Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

حصر العبادة والاستعانة والهداية به سبحانه

أ.د/ طه جابر العلواني

الحمد لله رب العالمين، نستغفره ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئآت أعمالنا، ونصلي ونسلم على رسول الله ومن اتبعه واهتدى بهديه إلى يوم لقاه.

ثم أمَّا بعد:

حصر العبادة والاستعانة والهداية به سبحانه

ولذلك فإنَّه يعلن التزامه التام بحصر عبادته واستعانته بهذا الرب العظيم ربّ العالمين، فلا يعبد إلهًا غيره، ولا يتخذ لنفسه ربًّا سواه، ولا يستعين إلا به، ولا يستهدى إلا به (سبحانه) “لا يشرك به أحدًا”، وأنَّى  له أن يفعل وقد تفرد (سبحانه) بخلق السماوات والأرض، وهو الذي أنزل من السماء ماءً، فأحيا به الأرض بعد موتها، وأنبت فيها من كل زوج بهيج، وأنبت فيها حدائق ذات بهجة. وهو الذي يهدينا في ظلمات البر والبحر ويرسل الرياح بشرى بين يدى رحمته. وهو الذي بدأ الخلق ثم يعيده. ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (الحشر:22-24) وهو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى ندعوه بها، ونستعين بها، ونعبده بها. ومن عرف ذلك – كلّه- عن الله ربّ العالمين أنَّى له أن يرغب أو يرهب أو يرجو أو يستعين بغيره سبحانه؟!

وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه. ويغيث المستغيث إذا ناداه. وهو القريب إلينا، فهو أقرب إلى كل منَّا من جبل الوريد، سميع بصير، خبير مجيب، عليم قدير. سبحانه. ولذلك فإنَّ دعائنا مسموع عنده، مقبول لديه. وأهم ما تتوقف عليه سعادة الإنسان الهداية إلى الصراط المستقيم، والثبات عليها، والاستمرار والدوام في سلوك سبيلها. ولذلك فإنَّنا نستهديه (سبحانه) وندعوه في هذه السورة التي نقرؤها في اليوم والليلة عدة مرّات: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (الفاتحة:6)، وحاجتنا إلى ترديد وتكرار هذا الدعاء والإلحاح به؛ لأنَّ هناك عدوًّا يتربص بنا، وبمجرد أن نعشو عن ذكر الرحمن أو نغفل ولو للحظة فإنَّه يقفز ليجعل من نفسه قرينًا لنا، يجتالنا عن سبيل الهداية، ويقودنا بعيدًا عن الصراط السويّ، ليلقى بنا في فيافي الانحراف والضلال والغواية، وصحارى التيه في الأماني، ويزيّن لنا تلك السبل، ويحرّك في نفوسنا أسوأ ما فيها. ليجعلنا بعيدين عن هداية ربّنا، فهو عدوّ لله، عدو لنا لا يتردّد عن القيام بأيّ شيء من أجل إضلالنا، وقطع صلتنا بربنا (جل جلاله). فنحن أحوج ما نكون إلى اللجوء إلى الله (تعالى) والاحتماء به من هذا العدوّ المبين. فبدون هدايته (سبحانه) واللجوء الدائم المستمر إليه فإنَّنا لا قبل لنا بمواجهة هذا العدو الخطير الذي لا يتردد بمهاجمتنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا كي لا نكون من الشاكرين له (سبحانه).

إنَّ حاجة الإنسان إلى الهداية مثل حاجته إلى الحياة، بل إنَّ الحياة المنحرفة الضالَّة موت مبكر. فالهداية هي الحياة الحقيقيّة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (الأنفال:24). فالهداية هي الحياة الحقيقيَّة الطيبة، والذي يحول بين المرء وقلبه هو القادر أن يحول بين الشيطان وبين الوصول إلى قلوبنا، والتأثير عليها. وتزيين سبيل الشيطان لها. وهو القادر (سبحانه) على أن يهدينا، ويجعل لنا فرقانًا نفرق به بين الخير والشر والحق والباطل، والهدى والضلال. فطلبنا الهداية، ودعاؤنا أن يثبّتنا (سبحانه) على سبيلها دعاءً يشتمل على طلب الحياة الطيّبة الحقيقيَّة، والمنّ علينا “بالفرقان” نفرّق به بين الحق والباطل والخير والشر والهدى والضلال. بحيث يعزّز جوانب الفطرة فينا، ونعتصم بذلك من الشيطان. وفي دعائنا هذا ندرك أنَّ السبل كثيرة متعدّدة متشعِّبه، لكنَّ سبيلًا واحدًا منها هو الصراط السوي وهو السبيل القويم، وهو الحق ﴿.. فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (يونس:32).

فنحن نسأله (تبارك وتعالى) أن يمنّ علينا بالهداية إليه، فهو ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (الفاتحة:7)، ذلك لأنَّ معرفة الصراط السويّ لا تكفي إلاّ بعد أن يهدينا الله لسلوكها. ويضعنا (سبحانه) عليها. وهناك إشارة إلى أنَّ خلاص الإنسان حقيقة يتوقف على وجود جماعة أمَّة مهتدية ينحاز الفرد إليها، ويكون واحدًا من أبنائها.

فالصراط المستقيم صراط أمَّة تسلكه فتحقق بذلك الحماية للسالكين الذين أنعم الله عليهم بالهداية والحياة الإيمانيَّة والفرقان، فاتخذوا الصراط السويّ لهم صراطًا. فدعاؤنا ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (الفاتحة:6-7) أي إنَّنا نسأله (سبحانه) أن يهيئ أمَّة خيّرة وسطًا تستقيم على الطريقة، وتتخذ من الصراط المستقيم صراطًا لها. هذه الأمَّة هي التي ندعوه (سبحانه) أن يسلكنا في عدادها ويضمنا إليها. ويجعلنا منها وعلى صراطها.

وهو غير صراط المغضوب عليهم الذين لعنهم الله بنقضهم ميثاقهم، وجعل قلوبهم قاسية، يحرفون كلام الله عن مواضعه، ونسوا حظًا مما ذكروا به. وكفروا بآيات الله وقتلوا أنبياءه، واتهموا بعضهم بأشنع التهم وأكلوا الربا، وروّجوا للتعامل به وأكله، وأكلوا أموال الناس بالباطل، واستحلوا السحت والمال الحرام وعبدوا العجل، وتمنّوا عبادة الأصنام فغضب الله عليهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبدة الطاغوت، يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور. فنالهم من الله غضب وذلّة في الحياة الدنيا. هؤلاء الذين أغضبوك يارب جنبنا سبيلهم، واصرفنا عن صراطهم، وباعد بيننا وبين الوقوع فيما سقطوا فيه.

وكذلك نسألك يا ربنا أن تجنبنا سلوك وصراط الضالّين الذين أريتهم طريق الهداية فتنكبوها، ودعوتهم إلى التوحيد فأشركوا وزعموا أنَّ ذلك ما دعتهم رسلهم إليه وهم لم يدعوهم إلا إلى الإيمان بك وتوحيدك وعبادتك وحدك والالتزام بالتقوى لك وحدك يارب، واتقوك يارب، وأخذت ميثاقهم فنسوا حظًا مما ذكروا به، وزعموا أنَّهم أبناؤك وأحباؤك وأولياؤك، وغرتهم أنفسهم فضلوا كثيرًا وأضلوا عن سواء السبيل.

وفي هذا يستحضر المصلّى سائر ما ورد في القرآن المجيد من خصال “المغضوب عليهم والضالّين” وسبلهم التي سلكوها وذنوبهم التي ارتكبوها، ويستعصم بالله، ويستعيذ به (سبحانه) أن يكون منهم، أو أن يسلك سبيلهم، أو يسقط فيما سقطوا فيه. وأن يثبته الله على صراط الذين أنعم الله عليهم ليكون من المؤمنين المفلحين.

إنَّ من يقرأ هذه السورة مرات عديدة في اليوم والليلة، ويستحضر هذه المعاني، ويتذكر مختلف السبل، ويشكر الله أن هداه الصراط السويّ؛ من الصعب أن يزيغ أو يضل أو يجد الشيطان سبيلًا إلى غوايته.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *