالواقع والممكن، أما نحن فعندنا طموح أن نقارن بدراسات متعمقة بين عصر النبوة وعصرنا هذا، وأن نعرف لما حدث هجر القرآن؟

أنا أرجع للقرآن الكريم فيقول لي: بأن من سبقونا من أهل الكتب نسوا ما ذُكروا به، حيث طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، فحدثت الفجوة بينهم وبين كتبهم، إذن دعونا نعمل على الجانب الفكري، وقد شخصنا في حينها أن أزمة الأمة هي أزمة فكرية، وتجنبنا تشخيص الأزمة بأنها أزمة سياسيّة، أو أزمة عقدية، لأن الكلام في العقيدة سيجعلنا جزءًا من سيحصر الاهتمام بقضايا التيار السلفي الذي تنسب إليه تتصدره _في نظر الناس_ الوهابية، بالتالي فقد قررنا الوقوف على الثغرة الفكرية، وأخذ منا هذا الأمر من الجهود والبحث الكثير، وكان هدفنا ومجال نشاطنا هو إعادة بناء العقل المسلم (منهجيته ومعارفه)؛ على اعتبار أن الشخصية الإنسانية بطبيعتها تتألف من نفس وعقل، النفس تربيها الفنون، فلا تستطيع أن تربي شخصية متوازنة في ظل فنون هابطة، لأن الناتج سيكون نفسيات قلقة، فلا بد هنا من العناية بالفنون والآداب وتصحيح مسارها لكي نتمكن من إعادة التوازن للنفس المسلمة، أما العقلية ففيها التجارب والخبرات والدراسات التي تنضج الإنسان وقدرته على معالجة الإشكاليات، إذن رأينا أنه لا بد من العمل والمرابطة على هذا الثغر، وقد رابطنا عليه إلى ما شاء الله من عام 1980 إلى الآن، والحمد لله صادفنا نجاحًا محدودًا؛ فاستطعنا أن نؤثر بعض التأثير في بعض الأفكار، الآن لو كان عندنا مقاييس دقيقة لحالة الفكر في العالم الإسلامي قبل مرحلة عملنا والآن فنرى كيف كان مشغولًا ومهمومًا بالمقاربات مع الفكر الغربي، أمّا الآن فقد تغيرت الاهتمامات ونحن الآن ننظر إلى الفكر الغربي نظرة أخرى، ونحاول أن نستفيد من كل ما هو مطروح، ولا نميز بين الأفكار بحسب العروق والأصول، ولكن بحسب المنهج والنموذج، وسنرى أننا بحمد الله أحدثنا بعض التأثير، ووصلنا إلى جعل جامعات كثيرة استحدثت أقسامًا دراسية تراجع الأبحاث وفقًا لمعطيات وخطوات مشروعنا الذي سميناه أولًا “أسلمة المعرفة”، وأثّرنا في أشخاص ومؤسسات وأفكار، وغيّرنا بشكل محدود تقريبا في أجندة المفكرين المسلمين، أما بالنسبة لي فكنت أعلم منذ البداية أنّ هناك مراحل، وأنّ المرحلة التي ندخل إليها بعد أن تجاوزنا النجاح الأول هي مرحلة البحث عن تعميق لذلك النجاح، فلا بد أن أن يتحول الأمر إلى برامج دراسية وأن يدخل الجامعات، ولا ينبغي أن تكون حكرًا على ما يسمى بالجامعات الإسلامية، وكانت رؤيتنا هي تغيير نموذج الجامعة الموجودة في العالم الإسلامي ليحاكي أقرانه في العالم كله، فالجامعة في الغرب هي جزء من المجتمع، ومن تياراته، وقائمة على خدمته، أما هنا؛ فجامعاتنا مهتمة بتخريج كَتَبَة وموظَّفين، هذا هو تأثيرها الأساسي ، فحين وصلت هذه المرحلة، وبلغتها وجدت أنه إذا كان هناك شيء لا بد وأن نعمق الوعي به فهو كتاب الله، وأحب كتيبًا اطلعت عليه لأبي شامة المقدسي وهو من علماء القرن السادس الهجري، حيث كتب رحمه الله “الرد إلى الأمر الأول”، وهو يدعو في هذه الرسالة للرد إلى القرآن الكريم، فكل محاولات الإصلاح والتجديد التي أتيحت لي فرصة دراستها في تاريخنا الإسلامي؛ كانت دائما ترجع إلى القرآن وتنطلق منه، ثم تأتي إلى السنة باعتبارها تطبيقات وبيانًا فعليًا لآيات القرآن الكريم.

كانت الأسئلة التي طرحت ولزمت الإجابة عنها هي: لماذا هجر المسلمون الكتاب؟ وكيف هجروه؟ ولماذا تبنَّوا التقليل من دور القرآن المجيد (لا بقصد معلن وإنما بالنتيجة)؟ فقد أبرزوا الحديث والسنن والأخبار والآثار وأكثروا فيها وهذا أمر كان الرسول يأباه وينهى عنه، ولم يقر سوى أفراد معدودين على عدم محو ما كتبوه من سنته لأسباب معينة، وفي حدود سنن معينة يحتاجونها للإجابة على أحكام معينة، ثم انشغلوا بالأصول والفقه عن الكتاب والسُنّة معًا.

إذن لا بد من كسر حاجز الهجر بين القرآن والأمة، لكن حاجز الهجر قد بُني بعناية، فقد رويت أحاديث وأخبار وآثار كثيرة جدًا؛ تحذر الناس من أن يخطئوا بأي فهم للقرآن فتحول ذلك إلى خوف من الاقتراب من أيّة محاولة للتفسير والفهم، في حين أن الله يلح علينا من أجل قراءة القرآن ويقول ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (القمر:22) ، ورغم إعلان كل هذا التيسير، لكن جاء من يقول أنّ القرآن صعب جدًا، فدعونا نبعد عنه، ثم زعموا ثانيًا: أنّه مجمل – ويريدون بالمجمل المبهم-، وأنّ القرآن حمال للأوجه، وأنّ النصوص متناهية والوقائع غير متناهية، وانتقلوا من تلك الحجج ليقولوا إن السنن أوسع وأرحب. فبعد أن انتهى تقريبا جيل التلقي؛ انصرف الناس إلى السنة وجمعها وتبويبها واستمر ذلك إلى القرن الرابع أو الخامس الهجري حتى انتهوا من جمع أدواتهم، وحاولوا أن ينشروا إحساسًا لدى الناس، بأنه ما دمت تقرأ في السنة؛ فالقرآن مضمن فيها، إذن دعك تنهل من مصدر واحد، وبعد فترة حين بدأ الفقهاء في تأسيس فقههم، إذا بهم يتركون السنن إلى أصول وفقه الفقهاء، وقالوا لا يوجد إمام أو فقيه إلا استند إلى القرآن والسنة، فإذن أقواله تشتمل على الاثنين، فتركوا بعد ذلك القرآن والسنة وانشغلوا بفقه الفقهاء وأصولهم، وبعد فترة قالوا ليس كل أحد يستطيع أن يشتغل بالفقه، فإذن تتكون نخبة واحدة تذهب إلى دراسة الفقه والأصول والاجتهاد وهذا كاف، وللأمّة أن تقلد، ولما سألناهم عن التقليد؛ قالوا التقليد: “هو قبول رأي الغير بلا حجة”، وقولهم: هذا أيضًا مخالفٌ للقرآن فالقرآن يقول ﴿ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ ..﴾ (الأنعام:148) ويقول أيضًا: ﴿ ..قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (النمل:64) ، فالقرآن علمنا إن كنت مدعيًا شيئا فعليك بالدليل وإن كنت راويًا لشيء فلا بد من إثبات صحته بالأساليب العلمية المتعددة.

المستنتج من هذا كله أن ما حدث كان هجرًا ممنهجًا له قواعده، ونتج عنه تفكك العلاقة بين الأمة وبين كتابها، فقد أباحوا التقليد ثم أوجبوه وفرضوه، ودخلت السياسة في مداخل كثيرة بعد ذلك فزادت الطين بلة، وتحولت هذه الأمور إلى أيديولوجيا في مجالات مختلفة، وانتهى الأمر بالأمة بأن نادت بمنع الاجتهاد وما سماه ابن الصلاح وغيره “غلق باب الإجتهاد”؛ لكي لا يلج منه المفسدون، وتكرس الاتجاه القائل بأن الأمة يكفيها تقليد الأئمة الأربعة بالنسبة للسنة، أما الشيعة فقد فضلوا المجتهد الحي لكي يجدد اجتهاد من سبقه، والحقيقة أن تقليد الحي عند الشيعة ليس لمعنى الحياة، وإنما لأن هناك أخماسًا وحقوقًا مالية يجب أن تُدفع لمن تقلد، وبالتالي لا بد أن يكون عندك مرجع حيُّ تقلده وتدفع له، هذا الذي جعلني في هذه المرحلة بعد المرور بكل تلك التجارب أن أنصرف إلى الكتاب الكريم، لأرى الصوارف التي صرفت الأمة عنه قديمًا وحديثًا ، وأعرف لما هجره الناس؟، وقد اكتشفت أن كثيرًا من الإشكاليات والقضايا الفقهية لا وجود لها في الكتاب، ولا أصل لها بالتالي في السنة، وقد تجد لها في السنة أصلًا لكن فيه مقالا ينبغي مناقشته وتوثيقه وهكذا.

لقد فهمت أن واجب النخبة هو الكفاح من أجل بناء الوعي على أهمية الرد إلى الأمر الأول، أو التجديد بالقرآن الكريم، فإذا استخرجنا المحددات الأساسية للقرآن الكريم وكشفنا عن منهجه لتجديد التراث، وجدنا منهجه دقيقًا جدًا، وأنا أتساءل: أفلا يحق لهذا القرآن الذي منحه الله صلاحية الهيمنة على ما سبقه من كتب، أن تكون له صلاحية مراجعة تراثنا كله الذي أسسناه في البداية لكي نفهم القرآن؟ إذن لا بد من مراجعة التراث على نور القرآن، وهذه المراجعة لا تقوم على نفي السنن، فالسنة هي التطبيق وفيها النموذج ولا يمكن إهمالها ولا تجاهل دورها، ولكن يجب أن يصدق القرآن عليها ويهيمن، فلا بد من أن تُجمع إلى القرآن وتُقرأ في نور هدايته ويصحح عليها ويستدرك، كما كانت في حياة الرسول الكريم، فحينما كان الرسول يقول شيئا مّا أو يعمل على خلاف ما في القرآن دون قصد، يأتي القرآن ليصحح له ويستدرك عليه، فالمشروع الذي أعمل فيه الآن، ولا أحب أن أصرف من حياتي دقيقة خارجه هو مشروع “محاولة العمل على إعادة ورد المسلمين إلى القرآن”، وإعادة القرآن إلى “مركز الدائرة في تفكير الإنسان المسلم”، وبدون ذلك لا أعتقد أن أيّ مشروع إصلاحيّ يمكن أن ينجح إذا لم يعتمد على القرآن.        

– تحدثتم في مشروعكم عن توليد فكر محدّد لغايات الإسلام ومقاصده المنسجمة مع كلياته ورغباته، في تصورك هل يمكن لفرد أو لجماعة أو لمدرسة فكرية ما أن تفرض تصورًا واحدًا لمقاصد الإسلام وغاياته؟ وإلى أي حد يمكن لتصور معين عن غايات الإسلام ومقاصده أن يظل ثابتًا؟

        بفضل الله تكويني الأصولي في أصول الفقه التقليدية جعلني قادرًا على نقد كثير من قضاياه، فهذا العلم عبر  هضمي له ودراستي المتعمقة فيه، وتدريسي له عبر 40 عامًا، أعطاني نوعًا من الوعي بالمنهج، هذا المنهج قد لا يكون كامل المعالم، لكنه يتألف من مجموعة محددات من شأنها أن تقوم بدور المنهج في مجالات المعرفة، فإذا كان للمنهج العلمي خواصه وحقيقته التي تجعله قادرًا على الإنتاج في المجال العلمي، فأستطيع القول بأن محددات القرآن المنهجية الموجودة في داخله تستطيع أن تمدني، وتمد أي باحث مماثل بمجموعة محددات من شأنها أن تؤصل لمنهج، قد لا يكون هذا المنهج متكاملًا 100% كما نقول بالنسبة للمنهج العلمي، لكنها محددات مستبطنة من القرآن وهي مفتوحة، يضيف إليها من شاء متى يشاء، فقط عليه تقديم الدليل.

الذي قمت به هو استقراء لآيات القرآن الكريم مع المنهج الذي ذكرته مع وعيي بالمحددات المنهجية من وحدة القرآن البنائية، إلى الجمع بين القراءتين، ووعيي بتميز لسان القرآن على اللسان العربي بمزايا كثيرة، كل هذا جعلني استقرأ القرآن الكريم لأعثر على القيم التي سميتها “القيم القرآنية العليا” أو “المقاصد القرآنية العليا”، ثم إنني لا أفرض شيئًا، بل اقترح.

هل هذه المقاصد التي حددتها مقاصد مطلقة؟ أم أنها متعلقة بالقارئ أكثر من كونها متعلقة بالنص؟

لا، هي مطلقة، مأخوذة من النص وعلاقتها بالقارئ محدودة، وقد اكتشف مثلا الإمام الشافعي أشياء كثيرة متعلقة بالقرآن، وكذلك أحمد، ومختلف العلماء عبر القرون، والقرآن لا تنقضي عجائبه، وهو كريم يعطي من يقصده، فإذا كنت أقول لك إنّ المحدد المنهجي الأول في القرآن هو التوحيد، وأردت أن تختبر صحة ما أقول، ستجد أن (81) سورة من القرآن تركز على التوحيد، فلا يمكن أن يغفل باحث عن أنّ التوحيد دعامة أساسية، ولا يمكن التفريط بها، ولا يمكن أن يجد فيه ما يصطدم بهذه الدعامة، كأن يفتح الباب للشرك، أو يتجاهل تجليات التوحيد في مجالات الحياة، فيقول مثلا أنّ المال لأصحاب رؤوس الأموال أو للعمال أو الفلاحين، نقول: قف؛ فالمال هو مال الله وأنت مستخلف فيه، وهذا ما سيحدد لك وظيفتك ووظيفة المال في وقت واحد، فيُعتبر التوحيد إذن هو أول دعامة في “المقاصد القرآنية العليا الحاكمة” وهو يحكم على ما عداه، فأي شيء أجد فيه شركًا أو ما يؤدي إلى الشرك فسوف أرفضه. كثير من الناس يتحدثون عن التصوير ويتساءلون هل التصوير حرام أو حلال، وترى فتاوى عجيبة؛ هذا يقول الفوتوغرافيا حلال أمّا التجسيد فحرام، لكن بالنسبة لي المهم أن أرى ما علاقة هذا بالتوحيد، فأجد أن التصوير حينما لا يكون للعبادة لا أقول بتحريمه، لكن في الوقت نفسه أرى أن هناك من الزعماء من يضع صورته على العملة، ومن يضع صورته في المكاتب الرسمية كلها، هنا أسأل ما دلالات هذا؟ هذا الذي يضع صورته على عملة بلاده أيريد أن يقول للناس أنا مصدر رزقكم؟ فإذا سألتني حينها سأقول لك هذا النوع من التصوير حرام إذا ارتبط بهذا المعنى!!، ليس لأنك ستعبده، لكن لأنه يريد أن يؤكد لك أنه مصدر رزقك، وأنه هو مصدر السلطات؛ هنا نقول إن هذا ينافي التوحيد.

        أنا صبرت وتدبرت آيات القرآن الكريم ووصلت إلى أنّ التوحيد دعامة أساسية، وبعد “التوحيد تأتي التزكية”، فإذا كان التوحيد حق الله على الإنسان، فمن حق الإنسان وواجبه تجاه نفسه أن يتزكى بمقتضى التوحيد؛ ليكون علاقة مع الغير، ثم يأتي بعد ذلك “العمران”؛ وهو حق الكون علينا، وهذه المقاصد الثلاثة ستكشف لنا عن جدلية وتفاعل تقوم بين الله والإنسان والكون المسخر، فالله هو الخالق المُستخلِف، والإنسان هو المخلوق المُستخلَف، والكون هو المُسخَر وهو ميدان الفعل، وبقي أن نضيف إلى هذا كله أمرين:

الأول : أن هذه المقاصد العليا الحاكمة لكي تتحقق على أفضل وجه، تحتاج إلى أمَّة؛ أي جماعة من الناس وليس فردًا ، فدائمًا تأتي الاكتشافات الأساسية والكبيرة من أفراد، ولكنّها عند الانجاز تكون في الحقيقة إنجاز  أمة، وهنا يتضح الأمر الثاني وهو الاحتياج إلى دعامة خامسة: وهي من يبشر بتلك المقاصد، ويبني الوعي عليها، بالتالي أصبح عندنا خماسية، هي: “التوحيد، والتزكية، والعمران، والأمة، والدعوة”، ومجموع هذه يشكل مقياسًا من الضوابط تمهد لظهور منهج متكامل، يستنبط منها ويستكمل لكي نعيد به قراءة وكتابة تراثنا، حينما أضع مثلا الأسئلة المطلوبة المستندة إلى تلك الضوابط وأذهب إلى كتاب الفقه وأراجعه وفق هذه المنظومة، سوف أجد كثيرًا من القضايا بالأخص الجزئيّة؛ تستحق أن تراجع وأن يتم تصحيحها، لأنها أخضعت لمقاييس وتصورات وبراديغم(نموذج معرفيّ) أخرى، وبهذا الشكل أصدق على التراث، لأن تراث الأمم ليس ألعوبة بأيدي أفراد ولا جماعات، ولا يمكن حذف فترة من التاريخ ولكن تجب مراجعتها ونقدها، فما فعلته أوروبا بما عرف” بالقطيعة المعرفية”، نحن لا نستطيع أن نفعله؛ فنحن أمة منضبطة بضوابط الكتاب، والتجديد عندنا مرتبط بضوابط الكتاب، والتغيير لا يكون إلا بمرجعية الكتاب.

-من مرتكزات تحقيق مشروع سيادتكم “التربية والثقافة وتنمية الذوق العام” بمعنى بناء الجانب الإنساني والاجتماعي للفرد، فما مكان الحرية الفردية في هذا التصور، خصوصًا في ضوء التخوفات الدائمة من كلمة “عام”، وأنها تمهد دومًا لشمولية ما فالباحثون يحمِّلُون “جان جاك روسو” المسئولية عن قيام الأنظمة الشمولية بسبب نظريته عن الإرادة العامة؟

“الحرية” عندنا قيمة محفوظة كالعدل والمساواة، ولكنها أيضا قيمة مقيّدة غير مطلقة، فالقيم المطلقة هي القيم التي سبق أن ذكرتها باسم “القيم القرآنية العليا الحاكمة”، أما “الحرية” فهي قيمة عليا أيضًا، وتدخل في الإطار المنهجي، لكنها محكومة بقول النبي: (مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا)، فحينما أكون فردًا في مجتمع ستتقيد حريتي بضوابط لا بد منها، وهي ضوابط توصل المجتمع إليها لحماية نفسه ومقدراته، إذن الحرية مقيدة بثقافة السفينة، فأي مجتمع تنتمي إليه تجد نفسك في سفينة، وهذا ليس تصورًا شموليًا، فأنا إذا جئت بشجرة إلى طريق سفر سريع، وحفرت في وسط الطريق لكي أزرعها، هل لي ادعاء هذه الحرية؟! بالطبع لا، وهل تكون إذا عارضت هذا وقلت ليس من حقك أن تفعل ذلك هل تكون قد أسأت إلى الحرية، بالطبع أيضًا لا إنما أنت تسئ لأن ذلك إساءة إلى الحرية لو قيدت حرية الفرد في التعبير عن نفسه، لكن ليس بمنعه من حرية السب والقذف مثلا بكل تأكيد هل يدل ذلك على رفض للحرية أو إساءة إليها؟

أنا لا أخشى “الشمولية” ولكن أخشى الإساءة إلى القيم نتيجة طرح الذرائع، فكلمة الشمولية هذه صارت ذريعة من الذرائع للقول بأننا لا نريد أن نقيد الحرية بضوابط؛ حتى لا نقع في الشمولية، أنت بذلك ” تجعل من الحرية وثنًا، وهذا أيضا نجده في الممارسات الجنسية، فمعروف أن الشذوذ الجنسي مدمر للحضارة، لأنه يهدد بانتهاء للأسرة وزوال النوع، فالمسألة هنا ليست مسألة حرية وإنما مسألة خيار  بين بناء حضارة، أو تدمير الكون، فإذا كنت تريد تدمير الكون؛ إذن أبح الشذوذ الجنسي، والآن  نرى أن الولايات المتحدة الأمريكية قد اضطرت إلى إباحة الزواج المثلي، وأول من سيتضرر من ذلك هو الأسرة الأمريكية. ما أقصده إذن هو معارضتي لمن يمسك سيفًا يسميه الشمولية؛ كذريعة لعدم تقييد الحرية، وأنا هنا لا أقول: تخل عن حريتك في التعبير أو في اختيار دينك، لكن لا تشوش على الآخرين وتطالبهم بأن يقتدوا بك، هذا فعل آخر، إذن فأنا لا أخشى الشمولية ولا أرغب بإطلاق مفاهيم قيمية من شأنها أن تؤدي إلى اضطراب المجتمع.

سؤال الراهن في الإعلام الغربي بعد أحداث تشارلي إيبدو هو هل يمكن للإسلام أن يتعايش مع الحداثة؟ أم أن الأمر كما قال المفكر الراحل علي عزت بيجوفيتش “المسلم إما أن يغير العالم أو يستسلم هو إلى التغيير”؟

مقولة المرحوم علي عزت وما شابهها هي التي حرضت الغرب علينا؛ فجعلته يقول: أنا من سأغيرك فأنا الأقوى، وسأفرض عليك منابع فكرك، لذلك نحن نريد استبدال مقولة بيجوفيتش لمقولة : “إذا كنت ترى الآخر  مريضًا فإما أن تعالجه أو ينتقل إليك دائه؛ فعلينا أن نرفع هذا الشعار دائمًا: ﴿..إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ ..(هود:88) .

للأسف نحن نستعمل أحيانا مفاهيم أسسها غيرنا دون أن نفهم، فهناك فرق بين “التغيير  وبين الإصلاح”، نحن نريد الإصلاح ما استطعنا، ففي الفكر الغربي يوجد الكثير من الأشياء التي تعجبني ومن المفيد أن نقتبسها منهم، وبيننا وبينهم مشتركات كثيرة، والاختلافات محدودة جدا، فيمكن أن نناقش هذا المختلف فيه؛ لكي نوسع دائرة المتفق عليه، هذا هو منطلق الإصلاح، أما منطلق التغيير الثوري فإنّه يعني أن نقول: أطرح تراثك كله هذا وخذ شيئا آخر نحن أعددناه لك، ولا ينبغي أن نطالب الآخر بإلقاء تراثه وحضارته وفلسفته وما عاش عليه، من أجل أن نلبسه نحن لباسنا، وإنما علينا أن نركز على ما هو مشترك بين البشر.

-حضرتك كعالم دين ومفكِّر مسلم ذو آراء تجديدية وتنويرية، هل تُفضِّل أن تتبنى الدولة الرؤى التنويرية في الدين وتحميها، أم تريد من الدولة أن تقف على الحياد من كل التأويلات الدينية ولا تتدخل؟ وكيف ترى عمومًا جدلية الدولة والدين في عالمنا الإسلامي؟

أنا أفضل أن تهتم الدولة بشئون الدنيا التي وجدت من أجلها، فعليها أن تركز على مهامها الأساسية، وفي نفس الوقت سيكون عند هذه الدولة نظم وقوانين، وأنا أريد أن أرى على هذه النظم والقوانين بصمة القيم القرآنية العليا، وليست القيم التفصيلية، فأنا لا أدخل في التفاصيل، أنا لا أقول للحاكم تبنّى هذا المذهب بعينه وطبقه وإلا فأنا خصمك، وإنما أقول له أنا كأكثرية؛ أنت تقول لها دائما إنّ برنامجك قائم على الديمقراطية والحريات المختلفة: “لا تهمل قيمي إذن وأنت تمارس قيادتي”، فأنت أيها الحاكم تريد أن تدفع عجلة التنمية، والتنمية خصمها الأساسي هو الفساد، وهو ببساطة “انعدام وجود للتزكية”، إذن حين أقول لك إن خير من استأجرت القوي الأمين، فأعمل على إيجاد الأقوياء الأمناء لكي يتولوا مسئوليات خططك التنموية، ثم أقول لك : هل في ذلك ضرر على أحد ؟، لا تقل: لا؛ هذا لا يضرني لكني أريد شيئًا آخر، لأن نتيجة جوابك هذا ستتمثل في فشل خطط تنميتك وسنخسر جميعًا بسببك.

 أنا –كأكثرية-أقول للدولة أنا عندي ضوابط عليا وحاكمة عليك وعليّ أن تحترمها؛ لكي تحقق ما تريد، فأنا أقرأ في صلاتي “قد أفلح من تزكى”، وأنا أعرف أن الكون والطبيعة سخرهم لي الله، إذن هناك ترابط عميق، لكن هل يقتضي هذا الترابط أن يسيطر المتدينون على السلطة، بالطبع لا؛ فنحن لدينا قيم محدودة جدًا تستطيع الدولة أن تستوعبها وتعمل بمقتضاها، وهي صالحة، وهي من مشتركات الفكر الإنساني العام، فلا يوجد إنسان يقول: “أنا لا أقبل التزكية أو العمران”! إذن أنا لا أطلب من السلطة شيئًا صعبًا، أنا أعطيها قيمًا عليا تستخدمها، وتُضمنها في قواعدها الدستورية إن شاءت، وتجعلها ميزانًا تزن فيه الأمور، أو بعض ذلك الميزان. ولن أقيدها بمذهب إنساني عادي، فلها أن تتقيد بما يناسبها عبر تصورها لخبراتها واحتياجاتها، ونحن بهذا لا نقيد حرية أحد، ولا نتحكم في أحد باسم الدين، ولا نريد التسلط على أحد ﴿ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴾ (الغاشية:22). 

-هل تحاول الدولة وأجهزتها الأيديولوجية في العالم الإسلامي أن تفرض خطابًا دينيًا معينًا على المجتمع يلاءم مصالحها؟ وهل هذا هو السبب في نفور الكثير من المتدينين من أي خطاب ديني مستنير، لأنهم يرون فيه امتدادًا لمشروع الدولة في فرض نسخة معينة من الإسلام بالقوة؟

هذا صحيح؛ وعلينا معرفة أن الدين ليس هو من يفرض القيود على الآخرين، وإنما الدين هو المُقيَد في ظل الأنظمة القائمة، فهو مقيد بفرض طريقة معينة في فهمه متلائمة مع فهم الدولة له، ويكون السؤال هنا؛ من الذي أعطى الدولة حق احتكار فهم الدين؟!

 كل ما يحدث هو صراع حول السلطة، أما نحن فلا نصارعُ أحدًا على السلطة، فمن انتخبه الناس سنرحب به حاكمًا، وسيحكمني لكني سأقول له شريعتك تلك تستمد من أناس يعلون شأن القيم القرآنية، ويؤمنون بها، فخذها في نظر الاعتبار حين تشرع القوانين، وتتخذ الإجراءات، وأنا لا أفرضها عليك أيضًا، فلك أن تحاول مثلا إقناع الناس بقواعد وقيم مختلفة؛ هنا نرجع إلى قاعدة ﴿..فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ .. ﴾، لكن أن تتحكم بهذه الجماعة على خلاف قيمها ومعتقداتها وتقول إذا لم تخضع وتخنع وتستجيب لتصوري عن الدين فأنت إرهابي، هذا هو الذي يصادر حرية التعبير وليس الدين.

كتبت فضيلتك مؤخرًا مقالتين عن “الوحدة العربية” كان لهما صدًى كبيرًا وأثاروا نقاشًا واسعًا ولقوا إعجابًا من أصحاب الميول القومية تحديدًا، السؤال هنا لماذا اخترت التبشير والدعوة للوحدة العربية ولم تبشر وتنادي بوحدة أشمل تضم العالم الإسلامي بأسره؟

أنا رجل عملي، وحياتي علمتني التفريق بين العمل والمثل، فأنا أعرف أنك إن وضعت أمام المسلمين شعارًا فضفاضًا؛ لن يطبقوه ولن يتّبنوه، فلو تحدثت عن وحدة إسلامية؛ سيغرق المسلمون في بحار من النقاش والجدل، سيخرج واحد منهم ليقول: ولم نتحد مع الإيرانيين الذين احتلوا جزرنا مثلًا؟ ويخرج آخر ليقول لماذا نتحد مع الأتراك مثلًا؟ وأنا لا أريد أن أدخل في مثل هذا النقاش، أنا أقول لك ببساطة أنت مصري؛ وكل عام يزداد عدد سكانك مليون نسمة، ولنتصور مثلًا أن وفياتك تصل إلى نصف مليون، وأنت عدد سكانك الآن 95 مليون نسمة، وأنت لم تستخرج بعد من أرضك المعادن النفيسة التي تكفل لك دخلًا كافيًا وإنسانيًا، إذن أنت تحتاج أن تنسق مع جيرانك لتعم الفائدة عليك وعليهم، وأنا قد شاهدت في شبابي كيف خسرت مصر السودان وخسرت السودان مصر وقت الانفصال، يا ترى لو أن مصر والسودان أدركوا ضرورة وحدتهم آنذاك هل كان من الممكن أن يفرط فيها “الضباط الأحرار”؟ وماذا لو كتب لهذه الوحدة أن تستمر؟ كنا بدلًا من البحث عن أراضي لنستصلحها، سنجد ملايين الأفدنة الخصبة المنتظرة للزراعة، الجاهزة للإنبات.

لنقل مثلا: أن مصر والسودان هما دولتان فقيرتان، لكن بجوارهما ليبيا الغنية، التي لا تتمتع بارتفاع في تعداد السكان، وأراضيها شاسعة، تستطيع أن تستوعب 50 مليون مصري، فأنا أمنيتي أن نبدأ بدايات صغيرة ومعقولة ومنطقية وعمليّة، أن تتحد ليبيا ومصر والسودان وتندمج في دولة واحدة، وكذلك العراق مع الأردن، ولبنان وسوريا والأردن، ومجلس التعاون الخليجي يتطور ليصير “كونفدرالية”، وكذلك الدول المغاربية.

علينا تفهم حقيقة أنّ الدول العربية كلها لا تملك واحدة منهم مقومات الدولة، وكل دولة منهم تحتاج إلى غيرها.

ظهر في المقالتين أنك تدعو إلى إطار  وحدوي بمضمون ليبرالي، اتضح ذلك في تركيزك على عبارات مثل “تيسير التملك” و “تيسير تنقل المال”، كما أنك ضربت المثل في دعوتك بتوحيد ألمانيا؛ وهو أيضًا نموذج لانتصار الليبرالية على المعسكر الشرقي آنذاك؟ فهل فعلًا كان المقصود أنك تطالب بقومية ذات مضمون ليبرالي؟

لا، أنا أضرب المثال بالواقع، وأنا لا يهمني في هذا المثال الليبرالية ولا غيرها، أنا أركز  هنا على الدرس المستفاد؛ وهو كيف كان الألماني الغربي يتمتع بحس عالٍ بألمانيته، فقد قبل أن يضحي بنصف دخله ليضم الشرقي معه، أما في عالمنا العربي حين طُرح على العراق بعد عام 1958 فكرة الوحدة مع مصر وسوريا؛ كان الشيوعيون العراقيون يقولوا آنذاك إنّ عبد الناصر سيضع البلح في جيبه الأيمن والبترول في جيبه الأيسر، كان من الممكن للألماني الغربي أن يطرح مثل هذا الطرح ويقول ماذا سأستفيد من الوحدة معك أيها الألمانيّ الشرقي المفلس، لكنه لم يقل هذا وقبل أن يضحي.

أنت إذا سألت الناس في الخليج وقلت لهم ما رأيكم أن تتحدوا مع اليمن وتدخلوها مجلس التعاون الخليجي؛ للأسف سيقال لك : “مثلنا كمثل أربع أشخاص يجلسون على مائدة فاخرة فلماذا يأتون بشخص خامس يأكل معهم فلا يشبعوا؟”. بالطبع هذه رؤية قاصرة أنت لن تقوم جوعان ولا شيء، بل أنت الآن وأنت ترفض أن تجلسه معك؛ ستهدد بأن تفقد المائدة بأسرها. بالتالي ما ننادي به هو أن نأخذ الدرس المستفاد من قصة ألمانيا، وليس الأمر هنا هو الترويج لليبرالية أو غيرها. إنّني أهدف إلى إعادة بناء المشاعر الوحدويّة في وجدان الأمّة وشبابها خاصّة. 

-إذا تحدثنا عن القومية فنحن مضطرون أن ننتقل إلى مفهوم الأمة؛ وهو مفهوم مركزي في مشروعك، فما هو تعريف الأمة عند حضرتكم، وما هي حدودها بوصفها جماعة متخيلة؟

أنا أفهم الأمة فهمًا قرآنيًا، والقرآن ذكر هذا المفهوم مرات عديدة، وفي كلها هي جماعة من الناس تجمعها رؤية كلية مشتركة، وإيمان يؤدي إلى هذه الرؤية، وهو إيمان بالله وملائكته ورسله، ويأتي بعد ذلك اللغة والثقافة؛ حيث يجمع بينها القرآن الكريم بلغته وبما يعطيه من أفكار وثقافة وتأليف بين الناس، بالإضافة إلى المقومات الأخرى المشتركة. كل هذا هو ما أنظر إليه وأنا أقول كلمة أمة، وهذه الأمة يفترض فيها ألا تكون مركزية مثل الولايات المتحدة الأمريكية أو روسيا؛ فهذه الأمة ليس عندها هاجس أن تكون مركزًا يدور حوله الجميع ويستسلم لعملته وقراراته، إنما بحسب تعريف الدكتور منى أبو الفضل رحمها الله “أمتنا هي الأمة القطب”، بمعنى أنها ليست مشغولة بإيجاد مركزية لنفسها وإنما تكون مشغولة بتقديم نفسها قطبًا ونموذجًا، وهذا ينسجم مع الاتجاه القرآني ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ..﴾(آل عمران:110) ، فأنا أتمنى من أمتي أن تكون هي النموذج الذي يقتدي الناس به، وأن تقوم بواجب الشهادة التي عينها الله لها، بمعنى الحضور في كل مشاكل العالم، ليس الحضور بمعنى الحضور بصفة المركز الذي يريد أن يهيمن على من حوله، لكن بصفة الشاهد الذي لا يريد أن تغيب عنه الأحداث، فأينما وجدت أحداث تنسجم مع القيم التي ذكرناها يدعمها ويؤيدها، وأينما وجد ما يناقضها يحاول أن يحجمها بقدر ما يستطيع؛ بالحكمة والحوار، وهذا هو حوار الحضارات.

أنت تقول هنا أن أمتنا لا تبحث عن أن تكون مركزًا، لكنك تعرب دومًا عن تفاؤلك  بقدرة الأمة على صناعة الأفكار المعاصرة، وحل مشكلة الأمة والبشرية بأسرها وإنقاذها من المعاناة، أفلا يعد تصور إنقاذ أمة بعينها للبشرية بأسرها تصورًا مثاليًا وطوباويًا إلى حد بعيد؟ وألا يعد هذا رغبة في أن تكون مركزًا للعالم؟

هنا سأضرب المثال بالنموذج الأمريكي، وهذا النموذج كل ما يعاب عليه هو مركزيته وتآمره، ربما لو أن إسرائيل غير موجودة في الصورة لن تكون صورة الولايات المتحدة بهذه البشاعة، لذلك فإنّ موقف أمريكا من إسرائيل هو ما يسبب لنا المشكلة الكبرى في نموذجها، ولو لم يكن هذا موقفها كنا سنراها بشكل أفضل، فهي الكيان الذي تلجأ إليه العديد من الأمم للتخلص من مشاكلها، فحين أراد العراقيون التخلص من صدام لم يستطيعوا فعل ذلك إلا بتدخل الولايات المتحدة، والآن لو استفتيت العراقيين على جعل العراق ولاية أمريكية لا أظن غالبيّتهم العظمى  يرفضون ذلك!!

-ننتقل الآن إلى محور آخر وهو الجدل حول تجديد الخطاب الديني، حديث الساعة الآن في مصر هو “الهجوم على صحيح البخاري” من قبل إعلاميين كإبراهيم عيسى وإسلام البحيري”، مع العلم أن البعض ممن كانت لهم آراء جريئة في صحيح البخاري رفضوا الهجوم الجديد هذا، واعتبروا أنه أخذ منحًى أيديولوجيًا أكثر من كونه منحًى علميًا، كيف ترى حضرتك هذا الجدل الدائر الآن حول الهجوم على صحيح البخاري؟

هذا الجدل أنا أسميه جدل الهدم، فكثير من قضايا التراث تحتاج ولا شك إلى تفكيك، لكن لا بد أن يكون لدى من يقوم بالتفكيك قدرة على التركيب بعد ذلك، حتى لا يترك الناس في سيولة، فقواد الحملة الإعلامية هؤلاء – ولا أريد تسمية أحد بعينه- يعرفون التفكيك لكن لا يستطيعون التركيب، هم يدعون إلى إلقاء التراث في البحر، وهذا كلام لا يليق بإنسان متعلم أن يقوله على أي نوع من أنواع العلم، حتى لو كان علمًا متعلقًا بالسحر أو الشعوذة، فما بالك بأن تصدم الأمة في شخصيات لها موضع تقدير تاريخي، أنا أقول لهم احترموا 10 قرون أو أكثر من التقدير للبخاري؛ عاش عليه آباؤك وأجدادك، انقد البخاري كما تشاء علميًا، “الدار قطني” سبق وأن فعل ذلك وأخرج من البخاري (120) حديث استشكل عليهما، وفي مقدمة فتح الباري مجلد كامل يدافع فيه ابن حجر عن البخاري ويرد كثيرًا من اعتراضات “الدار قطني” ويحاول أن يصلح له استدراكات “الدار قطني” عليه، و في بعض الأحاديث قال: إنه لم يستطع أن يرد فيها على الاستدراكات. أنت حين تنقد مثل هذا النقد لن يعترض عليك أحد، فأنا أنقد مثلا عدة أحاديث في الصحيح، لكن أحترم البخاري وأجله لأنه قام بخدمة جليلة، فقد حاول البخاري أن يعلم الفقهاء فقهًا جديدًا، وهو فقيه أكثر من كونه محدثًا، فقد كان يبوب كتابه بحسب أبواب الفقه، فكأنه يقول للفقهاء: “استهدوا بالحديث”، وبهذا كان يحاول إصلاح وتجديد الجانب الفقهي بجعل الحديث ليس مجرد شاهدًا وبل منبع استنباط، فما الخطأ في هذا؟ إن كنت ترى أنه أخطأ في عدة أحاديث؛ فادرس أولًا علم الحديث وتعلم كيف تنقد مثل بقية النقاد، وتفضل؛ فالبخاري عرف برجاله في كتابين: التاريخ الكبير، والتاريخ الصغير، ارجع للكتابين وابدأ في التحليل، أما أن يكون الهجوم بهذا الشكل فهذا لا يليق، وهذه طريقة عمل صحفيين وليست طريقة عمل محدث أو عالم، هم يستندون إلى مقولات غوغائية يثيرون بها الجمهور، ويريدون أن يجيشوهم لصالح سلطة فكريّة خاصة وبطريق الهدم والتفكيك خاصة.

-كثير من الشباب بعدما وجدوا أن الثورات العربية فشلت في تحقيق أحلامهم وذواتهم وجدوا أن طريق التصوف هو أفضل طريق لاحتضان هزائمهم، كيف ترى هذا الخيار من بعض الشباب في ضوء هجوم فضيلتكم السابق على أئمة التصوف باعتبارهم تحايلوا على فكرة ختم النبوة بحديثهم عن الولاية؟

الحقيقة أن الشباب مساكين، فقد ابتلوا بنظم تعليمية لم تؤسسهم معرفيًا بشكل جيد فلجئوا إلى الجماعات ليستكملوا نواقصهم الثقافية، فالجماعات لم تعلمهم إلا أشياء انتقائية معينة، فارتسمت في أذهانهم أمثلة عديدة وفجأة وجدوا أنفسهم أمام تحدي ” هدم المثل والنموذج”، فعانوا من انعدام التوازن، وما يصاحبه من اضطرابات، خصوصًا أن منهجية هدم المثل سارت بطريقة “هدم المثل لا إلى بدل” وهذا حين يحدث مع أعمار معينة لم تؤسس معرفيًا تكون نتائجه وخيمة للغاية.

هنا ينبغي أن أقول للشاب أنت ظلمت وهذه المثل التي هدمت لك، هي أمثلة جيدة لكن يلزمها تعديلات طفيفة، ولو سلكت معه هذا المسلك ستحافظ على توازنه. أمّا أن تتروى وتعتزل فتلك خسارة لك ولأمتك فلا تيأس.   

– بعد انتفاضات الربيع العربي برزت على السطح منظمات “نسوية” كثيرة اجتذبت عددًا كبيرًا من الشباب (إناثًا وذكورًا)، كيف ترى فضيلتكم الأفكار التي تطرحها التيارات النسوية؟ وإلى أي حد قد تتعارض أو تتفق تلك الأفكار مع منظور حضرتكم لغايات الإسلام وأهدافه؟

لا نستطيع التعميم هنا، يوجد اتجاهات نسوية تأثرت بالاتجاهات النسوية في الغرب، والاتجاهات النسوية هي اتجاهات واسعة وكبيرة ومتعددة المدارس، والتراث المتعلق بالأسرة ليس من السهل تطويعه، لأن الشيء المركزي في الليبرالية هو الفردية، فالإنسان الفرد هو محور الكون، أما عندنا فالوحدة الصغرى ليس الفرد ولكنّها الأسرة؛ فالنساء شقائق الرجال، فعندنا الرجل نصف والمرأة نصف، لا بد أن يجتمعا لكي يحدث التكامل، وتوجد الوحدة الصغرى إذن: هناك اختلاف في المنطلقات وفي تعيين الوحدة الصغرى، فالمفترض حينما نؤسس للنسوية الإسلامية أن ننطلق من الأسرة ولا من الفرد، فلو انطلقت من الأسرة سترى أنَّ كثيرًا من الأسئلة التي تطرحها المرأة الغربية أو مقلدتها الشرقيّة ستنهار ولن تحتاج إلى جواب. هذا لا ينفي وجود مشكلات كثيرة وكبيرة في هذه المجالات تحتاج إلى دراسات عميقة لإيجاد الحلول لها.

-أمور السحر والشعوذة والمس من الأمور المستحوذة على اهتمام وسائل الإعلام واهتمام المشاهدين أيضًا، وقد أجريت برامج حازت على نسبة مشاهدة وتصديق كبيرة ظهر فيها شيوخ يعالجون أناسًا مصابين بالمس، في ضوء مشروعك الذي ينكر وجود أية قوة خارقة لكائنات غيبية كالجن تسيطر على الإنسان، كيف ترى حضرتك ذلك المد الإيماني بتأثير قوى خارقة على الإنسان، وكيف ترى رعاية وسائل الإعلام لهذا المد؟

نحن نواجه الآن استشراقًا إسرائيليًا وهو أخطر أنواع الإستشراق، لأن الإستشراق الغربي إذا جمعت جهوده كلها ووضعتها في كفة ووضعت الإستشراق الإسرائيلي المعاصر في كفة سترجح الكفة الإسرائيليّة، فقد دَرَسَنا الإستشراق الإسرائيلي دراسة غنية جدا، ففي حين اعتمد الغرب على الأنثروبولوجيا في دراستنا وبناء خططه لغزونا، اعتمد الإستشراق الإسرائيلي على ما هو أشمل وأدق، حيث درس القرآن والسنة والتاريخ والشخصيات الإسلامية القديمة والحديثة المؤثرة في الوجدان الإسلامي، وعرفوا كل المؤثرات الفكرية في عالمنا بدقة، ومن ثم فهم يسوقون لإعلامنا أجندة رسمت بعناية شديدة، فالتصوف لا يثقون به لأنّ الصوفيّ الحقيقيّ مهما كان عنده من إشكاليات –في نظرهم-؛ لكنّهم يمكن حلها ببساطة عبر الحوار. أما المخرف الدجال فهذا صاحب مشروع يشتمل على مصالح مالية وحيل وجنس، فعدوك يحرص أن يسوق لك مثل هذا الأمر في الظروف التي تفقد فيها توازنك، ولا تجد فيها أجوبة على أسئلتك، وهنا يقفز لك الدجال ويقول لك أنا عندي الإجابة، وعندي الحلول فيقودك ضعفك وفقدانك توازنك إلى تصديقه والأخذ بقوله فتضيع.

إنّ َمسألة دخول الجن بالإنس هي مسألة أشاعها بنو إسرائيل في المدينة، فكلما نزلت آية من القرآن على الرسول الكريم؛ حاولوا أن يقدموا مجموعة من الشائعات تحرف مسار معناها، وكل ما نعاني منه في هذا الصدد إلى الآن هو تأثير من الثقافة الإسرائيلية.

حين تتابع الآن سترى تحالفًا عجيبًا بين رجال الأعمال المتحكمين في وسائل الإعلام، فمحطة تأتي لك بإسلام البحيري ومن شابهه بناقد هدّام وتطلق لسانه ويديه في الأمّة وتراثها، وقد تطلق ساقيه كذلك ، ومحطة أخرى تأتي لك بدجال ومشعوذ، ومحطة ثالثة تتحدث عن ظهور العذراء وما شابه، والسلفيون للأسف الشديد عندهم أيضًا مشكلتان في هذا الصدد؛ مشكلة متعلقة بحديث في البخاري يقول: “بأن الرسول قد سحر” وهو حديث قد كذبه ، وبالنسبة لهذا الحديث فقد كذبه ابن حزم وآخرون، والقرآن قال لرسول الله ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ أن الله قد عصم الرسول من الناس، لكن يهود و صهاينة الماضي هم من صاغوا هذا الحديث المكذوب لكي يقولوا أنَّهم أقوى من الله ورسوله، وأنا أقول لمن يصدقون في السحر إن َّ هذا أمر قد انتهى منذ عهد سليمان وكلل القصص التي تحاك حوله هي هراء وافتراء قولوا لسحرتكم أن يسحروني لو استطاعوا. أما المشكلة الأخرى عند السلفيين فمتعلق بما قاله ابن تيمية رحمه الله في رسائله الكبرى؛ حيث قال “وكان لنا جني يحبنا ونحبه”! ويجوز أن هذا الكلام قد دس عليه.

 لكن الناس قد قوى إيمانهم وتصدق في هذه الخرافات لأنهم منهارون وفاقدون للتوازن، وأنا قد عرفت بنفسي السبب في شيوع إدعاء دخول الجن في الإنس بالريف؛ حيث يكون السبب حالات زنا تريد المتورطة فيها أن تتخلص من الاتهام وعواقبه فتدعي أنها مركوبة تعرضت لاختراق مخلوق من الجن لها وأن الجني هو من تسبب في فض بكارتها انتهاك حرمتها والسيطرة عليها.

أنا أقول إنّ التوحيد قد حررنا من كل هذا الدجل، ولا يمكن أن يؤثر عليك سوى ربك وحده، وأنت في أفعالك بعد ذلك مخيّر.

– انتشرت ظاهرة الإلحاد في العالم العربي وصارت إحدى القضايا المركزية لدى وسائل الإعلام وكذلك المؤسسات الإسلامية الرسمية، حضرتك كرجل دين، كيف ترى ظاهرة الإلحاد، هل تراها ظاهرة يجب أن تحاصر أم أنها حرية فردية لا يحق لأحد أن يتدخل بها ويحاول توجيه مسارها؟

الإلحاد نجم عن انهيار المثل، حاشاك لو أن أباك نهاك عن التدخين علمك ألا تدخن، وفي يوم من الأيام اكتشفت أنه هو نفسه يدخن، وأنه ساقط في وحل الخطايا، كيف سيكون حالك إذن؟ ستكفر بالأبوة، وسترفض كل شيء، وستذهب إلى أقصى نقطة متطرفة في عكس ما كنت تفعله وتقتنع به من قبل، وهذا هو ما حدث، فقد حُطمت الأمثال والنماذج أمام الشباب، بعد أن عاشوا طويلا يقدسونها، فماذا تنتظر منهم؟ وهذا مع العلم أننا نعيش في عالم صار قرية واحدة، فحين جاءت الصحوة الدينية في منطقتنا جاءت في نفس الوقت الذي ظهرت به صحوة دينية على مستوى العالم كله، فقد جاءت تلك الصحوة ارتدادًا لموجة عالميّة موجة، ووجدت أرضية خصبة تتبناها، فظهرت الصحوة وسميّت في بلداننا “بالصحوة الإسلاميّة” وقد كانت عالميّة.

ثم بدأ الالحاد يستعيد مواقعه في كثير من أنحاء الأرض، وأصاب بلداننا من هذه الموجة شيء لظروف وأسباب لا مجال لتفصيلها في هذه العجالة. ونحن بحاجة إلى نحسن تعليم أبنائنا العقيدة السليمة البسيطة كما جاءت في القرآن، وتربيتهم على الأخلاق والسلوك الحسن وتحسين ظروف شعوبنا واخراجها من حالة التبعيّة والتقليد، فتلك هي الضمانات للقضاء على حالة التذبذب والقلق.

 والآن هو وقت موجة الإلحاد على مستوى العالم أيضًا، إنها موجة إلحاد عالمية شاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *