Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

حوار بين الشيخ عبد الجبار الرفاعي والدكتور طه جابر العلواني قضايا إسلامية معاصرة

 مجلة (قضايا إسلامية معاصرة)

14 رمضان، 1423 /    18 تشرين الثاني،2002          

 

السؤال الأول:

 ما هي الأصول المنهجية لفقه التعارف التي يمكن أن نستوحيها من القرآن الكريم وما هي مرتكزات ثقافة التعايش مع الآخر الداخلي وأساليب التفاهم والحوار مع الآخر المختلف التي يشي بها النص القرآني؟

قبل كل شئ أود أن أشير إلى أن هذا السؤال يثار اليوم في ظل هيمنة الحضارة الغربية بمرتكزاتها الفكرية والأيديولوجية على مختلف التجارب البشرية المعاصرة القائمة على تراث قد مضى أو القائمة على فكر معاصر مفارق لها. ولقد كان من أهم ما حدث في ظل هيمنة المركزية الغربية أن أتيح لحضارتها وثقافتها أن تقوما بعملية تداخل مع الثقافات والحضارات الأخرى إن لم نقل القيام بعملية اختراق. فهذا التداخل أو الاختراق قد أدى شيئاً فشيئاً إلى تأثر كل تلك الثقافات والحضارات بما أفرزته هذه المركزية الغربية. فإذا عرفنا أن المركزية الغربية مركزية وضعية بشرية بدأت بمفارقة اللاهوت، وإحداث  قطيعة معرفية معه كما فعلت مع الميتافيزيقا أو العقل الميتافيزيقي وبذلك انتهت إلى وضعية بشرية أفرزت مجموعة من المفاهيم التي قامت عليها فكرة “الحداثة”. والحداثة بدورها قد فككت سائر المسلمات القبلية المتعلقة بالكون والإنسان، وظلت تفكك في ذلك كله حتى انتهت إلى هذه الليبرالية التي فرضتها على العالم كله بشكل أو بآخر. ولم تتوقف رغم ذلك عن التفكيك، حتى بلغت مرحلة تفكيك الذات الإنسانية نفسها في إطار مبادئ ومفاهيم أفرزتها تلك الحضارة نفسها عبر تطورها وبناءً على فهمها وتصورها لمبادئ التحول والنسبية الاحتمالية والصيرورة. وذلك ما أدى إلى ما يعرف بـ “ما بعد الحداثة” لتظهر الأقوال التي لا تخفى على أحد اليوم نتيجة ذلك التفكيك المستمر في الكون، وفي الإنسان، وفي الطبيعة، وفي الدين، وفي التاريخ، وتفكيك تلك المسلمات كلها، ثم بدأت بتفكيك الذات. وقد أدى ذلك إلى تفكيك القيم العليا، ومنظوماتها المتدرجة التي جاءت بها الأديان وارتقت إليها الفلسفات المختلفة سواء أكانت قيماً متعلقة أو منبثقة من الدين، أو من الفلسفة الأخلاقية العامة، أو قيم الأسرة، أو قيم المجتمعات التقليدية، أو قيم المجتمعات الحديثة حيث قامت لتجعل كل شيء سائلا. وقد نبذت الذات الفردية الليبرالية سائر القيم المنبثقة من خارج الإنسان واعتبرتها مسلمات تقليدية وقامت بتفكيكها جميعاً. وبدأت هذا الليبرالية الإنسانية الوضعية المعاصرة تقوم بعمليات نقد بلغت درجة الهدم لسائر المفاهيم التي تأسست عليها الحضارات والثقافات الأخرى ومنها المفاهيم الإسلامية بالذات؛ بل إن نظرة “ما بعد الحداثة” ترى أن المفاهيم الإسلامية خاصة تشكل عقبة كبيرة تقف بشكل صلب أمام محاولاتها الأخيرة لتفكيك ما قد يكون بقي من المسلمات الإنسانية. فالإسلام فيه شريعة وعقيدة ونظام للمعاملات وتنظيم مدني، وفيه فلسفة أخلاقية وتنظيم أخلاقي كذلك، وفيه نظام متكامل للعلاقات متدرج ومنسجم مع الفطرة الإنسانية قبل ظهور الآثار السلبية للحداثة وما بعد الحداثة. وقد بدأ هذا النسق الحضاري الإسلامي نسق لا يسهل تفكيكه كما سهل على هذه المركزية الغربية تفكيك سائر المسلمات الأخرى.

فالنسق الحضاري الغربي الذي أفرز مفاهيم “الحداثة وما بعد الحداثة” وجد معارضة كبيرة ومقاومة وتعارضاً وتناقضاًَ واختلافاً مع نسقنا الحضاري الإسلامي. وأرجو أن لا يفهم من ذلك أننا بوصفنا مسلمين وبكون بلداننا إسلامية جغرافياً ومجتمعاتنا لا تزال تحافظ على بعض الأشكال الإسلامية لم نتداخل مع تلك المركزية الغربية ولم نتأثر بها في السلب أو الإيجاب. فلا شك أن هناك تأثر قد حدث، ولكن تراثنا الفقهي والتشريعي وثبات العقيدة عندنا أصبح ذلك يشكل نوعاً من التحدي الذي يحول دون سيطرة هذه المركزية سيطرة تامة على العالم الإسلامي كله. فإذا أدركنا أن موقع الأمة المسلمة الجغرافي موقع في غاية الخطورة والأهمية بالنسبة لأي نظر استراتيجي فهو عقدة مواصلات بين الشرق والغرب لا تزال ذات أهمية كبيرة رغم كل التقدم العلمي في عالم الاتصالات والمواصلات. كما أن هناك الموارد الطبيعية التي تحتاجها  المركزية الغربية مهما بلغت في غناها، ومهما بلغت سيطرتها على الأجزاء الأخرى فإنها في ذلك كله لا تستطيع أن تتجاهل نطاقنا الجغرافي ومجتمعاتنا الممتدة المنتشرة في ما بين الأطلسي والخليج، وبين ما سماه مالك ابن نبي بمحور طنجة – جاكارتا. إن لهذه المنطقة أهمية خاصة، وبقاء شيء من المسلمات العقيدية والتشريعية والأخلاقية والدينية أمر يعرقل مسيرة أفكار هذه المركزية، ويتقاطع مع رغباتها في تحقيق أهداف ما يعرف الآن بـ “العولمة”.

إن سؤال التعددية يطرح علينا في هذه الظروف والتحديات، لذلك فإن سؤالكم -في نظري- له ارتباط بالقرآن المجيد وحده، ومن هنا فإنه يشكل أهمية خاصة، وينبئ عن وعي بحقيقة الموقف الذي نحن فيه. فنحن نواجه اليوم عمليات تصنيف تستهدف عزلنا ومحاصرتنا، وتطلق علينا أسماء مختلفة من  هذه المركزية الغربية. فمن قبل منا مبادئ تلك المركزية وسلّم بها، فإنه يصنف في دائرة التحضر والتمدن والتنوير، ومن يرفض فإنه ينعت بالسلفي أو بالأصولي وربما الإرهابي، والمقارب يمكن أن ينعت بالإصلاحي أو العصراني أو العصري. ولكن مهما كانت المسلمات فإن هناك إشارة إلى أن أمتنا قد تداخلت مع مسلمات هذه الحضارة وتأثرت بها بدليل شيوع ذات المصطلحات المتداولة في الغرب في مجتمعاتنا وتراشقنا بها بين حين وآخر. فهناك السلفي والماضوي والأصولي والإصلاحي والرجعي والتقدمي والمتنور والقابع في الظلام والجامد الخ. وهذه التصنيفات ما كانت لتحدث لولا ذلك التداخل. ففي الفترات التي سبقت هذا التداخل مع هذا النسق المركزي كانت المرجعية دائماً للمصادر الإسلامية، وفي مقدمتها كتاب الله جل شأنه وبيانه وتطبيقاته من السنة النبوية، وبذلك كان المسلمون قادرين على حسم الخلافات الناشئة، وقادرين على عملية التأصيل لما يريدون التأصيل له من المستجدات. أما اليوم فلم تعد المرجعية داخلية، بل أصبحت المرجعية مختلطة فمن تمسك أو تشبث بمرجعية القرآن الكريم وبيانه في السنة النبوية المطهرة فهو ماضوي أو سلفي، خاصة إذا كان ذلك قد جرى بالرجوع إلى تلك المصادر بفهم لغوي وتصور سكوني، وصار الذي يتشبث بفقه الفقهاء واجتهادات المجتهدين الذين مضوا يصنف –أيضا- في هذا الإطار، ويمكن أن تطلق عليه بعض الألقاب. وفي مقابل ذلك فإن الذي يحاول أن يتمسك أو يتبنى الوارد من تلك المركزية فهو إصلاحي وعصري وتنويري إلى غير ذلك، مع أن غالبية المسلمين -بمن فيهم بعض أهل الفكر- إذا رجعوا للقرآن فإنهم يرجعون إليه لا ليستفتوه، بل يرجعون إليه ليستشهدوا ببعض آياته على مواقف تمّ تبنيها بشكل أو بمنهج مغاير أو مفارق -وهو الذي نوه إليه الشاطبي في أساليب التعامل مع القرآن ففرق بين رجوع الاستظهار، ورجوع الافتقار- فتصبح النصوص القرآنية موظفة لا للاستنباط منها، ولا لاستفتائها، ولا لبناء تصورات عليها أو بمقتضاها، ولا للخروج بهداية وتفسير لما يحدث من خلالها، ولكن لتصبح مجرد شواهد على ما يختاره الناس من فكر غربي، أو فكر ناجم عن عقلانية، أو أمر إنساني وضعي إلى غير ذلك. من هنا يصبح سؤالكم -كما أشرت- دقيقاً وينبئ عن فهم ووعي بالظرف الذي يثار فيه.

أما مسألة الأديان والثقافات والتعايش بينها، وكيف أصل القرآن لذلك. فإن القرآن العظيم نبه البشرية وفسر لها قبل كل شئ اختلافها في الألوان واللغات والمواقف والآراء، وبالتالي في الأديان والثقافات، ونبه إلى أن ذلك كله جزء من متطلبات الاجتماع البشري ومتطلبات العمران. فلو أن الناس كانوا أمة واحدة ونسخة واحدة لما وقع تفاعل وجدل ولا حدث عمران. فلا بد من ذلك التفاعل، ولابد من وجود الجدل، ولذلك خلق الله سبحانه وتعالى كل شيء في هذا الكون. فهناك الذكر وهناك الأنثى وهناك الفاعل والمنفعل وذلك شامل للشجر والمدر والجدر وتكوين العناصر المختلفة من ماء وهواء وما سواهما وكذلك الناس. فالوحدانية أمر ينحصر بالله -جل شأنه. فهو وحده الأحد الصمد الذي لا يقبل الانقسام ولا الانشطار ولا يحتاج إلى الزوجية والتعددية. أما البشر، والكون، والشجر، والحجر، والماء فذلك كله يحتاج حاجة ماسة وملحة إلى ذلك النظام العجيب؛ نظام الزوجية الذي لولاه ما حد  ث جدل ولما حدث تفاعل ولا توليد ولم تظهر سائر تلك الأمور التي هي أجزاء الطبيعة التي لا يمكن للكون أن يقوم على غيرها. ولذلك كان نظام السنن الكونية التي وضعها الله سبحانه وتعالى نظاماً ثابتاً. ﴿…فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ﴾(فاطر:43). لكن ذلك الجدل والتفاعل بين البشر خاصة إذا أمكن ضبطه وإخضاعه لنوع من القواعد والقيم يصبح جدلاً إيجابياً وتفاعلاً مولداً ومنتجاً لا يستغنى عنه. وهذه الضوابط هي أن يدرك أن الاختلاف بين البشر لا ينبغي أن نخطئ فيه فننظر إلى أنه اختلاف أفضلية لعرق على عرق، أو لون على لون، أو نسب على نسب، أو حسب على حسب، بل هذا الاختلاف إنما هو اختلاف غائي جعل الله سبحانه وتعالى غايته أن يهيئ للتعارف والتبادل والتداخل والتفاعل والجدل الذي يقوم عليه نظام الحياة. وقد يحدث أن يتناسى الإنسان ذلك –أحيانا- لأي سبب من الأسباب ولأية حكمة من الحكم، فيعلي عرقاً على عرق، أو لوناً على لون، أو نحلة على نحلة، أو مذهباً على مذهب، ولذلك كان أخطر أنواع الإعلاء هو ذلك الذي يقام على أسس يدعي أنها دينية، وما هي بدينية. وهنا أود أن أشير إلى ما ورد في السؤال من التنبيه على “مرتكزات ثقافة التعايش مع الآخر الداخلي”، وهنا –أيضاً- أود أثني على حسن الاختيار. فالمصطلح الشائع والمتداول في الوقت الحاضر هو مصطلح “ثقافة التعدد” وليس “ثقافة التعايش”، وهو مصطلح وهمي يمثل جزءاً من شبكات المفاهيم والمصطلحات التي تقذفنا بها الآكاديميا ووسائل الإعلام الغربية الفاعلة في الساحة الإنسانية كلها. هذا المصطلح مصطلح مُسيَّس مؤدلج  لا يحمل أية قيمة تحليلية، بل هو من تلك المصطلحات التي تعمل على إيجاد وتكوين وهم لموضوع ثقافي مطلق اسمه “ثقافة التعدد”. وذلك لإحكام الحصار على جوانب ثقافية أخرى يمكن أن تسمى بثقافة التوحد أو التفرد أو الواحدية. وبذلك يستطيع الناحتون لهذه المصطلحات من مفكري المركزية الغربية أن يكرسوا شرعية ثقافتهم ويهمِّشوا ثقافة الآخرين أو يحاصروها، وقد يدفعون أصحابها أنفسهم للتنصل منها أو البراءة من الانتماء إليها فضلاً عن تبنيها. لذلك فإن المسلمين قادرون إذا رجعوا إلى المصدر المنشئ –القرآن- على نحت مصطلحاتهم الخاصة بهم والتي تمثل بدائل ضرورية، كأن نقول مثلاً: “ثقافة التعاون” لأن القرآن الكريم تناول التعاون وأسس له ولثقافته، إذ أن قصارى ما يمكن لمفهوم أو مصطلح “ثقافة التعدد” أن يقدمه هو الاعتراف بأن الآخرين لهم حقوق وعليهم واجبات، وبأن لهم خصوصيات ينبغي احترامها وعدم فرض ثقافة أخرى عليهم، أو إبداء نقد أو اعتراض على تلك الخصوصيات بما في ذلك النقد الذي قد يزكيها. ولكن هذه المبادئ غير ملاحظة لدى المركزية الغربية التي تنادي بـ “ثقافة التعدد”، فإنها رغم مناداتها بذلك لم تحترم ثقافات الآخرين، ولم تحترم خصوصياتهم لا في مرحلة “الحداثة” ولا في مرحلة “ما بعد الحداثة” وفي الوقت نفسه قد تعترف بها لفظاً ولكن عند التطبيق وعند التناول الحقيقي لا نجد لهذه الأقوال صدى.

 إن المسلمين لا يرفضون مبدأ احترام خصوصيات الآخرين، بل على العكس إنهم يطالبون أنفسهم والآخرين بالوقوف مع الداعين لحماية الخصوصيات؛ خصوصيات الشعوب من لغات وتاريخ وآداب وثقافات، لا من أجل تحويلها إلى ما يشبه العوازل الخرسانية بين البشر والأمم، بل من أجل مساعدة البشر، كل البشر على إدراك إنسانيتهم المشتركة ونسبيتهم، وإيجاد حالة التعارف المؤدية إلى التآلف الذي يقود إلى التعاون على تعزيز ما عرف في الإسلام بـ “المعروف” وإضعاف ما عرف فيه أيضاً بـ “المنكر”. فـ “المعروف” ما تعرفه البشرية ويمكن أن تتعارف عليه جميعاً وتتبناه، و “المنكر” ما تنكره الفطرة وترفضه طبيعتها، ولا يمكن للناس أن يجتمعوا عليه أو أن يقيموا بنيان حياتهم على جرف هار. ومما تقدم تستطيع أن تقول: إن الأصول المنهجية لـ “فقه التعارف” التي يمكن أن نستنبطها من القرآن الكريم إنما هي الإيمان بوحدة الأصل ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى ..﴾ (الحجرات:13)  أو ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ … ﴾(النساء:1) .  فالإيمان بوحدة الأصل يعتبر دعامة أساسية من دعامات أصول منهجية التعارف.

الأمر الثاني: الإيمان بوحدة الغاية ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ (الإنشقاق:6).

الأمر الثالث: الإيمان بأن كل ما يظن أنه عناصر اختلاف أو أصول تنازع إنما هي أصول تعارف أو دوافع للتعارف أو وسائل مساعدة له.

الأمر الرابع: الإيمان بوحدة البشرية في عهدها مع الله (جل شأنه) ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ (الأعراف:172).

الأمر الخامس: الإيمان بأننا جميعاً مستخلفون في هذه الأرض مسؤولون عن تعزيز قافلة التسبيح لله (سبحانه وتعالى)﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ ﴾ (الإسراء:44). والقيام بمهام العمران، وأداء أمانة الاستخلاف، وأننا جميعاً مؤتمنون على ذلك. وأن هذه الأمانة إنما أنيطت بنا باعتبارنا جنسا بشريا تحمل الأمانة وعليه أن يقوم بأعبائها وإلاّ كان الظلوم الجهول.

الأمر الآخر أننا جميعاً مشتركون في قضية الابتلاء، مطالبون بأن نحسن العمل. والعمل هنا إذا لوحظت فيه جوانبه العامة – هو: عمران الأرض، والقيام بمهمة الأمانة والاستخلاف، والوفاء بالعهد الإلهي. فإن ذلك لا يتم إلاّ من خلال تعاون، والتعاون إنما يتوقف على التعارف فالتآلف.

هذه الأمور كلها تمثل في نظري المتواضع أصولا منهجية لـ “فقه التعارف”. وأصولا منهجية لإرساء دعائم التعاون، ومعرفة هذه الأصول وهذه القواعد تمثل مرتكزات أساسية لثقافة التعاون وليس لثقافة التعايش مع الآخر الداخلي فقط. فالتعايش أمر قد يوجد بدون النظر إلى هذه الأصول. فالتعايش أمر قد يوجد بدون النظر إلى هذه الأصول. فالتعايش يمكن أن يقوم على الإحساس بمصالح مشتركة، أو إحساس كل طرف بالحاجة إلى الآخر. ولكن التعاون وثقافة التعاون تحتاج إلى تلك الأصول المنهجية. وهنا أود أن أنبه إلى أن الإيمان بوحدة الأصل وبوحدة المصير وبالمرتكزات والأصول التي ذكرناها لا تسمح بتلك الثقافة التي ما عرفناها إلاّ من خلال هذه المركزية الغربية التي كرست ثنائية الذات والآخر. والقرآن الكريم لم يعلمنا أننا منشطرون إلى ذات وآخر، بل نحن جميعاً خلقنا من نفس واحدة، وخلق الله سبحانه وتعالى الشعوب والقبائل من هذين الأبوين، وبالتالي فما ينبغي أن يكون هناك ما يشي بثنائية يمكن أن تمهد للانقسام. بل لابد للبشرية أن يذكر بعضها بعضا على الدوام بوحدة الأصل وبوحدة المصير وبالتكافؤ التام. وأما أساليب التفاهم والحوار مع الآخر المختلف التي يشي بها النص القرآني فأيضاً لابد لنا من التحفظ على فكرة “الآخر”، فليس هناك آخر –في منظورنا الإسلامي- لا على المستوى الداخلي ولا على المستوى الخارجي، بل البشرية كلها أسرة واحدة ممتدة، ودعوة القرآن الكريم إلى الدخول في السلم كافة وقبول المسالمة من كل من ألقى السلام وأبدى الرغبة فيه تجعل مسألة التفاهم بين أبناء الأسرة الممتدة مسألة لا تمثل استحالة، بل تمثل أمراً يسيراً يحتاج إلى فهم تلك الأصول المنهجية، وفهم المهام المنوطة بالبشرية، ويحتاج –كذلك- إلى التذكير الدائم والمستمر بالتساوي بين البشر، وأن أي تعال من طرف على آخر إنما هو أمر يخدش التوحيد، فالوحدانية لله تبارك وتعالى، ولابد للبشرية أن تعمل على أن  تحقق مفهوم “الكلمة السواء” بينها، والكلمة السواء هنا التوحيد الذي  يمثل دعامة أساسية لسائر الأصول والقواعد الأخرى التي يمكن أن يُبنى عليها فقه التعاون والتعارف والتآلف، كما أن وحدة القيم المنبثقة من التوحيد ومن وحدة الخلق ومن وحدة الحقيقة تمثل ضمانة أساسية في عملية بناء قواعد التفاهم والحوار بين أبناء الأسرة الممتدة الواحدة، والله  أعلم.

 السؤال الثاني:

أما سؤالكم الثاني حول كون الاختلاف سنة ماضية في الحياة البشرية، وأن هذا الاختلاف لا ينبغي أن يؤدي إلى التنازع والتمزق الذي يفضي إلى تمزق المجتمع، وأن القرآن الكريم قد اعترف بالاختلاف ولكنه قبل التنوع والتعدد. وسؤالكم عن الإطار القرآني للتعايش رغم التنوع والاختلاف بين البشر يقوم على منطلق التوحيد، ومنطلق التوحيد يقوم على التقوى في التعامل والسلوك. ومن أهم دعائم التقوى في التعامل والسلوك العدل؛ العدل مع النفس، العدل مع القريب، العدل مع الغريب، العدل مع الجميع في الرضا والغضب، والحب والبغض ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى …﴾(المائدة:8) . هذه دعامة أساسية وإطار قرآني شامل للتعايش. الأمر الثاني لا ينفك عن الأمر الأول –وهو: وحدة القيم، وثباتها وعدم سيولتها. ووحدة القيم من شأنها أن توجد إطاراً للتعايش مع التنوع والاختلاف.

الأمر الثالث: الوحدة داخل النظم. فكلما كانت النظم متقاربة إن لم تكن موحدة كلما زالت أو تحجمت عوامل الاختلاف.

الأمر الرابع: الإيمان بأن الحقيقة مطلقة لا يستطيع أحد من البشر غير الرسل والأنبياء المعصومين إدعاء امتلاكها والإحاطة التامة بها، وحتى الرسل والأنبياء لم يدع أحد منهم امتلاك الحقيقة. والإيمان بعجز الإنسان عن امتلاك الحقيقة يوجد لدى الإنسان تواضعاً يمكّنه من أن يحترم الآخر، وأن يحترم وجهة نظره، وإذا حدث أي اختلاف في وجهات النظر فإن الجميع سوف يكونون في مستوى اجتهاد لا يؤدي إلى التنازع. لأن من أهم عوامل التنازع والاختلاف هو توهم البعض أنهم يمتلكون الحقيقة وأن غيرهم على الباطل. وقد يوجد الاختلاف في الدوافع والنوازع والدواعي، وفي تضارب المصالح، كل ذلك يوجد أنواعاً من النزاع، وهنا يأتي دور القيم الحاكمة والقيم المتفرعة عنها وضرورة مراعاة العدل: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} وضرورة أداء الأمانات إلى أهلها، وجملة المنظومة الأخلاقية المتكاملة التي نجدها في سور كثيرة في مقدمتها سورة “الحجرات” وسائر الآيات المتعلقة بالقيم: أداء الأمانات، العدل، التسوية بين البشر وربط عملية التفاضل بالتقوى لا بشيء آخر. واعتبار جميع ألوان الاختلاف إنما هي للتعاون والتأكيد على ضرورة الاعتصام الدائم بحبل الله، وضرورة النظر إلى السلم على أنه أساسي لا ينبغي التفريط به، وأهمية النظر إلى  أمن الجماعة على أنه من الضروريات الإنسانية التي لا بد من المحافظة عليها والجميع مسؤولون عن تحقيق ذلك. هذا كله يقدم إطارا لا للتعايش فقط كما أشرت، ولكن للتعارف والتآلف والتعاون إن شاء الله.

 السؤال الثالث:

سؤالكم الثالث كان حول  صحيفة المدينة أو ما أسميتموه “دستور المدينة”، وكيف جسد صيغة التعايش بين المسلمين وغيرهم وأبرز نمط اجتماع إسلامي في عصر البعثة النبوية الشريفة. وأود أن أقول هنا: إنه في فترة العهد المكي حكمت  العلاقات بين رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- والمؤمنين وبين مشركي مكة سورة “الكافرون”: {قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين}. ولكن مشركي مكة رفضوا وقالوا: لنا ديننا، وعليك وعلى أصحابك أن تلتزموا به، وتدينوا به لا بسواه، ولذلك بدأت سلسلة الاضطهادات التي استمرت حتى هجرة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ثم بدأت مرحلة غارات قريش وحروبها ضده -عليه الصلاة والسلام- حتى وهو في المدينة، وألجئ أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في العهد المكي إلى الهجرة وتحملوا الحصار في شعب أبي طالب ثلاث سنوات وهم صابرون محتسبون. فإذن كان النهج الذي يحكم علاقات الإسلامية بغير المسلمين في العهد المكي قاعدة: {لكم دينكم ولي دين} ولكن قريشا حصرت حق التدين بدينها ورفضوا من ناحيتهم ذلك، وحاولوا حمل رسول الله والمسلمين على دينهم وشركهم. أما في المدينة المنورة فرسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كان قد هاجر إليها بعد أن انتشر الإسلام بين عربها من أوس وخزرج، وحين وصل المهاجرون إلى الأنصار وانضموا إليهم أصبح ثلث أهل المدينة من المسلمين وثلثهم الآخر ممن بقي على شركه من الأوس والخزرج وبقية العرب، والثلث الثالث كانوا هم اليهود الذين كانوا قد استوطنوا المدينة المنورة قبل بعثته –صلى الله عليه وآله وسلم- بسبعة قرون انتظارا للنبي الخاتم وطمعا في أن يكون منهم. ولذلك أبرم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وبتوجيه من ربه ذلك الميثاق أو تلك الوثيقة بينه وبين مساكنيه مع علمه عليه الصلاة والسلام وعلم أصحابه المهاجرين بأنهم قد جاءوا إلى المدينة من غيرها ليساكنوا أهلها ويشاركوهم موطنهم، وأن ذلك لا يعني أن كل من كانوا في المدينة المنورة سواء أكانوا من العرب؛ مشركين ومنافقين أو من بني إسرائيل كانا مسلمين بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين معه صاروا جزءاً من المدينة لا يتجزأ حتى بعد إبرام الوثيقة لأننا وجدنا ابن سلول يقول مقالته الشنيعة المعروفة: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} ورد عليه تبارك وتعالى بما يستحقه آنذاك. فرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أبرم ذلك الميثاق أبرمه وهو يرى أن في ذلك فرصة لمن بقي على كفره من الأوس والخزرج وعرب المدينة وما حولها ليعرفوا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ويعرفوا الإسلام ويعرفوا المسلمين. وكان عليه الصلاة والسلام على ما يشبه الثقة أنهم سيدخلون في دين الله أفواجاً وأنه لن يبق أحد منهم على كفره بعد ذلك، بما في ذلك أولئك الذين عرفوا بالمنافقين الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر. وأما أهل الكتاب فإنه عليه الصلاة والسلام أراد أن يقيم معهم ما نسميه بالأرضية المشتركة لعله يصل بهم ومعهم إلى الكلمة السواء {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} ولذلك جاءت أوامر إلهية وتشريعات لتحقيق ذلك ومنها قضية القبلة التي بقي عليه الصلاة والسلام بعد حلوله في المدينة حوالي سبعة عشر شهراً يستقبل بيت المقدس قبلة للصلاة إلى أن أمر بأن يستقبل المسجد الحرام في الآية المعروفة، وأعلن نسخ آية بني إسرائيل وما جاءهم في الآية 106 من سورة البقرة ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ * أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ﴾ (البقرة:106-108) . ثم ينزل قول الله (تعالى) بعد ذلك: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة:144). من هنا فإنني لا أرى أن وثيقة المدينة أمر يمكن تكراره في المجتمعات المعاصرة، أو اتخاذه أساساً لإقامة تعايش بين أديان مختلفة في مجتمع موحد، إذ أن لتلك الوثيقة ظروفها التاريخية، كما أن لها شروطاً موضوعية يصعب ادعاء إمكان تكرارها في هذه المجتمعات المعاصرة، لكن يمكن أن نقتبس أو نستنبط منها دروساً، لا أن نتخذها صيغة قابلة للتكرار أو الإعادة في مجتمعاتنا المعاصرة لكي تمثل ما يمكن تسميته بـ “التعددية” وضبطها، فهذا أمر أتحفظ على إمكان تحقيقه في هذا المجال. فينبغي أن تكون وثيقة المدينة وثيقة مرتبطة بظروفها التاريخية، وذلك مجتمع وظرف كان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقوده وهو المعصوم وبتوجيه وتسديد وتصويب دائم مستمر من الوحي الإلهي. وبالتالي فصيغ التعايش التي يمكن أن تكون في مجتمعاتنا المعاصرة ويمكن استنباطها من الأصول المنهجية القرآنية التي أشرنا إليها في إجابتنا عن السؤال الأول وعن السؤال الثاني وما يمكن أن يستأنس به من بنود وثيقة المدينة، أو يستنبط منها ما يمكن أن يعزز تلك الأصول. ذلك لأن وثيقة المدينة لها بدايات ومآلات وهي تصرف من تصرفات رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- تخضع للمنهج القرآني أولاً وأخيراً، وينبغي أن تقرأ في إطاره، ولا ينبغي أن تقرأ منفصلة عنه كما يحدث في كثير من التصورات الجزئية التي أدت في بعض العقود السابقة إلى أن يدعى مرة أن الإسلام يتعايش مع سائر الأديان ويعترف بها كما هي، وهذا أمر لا يخلو من نظر. وهناك –الآن-  من يرى –وقد يفتي- بأن قول الله جل شأنه في سورة البقرة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ(المائدة:69) ويحملونها على يهود ونصارى وصابئي اليوم ويجعلون من هذه الآيات دليلاً على الاعتراف بأديان هؤلاء حتى لو أنكروا نبوة ورسالة محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- كلها. مثل هذه الأمور في الحقيقة لا ينبغي اجتزاؤها من سياقها وتحميلها ما لا تحتمل وإنما ضبطها والحكم عليها بالمنهج القرآني الكامل الذي يعطينا التفسير الدقيق والمعنى العميق والحقيقي لسائر هذه الأمور.

أما ما أشرتم إليه من مواقف بعض الفقهاء من تنويع بعض الإكراهات الأيديولوجية التي أدت إلى افتقار قطاعات التراث الفقهي من روح التسامح التي اتسم بها الإسلام؟ فإن مما لا شك فيه أن هناك فترات حرجة في تاريخنا لم تتسع فيها صدور بعض المتصدين لخدمة السلطان من الفقهاء لمخالفيهم. حدث ذلك في فتن كثيرة عرف بعضها في العهد الأموي، وعرف بعضها في العصر العباسي في مراحله المختلفة فكان أولئك الفقهاء –للأسف الشديد- كثيرا ما ينجرفون وراء إغراء السلطة بمحاولة تكفير مخالفيهم، والضغط عليهم واستخدام سلطة السلطان لمواجهة أفكارهم؛ سواء على المستوى الكلامي أو على المستوى الفكري الأصولي، ولعل فتنة خلق القرآن التي استمرت حوالي 18 عاما نموذج حي على ذلك، فقد اضطهد فيها العلماء الذين خالفوا قول المعتزلة اضطهادا شديدا، كذلك فإن نشأة الفرق –كلها- صاحبها اضطهاد كبير؛ فبرزت قضايا القدر والجبر والاختيار وغير ذلك من قضايا تفرقت الأمة حولها، وجل ذلك نجم عن تصور خاطئ أن في مقدور إنسان أو مدرسة فكرية أو فقهية أن تمتلك الحقيقة المطلقة، أو أن تحيط بها. ولا يخفى أن هناك مسألة أصولية معروفة هي مسألة “المصوبة والمخطئة في الاجتهاد” الذين انقسموا حول فكرة وحدة الحقيقة وتعددها، وكذلك ما حدث في فترات مختلفة من تاريخنا جرى فيها نوع من التشدد والتعصب والنزعات التكفيرية والحكم بالردة على المخالف، وحينما قررت بحث موضوع “الردة” وما ادعي بأنه حد لها أحصيت عددا لا بأس به من كبار العلماء المعروفين بالتقوى والورع، مثل الكيا الهراسي، والآمدي، والبقاعي، وابن حزم، وابن رشد وغيرهم ممن قد اتهموا بالردة، وكادوا يفقدون حياتهم تحت وطأة عقوبتها لأسباب تافهة لا تعدو أن تكون مخالفة في الرأي أو المذهب أو في بعض الأمور للسلطان وفقهاء السلطة -إن صح التعبير. واستغربت كثيرا عندما وجدت أن بعض أولئك الذين ذهبوا إلى التكفير ببعض ما لا يكفر من أمور اختلافية، والحكم بالردة لمن يجتهد في بعض الأمور ويصل إلى بعض التصورات التي يدعى أنها تخالف الإجماع، وجدت أن بعضهم يدعى نسخ قوله (تعالى): ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ..(البقرة:256) للتخلص من أي إلزام “بحرية الرأي” في هذا  المجال، هذه الآثار تركت بصمات سلبية على تلك الفترات التاريخية لا نزال نعاني منها حتى اليوم، بل وجدت لدى بعضهم نوعا من السرد لمكفرات تجاوز في عددها أو في ذكرها المألوف، وخلط بعضهم بين الكفر المخرج من الملة وغيره مما يعدّ في إطار الذنوب، حتى وجدت من يقول: “إن من لا يقول بكفر حاكم زماننا فهو كافر”، إلى غير ذلك وقد شملت قضايا التكفير والاتهامات بالتفسيق والابتداع، وجرى نوع من التراجم بهذه الاتهامات حتى وجدت من يتهم مثل الإمام الشافعي في جلالة قدره في نحو قولهم: “ما هو إلا قرشي يتشيع”. واتهم أئمة كبار بالكفر والردة لمخالفات فرعية. ثم راجعت مسألة المرتد وأحكام المرتد ووجدت أن شريعة بني إسرائيل وصفها ربنا بالتشديد وبأنها شريعة وضعت فيها بعض أحكام تندرج تحت مفاهيم الإصر والأغلال عقابا لبني إسرائيل على ما اقترفوا، في حين أن شريعتنا هي شريعة التخفيف والرحمة ووضع الإصر والأغلال التي كانت على البشرية. لكننا نجد في تلك الشريعة أن شعب إسرائيل قد ارتد ردة جماعية صريحة لا تقبل أي تأويل بأن تخلى عن عبادة الله وعبد عجلا جسدا له خوار، ورغم ذلك ربنا –جل شأنه- تاب عليهم مع أن سيدنا موسى لا يرى أن توبتهم تقبل إلا إذا قتلوا أنفسهم، فكان يقول لهم: ﴿  فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (البقرة:54) فشمل الله ذلك الشعب المرتد من غلاظ الأكباد والرقاب برحمته وتاب عليه. ونحن في شرعة التخفيف والرحمة نسرف في توزيع أحكام الارتداد والتفسيق والتبديع وإلصاقها بالمخالف ولو في أمور فرعية. لقد كان لذلك ولا شك آثار سلبية أفقدت أمتنا كثيرا من مزاياها وخصائصها، ووصمت تراثنا الفكري بسمات التشدد ونبذ التسامح. ونحن أحوج ما نكون للقيام بمراجعات لهذا الموروث الفقهي لوضع اليد على تلك الأمور التي ذهب إليها من ذهب بناء على شيوع هذه الروح؛ روح التشدد ونبذ التسامح ونفي الرأي المخالف وصاحبه، وعدم التفريق بين الكفر المخرج من الملة وبين الكفر بمعناه اللغوي أو بمعناه المخفف الذي قد يشمل مخالفة الآداب أو كفران العشير أو نحو ذلك، فلا بد من تنقية التراث من هذه الأشياء وتنقيته منها لكي لا يتم استحياؤها بين حين وآخر أو استدلال بعض مرضى النفوس بها في الظروف التي يريدون فيها ليَّ أعناق الفقه والقواعد الفقيهة للبطش بأعدائهم أو خصومهم أو مخالفيهم. وقد أنجزت هذا البحث الذي يقع –حاليا- في مائتي صفحة منذ عشر سنوات أو أكثر، ولم أنشره لئلا أضاف إلى قوام المرتدين من علماء الأمة!

السؤال الخامس:

سؤالكم الخامس يدور حول سبل الوقاية لمجتمعاتنا من استخدام الفتاوى سلاحا بين المتنازعين، والتعسف باستعمال هذا السلاح واستغلاله ضد المفكرين وعلماء الدين، وكيف أدى ذلك إلى إشاعة نوع من أنواع الضغط على المفكرين أو الراغبين بالاجتهاد أو الإبداع؟

مع استحضار ما ذكرناه في جوابنا الربع –نستطيع القول: إنه لمن المؤسف أن سلاح الفتاوى قد جرى استخدامه في وقت مبكر من تاريخنا، فقد جرى استخدامه في عهد عثمان يوم أتم الصلاة بمنى متأولا بعد أن تزوج مكيّة، فظن أن قصر الصلاة وجمعها في عرفة (الظهر والعصر) وفي مزدلفة (المغرب والعشاء) ليس من النسك، وإنما هو مرتبط بعلة السفر، وظن أنه بتزوجه مكية قد غدا من أهل مكة، أو أنه يعامل معاملة أهل مكة في عدم القصر. ومن المعروف أن سائر فقهاء وقراء الصحابة والتابعين يعتبرون أن ذلك الجمع والقصر إنما هو من النسك وليس بسبب السفر أو المطر أو غيره، فعثمان تأول وخطأه بعض الصحابة الذين سألوه لماذا أتم ولم يفعل ذلك رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- ولا خلفاؤه من بعده؟ فقال: تزوجت في مكة وظننت أنني أعامل معاملة المقيم. فنوقش في هذا وأفهم أن هذا من النسك وليس معللا بالسفر، ومع ذلك فأنه لما تجمع من تجمع لمحاولة عزله التي انتهت بقتله في منزله وبين نسائه وأهله مما عد فتنة كبرى فتحت بابا للشر والاختلاف والتنازع بين الصحابة بالشكل الذي يعرفه الجميع. كان من بين الأسلحة التي استخدمت ضد عثمان سلاح التخطئة والابتداع في هذه المسألة وغيرها من مسائل لا تتجاوز ثمانية مسائل فرعية، بالإضافة إلى قضايا سياسية أخرى. ثم استخدم سلاح الفتاوى من الخوارج الذين أفتوا بعد ذلك ضد أمير المؤمنين علي ومعاوية فكفروا من كفروا، وفسقوا من فسقوا. واستمر المسلسل بعد ذلك زمن الأمويين بالطعن بأمير المؤمنين علي –عليه السلام- وسبّه على المنابر والتشهير به بكل الوسائل المتاحة، حتى أبطل ذلك الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه. وبعد ذلك نجد الأمر يتكرر على يد عبد الملك بن مروان في قضية ابن الزبير وابن الحنفية. واستمر المسلسل، فكان الناس يكفر بعضهم بعضا بفتاوى في مسائل كلامية في الغالب، وسحب ذلك إلى بعض القضايا الفقهية أو الأصولية حتى إن بعض الأدلة التي ثبتت بأدلة ظنية كفر بإنكارها بعض أهل الأصول، وكل ذلك معروف لدى المتخصصين وغيرهم. فتلك هي الجذور التي أدت إلى أن تكون الفتوى سلاحا من الأسلحة التي يتراشق بها المتراشقون للأسف. ولم يكن لهم أن يستخدموا هذا السلاح لأنه ذو حدين، لكن أهل الحرب والخصومات يستخدمون سائر الأسلحة لإضفاء صفة الشرعية على ما يفعلون، ونزع صفة الشرعية عن أعمال مخالفيهم، وإذا كنا قد ورثنا في عصرنا هذا السلاح والتجأنا، إليه وأسرف من أسرف باستخدامه بحيث تحول إلى عملية لا تقتصر على الأخذ بظواهر الأمور فقط وعلى مؤاخذة الإنسان بما صرح به أو كتبه مما يعد مكفرا أو مبدعا أو مفسقا، بل بدأ الناس يحاكمون النوايا، ويحكمون على الآخرين بالردة لا على أقوالهم ومذاهبهم، بل بحسب لوازم تلك الأقوال أو المذاهب التي يقدرونها تقديرا عقليا، وبالتالي فقد سادت في الأمة هذه الروح التي صادرت تماما “حرية التعبير والتفكير” وجعلت من المقولات الشائعة بين كثير من علمائنا أنهم يكتمون كثيرا من مذاهبهم التي يتوصلون إليها ولا يستطيعون البوح بها خوفا من السلطان مرة أو حاشيته أو الجمهور، فشاع لدى علمائنا القول: “بأن في هذا الصدر علما لو بحت به لقطعت عنقي” أو غيره من الأقوال. واليوم نجد هذا المشهد يتكرر بين الطوائف والجماعات الإسلامية، حيث يستخدمون الفتاوى ضد بعضهم بعضا، ويحرضون العامة ضد بعضهم بعضا، وكثيرا ما تتحول إلى علميات انتقام بعض الناس من خصومهم أو مخالفيهم، ومن ذلك الحرب المفروضة بين العراق وإيران، ثم بين العراق والكويت والحلفاء، وتراجم الناس الفتاوى بمثل ما تراجموا بالأسلحة. وكذلك قضايا الصلح مع إسرائيل والحرب ضدها، ولا يزال الأمر مفتوحا للخائضين. ولكي نقي مجتمعاتنا من هذا النوع من الآفات لا بد لنا من العمل على وضع بعض القواعد والأمور التي تشيع وعيا لدى الناس بمنع اللجوء إلى هذا الأمر، وبيان أن استعمال هذه الأمور له جوانب سلبية جدا لا على الجميع، فالسلاح الذي تشهره في وجه خصمك اليوم سيشهر في وجهك غدا. ومن ذلك نجد أن كثيرا من أولئك الذين كانوا يسارعون إلى تفسيق الناس وتكفيرهم وتبديعهم دارت عليهم الدائرة واتهموا أنفسهم بالبدعة والفسق والردة. وقد ينتهي ببعضهم الحال إلى السجن أو حتى القتل وهذا أمر لا بد لنا من تنقية مجتمعاتنا منه. فالله قد بين لنا في كتابه العزيز آداب الحوار والاستماع إلى الرأي الآخر، بل إن القرآن قد حفل بتقديم آراء الخصوم وشرح مذاهبهم بشكل مستفيض، فكثيرا ما يقرر القرآن أقوالهم ويذكر حججهم ثم يرد عليها، كل ذلك من أجل أن يبين لنا ضرورة التمسك بحرية الرأي التي لا يمكن أن يزدهر الرأي والفكر والبحث العلمي والمعرفة بدونها، وأن قمعها لن يؤدي بأي حال من الأحوال إلى حفظ العقائد، بل على العكس إن عملية الإكراه ومصادرة الحريات إنما تؤدي إلى إحداث حالة نفاق وحالة خوف تمنع أي إبداع، وتحول بين الناس وبين الاجتهاد، وتجعل منهم مجموعة من المنافقين الذين يتملقون صاحب القوة حتى إذا خلوا إلى أنفسهم أو بعضهم سخروا منه وأعلنوا آراءهم. سلاح الفتاوى يجب أن ينزع وأن يكون هناك ميثاق شرف بين الحركات والجماعات والمفكرين على احترام حرية الكلمة والتعبير وسائر الحقوق والحريات الأخرى، وصيانة الحريات كلها وإحاطتها بكل ما تحتاج إليه من ضمانات؛ فإن الإنسان بدون الحرية يفقد إنسانيته ويفقد قابلياته، فالحرية بالنسبة للإنسان كالمياه بالنسبة للأسماك لا يمكن العيش بدونها بحال من الأحوال، ولا يمكن أن يتحقق التوحيد الخالص، ولا التزكية التقية، ولا العمران الحقيقي بدون الحرية.

السؤال السابع:

ذكرتم أن بعض الفتاوى تحرم التعاطي مع الكتب التي يصطلح عليها بـ “كتب الضلال” وإذا كان لتلك الفتاوى ما يبررها تاريخيا فهل هناك ما يبررها اليوم في عالمنا المعاصر؟

أقول مقدما: إنه ليس لها ما يبررها لا في الماضي ولا في الحاضر، ولكنني أرى أن ذلك قد انحدر إلينا من بعض الوقائع التاريخية المتشددة التي كان بعض أهل العلم فيها يفتي بحرق بعض الكتب أو إتلافها على أصحابها دون تعويض. وقد ابتلي في ذلك علماء كبار لهم مكانتهم في تاريخنا مثل ابن حزم وابن رشد وغيرهم. وكثير عدد أولئك الذين سلط العامة على مكتباتهم لإتلافها ظنا من أولئك الحاكمين أو الحواشي أو من فقهاء السلطة أن ذلك سوف يخفي علم العالم، أو يقضي على آرائه ويوقفها عن الانتشار، وفي الحقيقة أن كل أولئك الذين ابتلوا بمثل هذه الأمور قد رزقت كتبهم تلك صفة الانتشار، وحرص الناس على تداولها واقتنائها والحيلولة دون الحرمان مما فيها حتى لو كان ذلك الإنتاج تافها أو لا تخلو من مخالفات شرعية. وبالنسبة لعصرنا هذا توجد بعض الجهات التي كانت تمنع دخول بعض الكتب إليها –وذلك يعد استمرارا لتلك الإجراءات التاريخية- وأرى أن هذا العمل غير مقبول إسلاميا، ولن يؤدي إلى حماية العقائد ولا إلى إهانة أصحاب تلك الكتب بقدر ما يتحول إلى دعاية لها ولأصحابها تؤدي إلى انتشارها بأكثر مما لو أنها تركت وحدها ولم يتعرض أصحابها لعمليات المصادرة أو المضايقة أو الاضطهاد، وليس هناك ما يبرر هذا الأمر، فالقرآن قد أوضح لنا أن الإنسان محتاج دائما إلى أن نحميه بواسطة تعليمه وتدريبه على النظر العقلي، وعلى رفض قبول أي شيء بدون برهان، وعلى أن نوجد لديه عقلا لا يقبل شيئا دون أن يخضعه إلى منطق سليم، وأن يبحث في أدواته وآليات إنتاجه ومناهجه وبداياته ونهاياته ومآلاته. وللتخلص من هذه الظاهرة نحتاج أيضا إلى أن نبث الوعي لدى الناس ونعيد عملية توعيتهم من فترة إلى أخرى، ونجدد هذا الوعي ثم ليقل من شاء ما شاء، فإن عقول الناس وقلوبهم ومنطقهم وقدراتهم لن تسمح برواج مثل الأمور أو شيوعها، وبالتالي فلن تحتاج الأمة إلى أجهزة رقابة توقف الكتب وتضطهد الكاتبين، ففي أجواء الحرية لن يثبت إلا ما هو صالح للثبات والبقاء ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ ﴾(الرعد:17) .

وهنا أرجو أن تسمح لي بالعودة إلى تتمة الجواب السادس؛ وهو خطاب بعض الجماعات الإسلامية التي تحرص على نفي الآخر وتسرف في ذلك، وتصف أصحاب الرأي المخالف لها بالكفر، وتعتبر أن لها الحق في الحكم على الناس بما تراه وأن تصادر من حرياتهم ما تشاء، فما منشأ هذا النوع من التفكير وما السبيل إلى تحصين مجتمعاتنا من هذه الاتجاهات التي تنمو وتشتد مع تغلب هذا الخطاب؟

في الحقيقة إن هذا النوع من الخطاب له بيئة وله ظروف وله متعاملون كثير، فنفي الآخر وتكفيره وتبديعه من أسهل الوسائل. هو أسهل وسيلة يمكن لإنسان ما أن ينفي بها خصمه ومخالفه من الساحة، فهو أمر لا يكلف شيئا غير فتوى تصدر في الغالب من غير تدليل أو تعليل، أو بالاستدلال بما ليس بدليل أو باستخدام علة لا تصلح علة أو نحو ذلك. كما أن التكفير بالنسبة للعامة لا يزال مفهوما سهل الفهم أكثر من أي شيء آخر. فعلميات التخطئة تحتاج إلى مستوى عال من التفكير والقدرة عليه ووعي بالمنهج ونحو ذلك من أمور لا تتاح لشعوب تصل نسبة الأمية في بعضها إلى 70% فمثل هذه الشعوب يكون أيسر عليها لتكسب لصالح المفتي أو صاحب الاتهام ضد من اتهمه أو ضد من أراد تهميشه أو إيجاد عازل بينه وبين الجمهور لكي لا يتأثر الجمهور به أو بأقواله أو فتاواه فهذه الجماعات يبدأ إبليس بأن يسوّل -كما ذكر ابن الجوزي في كتابه القيم “تلبيس إبليس”- بأن الجماعة المخالفة تجتال الناس عن طريق الهدى، وتحرفهم وتأخذ بأيديهم نحو الضلال، لذلك فإن من الواجب على ذلك الذي يملك وحده الحق والحقيقة كلها أن يعزل تلك الفئة الضالة المضلة ويحاصرها ويفند أقوالها بتعزيز قوله وبيان أن كل ما عدا قوله فهو من الباطل الذي ينبغي أن يجتث وأن يحارب. تبدأ الفكرة بهذا التصور الخاطئ، ثم يستمر الشيطان يتلاعب بأفكار هؤلاء حتى يصلوا إلى قناعة أنهم على الحق وأن ما سواهم على الباطل، وأنه لا بد لهم من أن يحموا الحق من الشيطان وجنده وأعوانه وعليهم أن يفعلوا هذا الشيء ليعزلوهم عن الناس ويحاصروهم ويسقطوا عنهم الشرعية فذلك من أيسر الطرق التي يلجأون إليها وبأيسر كلفة، وهي أكثر فاعلية في عمليات العزل والمحاصرة.

إن التكفير ظاهرة نبتت في التاريخ الديني لدى بني إسرائيل، فهي مبدأ يهودي ساد الفكر اليهودي وشاع فيه في مراحل عديدة من ذلك التاريخ. وإنه من المؤسف أن نجد حركاتنا الدينية تمارس موجة من التعسف في العلاقة مع الأمة المسلمة التي تنتمي إليها، والعلاقة مع غير المسلم في داخلها فأحدثت شرخا وفصاما ومفاصلة بينها وبين الأقاليم التي تنتمي إليها والبشر الذين يفترض أنها ما قامت إلا لأجلهم والعمل لصالحهم، وبدونهم تبقى في الهواء بدون قاعدة. وقد استدعت هذه الحركات من موروثاتنا التاريخية ما حفل به الواقع التاريخي وليس له دليل ولا برهان. وفي إطار ذلك الموروث ساد العنف، واستحوذ المنطق السكوني الذي لا يؤمن بتحول ولا صيرورة على عقول هؤلاء بمعزل عن منهج القرآن، وتعاملوا مع شمولية القرآن تعاملا تجزئيا من ناحية، وأحيانا نراهم لا يترددون باستخدام المنطق الوضعي الاصطراعي المنافي لشمولية القرآن وخصائصه، بل حاولت بعض تلك الحركات الدينية أن تجعل نفسها بمثابة الإطار الذي تدخل الأمة كلها فيه، فهي إطار مجسد للخلاص تتحقق في داخله كلمات الله وإرادته، فكل حركة تدعي أنها “الفرقة الناجية” -رغم كل ما في ذلك الحديث من مقال وما عليه من ملاحظات-، وتتشبث أحيانا بحديث “الطائفة المنصورة” -وفيه ما فيه كذلك.فبذلك بثت هذه الحركات الانقسامات في صفوف الأمة المسلمة، واستندت إلى كثير مما يمكن أن يندرج تحت “تحريف الغالين وتأويل الجاهلين ودعاوى المبطلين” لكي يحملوا النصوص الشرعية ما لا تحتمل لدعم مواقفهم ودحر مخالفيهم، فالله وصف الأمة بأن منها “ظالم لنفسه” ومنها “مقتصد” ومنها “سابق بالخيرات بإذن الله” ولم يخرج أحدا من هذه الأصناف الثلاثة من دائرة الإسلام، والقرآن الكريم قد حثنا على الاعتصام الكامل -بوصفنا أمة-  بحبل الله، وأكد على ضرورة منع التفرق، وأن التفرق مآله وخيم في الدنيا والآخرة. ومع ذلك فإن كثيرا من التنظيمات تدعي أن مشروعيتها –كما هي- تستمد من قوله تعالى: ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ (آل عمران:104) وبالتالي يحاول كل تنظيم أن يعتبر نفسه ممثل الأمة أو الناطق باسم جماعة المسلمين وليس باسم جماعة من المسلمين كما يقول البعض، ويحاول كل منهم أن يجسد الإسلام في تنظيمه دون أن يكتسب الصفات الحقيقية المستدل بها من سورة آل عمران، الآية: (104) بأن يكون جزءا من الأمة متداخلا معها كلها، يحترم آراء بنيها، ولا يقوم بتجهيلهم ولا تكفيرهم، ويسلم الناس من لسانه ويده. إن الإسلام استوعب كل مخالفيه، فكيف لا تتسع صدور أبنائه لآبائهم وإخوانهم وأبنائهم وهم يؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر وبرسالته وبالقرآن! فقضية “الفئة المنصورة” و “الفرقة الناجية” مساوية لمصطلحاتنا المعاصرة “بالفئة الطليعية” أو “جماعة المسلمين” أو نحو ذلك. وهنا لا بد لنا من التنبه أن الافتآت على الأمة ومحاولة ادعاء تمثيلها، أو محاولة تنصيب أي تنظيم نفسه بديلا عنها، أو ممثلا لها رغم أنفها هو أمر يخالف القرآن الكريم وبكل ما جاء به. فالمؤمنون أمرهم شورى بينهم وليس لتنظيم سري أو علني أن يفتات على الأمة ويدعي أنه يمثلها، وبذلك يجر عليها من الويلات ما لا طاقة لها به، وما لا يستطيع ذلك التنظيم أن يحميها منه أو من التعرض له، وكل ذلك تأثر بالأساليب الماركسية أو الثورية، وتجاوز لرسالة الإسلام التي تقوم لا على أساس الثورية، بل على أساس الإصلاح مثل سائر رسالات النبيين التي تتجه إلى مواقع الفساد وعوامله وأسبابه في كل مجموعة أو جماعة لإصلاحها، ودون أن تلغي الصالح القائم لمجرد أن يأتي الثوري ببديل جاهز مفصل على مقاسه، ورسول الله نبه إلى أنه إنما بعث ليتمم مكارم الأخلاق. فكيف جاءت إلينا هذه الأمور التي هي ليست من ديننا ولا من كتاب ربنا، ولم يمارسها رسول الله. فرسول الله لم يعلن كفر المنافقين الذين علم منهم ذلك، وإنما أخذهم على ظواهرهم. فكيف بأولئك المسلمين الذين لا ذنب لهم إلا أنهم خالفوا هذه الجماعة أو تلك في بعض ما تذهب إليه؟ هذا كله إنما هو إرث يهودي واستعراض ثوري ورثناه عنهم ليس له سند من كتاب الله ولا سنة رسوله، والله أعلم.

السؤال الثامن:

أما عن سؤالكم حول موقف المسلم من الثقافات الأخرى في الشرق والغرب وإشارتكم إلى المشتركات البشرية العديدة في تلك الثقافات والتي تصلح أن تكون منطلقات للعيش المشترك والتعاون والتعارف.

فأود أن أقول: إن الإسلام دين عالمي جاء إلى الناس كافة واتسمت أحكامه بالسعة والمرونة واليسر ورفع الحرج من أجل أن يكون الإسلام متاحا للجميع، وقادرا على استيعاب سائر الأنساق الثقافية والحضارية بعد التصديق عليها والهيمنة عليها. فالقرآن الكريم قد أرسى لنا مجموعة من المداخل الأساسية التي إن تمسك المسلمون بها واستخدموها كحلقات متصلة من منظومة منهجية متكاملة فإنهم يستطيعون أن يستوعبوا أحسن ما في الثقافات الأخرى ويتجاوزوا سيئها ومكروهها. والمسلمون في مرحلة الانتشار الإسلامي الأول -التي شملت جميع الشعوب الأمية التي لم يسبق لها أن تلقت رسالة ولا احتضنت رسولا، هذه الشعوب كانت لها أعرافها وثقافاتها وحضاراتها؛ كالفرس والبربر والصين وغيرهم ممن شملتهم عالمية الإسلام الأولى، فقد حوفظ على تلك الثقافات والأنساق الحضارية ولكن بعد أن تمت تزكيتها وترقيتها بمداخل إسلامية متعددة، منها:

التصديق: وهو أن نزيل كل ما خالف الصدق وغايره مما في تلك الأنساق، أو ما يكون قد لحقها من تحريف ديني أو بشري أو سواه.

الهيمنة: أي أن تكون الصبغة الأساسية هي الصبغة الإسلامية وتكون الصفة الإسلامية هي المهيمنة والسائدة على كل ما عداها.

ثم يأتي مدخل استيعاب ما في تلك الأنساق الحضارية والثقافية من خير ومشتركات إنسانية صالحة لا يمكن أن تتصادم مع قيم الإسلام العليا؛ التوحيد والتزكية والعمران، ولا مع القيم الأساسية الأخرى المرتبطة بها؛ كالعدل والأمانة والمساواة ونحوها، فإذا ما كانت الثقافات قد بلغت مستوى كهذا المستوى فإنه لا يجد الإسلام حرجا من استيعابها وترقيتها وإضفاء الصبغة التوحيدية عليها، ثم بعد ذلك تجاوزها إلى ما هو أفضل. ونرى أن الأنساق الثقافية والحضارية المعاصرة لم تبلغها الإنسانية إلا بعد جهود إنسانية كبيرة وبعد مرورها بأطوار متعددة وجلّ ما فيها تراث إنساني مشترك، ولذلك كان في هذه الأنساق كثير من الأمور التي يصعب تجاوزها أو إهمالها أو تجاهلها. ومن هنا كان لا بد أن يكون بيننا وبين هذه الأنساق نوع من التفاعل والتداخل الذي ينبغي أن ينطلق من تلك المنطلقات التي ذكرنا؛ منطلقات التصديق، والهيمنة، والاستيعاب، والتجاوز، وملاحظة قيمنا الحاكمة العليا في عملية استيعابها وإلا فإنها تصبح في هذه الحالة أشبه بعمليات نقل الأعضاء من جسم غريب إلى آخر قلما تؤدي وظائفها بشكل سليم، فإذا اقتطعت بصفتها أمورا مجتزأة ولم تضم إلى نسق كامل ولم يهيمن عليها ذلك النسق ولم توضع في إطاره وسياقه فسوف تبقى بمثابة الجسم الغريب الذي يمكن أن يقتلع، ولذلك كانت تجربتنا الأولى مع ثقافة الإغريق حين ترجمت الفلسفة والمنطق كانت –وللأسف- عمليات نقل لم تخضع لمنهج، فنقلت إلى الساحة الإسلامية كثيرا من السلبيات، فقد أسهم ذلك التراث في غرس بعض السلبيات وإنمائها وتوصيلها إلى المستوى الذي نشكو منه اليوم، وكنا نشكو منه بالأمس، ولكن إذا أخذنا بهذه المنهجية وبرؤيتنا الكلية التي تنظر إلى البشرية كلها على أنها أسرة ممتدة، وتنظر إلى الكون كله على أنه بيت للإنسان وتنظر إلى الإسلام على أنه رسالة عالمية خاتمة؛ فلا نبي بعد محمد– صلى الله عليه وآله وسلم- ولا كتاب بعد القرآن، والبشرية بحاجة ماسة إلى هدي هذه الرسالة؛ فإننا لا شك سنتداخل مع الثقافات الأخرى، فندمج كل خير فيها في إطار نسقنا ونقوم بعملية التصديق والهيمنة عليه وتنقيته ووضعه في إطار الرؤية الإسلامية الكلية وإخضاعه للنظام المعرفي الإسلامي، وبالتالي لن تكون تلك الثقافات أجسادا غريبة قد تنقل جوانب سلبية، وقد تبقى منعزلة نابية عن بقية أجزاء النسق، ومنطلقات التسامح والتعاون والعيش المشترك حينما ندرس القرآن الكريم بعناية في إطار وحدته البنائية، ونلحظ العناصر المنهجية فيه ومنطقه فإننا سوف نجد سائر تلك المنطلقات الأساسية التي حفلت بها تجارب النبوات السابقة والحضارات والأنساق الثقافية المنفعلة بها، وسنجد لها أصولا وجذورا في القرآن الكريم يمكن أن تؤدي إلى دخول الناس في السلم كافة وتفاهمهم وتعاونهم على تحقيق غاية الحق من الخلق وإعمار هذا الكون والله أعلم.

السؤال التاسع:

سؤالكم التاسع حول دعوة القرآن الكريم لأهل الكتاب إلى التعايش على أصل مشترك ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران:64) 

نعم، هذا أمر جعله الله سبحانه منطلقا أساسيا لصياغة إطار يحفظ التنوع الديني والمذهبي في مجتمع واحد، ويحافظ على حرية الفكر والتعبير والتدين وحقوق الإنسان شريطة أن يتفق على تلك القيم التي يفترض أن تكون مشتركة خاصة أهل الكتاب باعتبارهم تلقوا نبوة وكتبا سماوية ولهم رسل أرسلهم الله، فإنه من المعروف أنه ليس هناك كتاب سماوي نزل ولا نبي مرسل دعا إلى غير التوحيد أو طلب من الناس أن يكونوا عبادا لذلك النبي أو لإله غير الله، فلو حصل اتفاق على هذه الكلمة السواء و نبذ الشرك من قبل الجميع فمما لا شك فيه أن أمر تحقق السلام وتبني القيم العليا المشتركة وفي مقدمتها التزكية بالنسبة للإنسان، والعمران بالنسبة للكون والذي لا يمكن أن يتم بشكله الكامل إلا بتفاهم إنساني مشترك، وإلا فإن شعبا أو أمة ستبني وشعبا أو أمة أخرى ستهدم وبالتالي لن يبلغ البنيان يوما تمامه أو كماله، ولن يتحقق العمران. والله جعل بدل صيغة “التحارب” صيغة “التدافع والتحاور والجدل بالتي هي أحسن” وسائر الوسائل الأخرى التي جعل منها صيغا يمكن أن تؤدي إلى التفاهم المشترك كلما وجدت عوامل يمكن أن تؤدي إلى الإضرار بذلك التفاهم والاتفاق على كلمة سواء وقيم مشتركة. لكن احترام أديان الآخرين لا يعني الوقوف معهم على مستوى واحد في الإيمان بكل ما يؤمنون به. كما لا ينبغي أن يحول دون التحاور مع أهلها حول المفاهيم الأساسية التي يمكن أن يؤدي التحاور حولها إلى تضييق الفجوات وتقريب الأديان بعضها إلى بعض في إطار الوعي بتلك المفاهيم، وفي مقدمتها “التوحيد” ومفهوم “التزكية” و “العمران” و “العدل” و “الهدى” و “الحق” و “النبوة” و “الوحي” و “اليوم الآخر”. فإن بلورة هذه المفاهيم وتعزيز سبل الحوار فيها وحولها من شأنه أن يزيل الجفوة ويضيق الفجوة ويساعد على التعارف وبناء الأرضية المشتركة وتقليل نسبة الاختلافات وتقريب وجهات النظر. وآنذاك كسف تعزز روح استيعاب الاختلافات، والاعتراف المتبادل والبعد عن إطلاق الأقوال المنادية: “بأنني على كل شيء، وغيري ليس على شيء حتى يكون مثلي”. وآنذاك يمكن أن تستبدل سائر المشاعر السلبية ضد المخالفين بالمشاعر التي ترى أن ما لدى الآخرين يمكن أن يتكامل مع ما لديه؛ فتعلو آنذاك راية قبول الآخر، بل الحرص على وجوده بدلا من الحرص على نفيه.

وهذا -في نظري- أولى وأجدى في بناء روح التعايش من ذلك الذي بدأ منذ سنوات في إطار محاولة لإيجاد “منظمة الأديان المتحدة” وهي فكرة استلهمت في فكرة “الأمم المتحدة” وبدعم وتوجيه منها، وقد شكلت لها أمانة عامة في الأمم المتحدة ذاتها. فهذه المنظمة تعمل للحصول على تفويض بأن تكون ناطقة باسم جميع الأديان، ولها أن تتخذ المواقف تجاه القضايا العالمية، وتعتبر هذه المواقف مقبولة أو مدعومة من جميع الأديان المشاركة في المنظمة أو الممثلة فيها، وقد تطرح مواقف من مفاهيم معينة تتسم بالشجب أو التأييد أو التبني أو الرفض لأي من تلك المفاهيم، ويمكن أن يعلن بعد ذلك أن هذا هو مفهوم أديان العالم كلها مما يؤدي إلى عزل الأصوات الأخرى ومحاصرتها. ولا أظن هذه المنظمة ستؤدي إلى تفاهم بقدر ما تؤدي إلى تنازع. وقد يكون الإسلام المستهدف والخاسر الأول في هذا الإطار، فالعولمة قد مهدت لذلك بشن حرب شعواء ضد كثير من المفاهيم الإسلامية مثل “الجهاد” و “العدل” و “الحرية” و “السلام” و “الدعوة” وغيرها. ولذلك فإن تقديم مفهوم إسلامي للتعايش بين الأديان –في الوقت الحاضر- يمثل حلا ملائما لمقاومة هذه المشكلات، فلعل المجامع العلمية والفقهية والمنظمات الإسلامية الكبرى، مثل “منظمة المؤتمر الإسلامي” والمنظمات المنبثقة عنها تتصدى لهذه المهمة الشريفة وتقوم بدعمها وتعميمها بين أمم الأرض. نرجو ذلك، وما ذلك على هذه المنظمات –إذا صدق منها العزم- بعزيز، والله أعلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *