Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

حصر الحمد به سبحانه

أ.د/ طه جابر العلواني

الحمد لله رب العالمين، نستغفره ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، ونصلي ونسلم على رسول الله ومن اتبعه واهتدى بهديه إلى يوم لقاه.

ثم أمَّا بعد:

﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (الفاتحة:1-7).

فـ«الحمد لله» على ربوبيَّته للعالمين، وعلى رحمته الواسعة المتنوعة. وعلى انفراده بمالكيَّة يوم الدين.

و«الحمد» هنا يهيئ للقسمة بين الخالق المتفضل والمخلوق.

الاستعانة من العبد، والإعانة من الله.

العبادة من المخلوق والهداية من الخالق.

فالفاتحة هي مقدِّمة القرآن:

  • الموجزة دون إخلال.
  • الشاملة دون إملال.
  • المؤثّرة دون إشغال.
  • الجامعة دون تفريط.
  • المانعة دون إفراط.
  • الرابطة بين العلم والعمل.
  • وبين العلم والتزكيّة.
  • وبين المسئوليَّة والتوكل.
  • والعلاقة بين المعرفة.
  • والهداية والضلال.
  • والدنيا والآخرة.
  • والعمل والجزاء.

في بداية هذه السورة حصر الحمد بمن هو أهله، وبالمتفرد باستحقاقه، ومن لا يليق بالعبد توجيه الحمد الكامل إلاّ له، لتفرده بربوبيَّة العالمين، وكل ما تقتضيه تلك الربوبيَّة المطلقة من صفات، في مقدمتها صفات الحياة والقدرة والقيّوميَّة، والعلم المحيط الشامل، وسائر صفات الكمال التي تليق بربوبيَّته سبحانه وألوهيَّته (عز وجل) ومنها صفتا “الرحمن الرحيم” فهاتان الصفتان تليقان بربٍّ خلق الخلق في أحسن تقويم، ورزقهم من السماء والأرض، وسخَّر لهم كل شيء من شأنه أن يمكّنهم من عبادته، والقيام بمهام الاستخلاف، وتجاوز همزات الشياطين ووساوسهم.

وإدراكُ العبد لمعاني الربوبيَّة كفيل بقيادة ذلك العبد إلى “التوحيد الخالص” وتجاوز الشرك بكل أنواعه، وتحرّر وجدان العبد من الخضوع لأيّ ربّ عدا ربّ العالمين. فهو من إذا دعوته سمعني. وهو من يملك نفعي وضرّي فأرجوه لنفعي، وألجأ إليه لكشف ضري. لأنَّه الذي خلقني وربَّاني، وهو من يملك قيادتي وتوجيهي نحو سبيل الهداية فهو يهديني السبيل الأقوم. ولربوبيَّته لي هو يطعمني ويسقيني، وإذا مرضت فهو يشفيني وهو -وحده- من يملك أسباب موتي وحياتي “فهو الذي يميتني ثم يحييني وحين أخطئ أو أذنب فهو- وحده- الذي يغفر له خطيئتي، ويمحو ذنبي، ويعفو عني يوم الدين ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (الشعراء:78-82)؛ لأنَّه- وحده- مالك يوم الدين- لا أحد يشاركه الأمر، أو يملك الشفاعة في ذلك اليوم إلا هو، ومن يرتضي ويأذن له من رسله الكرام.

 وهذا الربُّ المتفرّد بالربوبيَّة، متفرّد كذلك بالألوهيَّة فلا معبود غيره، ولا إله سواه، ولا معين إلا هو. فبذاته العليَّة يجب أن نحصر عباداتنا بكل أشكالها ومستوياتها، وبذاته وجلاله ينبغي أن تكون استعانتنا. فهو الذي ﴿.. يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ .. (النمل:62)، وهو الذي سخّر لنا كل شيء. وخلق لنا السماوات والأرض، وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقًا لنا، وسخّر لنا الفلك لتجري في البحر بأمره، وسخر لنا الأنهار. وسخّر لنا الشمس والقمر دائبين، وسخّر لنا الليل والنهار. وأعطانا من كل ما سألناه وما لم نسأله بحيث أصبحت نعمه علينا مما لا يحصى ولا يحيط به عدّ أو عدد. وهو الذي يرزقنا من السماء والأرض دون توقف، ودون اعتبار بطاعاتنا أو معاصينا. وهو الذي سخر لنا البر والبحر والجو لتسفيد بكل ما خلق. وهو من زودنا بقوى الوعى من سمع وبصر وقلوب وأفئدة. وهو من يملك استرداد ذلك – كلّه- إن شاء وحرماننا منه. وهو من يهدينا إلى الحق لا يهدي إليه أحد سواه. وهو الذي أنعم علينا بالقرآن العظيم والذكر الحكيم تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة ونورًا وموعظة وشفاءً لما في الصدور. وهو الذي يرسل علينا الحفظه، ويجعل منهم معقّبات يتعاقبون فينا بالليل والنهار يحفظوننا من أمره بأمره، وهو الذي سخر لنا البحر لتأكل منه لحمًا طريًّا، ونستخرج منه حلية تزيد حياتنا جمالًا وبهاءً وزينة، ونسيّر فيه السفن الجواري كالأعلام لننتقل بها من موقع لآخر نبتغي من فضل الله.

وهو الذي أنبت الزرع والزيتون والنخيل والأعناب وكل الثمرات، وخلق لنا الخيل والبغال والحمير نركبها وزينة لنا في حياتنا، وتحمل أثقالنا، وخلق لنا الأنعام فيها دفء ومنافع وطعام نأكله، ولنا فيها جمال حين نريح وحين نسرح. إضافة إلى الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم. وهو من جعل لنا الأرض مهادًا وألقى فيها رواسي أن تميد بنا، وجعل فيها أنهارًا وسبلًا وعلامات تهتدي بها. وهو الذي جعل لنا من أنفسنا أزواجًا وجعل لنا من أزواجنا بنين وحفدة، ورزقنا من الطيّبات. وهو الذي جعل لنا من بيوتنا سكنًا، وجعل من جلود الأنعام وأشعارها وأوبارها بيوتًا خفيفة متنقلة نسكنها عندما نكون في حال ارتحال وتنقل أو في حال إقامة إن شئنا. ونتخذ من أشعارها وأصوافها وأوبارها أثاثًا ومتاعًا.

هذا كله وكثير غيره تستدعيه وتستحضره في العقل والقلب والوجدان تلك الآيات الأولى من هذه السورة العظيمة سورة الفاتحة؛ إنَّها تستدعي القرآن – كلّه- ليكون حاضرًا في ذهن وعقل وقلب قارئها المصلّى. فلا يغيب شيء منه عن قوى وعي القارىء المصلّى المتدبّر.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *