Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

تفكك مفهوم الأمة وضرورة المراجعة

أ.د/طه جابر العلواني

ما يهمني هو بيان كيف تحطم مفهوم “الأمة” وتم تفكيكه لصالح دعاة الطائفية السياسية والحزبية والمصالح والولاءات الضيقة؛ بحيث لم يَعُد عند أي من هؤلاء أي ولاء للأمة أو للملة، وذلك ليعلم من بقي من أبناء الأمة أننا في حاجة ماسة، بل في حالة اضطرار إلى العمل الجاد لتحقيق أمرين اثنين:

الأول: توحيد الله -تعالى- وإفراده بالألوهية والربوبية والصفات وتكريس ولائنا -كله- له وحده لا شريك له من حكومة أو طائفة أو حزب أو قبيلة أو سواها.

الثاني: العمل على إعادة بناء الأمة -مفاهيم وكيانا- لعل ذلك يساعد على إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وأهم ما نحتاجه لتكون البداية سليمة أن نقوم -جميعا- بعملية مراجعة جماعية على مستوى الأمة -“سابقا”- لتراثنا كله، منذ وفاة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- والتحاقه بالرفيق الأعلى، وحتى الساعة التي نحن فيها.

وهذه المراجعة يجب أن تكون مراجعة منهجية تنهض بأعبائها الجسام جامعات متخصصة ومراكز بحوث تضم صفوة من علماء الأمة المتخصصين في كل فروع المعرفة. وهذه المراجعة ليست من قبيل الترف الفكري، بل هي مراجعة ضرورية يستحيل بناء مشروع يستهدف إعادة بناء “الأمة” من دونها.

فإننا في كثير من محاولات الإصلاح والتجديد السابقة كنا نهرع إلى المواجهات التي تُفرض علينا، أو نتصدى لها دون قيام بالمراجعة فنفرح بانتصار شكلي أو غلبة مؤقتة لا تلبث أن تتبخر في مواجهة أخرى، وهكذا. فبقيت سلبياتنا الفكرية تتراكم، وأخطاؤنا وانحرافاتنا تترسخ حتى بلغنا هذا الحضيض الذي نتردى فيه.

إننا في حاجة إلى المراجعات الشاملة لعلومنا وثقافاتنا ونظمنا وحركاتنا وتاريخنا -كله- ومهما أخذت هذه المراجعة من جهد ومال ووقت فإنها ضرورة لا بد منها، وشرط مسبق لا بد من تحقيقه، ولا يقبل -بحال- تجاوزه.

وقد يكون لي أن أقترح على إخواني المؤرخين تقسيم تاريخ الأمة إلى مراحل ثلاث:

المرحلة الأولى: هي المرحلة الممتدة من عصر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وحتى عصر التدوين.

المرحلة الثانية: من عصر التدوين حتى بداية مرحلة الاحتكاك بالغرب من موقع الضعف والفرقة والتمزق.

المرحلة الثالثة: وهي التي بدأت فيها الأمة محاولة اللحاق بالركب الغربي الأوربي، ولا ترى مانعا من تبني رؤيته وأفكاره ونظمه وعلومه لإحداث التجديد أو بلوغ الحداثة، ويمكن اعتبار نهاية المرحلة الثانية وبداية المرحلة الثالثة من عصر سليم الثاني، أو دخول نابليون مصر أو أي مفصل تاريخي مؤثر آخر.

وإذا كنا قد ذهبنا إلى اختيار هذا الفاصل؛ لأنه يمثل فاصلا حقيقيا في مجال الرؤية الكلية والمعرفة والثقافة والفكر والتشريع وأنماط السلوك والحياة، فهذه -كلها- في المرحلة الأولى كان المنطلق فيها من الإسلام؛ فهو المرجعية المطلقة والوحيدة فيه.

أما المرحلة الثانية فقد تغيرت المرجعية فيها فصارت مزدوجة تجرى فيها مقاربة معطيات مرجعية -من فلسفة وعلوم موروثة عن الأوائل وسواهم- بالإسلام.

وفي المرحلة الثالثة دخلت المرجعية الغربية إلى الساحة بالمقاربة ثم المقارنة، وهكذا حتى ألف المسلمون ذلك وهيمنت المرجعية الغربية على حياة المسلمين كلها؛ من النظام السياسي إلى نظام إدارة المساجد والمؤسسات الدينية. وأرزت المرجعية الإسلامية، وانكمشت لتحصر في دائرة ما عرف بـ”الأحوال الشخصية”. وحتى هذه بقيت المرجعية الغربية تزحف عليها وتنقصها من أطرافها حتى لم يبق منها إلا القليل الذي تجرى الآن عملية إنهائه والتخلص منه. * مقاييس مقترحة للمراجعة:

ولقائل أن يقول: وماذا عن “الصحوة الإسلامية” والبنوك الإسلامية والتعليم الإسلامي، بل والانقلابات الإسلامية، والحكومات الإسلامية، والحكومات التي انبثقت عنها، بل هناك “السياحة الدينية” بتكرار الحج والعمرة لدى فريق، وزيارة أضرحة الصالحين وشهداء آل البيت، ألا يدل ذلك على أن المسلمين ما يزالون بخير؟ فأقول:

إن هذه الممارسات -كلها- تنطلق من فكر المقاربات والمقارنات، ومن إحساس عميق بالهزيمة والإحباط، ورغبة شديدة في الغياب عن الشهود، فالشهود قاسٍ معذب مؤرق موجع، والكل يحب الغياب، ولكلٍّ وجهته في التخلص من عذاب الشهود بالغياب، أي غياب، لكن ذلك -كله- لا يغير من حقائق الواقع شيئا.

إن مراجعة تفاصيل تراث المراحل الثلاث ضرورة لا بد منها، ولا بد أن يتم ذلك وفقا لمقاييس صارمة مطردة منعكسة لا تحابي أحدا ولا تجامل فرقة ناجية أو هالكة.

وهذه المقاييس المقترحة للمراجعة يمكن تحديدها إذا طرحنا على كل معنيٍّ بجانب من جوانب المراجعة الأسئلة التالية لعلها تعيد بناء وترميم حاسة المراجعة لدى هؤلاء، وهي:

الأول: كيف بنى الله (جل شأنه) هذه الأمة، وكيف صنعها على عينه؟ وما هي دعائم ذلك البناء، وما هي الخصائص الذاتية التي أودعها الله ذلك الكتاب وأناط بها بقاءه واستمرار تقدمه ودوامه، أو غرس فيها قابليات التجدد وقابليات الانهيار، واستعدادات الاستقامة، وبذور الانحراف.

الثاني: بعد أن يجري تحديد ذلك بأقوى وأعلى ما يمكن من أوجه الدراسة المتعمقة، والتحليل الدقيق يطرح السؤال التالي:

كيف يمكن أن نصحح العقيدة والرؤية الكلية القائمة عليها بحيث نجعل منهما وسيلة ومنطلقا لإيجاد وعي عقيدي صادق يتسم بالحيوية والحياة والحركة، قادر على فهم التاريخ، وتحليل عناصره، واستيعاب دروسه، وتحويلها إلى رافد يرفد الوعي، ويزيد في حركيته، وعي يستطيع إدراك العلاقات المتينة بين سلامة العقيدة، وصحة الرؤية الكلية، وقوانين القوة والطاقة المادية والمعنوية، هذه القوانين التي بثها الله (تبارك وتعالى) في القرآن والإنسان والكون، وهي قوانين وسنن ثابتة لن تجد لها تحويلا ولا تبديلا، الإنسان مسئول مسئولية مباشرة عن اكتشافها، ومعرفة كيفية توظيفها بصرامة منهجية لا تقل عن ثبات السنن وصرامتها، وذلك لإحداث حالة “العلو”، “الإسلام يعلو ولا يعلى عليه” وتجاوز حالة “الاستعلاء المفتعل”. فبلوغ ذلك يمنح الأمة “حالة التفوق”.

“والجمع بين القراءتين” الذي ننادي به ونصر عليه، هو السبيل للكشف عن تلك السنن وبلوغ تلك القوانين، وهو الذي يقود بدوره إلى:

الشرط الثالث: وهو مراجعة الحالة العقلية والنفسية للأمة مراجعة شاملة ودقيقة، من شأنها أن تمكن من الكشف عن سائر العناصر السلبية في فكر الأمة، وكيف نشأت، ومم نشأت، وما الذي أدت إليه، وكيف يمكن تطهير عقلية ونفسية الأمة من تلك الإصابات؟ وكيف يمكن إيجاد جهاز مناعة يمنع من إصابة العقلية والنفسية الإسلامية بهذه السلبيات في المستقبل؟.

ولا بد من الكشف عن مبادئ ووسائل تكوين آلية عقلية ونفسية تعمل على تشكيل طاقة فكرية سليمة ومعطاءة تؤدي إلى توليد ذاتي لعناصر المناعة والقوة، وإيجاد الأفكار السليمة باستمرار لئلا يكون هناك فراغ تمتد الأفكار السلبية فيه، وهذه الآلية هي التي تجعل العقل المسلم قادرا دائما على قراءة المعطيات الكونية وموجهات القرآن لفهم القوانين والسنن التي تجعله ممسكا على الدوام بعناصر القوة المعنوية والمادية في توازن تام.

الرابع: إدراك فعل الزمن وصيرورته في تغيير مستويات القوة والتفوق، وأثر ذلك في تغيير الوسائل والإمكانات التي تمكن من توظيف مؤشرات الوحي وقوانين الكون وسننه، والطاقات الإنسانية بشكل علمي منهجي مترابط قادر على توليد عناصر القوة المناسبة للمستويات المختلفة، فلا يحدث خلل أو فراغ أو تعطيل في أي جانب.

الخامس: إدراك العلاقات الجدلية القائمة بين الغيب والإنسان والكون. هذا الإدراك من دونه يتعذر أن يتمكن العقل المسلم من القيام بمتطلبات النقد والمراجعة التي تقود الإنسان المسلم إلى حالة التجدد والتجديد.

إن لأمريكا ولأوربا والصين وروسيا والدولة العبرية أهدافا محددة واضحة من بلوغ “حالة التفوق”، وهي باختصار: توجيه مقومات هذا التفوق بكل أنواعه لكسر إرادة الآخر، ودفعه إلى الاستسلام لإرادته أو القضاء على مصادر هذه الإرادة، وهي عقيدة ذلك الآخر ورؤيته الكلية، ونموذجه المعرفي والتنظيمي، وقدراته الإنتاجية. أو حمله على قبول مبدأ التبعية لتلك الذات، أو القضاء عليه ذاته، ولذلك تتنوع وتتعدد الوسائل المستعملة من قبل الذات ضد الآخر من وسائل سياسية إلى ثانية عسكرية، إلى اقتصادية وفكرية وثقافية وإعلامية وعلمية. وقد تستعمل -كلها- مرة واحدة، وذلك بحسب ما يراه الطرف المتمثل بالذات، وتقديره لمستوى إرادة الطرف الآخر وما ينبغي توجيهه ضده لتحقيق الهدف وكسر الإرادة.

ونستطيع القول: إن ما استُعمل ضد الشعوب العربية والإسلامية التي كانت تشكل “الأمة المسلمة” في تاريخنا الحديث كان شاملا لكل تلك الوسائل لم يستثن شيء منها، فقد أخضعت لضغوط عديدة تحت شعار “حماية الأقليات غير المسلمة” أو أي شعار آخر، وحين اكتشفوا ضعفها عن المقاومة، وذلك -كله- على خلاف ما اعتادوه منها في تاريخه البعيد، أخضعوا أهم حواضرها لقبول الاختراق التعليمي والتجاري والمالي والسياسي، ثم الغزو العسكري، والاحتلال المباشر لتفكيك منظوماتها العقيدية والفكرية والسياسية والقضائية والشرعية، وتفريغها وجعلها على استعداد لقبول البدائل الغربية، وذلك -كله- تمهيدا لإدماجها في تيار “العولمة الحداثي” أو ما بعد الحداثي.

وهذه هي المرحلة التي نحن فيها. مرحلة تفكيك سائر ما بقي من البنى وجميع أطلال المنظومات تمهيدا لإعادة تشكيل الأمة المسلمة وفقا للتصور الغربي الصهيوني.

إن ابتلاء الأمة بالمصائب والكوارث، ومنها كوارث الاحتلال، وهيمنة الأعداء يفترض فيه أن يدفع الأمة -غالبا- إلى عمليات المراجعة والنقد، إذ إن الصدمات التي تحدثها عالية جدا في طاقاتها بحيث تدفع بكل فصائل ذلك الشعب أو الأمة إلى وقفة مع النفس وبحث عن الأسباب، ومجموعة المشاعر التي تحدثها تلك الصدمات كفيلة بإخراج الناس من سائر مؤثرات الحالة الرتيبة والسلبيات التي تكتنفها إلى حالة مراجعة تحقق التجديد. * درس من التاريخ الأوربي:

إن في فتك الكنيسة بالعلماء أمثال “جاليليو” في بداية عصر الأنوار دلالة واضحة على أمرين:

الأول: أن الكنيسة كانت ترفض أية مراجعة حتى للمسلمات الخاطئة حول الأرض، وعناصر الكون؛ لأن المراجعة سوف تهز القواعد العقيدية التي تمثل المرجعية لتوليد الرؤية الكلية، المولدة لأصول ومنطلقات القوة.

الثاني: أنها ترفض -في الوقت ذاته- أن تفتح الباب أمام اتخاذ أية مرجعية أخرى، ومنها مرجعية العلم؛ لأن ذلك يعني أن مرجعيتها في تقديم المضمون الفكري والعلمي للبشرية سوف تنتهي، أو في أحسن الأحوال سوف تتقلص، وبالتالي تنتهي هيمنتها على مصادر التكوين العقلي والنفسي وتوليد أصول القوة.

ولذلك فإن علينا أن ندرك أن لدينا قوى كثيرة ترفض المراجعة، والاعتراف بالقصور، وتمارس حالات استعلاء كاذب لا أساس له. وهذه القوى موزعة بين تياري التراث والحداثة معا. ولذلك فإن مهمتنا ستكون شديدة الصعوبة، ومعاركنا ضد هذه القوى الرافضة للمراجعة طويلة المدى، لكن الله معنا، وحركة التاريخ لصالحنا، فكيف نقوم بتسخيرها؟. * شروط الاستعداد للتجدد وممارسة الدور:

من هنا فإن على المعنيين بقضية “الخلاص والإصلاح” في الأمة المسلمة أن يكونوا:

أولا: على وعي تام بقواعد وأسباب الحركة التاريخية، وأن يقودوا عمليات المراجعة لتاريخ الأمة وتراثها وحاضرها بعد الكشف عن تلك القواعد والوعي بها.

ثانيا: هم في حاجة ماسة إلى الوعي بالأبعاد العقيدية وأركان العقيدة وأصولها -كما يقول الكلاميون- وعلاقاتها بأصول القوة، وقوانين الحركة التاريخية.

ثالثا: الوعي بالعلم، والإيمان بأنه ركن لا يصلح شيء دونه، وأن الأمة تكتسب من عناصر القوة ومصادرها بقدر ما تكتسب من العلم. وأنه إذا كان الله -تبارك وتعالى-قد فرض بالدليل القطعي من القرآن على الأمة الأخذ بسائر أسباب القوة المادية والمعنوية بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (الأنفال: 60)؛ فإن ذلك فريضة محكمة وقانون إلهي وكوني لا يمكن للإنسان أن يتدين به ويطبقه من دون العلم، فإن الخطاب القرآني العالمي يتعامل مع كل عصر بحسب سقفه المعرفي، والوسائل والتقنيات التي تتحكم بحركة كل عصر وسائل تختلف.

وهنا أود أن أنبه إلى أن خروج المسلمين من عهدة الفرض الإلهي في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (الأنفال:60) لا تتحقق بشراء واستيراد الأسلحة الجاهزة منهم. بل هو ذنب آخر يبوء به المسلمون المستوردون لتلك الأسلحة. كما أن الاعتماد على الغير، ومن ذلك الغير تلك المنظمات المسخ التي لا يعتد بها إلا الضعفاء، ونسبة الوهم الآخر الذي يسمونه بـ”الشرعية الدولية”!! وطلب النصرة منها فقط اعتمادا على غير الله، وطلب للنصر من سواه، فلا بد أن ينسب النصر ويحصر بالله تعالى خالق الكون والإنسان والحياة، وواضع السنن والقوانين، وهو القادر على تحقيق نتائج القوانين والسنن، وترتيب المسببات على تلك الأسباب.

رابعا: الوعي بأهمية المال والدور الخطير الذي يؤديه في بناء أسباب القوة للأمم، ولذلك اشتد اهتمام القرآن به وبتنظيم عوامل الحصول عليه، وتوظيف سائر قوانين التسخير للكون والخلق للحصول عليه، وتنظيم وإنماء عوامل ووسائل الإنتاج. وتناول القرآن المجيد وسائل التوزيع ووسائل استعمال الفائض إن وجد، ونهى عن وضع ذلك بأيدي السفهاء، وهو وصف في غاية الخطورة، فقد وصف به المنافقون، قال الله (تعالى): ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (النساء:5) ويقول في المنافقين: ﴿..أَلَا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:13) ذلك يعني أن المال مصدر من أهم مصادر بناء الأمم وتشييد قوتها.

وهنا لا بد لحمَلة ألوية التجديد والإصلاح في الأمة من الوعي بخطورة كبائر تمكين أعداء الأمة من أموالها ومواردها، سواء بالهبة أو الإيداع، أو خفض الأثمان. ورهن مصادر أموال الأمة لدى أعدائها بطريق القروض والرهون وما إليها من وسائل معاصرة لتبديد أموال الأمة.

خامسا: الوعي بأهمية الإنسان عقلا ونفسا وجسما، وهنا يتم تشغيل مجموعات هائلة من القواعد القرآنية والسيرة النبوية العطرة والسنن الثابتة لبناء الإنسان السوي الذي يصلح أن يكون لبنة صالحة سليمة قوية في بناء الأمة.

ورصد القرآن سائر السلبيات التي شلت إنسان هذه الأمة ونزلت به عن مستوى النموذج الذي رسمه القرآن بقوله (تعالى): ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (النحل:75، 76).

فمن هو المؤمن القوي الذي فضله رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- على المؤمن الضعيف، إنه القوي الأمين الغني القادر على أن يسد احتياجاته وينفق على نفسه وسواه سرا وجهرا. إنه الهادي المهتدي الذي يعرف كيف يكون على صراط مستقيم حين تلتبس بالناس السبل، ويعرف كيف يأمر بالعدل ويحققه، ويجعله مع القيم الأخرى واقعا تستظل البشرية بظلاله الوارفة. إنه المؤمن الذي يدرك كيف يكتسب كل أنواع العلوم والمعارف والخبرات ويستفيد من التجارب، ويوظف سائر قواه وطاقاته العقلية والنفسية والجسمية أحسن توظيف. وفي مقدمتها قوى وعيه الثلاث “السمع، والبصر، والفؤاد”.. ذلك هو المؤمن القوي. وذلك هو العنصر الصالح لأن يكون عضوا في هذه الأمة.

سادسا: فإذا اجتمعت كل تلك العناصر فلا بد من الكشف عن كل قوانين التأليف بين هذه العناصر وسائر القوانين المضادة لتلك القوانين. والقرآن المجيد لم يغادر شيئا من هذه القوانين إلا وتناوله، وكل المطلوب نهوض أهل الذكر بأعباء الفهم والتحليل والعمل على تفعيل هذه القوانين بعد استيفاء ما تقدم لبناء القوة الفريدة “الأمة”.

إن الأمة حين تقوم بالوعي بكل ما تقدم وتحسن مراجعته، تكون قد قامت بالمراجعة واستوفت شروط الاستعداد للتجدد ولممارسة الأدوار المنوطة بها بشكل لا يخالطه أي شك ببلوغها أهدافها إن شاء الله تعالى.

إننا نأمل أن تكون وقائع القرنين الماضيين وبدايات هذا القرن قد أفرزت وشكلت دوافع، لا نقول كافية، بل زائدة عن الحد لحمل أبناء أمتنا على القيام بالمراجعة والوقوف على طريق التجديد بعون الله تعالى وفضله وعزته ونصره ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق:37) .

وحين بنى الله (تبارك وتعالى) هذه الأمة الشاهدة أوضح بما لا يدع مجالا للنقاش أن الباني لهذه الأمة وواضع أسس بنائها هو الله -جل شأنه- وأن من كلف برفع قواعد هذا البناء -الأمة- هو رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- متبعا في ذلك ما أوحي إليه من ربه. إذ إن الأمة هي خليفته من بعده في مهمة الشهادة على البشرية، والحضور الدائم بينها حتى قيام الساعة ﴿.. وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الحج:78).

والله (عز وجل) تكفل بعصمة رسول الله من الناس ﴿..وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ .. ﴾ (المائدة:67)  فما نال منه أحد. وتكفل بحفظ القرآن ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:9) فلم يستطع أحد النيل منه، لا في عصر نزوله ولا فيما تلاه، وسيبقى محفوظا بحفظ الله (تعالى)  إلى يوم الدين.

والأمة المسلمة تكفل الله -بذاته العليا- بالتأليف بين قلوبها مشروطا دوامه وبقاؤه باعتصامها بحبل الله. فإذا أرخى المؤمنون أيديهم عن التمسك بحبل الله (تعالى) سقطت حالة التأليف، وعادت حالة العداء. ولقائل أن يقول: ولِمَ لم يكن الأمر قدرا حتما كما كان الحال في “عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم” وحفظ القرآن؟ والجواب: أن الإنسان حُمل أمانة الاختيار، فباختياره يعتصم بحبل الله، أو يفرط فيه، وللاعتصام شروطه ودرجاته، وللتفريط دركاته.

والله (تبارك وتعالى) هو الذي يعلم من الأمة استيفاءها لشروط التأليف، فيؤلف بينها ﴿..لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال:63)  أو عدم استيفائها لتلك الشروط، وآنذاك لن تجتمع على شيء، ولن يستطيع أحد جمع كلمتها.

وعلى هذا، فعلى عناصر الأمة المفرقة الممزقة أن تسعى لاستيفاء شروط التأليف في كل عصر بحسبه، ثم تتعرض لنفحات الله (تبارك وتعالى) ليمن عليها بالتأليف بينها، وإعادة وحدتها وكيانها. * فتنة حديث “افتراق الأمة”:

إن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب بعد أن ضرب الإسلام فيها ونزل قوله (تعالى): ﴿..الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا..﴾(المائدة:3)، كما يئس من اجتيال الأمة -كلها- عن دينها. ورضي من دون ذلك بما يحقر الناس من أعمال. ولم يستطع إبليس اللعين بكل ما أجلب على القرآن من خيل ورجال وكهانة وسحر ومحاولة معارضة وتشويش أن يخترق هذا القرآن، الذي حال الله -تبارك وتعالى- بينه وبين اختراقه وحفظه وحرسه بنسفه، فعمد اللعين إلى فتنة التفسير والتأويل وفتنة الأحاديث.

أما فتنة التفسير فقد استطاع اللعين وأنصاره أن يحملوا على القرآن المجيد فيه كل التراث الزائف المريض الذي حفل به تراث الأمم السالفة -مستغلين تماثلا موهوما بين بعض موضوعات ومحاور القرآن، وتراث تلك الأمم في قضايا الخلق وقصص الأنبياء والأحداث الكبرى كالطوفان وما إليه. وشتان بين ما أورده القرآن في هذه الأمور، وما جاء في التراث المريض الموبوء، فالقرآن في كل ذلك جاء بالصدق وصدق به. أما ذلك التراث فقد زيف الصادق، وحرف الكلم عن مواضعه، وكان الكذبة -والويل لهم- ﴿..يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ..﴾ (البقرة:79).

وأما التأويل فقد أسرفوا فيه، وبالغوا، بل أتوا فيه بالعجائب.

وأما فتنة الأحاديث فقد كانت فتنة عمياء مضلة، حيث قامت حركة وضع وفبركة وأكاذيب تداعى لها الوضاعون ومحترفو الكذب، فنسبوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- الألوف من الأحاديث الموضوعة التي نزه الله لسان نبيه الشريف عن قول شيء منها. ونسبوا إلى الصحابة من الآثار ما لم يقل أحد منهم شيئا منها.

ومع أن جهابذة علماء الأمة قد أسسوا علوم الإسناد وعلوم الرجال، وجعلوها من الدين وبذلوا فيها من الجهود ما لم تقم أمة بمثل جزء منه. بيد أن أعدادا محدودة من تلك الآلاف الكثيرة قد نفذ من معايير ضوابط الأسانيد، وضوابط نقد المتون فوصل إلى عقول الناس واشتهر على ألسنتهم، وشاع بين القصاصين والواعظين والراغبين في نقل وتناقل الغرائب، فتوهم الناس أنه صحيح، فتمسكوا به، وعملوا بمقتضاه، فولد ثقافة مريضة، وأفكارا معطوبة، وسلوكيات منحرفة أورثت الأمة فرقة وضعفا وانحرافات غاية في الخطورة.

وبعض علماء الفرق والمذاهب والطوائف وجدوا في بعض هذه الأحاديث ما يستطيعون دعم بعض آرائهم ومواقفهم به إذا اتخذوه شاهدا أو دليلا، فابتكروا دعوى “التواتر المعنوي” لما عز عليهم أن يجدوا له سند صحة فضلا عن دليل تواتر. وأضافوا إلى تلك الدعوى دعوى غامضة أخرى لا تندرج تحت أية قاعدة منهجية، وهي: “تلقته الأمة بالقبول”.

وكلتا الدعويين “التواتر المعنوي”، و”تلقته الأمة بالقبول” دعاوى غامضة لا تلتقي مع المناهج التي وضعها المحدثون أنفسهم، ومع ذلك فقد استعملت في تصحيح وتعزيز أحاديث تعلقت بموضوعات في غاية الأهمية. والحديث الذي يهمنا تناوله من بين تلك الأحاديث في بحثنا هذا حديث “تفرق الأمة” وهو نموذج من أخطر النماذج التي تسللت إلى عقل الأمة تحت ستاري “التواتر المعنوي” و”تلقته الأمة بالقبول”.

وهذا الحديث بألفاظه المختلفة قد أحدث في بناء الأمة شروخا ما تزال تعاني منها إلى اليوم. ولا ندري متى تتمكن الأمة من الانعتاق منه ومنها. بعد أن تأسست علوم صارت تشكل أقساما دراسية في جامعاتنا وكلياتنا المعاصرة وحوزاتنا العلمية. فعلم “الفرق والملل والنحل” قد قام على أساس من هذا الحديث.

إن حديث “افتراق الأمة” جاء بألفاظ كثيرة تتجاوز العشرين لفظا، من طرق عديدة، منها: طريق علي -رضي الله عنه- وأبي هريرة، وأنس بن مالك، ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم. وقد أخرج الترمذي وأبو داود وأحمد وابن عبد البر وابن وهب في جامعه، وروايته أغرب الروايات حيث زاد في عدد الفرق زيادة لم نجدها في روايات غيره، حيث أورده بلفظ: “إن بني إسرائيل تفرقت إحدى وثمانين ملة، وستفترق أمتي على اثنتين وثمانين ملة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: الجماعة”. وقد اختلفت ألفاظه اختلافا شديدا، فلم نجد لفظين منها قد اتفقا. كما أن أسانيده -كلها- لم يخل واحد منها من راو أو أكثر ضعيف، أو مجهول، أو مخطئ، أو مختلف فيه أو صاحب بدعة أو منكر الحديث.

وقد جمع المحدث الكبير الشيخ محمد يحيى سالم عِزّان روايات حديث “افتراق الأمة” فوجد كما وجدنا أن ألفاظه شديدة الاختلاف، وأن تلك الاختلافات في نقل ألفاظه كانت ذات تأثير كبير في اختلاف معانيه.

وحين نستعرض ما جمع من روايات الحديث يُلاحظ أن الروايات التي حظيت بتصحيح بعض المحدثين وتخريجهم جاءت بألفاظ تخبر بأن هذه الأمة سوف تتعرض إلى (داء الاختلاف) كما عرض ذلك الداء لأمم خلت من قبلها. ورسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- حين يحدث الأمة بمثل هذا الحديث فإنه يعظها، ويقوم بعمليات تحذير مسبقة لتحصينها من ممارسة ما قد يؤدي بها إلى الفرقة والاختلاف المدمرين لكيانات الأمم. فهو ليس كما فهم الكثيرون بأنه -صلى الله عليه وآله وسلم- كان يخبر بذلك باعتباره نبوءة أو كما سموا مثله (أعلام النبوة) فيكون بمثابة قدر مقدور لا حيلة للأمة بدفعه ولا بد من وقوعه. بل هو وعظ وتحذير من الوقوع في مستنقع الاختلاف.

فإذا وقع الاختلاف بالرغم من جميع الاحتياطات التي اتخذتها الأمة، فهنا لا بد من الوقوف في وجه الباغي حتى يثوب إلى رشده، إذ إن هذا الحديث بذلك -وحده- يصبح منسجما مع قوله (تعالى) ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات:9).

وبذلك تكون الأحاديث الصحيحة واردة أساسا على تحذير المؤمنين ووعظهم أن يسقطوا في براثن الاختلاف؛ فإن حدث ووقع ذلك بينهم فالمخرج منه ما ذكره الله (تبارك وتعالى) من الاحتكام إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في حياته، وبعد وفاته إلى الكتاب الكريم وبيانه من السنة.

أما ذلك الفهم الذي أدى إلى قيام “علم الملل والنحل والفرق” فإنه نظر إلى هذه الأحاديث على أنها إخبار من الصادق الأمين -صلى الله عليه وآله وسلم- بوقوع ذلك الافتراق حتما. ونظرا إلى وجوب تصديق رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في كل ما يخبر به، فقد اعتبروا أن الافتراق والاختلاف والتنازع قدر حتم لا راد له، وما علينا إلا أن نستسلم له ونرضخ ونتنازع من هي الفرقة الناجية والهالكة. وهذا ما لا يمكن أن يكون مراد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يتفق مع ظاهر القرآن في التوكيد على التأليف بين المؤمنين، وجمع كلمتهم ونبذ ما يفرق بينهم، والعمل على احتوائه والتقليل من آثاره عندما يحدث.

* إشكالية الفرقة الناجية:

إن الاختلاف بينهم في ألفاظه ومعانيه ورجاله وأسانيده، وضعفه ووضعه وصحته بلغ الغاية، ومع ذلك فإن جل الفرق قد تبنت تداوله والاستشهاد به، لأن كل فرقة وجدت فيه ما يمكن أن يعزز موقفها، ويجعلها الناجية، الحافظة لسنن رسول الله والممثلة للجماعة. وبعض هذه الفرق وضعت من الألفاظ ما يناسب مرادها، وكل ذلك يرفع إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وينسب إليه، وحاشاه صلوات الله وسلامه عليه أن يأتي بما لا يقبله كتاب الله -تبارك وتعالى- وأنى للقرآن أن يقبل ذلك، وهو الباني لهذه الأمة لبنة لبنة والحارس لوحدتها.

والحديث قد أفرد له الشيخ محمد سالم عزان دراسة خاصة نشرت في مجلة المسار، ثم نشرت مستقلة، وقد استقرأ فيها رواياته -كلها- عند سائر الفرق المسلمة، وبيّن ما في كل رواية من ضعف أو وهن أو إرسال أو تدليس أو جهالة، وقام بنقده ألفاظا وأسانيد، وخلص إلى أن الحديث لا يصح بحال وفق مناهج المحدثين لدى أية فرقة أو طائفة، وقد اتضح من دراسته أن تصحيح الألباني لبعض ألفاظ الحديث لا يركن إليه، فهو تصحيح في حاجة إلى تصحيح. ولعلنا نوفق إلى إفراد هذا الحديث بدراسة خاصة أخرى نبين فيها الآثار النفسية والعقلية والاجتماعية التي أحدثها هذا الحديث في البناء التربوي للأمة.

وقد أثرنا هذا الموضع المتخصص في هذه الدراسة التي لِمَ نوجهها للمتخصصين، بل لجمهرة الأمة؛ لأننا رأينا أننا لا بد أن نصارح علماء السنة والشيعة -معا- في العراق بأن النجاة والهلاك أمران أخرويان، وأن الحكم في أي منهما منحصر بالله (تبارك وتعالى) فهو الذي يحكم بين عباده فيما هم فيه يختلفون.

أما الدنيا فهي دار العمل والابتلاء ﴿..لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا.. ﴾ (تبارك:2)، ولن يغفر الله لمن يشرك به بعد أن يتضح له طريق التوحيد، ولن يغفر لأولئك الذين يفرقون كلمة الأمة، ويجعلونها شيعا وأحزابا، وينساقون وراء الطائفية السياسية – الذين يرون في كرسي السلطة مهما كان حجمه ما رآه بنو إسرائيل في العجل، إذ قال لهم السامري: ﴿..هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى.. ﴾ (طه:88) ، فالله (تبارك وتعالى) قال: ﴿..وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ* مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الروم:31-32)، وتبرأ منهم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كما تبرأ منهم آله وأصحابه ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ..﴾ (الأنعام:159) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على منع التفرق، وجعله مقرونا بالشرك.

وقوله (تعالى): “شيعا” أي جماعات قد فارق بعضها البعض، ليسوا على تآلف ولا تعاضد ولا تناصر، بل على ضد ذلك. فإن الإسلام واحد، وأمره واحد، وحبل الله واحد، فلا بد أن يكون المسلمون -شيعة وسنة، وعربا وكردا وتركمانا وغيرهم، وأهل مدينة وأهل بادية- يدا واحدة، وقلبا مؤتلفا واحدا. فإن ما حدث في الماضي ما كان ليحدث لولا تفرق كلمة أبناء الشعب، واختلاف قلوبهم.

ولعله قد تبين من دراستنا لحديث الفرق أنه لا أحد يستطيع تحديد الفرقة الناجية غير الله (تبارك وتعالى). على أن النجاة والهلاك في الآخرة والجزاء والعقاب والثواب كل أولئك أمور تتعلق بالفرد من حيث هو فرد ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى*وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى*ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى ﴾ (النجم:39-41) .

ورسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- نادى في آل بيته، ومنهم بضعته الطاهرة فاطمة الزهراء عليها سلام الله وبركاته: (يا فاطمة بنت محمد اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئا) فكيف تغني الطائفة أو الفئة أو الحزب عن المنتمين إليها، أحسنوا أم أساءوا. إنه لا يغني أحد عن أحد. فليس لأهل السنة أن يفاخروا الشيعة والمذاهب الأخرى بحجة أنهم “الفرقة الناجية”. وليس للشيعة أن يفعلوا ذلك بحجة أنهم شيعة آل البيت وأنصارهم. فالمسلمون كلهم في حب آل البيت والانتصار إليهم سواء إلا الهالكين. وليس ذلك للإباضية ولا للزيدية ولا للسلفية، ليس لأحد من هذه المذاهب أن يدعي أن طائفته هي “الفرقة الناجية”.

فالحقيقة كنز مدفون لا يعلم أبعاده -كلها- ولا يحيط بها إلا الله (تبارك وتعالى) والبشر في محاولة مقاربتها والوصول إليها سواء، كلٌّ وجهده وتوفيق الله له. فعلى الجميع أن يتمسكوا ويستعصموا بكتاب الله وحبله المتين لا بمقولات تاريخية أكل الدهر عليها وشرب ولم يبق منها إلا تلك الهياكل التي يبعث بها الحياة دعاة “الطائفية السياسية” عندما يرون لهم في ذلك مصلحة ومنفعة. فينبغي ألا يستخف مثل هؤلاء بين الحين والآخر بأبناء الأمة ليدمروا مقوماتها.

وقد تبين أن الأحزاب اللادينية -بعثية كانت أو شيوعية أو تغريبية- لا علاقة لها بالدين، ولم تكن الأديان في يوم من الأيام نسبا وصهرا، بل هي إرادة واختيار وتبن لرؤية كلية وإيمان ويقين وعبادة ونظام حياة، يتبع الإنسان فيه رسلا مبشرين ومنذرين يوحي الله إليهم بإذنه ما يشاء. فالأديان ليست برامج حزبية ولا أطرا حركية.

وبالتالي فدعوى أي من هذه الأحزاب النطق باسم دين ما أو مذهب ما هي دعوى لا تقبل على عواهنها ولا تؤخذ كما هي لمجرد إظهار احترام بعض رجال تلك الأحزاب لبعض الشعائر التي يتحول احترامها أو التنويه بها إلى رصيد دعائي لذلك الحزب.

إن الأحزاب الإسلامية ذاتها كثيرا ما تغير برامجها بعد الوصول إلى السلطة تحت ضغط عجلة السياسة، وتبدأ بإعطاء التفسيرات والتأويلات لما كانت تنادي به لعله بذلك يصبح منسجما مع ممارساتها السياسية. فكيف بتلك التي بنيت منذ البداية على اعتبار الدين معوقا للتقدم، معرقلا للتنمية، منافيا للمجتمع المدني، مقيدا للحريات؟!.

إنه ما من منصف حتى لو كان ذا انتماء بعثي يستطيع أن يقول: إن السنة في العراق بعثيون، أو إن حزب البعث في العراق حزب سني. فلعلنا قد وفقنا لإبراز ذلك من خلال التحليل الدقيق الذي سبق لنا لمفهوم “السنيين” ومفهوم “البعثيين”. وقد قادنا البحث إلى تناول ذلك الحديث الذي كان له أبلغ الأثر في بناء نفسية التعصب ورفض الآخر وتحقيره والتعالي عليه بحجة وجود فرقة ناجية، وكل الأمة وفصائلها بعد ذلك هالكة!.

ولعلنا نوفق مستقبلا لتناول “الكرد” والقضايا التي أدت إلى سائر المشاكل التي عانوها في ظل الدولة العراقية. وسوف نحاول أن نتبين ما إذا كان لم يزل هناك أمل في رأب الصدع، ولمِّ الشمل، واستنباط دروس الماضي لبناء حاضر جديد، ومستقبل مشرق إن شاء الله، أو أن ذلك سيكون جزءا من التاريخ.

اللهم إن هذه الأمة قد عانت الكثير فهيئ لها أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. إنك سميع مجيب.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. * د. طه جابر العلواني: مفكر من مواليد العراق، رئيس المجلس الفقهي في أميركا الشمالية، ورئيس جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية في فيرجينيا.

المصدر: إسلام أون لاين نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *