Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

حكم الهجرة غير الشرعية

صاحب الفضيلة العلامة الأستاذ الدكتور/ طه جابر العلواني              حفظه الله ورعاه.

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

فلما نعهده فيكم من سعة إطلاع في العلوم الشرعيَّة وبخاصة في الفقه وأصوله وحكم التشريع ومقاصده مع معرفة بقضايا المجتمعات المعاصرة ومعاناتها والإشكالات الكبيرة التي تتعرض لها فقد أردنا التوجه إليكم بالسؤال التالي:

ما حكم الذين يغادرون بلدانهم الأصلية التي ولدوا فيها ويحملون جنسيَّاتها إلى بلدان أخرى، ويسلكون سبلاً للوصول إلى تلك البلدان محفوفة بالمخاطر فقد تغرق بهم السفن أو المراكب الصغيرة، وقد يتعرَّضون إلى إطلاق الرصاص من حراس الحدود التي يجتازونها مما يؤدي إلى الوقوع في هلاك النفس أو تلف بعض الأعضاء وإذا حدث وهلك هؤلاء فهل يعتبرون شهداء لأنّهم يسعون في مناكب الأرض على أنفسهم وذويهم أو منتحرين؟!

& & & & &

الجواب: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين. ثم أما بعد: فإنَّ حفظ “النفس والدين والعقل والمال والعرض” من أهم مقاصد الشارع الحكيم فيما شرع وليس لأحد أن يغامر في تعريض أيّ واحد من هذه الضروريَّات الخمسة إلى خطر دون مسوّغ شرعيّ. هذه نقطة أولى لابد من استحضارها عند بحث هذا الموضوع.

النقطة الثانية: التي ينبغي أن تستحضر هي حكم طلب الرزق، وهل هناك من قيود جغرافيّة على الإنسان أن يتقيَّد بها وهو يطلب الرزق كأن يقال: إنَّه ليس لهذا الإنسان أن يطلب رزقه خارج حدود إقليم كذا أو بلد كذا أو المياه الإقليميَّة للإقليم الفلاني أو أن الأمر بالمشي والسعي في مناكب الأرض عامّ لا يخصّص إلا بدليل؟!!

النقطة الثالثة: التي لابد من استحضارها هي هل قسم الله (تعالى) الأقوات التي قدرها في الأرض بمقتضى الحدود الجغرافيَّة والإقليميَّة التي اخترعها البشر بحيث تكون خيرات كل بلد خاصَّة بأهل ذلك البلد أو الإقليم، أو أنَّ تلك التقسيمات هي تقسيمات عارضة متغيّرة تفتقر إلى السند الشرعيّ والدليل المعتبر؟!!

النقطة الرابعة: هل للحكومة التي تهيمن على إقليم مَّا أن تمنع المقيمين في ذلك الإقليم من مغادرته إذا وجدت لديهم أسباب موجبة؟ وهل يجوز لحكومات الأقاليم الأخرى أن تمنع الآخرين من طلب الرزق فيما تحت سلطانها من أرض إذا لم يكن في ذلك ضرر على أهل تلك الأرض؟

النقطة الخامسة: التي لابد من استحضارها تتعلق بـ”وحدة الإنسانيَّة”، وبـ”وحدة الأمة المسلمة” خاصَّة داخل تلك الوحدة، وهي الفريضة الغائبة؟! ترى لو أنّ المسلمين أمَّة واحدة، فهل يمكن أن يموتوا غرقاً أو احتراقاً وهم يحاولون البحث عن ميدان عمل خارج ديار العروبة والإسلام إضافة إلى نقاط أخرى لا نطيل بذكرها؟

الجواب عن السؤال في ضوء النقطة المستدعاة: نقول وبالله التوفيق: حينما ننظر في النقطة الأولى نجد أنَّ على الإنسان أن يجتهد عندما يتحرك أو يسافر أو يستخدم وسيلة نقل أو يمارس عملاً من الأعمال أو يسير في بر أو بحر أن يغلب على ظنه السلامة وليس بالضرورة أن يتيقَّن السلامة فكل منَّا يخرج إلى عمله أو إلى أيّ شأن من شئونه ماشياً أو راكباً بناءاً على غلبة ظنِّه أنَّه سيكون سالماً في ذهابه وإيابه، فالناس يتحركون بناءاً على غلبة ظنونهم. وبعض الناس رغم أمن الطريق وقصر المسافة وغلبة الظنّ بالسلامة فقد يقع له حادث لم يكن يتوقعه بتقصير منه أو من سواه، وقد يودي به أو يفقده شيئاً من أعضائه ولكنَّ هذا الاحتمال القائم لا يجعل الإنسان يتوقف عن الخروج لوظيفته أو القيام بشأنه؛ لأنَّ الغالب على الظن هو السلامة وليس الهلاك. وهذا أمر يشترك البشر فيه كافَّة. فلو سألت أيَّ موظَّف أو عامل أو خارج من داره أهو على يقين من عودته إلى داره سالماً؟ لما استطاع أن يجيب بالإيجاب، ولكنَّه يجيب بما تقتضيه غلبة الظن من السلامة. وحين يركب الإنسان البحر فإنَّه في حاجة إلى أن يغلب على ظنِّه أنَّ السفينة التي يركبها سوف توصِّله إلى غايته سالماً في حدود ما يغلب على ظنِّه كأن تكون كبيرة سالمة من العيوب تم فحصها، والتأكد من إجراءات السلامة فيها وما إلى ذلك. وكذلك الحال في الطائرات والسيارات ووسائل النقل، ومع ذلك فهناك احتمال أن يحدث الغرق أو احتراق السفينة أو انفجارها وكذلك السيارة أو الطائرة أو القطار. لكن هذا الاحتمال الضعيف لا يجعل السفر بتلك الواسطة مغامرة أو إلقاءاً للنفس في التهلكة، لكن إذا ركب الإنسان ثبج البحر بمركب صغير أو بسفينة شراعيَّة صغيرة ولم يكن الإنسان متأكداً من قدرتها على مقاومة الأنواء والتقلّبات التي تحدث في الجو وتؤثِّر على البحر. فلا يغلب على ظنّك السلامة بل يكون الأغلب على الظن هو الهلاك. فهنا يحرم على الإنسان استعمال تلك الوسيلة والسفر فيها. وما من إنسان عاقل ذاهب يضرب في الأرض طلباً لزيادة الرزق يغلب على ظنِّه أنَّه هالك، يفعل ذلك، ويمتطي ذلك المركب الصعب وهو ما خرج إلا طلباً للحياة وسعة الرزق. ولكن الناس قد يشجع بعضهم البعض ويقوي بعضهم البعض الآخر فيتجاهلون احتمالات الخطر أو يقلّلون منها ولا يبالون باحتمالات الخطر، بل يقلّلون منها خاصَّة إذا كانت هناك سوابق مماثلة لم تتعرض إلى المخاطر، ومرت بسلام فيقال: هذه السفينة الصغيرة قد نقلت كذا فوجاً أو بقي لها كذا سنة في هذا العمل ولم يحدث شيء فيصبح الإنسان -آنذاك- قادراً على زيادة نسبة الثقة بالسلامة فقد يغامر المسافر والغالب على ظنِّه أنَّه سوف يصل إلى غايته.

هناك أمر آخر لابد من القيام به وهو أن نستدعي المعنيّين بهذه الشئون والشجون أعني شئون العمّال وشجونهم من مؤسَّسات ونقابات وهيئات حكوميَّة أو غير حكوميَّة لنؤكد عليها أن تولي هذا الجانب اهتماماً وتقوم بتوعية منتسبيها من العمال بتلك المخاطر، وتعمل على مساعدة عمالها وتنمية قدراتهم وطاقاتهم وتهيئة فرص العمل لهم بواسطة تلك الهيئات والمؤسَّسات العمّاليَّة وتعمل على الحصول على أفضل فرص العمل لهم في البلدان التي يمكن أن تستفيد منهم، فإنّه لو أدت هذه المؤسَّسات العمّاليَّة واجباتها لربمّا حالت دون وقوع العمال هؤلاء ضحيّة المهرّبين والمغامرين ولما عرّض العمّال أنفسهم لتلك المهالك فإذا كنَّا نحمِّل هؤلاء الذين جازفوا بأنفسهم مسئوليَّة واحدة فإنّ المسئوليَّة مضاعفة على أولئك الذين لم يقوموا بواجباتهم تجاههم، ولم يؤهّلوا العمَّال تأهيلاً عالياً يجعلهم مطلوبين في شتى الأماكن، ويمكِّن تلك الهيئات من التفاوض مع مختلف الجهات للحصول لهم على أفضل الفرص وأحسنها، وتمكينهم من الانتقال بين بلدانهم والبلدان التي يعملون فيها بوسائل آمنة لا تحفها المخاطر. وتحميهم بذلك من كل الأخطار، واحتمالات الاستغلال والإهانة في البلدان التي يغادرون بلدانهم للعمل فيها.

– فيما يتعلق بالنقطة الثانية: إن الله (تعالى) قد خلق الأرض -كلَّها- لتكون بيتاً آمناً للإنسان وقدّر فيها أقواتها وهو (تعالى) مالكها الحقيقيّ لا يملكها أحد سواه وهو الذي أمر الناس أن يستثمروا خيراتها، وهو الذي سخرها لنا ومنحنا حق الانتفاع بها. ولذلك فحينما يؤمن البشر بأنَّ الله (تعالى) خالق الأرض ومالكها ومسخّرها ومستخلف الناس فيها، وأنَّه ليس أحد أولى من أحد بأرض إلا من أحياها وعمَّرها وأطاع الله (تعالى) في طرائق الاستفادة من تسخيرها، وفي هذه الحالة فإنَّه مهما يكن حق ذلك المعمّر للأرض أو المحيي لها أو المالك لها مجازاً فإنَّه ينبغي له أن يدرك أنَّ إخوانه في البشريَّة والإنسانيَّة شركاء له فيها، وأنّ لهم فيها حقاً معلوماً للسائل والمحروم، وأنَّه لا يستطيع فرد أو قبيل أو شعب وحده أن يعمر الأرض بل لابد من تعاون الأسرة الإنسانيَّة الممتدّة معه في ذلك. فلابد إذاً من تعاون الدول والحكومات والشعوب في عمليَّات استثمار الأرض، والاستفادة بما فيها من خيرات. وعلى الإنسان الواحد أن لا يغتر بغناه، ولا يطغى فالإنسان يبتلى بالنعمة بشكر الله. وقد يبتلى بقلّة ذات اليد اختباراً لصبره. فخيرات الأرض قد تنتقل من موقع إلى آخر فهناك أراضٍ قد تكون خصبة صالحة للزراعة يشعر أهلها فيها بالغنى والاكتفاء. وبعد فترة تجدها قد تعرضت للتصحّر والجفاف، وأصبح أهلها يعاونون من احتياجات كثيرة عليهم أن يسعوا ليحصلوا عليها من جيرانهم وهكذا الحال بالنسبة لكثير من الأمور. فمن كان يتصور أنَّ أبناء العراق الذين كان لهم في بلادهم تسعة أنهار ولديهم احتياط بتروليّ ومعدنيّ هائل يصبحون في حاجة إلى مساعدة إخوانهم في سوريا والأردن وهما قطران فقيران بالنسبة للعراق ولكن وجدنا في محنة العراق هذه ما يقرب من 25% من الشعب العراقي يلجأ لهذين البلدين الذين لا يملك أيٌّ منهم 10% من إمكانات العراق الماديَّة. وحينما دخلت قوات صدام الكويت كانت أعداد كبيرة من الكويتيّين تقيم في مصر بمناسبة فصل الصيف، ووجدت تلك الأسر الكويتيَّة الغنيّة نفسها بدون سكن وبدون مال إلا القليل. وتنظر إلى مستقبل لم يكن أحد في الأيام الأولى يستطيع أن يقول إنَّ المستقبل سيكون سعيداً. وإذا بالأسر المصريَّة المحدودة الدخل تفتح للإخوة الكويتيّين قلوبها وأبوابها، وتعلن لهم عن استعدادها لمشاركتهم رغيف العيش. والأيام دول كما يقال فلذلك لا ينبغي لأحد أن يشتط في وضع القوانين المتعلّقة بالعمل والعمّال خاصَّة في بلاد المسلمين وبين شعوبهم. ومن هنا فإنَّ طلب الرزق واجب ومن ضاق رزقه في أرض فعليه أن يغادرها لأرض أخرىٰ ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ (النساء: 97)، ولا ينبغي أن ينظر الأغنياء إلى العمالة المهاجرة على أنَّهم سوف يؤثرون في أرزاق أهل القطر الأصليّين أو رفاهيّتهم أو أنَّهم سيكونون عبأ عليهم فإنَّ الله جعل الأرض كافية لعباده وقدَّر فيها أقواتها فإذا أحسنوا وعدلوا وصلحوا فلن يعانوا آنذاك من المشاكل ﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (النساء: 135).

إن الله (تعالى) قدر في الأرض أقواتها وجعلها كافية لبني البشر لو أحسنوا العمل وتخلَّصوا من نزغات الشيطان، والتقسيمات التي أحدثها الإنسان في الأرض دون أن يستلهم فيها هداية وتوجيه المالك الحقيقيّ  ولو اهتدى الإنسان بتوجيهات مالك الأرض والسماء لما ضاقت بلاد بأهلها، ولعاش البشر كلهم حياة طيّبة. لكن انحرافات الإنسان عن سبيل الله وطريقه قد أدت به إلى هذه المتاهات فبلاد أترفت حتى التخمة، وبلاد هيمن عليها الفقر والجوع والمرض. وقد ظن الأغنياء الأصحاء المتخمون أنَّهم لن يصابوا بجوع أو فقر أو مرض. ولكن الناظر في أحوال البشر يرى الظواهر العجيبة التي كان ينبغي أن تذكر الإنسان على الدوام بملكيَّة الله للأرض والسماء والإنسان، وباستخلاف الله للإنسان في الأرض وتسخيرها له بيتاً واسعاً يتَّسع للأسرة الإنسانيَّة الممتدة ولكن الإنسان طبع على الشح ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9)، إنَّ التلّوث البيئيّ والاحتباس الحراريّ وتصحُّر الأرض والكوارث الطبيعيَّة وكثرة الأوبئة الحيوانيَّة من أنفلونزا الطيور إلى جنون البقر إلى الحمّى القلاعية وغيرها، كل هذه الظواهر ينبغي أن تنبه الإنسان بمنتهى القوة إلى ضرورة النظر إلى الأرض ووحدتها نظرة جِديَّة، والنظر إلى نوع الإنسان باعتباره أسرة واحدة ليصبح ذلك جزءاً من المعتقد العام الشامل للبشريَّة -كلَّها- وليعيد للإنسانيَّة تراحمها وتواصلها، وتلك هي العالميَّة الحقيقيَّة التي تعين في حل ومعالجة الأزمات، لا العولمة المفتعلة التي تجعل البشريَّة -كلَّها- تدور حول القطب أو المركز الفرد.

– أما النقطة الرابعة: فقد أجبنا عنها في ثنايا إجابتنا على النقاط الثلاث المتقدّمة، وأود أن أضيف: أنَّ الدول التي تملك كثافة في السكان وشحاً في الموارد تجعل هؤلاء السكان يبحثون عن فرص للعمل خارج الأقاليم التي ينتمون إليها ينبغي على هذه البلدان أن تجعل من جيوشها خاصة في حالة السّلم ورشاً للتدريب والتأهيل وتكوين المهارات إذا كان لديها تجنيد إجباريٌّ فتكون “المؤسَّسة العسكريَّة” فيها محاضن لتدريب العمال وتخريجهم بعد فترة انتهاء الخدمة العسكريَّة بحيث يصبحون عمالاً فنيِّين على مستوى عالٍ من الحرفيَّة يمكنهم من المنافسة مع أيّ مستوى من العمالة الأخرىٰ وتجعلهم خبراتهم مرغوبين في أسواق العمل على المستوى العالميّ. وبدلاً من أن تضع القيود على هجرتهم فإنَّها ينبغي أن تنظّم ذلك بنفسها، وأن لا تجعلهم نهباً للوسطاء الجشعين بل تقوم بنفسها وبأجهزتها ومؤسَّساتها بعد تأهيلهم بالبحث لهم عن مجالات للعمل في أيّ ركن من أركان الأرض، إذا لم تستطع استيعابهم في بلدانهم وتأخذ الضمانات الكافية لهم بحيث يحتفظون بكرامتهم، وتحسن الدول المستضيفة معاملتهم، وتحصل الدولة التي ينتمون إليها على رسوم وعملة صعبة بدلاً من جعلهم ينفقون مبالغ كبيرة يفترضونها، ويتعرضون لعمليَّات نصب واستغلال بشع، ولا تستفيد الدولة شيئاً منهم بل قد تخسرهم تماماً حين يتعرضون للهلاك في الطريق أو لسوء المعاملة بعد الوصول، وتخسرهم أسرهم وأهلوهم.

– أما النقطة الخامسة: فما أحوجنا نحن المسلمين خاصة والعرب بصورة أخص إلى استعادة الوعي بـ”وحدة الأمة”، هذه الوحدة التي يعتبرها الفريضة الغائبة في الوقت الحاضر. فإنَّ هناك بلداناً من بلداننا العربيَّة صارت مهدَّدة في دينها وأخلاقها وثقافتها وأمنها ومستقبلها من العمالة الوافدة من غير بلاد المسلمين. والتظاهرات التي حدثت في دبيّ مؤخَّراً مؤشِّر ينبِّه على خطورة تلك الأوضاع ترى لو أنَّ الأمَّة موحّدة ولو على المستوى العربيّ فقط ولدينا كثافة سكانيَّة في مصر واليمن والجزائر وتركيا والعراق وغيرها ولدينا احتياجات للعمل في بلدان مجلس التعاون وبلدان مسلمة أخرى لاشك أنَّ وحدة الأمَّة أو التنسيق أو التضامن بين شعوبها وحكوماتها سوف يزيل كثيراً من المخاطر الحاليَّة والمستقبلة التي تهدّد هذه البلدان. لا أدري ماذا يكون موقف الحكومات الإقليميَّة لو استجابت أمريكا لنداءات منظمات حقوق الإنسان، وفرضت على البلدان التي فيها عمالة من مختلف أرجاء الأرض وأديانها وثقافتها منحها جنسية تلك البلدان وحق التصويت والانتخاب ولو بعد حين فهل يمكن أن تضمن هذه البلدان بقاء عروبتها وإسلامها وثقافتها وتقاليدها ومستقبلها، إن الجزائر -على سبيل المثال- تصل نسبة الشباب فيها إلى أعلى النسب، وكثير من المشكلات الاجتماعيَّة فيها، والاحتقان ناجم عن البطالة وقلة فرص العمل فماذا لو تم تأهيل مئات الألوف من هؤلاء الشباب وتحويلهم إلى عمالة فنِّيَّة قادرة على سدِّ احتياجات بلاد مشرقيَّة أو مغاربيَّة في الزراعة والصناعة أليس ذلك أولى من العيش تحت تهديد المغامرة بالثقافة والدين والتقاليد والمستقبل ودفع أبنائنا في بلدان كثيرة إلى ركوب المخاطر والانتحار في مراكب الموت والوصول بنا إلى الحالة التي نشكو منها.

في الختام: أتمنى أن لا ينشغل الناس -الآن- بالتساؤل هل يعد هؤلاء الذين غرقوا على شواطئ إيطاليا وغيرها شهداء أو لا؟ ففي هذا اختزال معيب للمسألة التي كان ينبغي أن تناقش في إطار النقاط التي ذكرناها ونقاط أخرى كثيرة لم نذكرها ذات علاقة بالموضوع.

فالإنسان إذا انتقل إلى الدار الآخرة فقد صار بين يدي الله (عز وجلّ)، وصار أمره -كلَّه- لرب العالمين فلمن يتحدث أن يتكلم عن الأفعال ويصفها وحدها، لا عن المصير الذي هو لرب العالمين وحده.

نسأل الله (عز وجل) أن يرينا وإياكم الحق حقاً ويوفقنا لإتباعه وشكراً لكم على ثقتكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *